أديب الدايخ

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

أديب الدايخ الذي ولد في رحاب المدينة العريقة حلب عام 1938 وأمضى معظم حياته في نشر التراث العربي في العديد من البلدان العربية والأجنبية ونال عدة أوسمة وألقاب منها " مطرب الملوك_ زرياب _ مطرب العاشقين_ سفير الطرب"

جعل من حنجرته أرجوحة للصوت تتمايلان معاً مخلقين تناغماً وسحراً يصب في النفس ويستأثر القلوب دون وعي، هو والطرب توأمان ولدا معاً إلا أن اكتشاف احدهما للآخر دام حوالي عشرة سنوات عندما بدأ " أديب الدايخ " حياته الفنية باللون الصوفي الذي اقتبسه من والده القارئ الشيخ محمد الدايخ الذي كان مقرئاً ومرجعاً للقراء في مدينة حلب والذي بدوره علّمه أصول الكلام والحفظ والقراءات السبع للقرآن الكريم بالإضافة إلى المراتب والتلاوة وذلك وفقاً لتقاليد حلب ومصر وقت ذاك.

ويبدو أنّ والده قد أدرك ما لدى ابنه من قوة في الصوت وإحساس راق بالكلمة فوجهه نحو مجموعة من القصائد من العصور العربية والتي شعر أنها تناسب مهاراته الدفينة في أداء القصائد والغناء الصوفي فهو متمرس في التلاوة والإنشاد والطرب. يقول أديب الدايخ عن تلك المرحلة: "منذ الطفولة وأنا متعمق في القصائد الصوفية والغزلية وقد دعيت إلى إحياء حفلات القرآن على الرغم من صغر سني وضعف بنيتي آنذاك، فقد كانوا يضعون تحتي وسادتين حتى أبرز فوق المنصة وقد تمكنت من إبراز موهبتي إلى درجة اعتباري أعجوبة مدينة حلب"

تزوج أديب الدايخ في مرحلة عمرية مبكّرة نزولاً عند رغبة والده، ويقول في إحدى مقابلاته عن ذلك: "تزوجت وأنا عمري 18 سنة وكانت تلك رغبة أبي رحمه الله في أن يزوجني باكراً ويطمئن على حياتي قبل أن يذهب...لذلك لا تكاد تفرق بيني وبين أبنائي للفارق العمري الضئيل الذي يفصلنا"

بصوته المطلق لم يكن بحاجة حتّى إلى الموسيقى وجعله ذلك يتمرد على النمط الصوفي الذي كان ينشده بناء على رغبة والده الذي كان يتوجس من دخوله في سلك الفن خوفاً عليه من الانزلاق في متاهات أخرى لذلك نجده بعد وفاة والده وهو في عمر الثامنة عشرة يميل نحو ما عشقته روحه وتملكته فعاد إلى الزمن والتاريخ وأخذ منه الشيء الكثير من القصائد والأشعار إلى درجة أنه حفظ حوالي عشرة آلاف بيت من الشعر مبتدأ بتجميعها وهو في سن الخامسة عشرة وقد ضم هذه القصائد في مجموعة خاصة به سماها " الكنز الكبير" حيث ضمّت آلاف الشعراء من العصر الجاهلي والأموي والعباسي وحتّى العصر الحاضر. هذا المنشد صاحب الموهبة الفذّة استطاع وبكل جدارة إبراز نفسه من خلال موهبته وصوته الذي فرض نفسه على الساحة الفنية وجعلته من أبرز شيوخ الطرب في المنطقة العربية وهذا ما نلاحظه بشكل جلي من خلال ردّات فعل الجمهور الذي كان يطلب منه إعادة قصائده مرّة تلو مرّة لأنه بالفعل كان في النمط الذي اختاره " راهب العشاق" كما سماه جمهوره ولعلّ الذي جعله في هذه المنزلة طريقة اختياره لقصائده وإحساسه بالكلمة إلى درجة أن السامع له يشعر بذوبانه في الكلمة إلى حد الإفراط لأنه لم يكن يلقي الكلمة لمجرّد الإلقاء والتفنن بها بشكل مقولب جامد بل كان يشعر بكل أبعادها فتخرج من كيانه وروحه بأصالة وهدوء وجمال، فما يخرج من القلب لا يقع إلا في القلب. حتى يمكن القول أن صوته قد أعطى للعود الذي يرافقه قيمته وعذوبته فقد كان في كثير من الأحيان يتخلى عن الآلة لينفرد بصوته على المسرح فيدهش الجمهور بالصوت والكلمة، فمن يسمع أديب الدايخ يشعر بالفعل أنّ الشعر ديواننا والكلمة حضارتنا، وهذا النمط الذي أختاره كان له الدور الكبير في شهرته في الوطن العربي وإقامته للعديد من الحفلات في الأردن والمغرب والسعودية وتونس بالإضافة إلى بعض دول العالم مثل هولندا والسويد وإسبانيا وفرنسا التي لقي فيها كل الإعجاب عبر أدائه مع الفنان الفرنسي الشهير " جوليان وايز"، وقد كان الدايخ يشجع كل صوت جديد ويؤيد تجديد وتحديث الفن ولكن مع الحفاظ على أركانه وأسسه، فالتطوير برأيه يكون بالأداء الجيد والكلمة ذات المعنى والصوت الجميل كما كان يعتبر الفيديو كليب أسلوباً لرفع مستوى الأغنية عندما تفقد أسس التعبير فالأغنية الجيدة والمتكاملة برأيه لا تحتاج إلى فيديو كليب. ومما غنّى:

ولا تحسبوا كل من شرب الهوى عرف الهوى ولا كل من شرب المدام نديم

ولا كل من طلب السعادة نالها ولا كل من قرأ الكتاب فهيم

وغنّى أيضاً : قالوا تسلى عن المحبوب قلت بمنّ كيف التسلي وفي الأحشاء نيرانِ

إن التسلي حرام في مذهبنا فكيف أرضي بكفر بعد إيمانِ

فشارب الخمر يصحو بعد سكرته وشارب الحب طول العمر سكرانِ

قال ابنه مهند اديب الدايخ الذي تحدث عن والده قائلا :

برز الفنان أديب الدايخ في غناء القصيدة ذات المعاني السامية وتعلّق بنغمة الحجاز، ويقال عنه أنه يمتلك مساحة صوتية تغطي ثلاث أوكتافات، وكان من الذين يستطيعون الانتقال من النغمة المرتفعة الحادة إلى المنخفضة وهذا نادر من نوعه كما عرف عنه انتقاله من مقام إلى آخر ببراعة فائقة. وكانت آخر حفلة له في معرض دمشق الدولي حيث وافته المنية بعدها عن عمر يناهز الثلاثة والستين، فقد توفي إثر جلطة دماغية عام 2001 وهو من مواليد 1938.

وقد تأثر بوالده كثيراً حيث كان والده شيخاً يعلمه القرآن وفنون التجويد وعندما رأى ولده أديب الدايخ يغني عارض ذلك ولكن عندما عرف المعاني السامية والجميلة التي تحملها هذه القصائد فأجاز له ذلك وظل متعلقاً بغناء القصائد الصوفية ذات المعاني الغزلية السامية. وكان يتعامل مع الآخرين بكل بساطة لأنه نشأ في بيئة فقيرة وظلت هذه البساطة ترافقه على مدى مسيرته الفنية، كما كان مشجعاً لابنه الأكبر ضياء الدايخ ليتابع لونه في الغناء وبالفعل استطاع ضياء أن يتابع مسيرة والده من خلال دعم والده له في غناء القصيدة الصوفية. وقد قال الفنان ضياء أديب الدايخ الذي بالفعل أكمل مسيرة والده الفنية وقدم الكثير من الحفلات في سوريا وتونس وعدد من الدول الأخرى، فتحدث عن العلاقة التي كانت تربطه بوالده ومدى تشجيعه له على متابعة عمله الفني قائلاً :

الوالد كان يغني القصيدة الغزلية العفيفة ذات المعنى الجميل والتي من الممكن أن تسمعها جميع الطبقات من أناس عاديين أو محترفين أو علماء دين، وصراحة كان يحب صوتي جداً وقد شجعني كثيراً في متابعة هذا النمط من الغناء وبالفعل فقد سرت على نفس الطريق الذي سار فيه، وكان صوتاً نادراً وقد اعترف بهذه الخامة كبار الفنانين والموسيقيين، وأتمنى من كل من يحب الفن وأديب الدايخ أن يحافظ على هذا النمط الراقي من الفن.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي صدح صوت أديب الدايخ من إذاعة مونت كارلو فأثار اهتماماً واسعاً في الوسط الفني اللبناني وصار هاجس الفنانين اللبنانيين معرفة صاحب هذا الصوت المتفرد وانطلقت المجلات الفنية تكتب عن صاحب الصوت دون أن تعرفه أو حتى تعرف اسمه فنشرت مجلة (الشبكة) تحليلاً موسعاً عن صوت جاء من مدرسة زرياب يحمل عبق الصحراء وعذوبة التاريخ وتساءل جورج جرداق صاحب التحليل عن اسم صاحب هذا الصوت وأين هو ؟

كما كتب الموسيقار الكبير الدكتور وليد غلمية في جريدة السفير متسائلاً من هو صاحب هذا الصوت الذي صار صوته يصدح في كل محلات بيع التسجيلات في بيروت وتحول إلى ظاهرة فيها وبعد فترة كتب وليد غلمية بأن صاحب الصوت رجل اسمه أديب الدايخ من مدينة حلب.

وفعلاً كان أديب الدايخ كما وصفه جرداق: صوت قادم من عمق الصحراء العربية يستحضر قوة أداء زرياب والفارابي وكل أساطين الغناء في التاريخ العربي ولذلك كانت مهارته تتبدى عندما كان ينشد منفرداً أي بدون مصاحبة آلات موسيقية وقد أذهل المغاربة عندما أحيا حفلات في المغرب العربي.

ورحل أديب الدايخ وترك خلفه العشاق المعذبين المتشوقين لسماع نغمة صوته الحزين...

أديب الدايخ يعود لقب "الدايخ"..إلى أحد أجداده الذي كان معروفاً بحالاته الروحانية التي تنتابه من وقت لآخر فيغدو كالثمل نشوة ويبدو كمن فقد كل صلة بالعالم الخارجي.. والذي لم يحظى بحب أو إعجاب المستمع الشرقي في بلاد الشام والمغرب حينها


..سافر بعض الوقت إلى الغرب..مما دفع بعض المعجبين بصوته ومواويله إلى نسخ مالديهم من نوادر تسجيلاته وتداولها بكل عناية ودقة والحفاظ عليها ككنز لامثيل له...وانتشرت أشرطة التسجيل النادرة جداً في دائرة ضيقة من الوسط الفني والذي تعتبر أديب الدايخ قدوتها في المواويل والموشحات الصوفية ومن هنا تبعه العديد من المطربين العرب وقلّدوه في هذا النوع من الطرب يُعتبر أديب الدايخ عند المولّعين بالموسيقى وعند المهتمين بالعالم العربي فنياً..كصرح موسيقي مطلق بحد ذاته.. من حيث الطاقة الصوتية من ناحية ومن حيث معرفته العميقة لعلم وفنّ المقامات..وتفننه بالارتجال المتناسق من مقام لآخر.. وتمكّنه العميق من الفهرس العلمي للمقامات يُعتقد على الأرجح أنه المغني الوحيد في العصر الحديث الذي يمتلك ليونة صوتية وخامة نقية وعالية تذكرنا بشيئ من الحنين إلى مطربي العرب القدامى والذين يرجعون لبداية القرن العشرين إن خامة صوته المرتفعة العالية الصبويّة كزغزغة العصافير الصغيرة.. تشبّه بصوت الكروان...والتي تنطبق على الأصوات الرجالية كما تنطبق على الأصوات النسائية..وهذا مايمكنه بالانتقال وبكل سهولة من العالي الحاد إلى المنخفض الخشن..إن قدراته الصوتية تغطي ثلاثة أوكتاف.


Flag of Syria.svg هذه بذرة مقالة عن حياة شخصية سورية تحتاج للنمو والتحسين، فساهم في إثرائها بالمشاركة في تحريرها.