أنهار الجوف

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

للماء دورتان: سطحية وجوفية. فأما الدورة السطحية للماء، فهي معروفة. إذ تقوم الشمس بتبخير مياه المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار، فيترك البخار وراءه الملوحة والأدران، صاعداً في طبقات الجو العليا، ليكون السحب، حيث تسوقها الرياح؛ فإذا واتت ظروف ملائمة من برودة وخلخلة وارتفاع وعوالق ورطوبة وتضاريس، صبت هذه السحب ما بها من ماء طاهر مبارك، أمطارا على سطح الأرض مرة أخرى؛ ثم إن هذه الأمطار تجري من عالي الأرض إلى منخفضها شاقة الأودية والأنهار السطحية ورافدة البحيرات والمخزون الجوفي للآبار والينابيع، حتى تنتهي إلى البحار والمحيطات مرة أخرى. وتشكل ثلوج المناطق الباردة وأعالي الجبال مخزونا سطحيا يرفد هذه الدورة عندما تذوب هذه الثلوج صيفا. هذا عن الدورة السطحية المعروفة. أما الدورة الجوفية للماء، فإنها مجهولة لدى معظم الناس لأنها تقع بالكامل في جوف الأرض وتحت سطحها المرئي للناس. إنها، كما السطحية، تقوم على ثلاثة عناصر: وجود الماء والحرارة والبرودة. أما الماء فمن البحر، إذ أن ضغط مياه البحار والمحيطات كما هو معروف في معادلة "دارسي" يقوم بتسريبها، عبر مسامات اليابسة الملاصقة، لدرجة إشباع التربة بالماء على أعماق تتناسب مع بعدها عن البحر. فلو حفرنا موقعا ما قرب ساحل البحر لوجدنا تشبع التربة بالماء في عمق قرب السطح، بينما لو حفرنا موقعا بعيدا عن الساحل، لظهر لنا تشبع التربة بالماء في أعماق أبعد غورا عن سطحها، بمعنى أنه كلما بعد الموقع عن الساحل كلما زاد عمق الحفر اللازم للوصول لسطح الماء، والعكس بالعكس، أي أنه كلما قرب الموقع من الساحل كلما قل عمق الحفر اللازم للوصول لسطح الماء. إن هذه الظاهرة تسمى "الجدول المائي". وأما الحرارة، فمن جوف الأرض الحار الملتهب، الذي يرفع درجة حرارة قشرتها بحوالي ثلاث درجات مئوية كل مائة متر من العمق تحت السطح، بمعنى أننا نصل درجة غليان الماء عند عمق ثلاثة آلاف متر تحت سطح الأرض أو أكثر.

Add caption here

يصعد البخار تاركاً وراءه أدران الملوحة، إلى أعلى نحو سطح الأرض من بين مسامات التربة، ويوزع من حرارته على حبيبات التربة، لتصبح تلك الحبيبات على فارق حراري ديناميكي بين أعلاها وأسفلها، يختلف ليلاً ونهاراً، كما يختلف صيفاً وشتاءا، مما يتسبب في فتِّها مع الزمن. ومع انبعاث هذا التيار البخاري المتصل المستمر المتدفق بلا نضب، والذي تعتمد شدته على الظروف الحرارية ونوع التربة وتدفق دارسي، ينشأ هناك في الأعماق تيار مائي ليحل محله يخضع في سريانه من البحر عبر مسام التربة لقانون "دارسي"، وهو مسوق أصلا بضغط أعماق البحر، لتصبح الحال كما يلي: ماء البحر مسوق بضغط الأعماق يتسبب عند عمق ثلاثة آلاف متر فأكثر بسريان تيار مائي بحسب "دارسي"، هذا التيار يتحول بفرط حرارة أعماق الأرض على سطح الجدول المائي أعمق من ثلاثة آلاف متر لتيار بخاري متدفق يتصاعد عبر مسام التربة للأعلى. إن هذا التيار البخاري المتدفق، ينقسم أمره إلى خمسة أقسام:

القسم الأول: يُجْري نهراً عذبا فراتا: وهذا يحصل حين يصادف التيار البخاري المتدفق الصاعد عبر مسام التربة إلى السطح، عبر مسارات مستقيمة أو ملتوية، يصادف فوقه رواسي شامخات، ترتفع لأكثر من ألفين من الأمتار، فيتكثف قبل وصوله سطح الأرض على تربتها الباردة، إلى الحالة السائلة، ليصب مطرا مدرارا جوفيا، عذبا فراتا، يشق طريقه للبحر، محدثا قنوات مائية جوفية، وأنهارا جوفية (تسمى أيضا أنهار الرواسي)، ومغاراتٍ جوفية، ومستودعات مائية جوفية، وكهوفاً جوفية في باطن الأرض، ويرفد المخزون الجوفي للماء العذب، حتى إذا وصل البحر انتهى بمصب تحت سطح البحر، عند حافة اليابسة، وهكذا تكتمل الدورة الجوفية للماء.

يقوم بعض الأنهار الجوفية، في حال غزارته واندفاعه عند مصبه، بالطفو مرتفعا إلى سطح البحر بعيدا عن الساحل، نظرا لاندفاعه وخفته، مكونا بحيرة عذبة طافية، تتغير مساحتها، بحسب الاتزان بين ما يرد إليها من ذلك المصب وبين ما يتبخر منها.

إن بعض الأنهار الجوفية العذبة الخفية، ربما مكنتها بعض تضاريس الأرض من التفجر إلى السطح والجريان فوق الأرض، فتصبح ظاهرة للعيان، شاقة الأودية، ورافدة للأنهار والبحيرات السطحية، ومتداخلة بذلك في الدورة السطحية.

Add caption here

وبعض الأنهار الجوفية العذبة الخفية، ربما خرجت إلى سطح الأرض، وسارت فوق السطح لمسافة ثم غارت ثانية وصبت خفاءا في البحر، كما هو الحال في الصورة المرفقة وفيها أشجار على نجل الشاقة اليمانية وهو نهر جوفي عذب خرج إلى سطح الأرض عند: (20.11115°شمالا، 40.91944°شرقا) ثم سار 30 كيلا ثم غار عند: (19.90283°شمالا، 40.72438°شرقا) صانعا بحيرة عذبة على بعد 15 كيلا عن غطاء أخضر على ساحل البحر الأحمر غرب المملكة العربية السعودية والتقطت الصورة عام: 1421هـ

Add caption here


وبعض الأنهار الجوفية العذبة الخفية، ربما خرجت إلى سطح الأرض، وسارت فوق السطح حتى روت الحقول بكل مائها، كما هو الحال في الصورة المرفقة لنبع ذي عين الذي يقذف مترا مكعبا واحدا من الماء العذب كل دقيقة من جوف مغارة جبلية تعلو 750 مترا فوق سطح البحر عند: (19.92950°شمالا، 41.44301°شرقا) ولا ينضب بالقحط حسب إفادة السكان ثم ينساب جدولا عذبا ساقيا الحقول بقرية ذي عين أسفل عقبة الباحة غرب المملكة العربية السعودية والتقطت الصورة عام: 1421هـ

Add caption here


على كل حال، يفتضح خفاء النهر الجوفي على الساحل، عند مصبه، حيث يقوم بإنقاص الملوحة في منطقة المصب بدرجة تسمح لغطاء أخضر من النباتات البرية بالنمو، كما في الصورة المرفقة وفيها أشجار النخيل والدوم والشورة على ساحل البحر الأحمر بالقحمة غرب المملكة العربية السعودية، عند: (18.00452°شمالا، 41.67517°شرقا).



Add caption here



وكما في الصورة المرفقة وفيها الأشجار على ساحل البحر الأحمر بأُملج غرب المملكة العربية السعودية، عند: (25.08172°شمالا، 37.25857°شرقا).




القسم الثاني: يَحْملُ دفئاً: وهذا يمر بالطبقات الجبلية الباردة، ولكنها لا تسوقه بعيداً عن موطن تبخره، فيراوح مكانه صاعداً هابطاً متبخراً متكثفاً، وكأن مهمته تفتيت التربة الجوفية وتهبيط الجبل وتوزيع الطاقة الحرارية المبثوثة في الجوف في الطبقات الأرضية التي يمر بها.

القسم الثالث: يَضْغَطُ جَيْباً: وهذا يمر بطبقات صماء غير نافذة ولا باردة، فيحتبس بها مكونا جيبا بخاريا مضغوطا بما يكفي لمنع مزيدٍ من التبخر على سطح الجدول المائي، هذا الجيب ينفجر بحفر هذه التراكيب في بعض نقاطها، أو عند انفراجها، لدى وقوع الزلازل والتحركات الأرضية المصدعة لها.

القسم الرابع: يَسْقي سراً: وهذا يصادف سطحاً منخفضاً غير مسامي للأرض، كالتربة الطينية، فيصطدم بها فتكثفه برودتها النسبية إلى ماء، يسقي نباتها سراً، فلا يشعر به أحد. إن هذا القسم يمكن استغلاله لإنماء الزراعة ومنع زحف الصحاري، باستنبات نباتات غزيرة الجذور فيها، ومساعدتها مؤقتا بالري، لتجاوز علاقة حرجة بين مساحة تجذر النباتات وبين حاجتها من الماء، بحيث تتمكن النباتات بعدها من اصطياد البخار الجوفي الصاعد لأخذ كفايتها من الماء والاستغناء عن الري.

Add caption here


في الصورة على الجانب، منظر لحصير عاكس، مصنوع من البلاستيك، بعد خمسة أشهر، من وضعه على أرض قاحلة، لقد اصطاد هذا الحصير، بخار الماء الصاعد من مسام التربة، وكثفه، فتهيأت ظروف صالحة، للبذور الكامنة في الأرض، من ماء وهواء وشمس وتراب، فنمت لتغطي عشر المساحة.


القسم الخامس: يَلْقَحُ سُحُباً: وهذا يصادف سطح الأرض منخفضاً مسامياً غير بارد، فينفذ منه للجو وهو على حالته الغازية، فيرفد الدورة السطحية، لاقحاً سحب السماء بنظائر نادرة من الهيدروجين والأكسجين، ذات ثقل وإشعاع، تجعل تلكم السحب أشد سواداً وأكثر صعقا، ويتفاعل أثناء سيره من باطن الأرض إلى سطحها، حرارياً وفيزيائياً وكيميائياً وميكانيكياً، مع مكونات التربة التي يمر بها، فيفتها مكونا رمال الصحراء. وتخضع رمال الصحراء على المدى البعيد، لقوانين الموائع، فتصبح الحبيبات الثقيلة مع مر الدهور في الأسفل والخفيفة في الأعلى. فهل هناك أوفر من رمال الصحراء لحيازة المعادن الثقيلة، التي يمكن استخراجها بأرخص وسائل الحفر.

وقد قيل الشعر في هذه الأنهار الجوفية ودورتها الخفية، ومما قيل الأبيات التالية:

عِبَادَ اللّــــهِ بُشْرَايَ إِلَيْكُمْ

بِمَاءٍ لَيْسَ مَصْـدَرُهُ السَّــمَاءَا

مِنَ الْبَحْرِ الأُجَاجِ سَرَى بِبَـرٍّ

يُذِيبُ بِحَرِّ بَاطِنِــهِ الإِنَــاءَا

فَفَارَ لِتَوِّهِ عَذْبـاً بُخَـــاراً

يَطِيرُ تَتَابُعاً يَبْغِــي الْعَــلاءَا

فَلَمَّا أَنْ تَصَــاعَدَ فِيْ رَوَاسٍ

عَــوَالٍ أَبْرَدَتْهُ فَصَارَ مَـــاءَا

فَسَالَ الْقَطْرُ مُنْهَمِراً غَزِيْـراً

وَأَجْرَى الْسَّيْلَ هَدَّاراً خَفَـــاءَا

وأَخْرَجَ لُبَّ أَكْبَـادِ الْرَوَاسِي

فَأَفْرَغَ جَوْفَهَا هَـارٍ هَـــوَاءَا

وَزَادَ الْمَاءُ حَتَّـى مَاجَ بَحْراً

بِبَطْنِ الصَّخْرِ ظَاهِرَهُ جَــفَاءَا

فَفَجَّرَ بَعْضَهُ وَانْسَــابَ مِنْهُ

عَلَى الْغَبْرَاءِ يُعْجِبُ من تَـرَآءَا

وَإِلا فَالْتَوَى تَحْتَ البَـرَارِي

وَصَبَّ الْبَحْرُ فِي الْبَحْـرِ خَفَاءَا

بِسَـيْلٍ مِنَ جِبَالِ دُوْنَ قَطْرٍ

أَوَانَ الْقَيْـظِ وَالْقَحْـطِ رَخَـاءَا

وَإِذْ رُمْتُمْ مُصَــادَقَةً عَلَيْكُمْ

بِنَجْلِ الشَّــاقَةِ الْيُمْنَى سَـخَاءَا

وَمَجْرَى زَمْزَمٍ قَدْ سَارَ حَتَّى

أَتَى بِصَــرُومِ دَوَّاماً خَفَــاءَا

وَخَــطٍ مِنْ يَنَـابِيعَ عِذَابٍ

بِسَــاحِلِ قَحْمَةٍ فِي الْجَزْرِ مَاءَا

وَقَرْيَـةِ ذَاتِ عَيْنٍ مِنْ عَسِيرٍ

تَفِيـضُ بِأَهْلِهَــا عَذْبـاً رَوَاءَا

وَأَغْـوِرَةٍ وَأَدْخِلَــةٍ وَكُهْفٍ

وَجَــوْفٍ فِي الْجِبَالِ بِهِ خَوَاءَا

يَلــُوذُ بِهِ الأَنَامُ الدَّهْرَ طُرّاً

إِذَا مَــا احْمَرَّتِ الْحَرْبُ دِمَاءَا

وَأَبْخِرَةٍ تَصَاعَدُ مِنْ صَـحَارٍ

تُفَتِّتُ أَرْضَـهَا رَمْــلاً هَبَـاءَا

تُصَادُ بِحَاصِرٍ فَتَصِيرُ مَـاءاً

فَتَخْضَـــرُّ الرِّمَالُ بِهِ بَهَـاءَا

المصادر:

[1] سلمان محمد القاسمي، 1418هـ/1998م، "أمطار وأنهار جوف الأرض وطرق كشفها"، مجلة "المهندس"، بالعربية، عدد رمضان، صفحة 57، الرياض.

[2] سلمان محمد القاسمي، 1423هـ/2002م، "إثباتُ وجودِ تيارٍ بخاريّ منبعثٍ من الأرض واستثمارُه بحصيرٍ عاكسٍ لإنباتِ الصحراء"، مجلة المؤتمر الهندسي السعودي السادس بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بالعربية، المجلد الثالث، صفحة 105-119، الظهران.

[3] سلمان محمد عبدالغني القاسمي، 1424هـ/2003م، "كيف تنشأ الرمال وكيف يمكن وقف زحفها بتخضيرها"، وقائع ندوة "ظاهرة زحف الرمال على السكك الحديدية وطرق معالجتها"، المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السعودية، الدمام.

[4] روبنسن، 1402هـ/1982م، "أساسيات الجيولوجيا الفيزيائية"، دار وايلي للنشر، بالإنجليزية، الطبعة الأولى، صفحة 268، نيويورك. [5] عبدالرزاق حميد المحمَّدي، 1422هـ/2001م، "دحول الحناكية الفردوس المفقود"، تقرير صحفي في جريدة المدينة، بالعربية، عدد 26 صفر، المدينة المنورة.