إمارة كريت

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
إمارة كريت (إمارة إقريطش)
مُستقلة بحكم الأمر الواقع، لكنها تتبع الدولة العباسية

824/827م – 961م
العاصمة ربض الخندق
اللغة العربية، اليونانية
الدين الإسلام (سُنّة)
الحكومة مُستقلة بحكم الأمر الواقع، لكنها تتبع الدولة العباسية
الأمير
أبو حفص البلوطي  - 824/827 - 855 تقريباً
عبد العزيز بن شعيب  - 949 - 961
أحداث تاريخية
 - وصول الأندلسيين المنفيين إلى الجزيرة 824/827م
 - الغزو البيزنطي للجزيرة 961م

إمارة كريت هي دولة إسلامية أُقيمت في جزيرة كريت في البحر الأبيض المتوسط منذ أواخر العقد الثاني من القرن التاسع الميلادي حتى سقوطها بأيدي البيزنطيين عام 961. ورغمَ اعتراف الإمارة بسيادة الدولة العباسية عليها وحفاظها على علاقات وثيقة مع مصر الطولونية إلا أنها كانت مُستقلةً بحكم الأمر الواقع.

غزا مجموعةٌ من الأندلسيين المنفيين جزيرة كريت عام 824 أو 827/828 ميلادية (212 هـ)، وأقاموا لهم دولةً مستقلةً على الفور. حاولت الإمبراطورية البيزنطية مراراً استعادة الجزيرة لكن محاولاتها باءت بالفشل الذريع، وظلّت الإمارة (سمّاها العرب إقريطش أو أقريطش)[1] على مدار حوالي 135 سنة من وجودها أحد خصوم البيزنطيين الرئيسيين. تحكمت إقريطش بالممرات المائية في شرق البحر المتوسط وشكّلت قاعدةً مُتقدمةً وملاذاً آمناً للأساطيل الإسلامية التي اجتاحت شواطئ بحر إيجه البيزنطية.[2] لا يُعرف الكثير عن تاريخ الإمارة الداخلي، لكنّه من الواضح أنها عاشت حقبة مزدهرةً ناجمة عن الإغارة على البيزنطيين، والتجارة، والزراعة.[3][4] سقطت الإمارة على يد نقفور الثاني الذي شنّ عليها حملةً ضخمةً عام 960 - 961 (350 هـ)، ولم يعد المسلمون إلى الجزيرة حتى سقطت في أيدي الدولة العثمانية عام 1669 (1080 هـ).[1][5]

التاريخ[عدل]

محاولات المسلمين السابقة[عدل]

كانت كريت هدفاً للمسلمين منذ بداية الفتوحات الإسلامية في منتصف القرن السابع الميلادي (القرن الأول الهجري). أولى الغارات التي تعرضت لها الجزيرة كانت عام 654 (33 هـ) في عهد الخليفة عثمان بن عفان، ثم مرة أخرى عام 674/675م الموافق لعام 55 للهجرة إبان خلافة معاوية بن أبي سفيان ونجح المسلمون في السيطرة على أجزاء منها بقيادة جنادة بن أبي أمية.[6][7] كما احتُلت أجزاءٌ من الجزيرة مؤقتاً في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.[8] تبع ذلك محاولة أخرى زمن هارون الرشيد بقيادة حميد بن معيوف الهمداني،[6][1] لكنّ المسلمين لم يتمكنوا طوال القرن الثامن من أن يسيطروا تماماً على الجزيرة التي بقيت رغم الهجمات الإسلامية في إيدي البيزنطيين.[9] ويرجع فشل المسلمين في تحقيق هدفهم إلى موقع كريت البعيد جداً عن القواعد البحرية الإسلامية في بلاد الشام.[10]

السيطرة على كريت[عدل]

بدأ الغزو الإسلامي لجزيرة كريت بوصول مجموعة من الأندلسيين المنفيين إليها خلال النصف الثاني من عهد الإمبراطور البيزنطي مايكل الثاني (حكم من 820 إلى 829).[11] كان هؤلاء الأندلسيون الناجين من قمع الأمير الحكم بن هشام بعد فشل محاولة تمرد ضده عام 818 (202 هـ) عُرفت باسم وقعة الربض.[12][13][14] نُفي أهل ربض شقندة الواقعة في جنوب قرطبة بعد كفّ الحكم عنهم، فاستقر بعضهم في مدينة فاس بالمغرب، بينما توجّه آخرون بقيادة عمر بن حفص بن شعيب بن عيسى البلوطي المعروف باسم أبي حفص إلى الإسكندرية وسيطروا عليها حتى عام 827، عندما حاصرهم والي مصر عبد الله بن طاهر وطردهم من المدينة.[15][16][17][18][19] زمنُ وصول المسلمين إلى كريت مُختلفٌ فيه، ففي حين تذكر المصادر الإسلامية أنه كان كان عام 827 أو 828 (212 هـ) بعد طرد الأندلسيين من الإسكندرية،[20] إلا أنّ المصادر البيزنطية تتعارض مع ذلك، حيث تذكر هذه المصادر أنّ وصول الأندلسيين للجزيرة كان بُعيْد قمع ثورة توماس الصقلبي عام 823.

أسطول العرب يُبحر نحو جزيرة كريت. منمنمة من مخطوطة مدريد سكيلتزس.

غادر الأندلسيون بصحبة عائلاتهم الإسكندرية بوساطة 40 سفينة بموجب شروط الاتفاق مع ابن طاهر، وكان ذلك زمن خلافة المأمون. يُقدّر المؤرخ وارن تريدغولد عددهم بحوالي 12,000 شخص، منهم 3,000 سيكونون مقاتلين،[21] في حين تُقدرهم مصادر أخرى بحوالي 15,000 شخص.[22] وفقاً للمؤرخين البيزنطيين، كان الأندلسيون على دراية بكريت، كَونهم قد أغاروا عليها في السابق. كما يزعمون أنّ المسلمين كانوا قد خططوا مُسبقاً للإغارة على الجزيرة عند وصولهم إليها، وبدؤوا فعلياً بمحاولاتهم عندما أضرم أبو حفص النيران في سفنهم. لكن بالنظر إلى حقيقة إحضارهم لأسرهم معهم، يتضح عدم صدق هذه الرواية على الأغلب.[20] المكان الذي رسا به الأندلسيون غير معروف. بعض المؤرخين يعتقدون أنه كان في الساحل الشمالي في خليج سودا أو بالقرب من المكان الذي بُنيت عليه عاصمتهم ربض الخندق في وقت لاحق.[20][23] لكنّ هناك مؤرخون آخرون يعتقدون أنّ سفنهم رست على الساحل الجنوبي للجزيرة ثم انتقلوا إلى المناطق الداخلية وإلى الساحل الشمالي.[24][25] تذكر المصادر الإسلامية أنّ الأندلسيين لم يجدوا أيّ مقاومة تُذكر من سكان الجزيرة، وتُرجع ذلك إلى الكُره الذي كنّه سكان كريت للبيزنطيين بسبب سوء سيرة عمّالهم وظلمهم، وبسبب الظلم الضريبي والإداري، ولما اشتُهروا به من الهرطقة المُتعلقة باللاأيقونية.[26]

أرسل الإمبراطور مايكل الثاني البعثات المُتعاقبة حالما علم بمجيء العرب مُحاولاً استرداد الجزيرة قبل أن يسيطروا عليها بشكل كامل.[27] أعاقت الخسائر التي تكبّدها البيزنطيون أثناء ثورة توماس الصقلبي من قدرتهم على الرد، وإن كان وصول المسلمين عام 827/828 فإنّ هجوم الأغالبة على جزيرة صقلية دفع البيزنطيين إلى تحويل سفنهم ورجالهم صَوبها ممّا سهل من سيطرة الأندلسيين على كريت.[28] أُرسلت أولى الحملات لاسترداد الجزيرة بعد بضعة شهور من وقوعها بأيدي المسلمين بقيادة قائد ثغر الناطليق فوتينوس والكونت داميان، وكانت نتيجتها هزيمة القوات البيزنطية في معركة مفتوحة وقتل الكونت داميان وهروب فوتينوس.[1][29][30][11][27][31] أُرسلت بعد ذلك حملة أخرى بعد الأولى بعام مكونة من 70 سفينة بقيادة قائد الثغر البحري كراتيروس. حققت هذه الحملة نجاحات في البداية واستطاعت النزول إلى البر بعد قتال عنيف، لكن البيزنطيين أفرطوا في الثقة بأنفسهم وتعرضوا للهجوم ليلاً على حين غرّة وقُتل منهم نفر كثير. تمكن كراتيروس من الفرار إلى كوس، لكنّ المسلمين قبضوا عليه وقتلوه، ويُقال أنهم صلبوه.[32][33] ويعتقد المؤرخ ماكريبولياس أنّ هذه الحملات وقعت قبل انتهاء الأندلسيين من بناء عاصمتهم.[34]

"قرصنة" الإمارة والحملات البيزنطية[عدل]

خريطة بحر إيجة, وتظهر أقريطش (كريت) في الأسفل.

صدّ أبو حفص الهجمات البيزنطية وتمكّن من توحيد الجزيرة كلها تحت سيطرته.[33] أقرّ أبو حفص بخلافة العباسيين، لكنّه حكم إمارته بشكل مُستقل فعلياً.[20] كان الاستيلاء على الجزيرة حدثاً ذا أهمية كبيرة حيث غيّر من موازين القوة البحرية في شرق المتوسط وفتح الباب أمام الغارات المُتكررة والمُدمرة في بحر إيجة.[35]

استطاعت الإمارة الوليدة احتلال أجزاء من كيكلادس أيضاً خلال سنواتها الأولى، ممّا دفع الإمبراطور مايكل الثاني إلى تنظيم حملة ضخمة أخرى، وتجنيد جيش بحري جديد بأكمله، وبناء سفن جديدة. سلّم الإمبراطور قيادة الأسطول إلى الأميرال أوريفاس الذي تمكّن من طرد المسلمين من جزر بحر إيجة لكنّه فشل في استعادة كريت.[36][37] أرسل الإمبراطور الجديد ثيوفيلوس خليفة مايكل الثاني سفارةً مودة بالهدايا إلى عبد الرحمن الأوسط حاكم الأندلس مُقترحاً القيام بعملية مُشتركة ضد الأندلسيين المنفيين، فقبلها عبد الرحمن، وردّ عبد الرحمن السفارة بأن بعث سفيره يحيى الغزال بالهدايا إلى القسطنطينية للإمبراطور،[38] ورغمَ منح عبد الرحمن البيزنطيين موافقته على أي إجراء يتخذونه بحقّ كريت إلّا أنّ البيزنطيين لم يستفيدوا شيئاً.[20][39] توالت الخسائر البيزنطية بعد تدمير المسلمين الأسطول الإمبراطوري بشكل كامل تقريباً قبالةَ ثاسوس في أكتوبر 829 (214 هـ) مُفسدين بذلك خطط أوريفاس ومُعرضين سواحل بحر إيجة من جديد لخطر السلب والنهب.[40][41][42] هاجم أهل أقريطش لاحقاً وابية (835 - 840 تقريباً)، ولسبوس (837).

اتُخذت تدابير جديدة لمواجهة الخطر الأقريطيشي بعد وفاة ثيوفيلوس عام 842 من قبل النظام البيزنطي الجديد. أُنشئت بحريةٌ جديدةٌ عام 843 (228 هـ) بهدف التعامل مع الغارات الساراكينوسية، وانطلقت حملة جديدة لاسترداد كريت تحت قيادة اللغثيط ثيوكتيستوس شخصياً. وعلى الرغم من نجاح الحملة في احتلال جزء كبير من الجزيرة، إلا أنّ ثيوكتيستوس اضطر إلى التخلي عن جيشه بسبب علمه بمؤامرات سياسية في القسطنطينية تاركاً قواته تُقتّل على أيدي الأقريطشيين.[1][43][44][45] اشتركت عدّة أساطيل في عمليات مُنسقّة في شرق البحر المتوسط عام 853 في محاولة منهم لإضعاف المسلمين، وهاجموا القاعدة البحرية المصرية في دمياط واستولوا على الأسلحة المُعدّة لمساعدة الإمارة.[20][41][46][47] ورغمَ تحقيق البيزنطيين بعض النجاحات ضد المسلمين في السنوات اللاحقة، إلا أنّ الأقريطيشيين استأنفوا غاراتهم في أوائل العقد السابع من القرن ذاته مُستهدفين بيلوبونيز، وكيكلادس، وآثوس.[20][48] أطلق القيصر البيزنطي بارداس حملةً ضخمةً أخرى عام 866 (252 هـ) لإخضاغ الإمارة، لكن مقتله على يدي باسل الأول بعد أسبوعين فقط من انطلاق الأساطيل وضع حداً للمخططات البيزنطية.[49][50][51][52]

أوريفاس يُعاقب الأسرى المسلمين.

وفي أوائل العقد الثامن وصلت الغارات الأقريطيشية إلى مستوى جديد: أبحرت أساطيلهم - التي كان يقود الكثير منها مُرتدين بيزنطيين - في بحر إيجة ووصلت إلى سواحل دالماسيا. وفي إحدى المرات توغلت أساطيل المسلمين في بحر مرمرة وهاجموا جزيرة مرمرة دون جدوى، وكانت هذه المرة الأولى منذ حصار القسطنطينية عام 717 التي يصل فيها أسطول مسلم إلى هذا القُرب من العاصمة البيزنطية.[20] لكنّ الإمارة تعرضت لهزائم ثقيلة عامي 873 و874 (260 هـ) على يدي الأميرال البيزنطي الجديد نيكيتاس أوريفاس الذي تمكّن من أسر عدد من المسلمين بعد إحدى المعارك وقام بتعذيبهم بشدة انتقاماً لغاراتهم.[20][53][54] وفي الحين ذاته دمّر البيزنطيون الأسطول طرسوس.[55] أدت هذه الانتصارات البيزنطية على ما يبدو إلى عقْد هدنة مؤقتة، ويبدو أنّ الأمير شعيب بن عمر اضطر إلى دفع الجزية للبيزنطيين لنحو عقد من الزمان.[56]

استؤنفت الغارات مرةً أخرى بعد فترة وجيزة، وانضمت إلى أساطيل الإمارة أساطيلٌ من شمال أفريقيا ومن بلاد الشام.[57] عانت بيلوبونيز كثيراً من الغارات الإسلامية، وكذلك وابية وكيكلادس، وتمكّن المسلمون من فرض سيطرتهم على بطمس ومناطق أخرى وأجبروا ناكسوس، وباروس، وإيوس على دفع الجزية لهم. لم يترك الوجود الإسلامي عموماً في هذه المناطق الكثير من الآثار المادية أو الأدبية،[58][59] ولكنّ موجة الغارات الجديدة التي قاموا بها تركت أثراً كبيراً في بحر إيجة، حيث هُجرت بعض الجزر تماماً، وانتقل سكان المناطق الساحلية إلى المناطق الداخلية المحمية بشكل أفضل.[60] تزايد خطر الهجمات الإسلامية حتى أنّ أثينا ذاتها كادت أن تُحتل عام 896 - 902،[9] ونهب أحد أساطيل الشام مدينة سالونيك ثاني أهم مدن الإمبراطورية البيزنطية.[61] تعاونت الإمارة بشكل وثيق مع بلاد الشام، الذين استخدموا جزيرة كريت في كثير من الأحيان قاعدةً لهم. وعندما عاد الأسطول الشاميّ من سالونيك أهدى كثيراً من الأسرى الذين فاق عددهم العشرين ألفاً إلى كريت وبيعوا فيها عبيداً.[58][62] تلقت الإمارة أيضاً دعماً قوياً من حكام مصر الطولونية (868 - 905)، لكنّ خلفاءهم الإخشيديين لم يُعيروا اهتماماً للإمارة.[63] انطلقت حملة بيزنطية أخرى ضد الإمارة فاق حجمها كلّ الحملات السابقة عام 911 (298 هـ)، حيث كانت مُكونةً من أكثر من 100 سفينة، وسبعة آلاف فارس، و34 ألف مُقاتل بحري، وخمسة آلاف من المردة، وسبعمائة مرتزق روسي،[64] لكنها اضطرت إلى مغادرة الجزيرة بعد بضعة أشهر فقط من انطلاقها. ومن ثمّ تعرض الأسطول البيزنطي للتدمير في معركة وقعت قبالةَ خيوس مع الأسطول الشاميّ.[58][65][66][67][68]

نجاح البيزنطيين[عدل]

حصار ربض الخندق عاصمة الإمارة ومعقلها الرئيس.

طفت مشكلة غارات أهل الإمارة على السطح من جديد في العقدين الرابع والخامس من القرن العاشر الميلادي، حيث دمّروا جنوب اليونان، وآثوس، والسواحل الغربية من آسيا الصغرى. أرسل الإمبراطور قسطنطين السابع نتيجةً لذلك حملةً أخرى عام 949 (337 هـ تقريباً) تتألف من 137 سفينة كبيرة، وشحن بها زهرة ما تحتويه ثغور أوروبا وآسيا البيزنطية من قوات، فبلغ عدد البحارة نحو 9,707 منهم 629 من الروس، و700 أسير من مختلف الأجناس، و3,000 من المردة بالغرب ، و1,512 من ثغر كيبريوت والمردة بالشرق، أما القوات البرية فاشتملت على 4,743 جندي، منهم خيرة جند الحرس الإمبراطوري، وجند ثغري مقدونيا وتراقيا، وصقالبة الأبسيق، وأرمن من ثغري الناطليق والتراقسيون، وأنفق فيهم نحو 3,706 من الليرات الذهبية، ويضاف على ذلك مقادير كبيرة من أدوات البحرية والحصار والقتال.[1] ولكنها كسابقاتها باءت بالفشل بعد تعرضها لهجوم مفاجئ ألحق الهزيمة بالبيزنطيين، وعزا المؤرخون البيزنطيون الهزيمة إلى عدم كفاءة قائد الحملة وقلة خبرته.[58][69][70][71] لم يستسلم قسطنطين السابع لخسارته وبدأ بإعداد حملة أخرى خلال السنوات الأخيرة من حكمه، لكنه توفي قبل إنهائها. أكمل الإمبراطور الجديد رومانوس الثاني ما بدأه سلفه، وأوكل مهمة القيادة إلى نقفور الثاني. انطلق نقفور بأسطوله وجيشه الضخم في شهر يونيو أو يوليو من عام 960 ورسا على جزيرة كريت المُستهدفة وألحق الهزيمة بخطوط المقاومة الأولية. عمل نقفور على عزل الجزيرة ومنع وصول أي مساعدات لها سواءً كانت من مصر أو الشام أو الأندلس،[1] وبعد حصار طويل للعاصمة ربض الخندق استمر حتى حلول شتاء عام 961 الموافق لعام 350 للهجرة، تمكّن البيزنطيون من اقتحام المدينة في 6 مارس 961.[58][72][73]

نهب البيزنطيون المدينة بعد دخولها، ودمّروا مساجدها وحطّموا جدرانها وأسوارها. وقع مسلمو الجزيرة ما بين قتل واستعباد، وأُخذ أمير الجزيرة عبد العزيز بن شعيب وابنه النعمان أسيرين إلى القسطنطينية حيث احتفل نقفور بانتصاره.[58][74] حُوّلت جزيرة كريت إلى ثيمة بيزنطية، وأُجبر من تبقى من المسلمين على الدخول في المسيحية.[1] وكان ممّن ترك دينه النعمان ابن الأمير الذي دخل الجيش البيزنطي وقُتل في إحدى المعارك عام 972 تقريباً، أمّا والده الأمير عبد العزيز فمات بالقسطنطينية بعد بضع سنوات دون أن يترك دينه.[74][75][76][1][77]

الإرث[عدل]

صورة لجزيرة كريت.

لا يزال العهد الإسلامي في جزيرة كريت غامضاً بعض الشيء بسبب قلة الأدلة والشواهد المتعلقة بتاريخ الإمارة الإسلامية الداخلي. وبخلاف وجود القليل من الأماكن التي تُشير إلى وجود المسلمين، لم يبقَ أي موقع أثري هام من تلك القترة. يُعزى ذلك لتدمير البيزنطيين للجزيرة بعد دخولهم إياها على الأغلب.[78] وبسبب قلة المصادر التاريخية، فإنّ المؤرخين مُجبرين في كثير من الأحيان على الاعتماد على المصادر البيزنطية، التي صوّرت إمارة كريت "عُشّاً للقراصنة" يعيشون على القرصنة وتجارة الرقيق.[79][80]

من ناحية أخرى، صورت المصادر الإسلامية القليلة إمارة كريت دولةً ذات اقتصاد مُتطور وصلات تجارية واسعة، كما أنّ هناك أدلة تُشير إلى أن ربض الخندق كانت مركزاً ثقافياً يحظى ببعض من الأهمية.[81][82] كما تُشير النقود الذهبية والفضية والنحاسية الباقية من تلك الحقبة، ذات الوزن والشكل الثابت تقريباً، تُشير إلى وجود اقتصاد قوي ومستوى معيشي مرتفع للسكان.[83] عزز من قوة اقتصاد الإمارة التجارة المكثفة مع العالم الإسلامي ومصر على وجه الخصوص، حيث كانت مراكب أهل إقريطش " تمير أهل مصر بخيرات جزيرتهم وأطعمتهم، وكانت هداياهم تصل إلى ولاة مصر"، وكان يحمل من إقريطش العسل والنحل والجبن الكثير إلى مصر والشام، ويُسمى بلغة الفرنج "كنديا" نسبة إلى مدينة كنديا أو الخندق قاعدة إقريطش.[22] أيضاً ازدهرت الإمارة زراعياً وكانت منتوجاتها تصل إلى مختلف أجزاء العالم الإسلامي، ومن الممكن أن يكون قصب السكر قد قدم إلى الجزيرة في ذلك الوقت.[84]

مصير مسيحيي الجزيرة بعد غزو الأندلسيين لها غير واضح فعلياً: ففي حين تذكر بعض المصادر أنّ معظمهم اعتنق الإسلام أو طُرد منها،[33] تُشير المصادر الإسلامية إلى استمرار الوجود المسيحي على أرض الجزيرة إبان الحقبة الإسلامية، لكنّ المصادر نفسها تُشير إلى أنّ غالبية سُكان الإمارة كانوا من المسلمين، سواءً كانوا من أحفاد الأندلسيين، أو من المهاجرين الجدد، أو من معتنقي الإسلام.[85]

قائمة الأمراء[عدل]

يُظهر الجدول الآتي قائمة الأمراء حسب المصادر العربية والبيزنطية، ومن خلال القطع النقدية التي تعود إلى عهودهم بصورة رئيسية. لذا فإن تواريخ حكمهم تقريبية وغير دقيقة تماماً:[86][87]

الاسم فترة الحكم
أبو حفص عمر البلّوطي 827/828 – 855
شعيب بن عمر 855 – 880
أبو عبد الله عمر الثاني بن شعيب 880 – 895
محمد بن شعيب 895 – 910
يوسف بن عمر الثاني 910 – 915
علي بن يوسف 915 – 925
أحمد بن عمر الثاني 925 - 940
شعيب الثاني بن أحمد 940 - 943
علي بن أحمد 943 - 949
عبد العزيز بن شعيب الثاني 949–961

المصادر[عدل]

  • Louis، Bréhier (1969). Vie et mort de Byzance. Paris: Albin Michel. 
  • Canard, M. (1986). "Iqrītish". The Encyclopedia of Islam, New Edition, Volume III: H–Iram. Leiden and New York: BRILL. pp. 1082–1086. ISBN 90-04-08118-6.
  • Christides، Vassilios (1981). The Raids of the Moslems of Crete in the Aegean Sea: Piracy and Conquest. صفحات 76–111. 
  • Christides، Vassilios (1984). The Conquest of Crete by the Arabs (ca. 824): A Turning Point in the Struggle between Byzantium and Islam. Academy of Athens. 
  • Age of the Galley: Mediterranean Oared Vessels since pre-Classical Times. Conway Maritime Press. 2004. ISBN 978-0-85177-955-3. 
  • Kazhdan, Alexander (1991). "Anemas". In Kazhdan, Alexander. Oxford Dictionary of Byzantium. New York and Oxford: Oxford University Press. p. 96. ISBN 978-0-19-504652-6.
  • Makrypoulias، Christos G. (2000). Byzantine Expeditions against the Emirate of Crete c. 825–949. صفحات 347–362. 
  • Miles، George C. (1964). Byzantium and the Arabs: Relations in Crete and the Aegean Area. صفحات 1–32. 
  • Treadgold، Warren T. (1988). The Byzantine Revival, 780–842. Stanford, CA: Stanford University Press. ISBN 0-8047-1462-2. 
  • Treadgold، Warren T. (1997). A History of the Byzantine State and Society. Stanford, CA: Stanford University Press. ISBN 0-8047-2630-2. 

المراجع[عدل]

  1. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ الفتح الإسلامي لجزيرة كريت
  2. ^ العبادي : في تاريخ المغرب والأندلس ، ص134، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية.
  3. ^ George C. Miles, « Byzantium and the Arabs: Relations in Crete and the Aegean Area », Dumbarton Oaks Papers, vol. 18, 1964, p. 15.
  4. ^ Detorakis, op. cit., p.125
  5. ^ محمد فريد بك المحامي : تاريخ الدولة العلية العثمانية، صفحة 298، تحقيق : إحسان حقي، الطبعة الثانية، 1403هـ - 1983م، دار النفائس، بيروت.
  6. ^ أ ب الفتوحات الإسلامية لجزر البحر المتوسط
  7. ^ Treadgold (1997), pp. 313, 325
  8. ^ Canard (1986), p. 1082
  9. ^ أ ب Miles (1964), p. 10
  10. ^ Treadgold (1997), p. 378
  11. ^ أ ب Makrypoulias (2000), pp. 347–348
  12. ^ ابن عذاري 1980, p. 76-77
  13. ^ ابن القوطية 1989, p. 69
  14. ^ ابن الأبار 1985, p. 44
  15. ^ ابن الأبار 1985, p. 45
  16. ^ Canard (1986), pp. 1082–1083
  17. ^ Miles (1964), pp. 10–11
  18. ^ Christides (1981), pp. 89–90
  19. ^ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب : المجلد 1، ص339 تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت، 1388-1968.
  20. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ Canard (1986), p. 1083
  21. ^ Treadgold (1988), pp. 251, 253
  22. ^ أ ب الفتح العربي والإسلامي لجزيرة كريت
  23. ^ Treadgold (1988), p. 253
  24. ^ Makrypoulias (2000), p. 349
  25. ^ Miles (1964), p. 11
  26. ^ السيد الباز العريني : الدولة البيزنطية ، ص266، شاكر مصطفى : دولة بني العباس ، الجزء 2، ص362.
  27. ^ أ ب Christides (1981), p. 89
  28. ^ cf. Treadgold (1988), pp. 250–253, 259–260
  29. ^ Guilland 1967, p. 470.
  30. ^ Bury 1911, p. 113.
  31. ^ Treadgold (1988), pp. 253–254
  32. ^ Makrypoulias (2000), pp. 348, 351
  33. ^ أ ب ت Treadgold (1988), p. 254
  34. ^ Makrypoulias (2000), pp. 349–350
  35. ^ Makrypoulias (2000), pp. 347, 357ff.
  36. ^ Makrypoulias (2000), pp. 348–349, 357
  37. ^ Treadgold (1988), pp. 255, 257
  38. ^ المقري 1968, p. 346
  39. ^ (Bréhier 1969, p. 102)
  40. ^ Miles (1964), p. 9
  41. ^ أ ب Christides (1981), p. 92
  42. ^ Treadgold (1988), p. 268
  43. ^ Makrypoulias (2000), p. 351
  44. ^ Treadgold (1997), p. 447
  45. ^ السيد الباز العريني : الدولة البيزنطية ، ص296. سالم و العبادي : تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ، ص43.
  46. ^ عبد العزيز سالم وأحمد العبادي : تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ، ص39-40، الجزء الأول، 1993، مؤسسة شباب الجامعة.
  47. ^ (Bréhier 1969, p. 114)
  48. ^ Treadgold (1997), p. 451
  49. ^ Makrypoulias (2000), pp. 351–352
  50. ^ Treadgold (1997), p. 453
  51. ^ السيد الباز العريني : الدولة البيزنطية ، ص298، 303.
  52. ^ (Bréhier 1969, p. 115)
  53. ^ Treadgold (1997), p. 457
  54. ^ (Bréhier 1969, p. 117)
  55. ^ Christides (1981), p. 93
  56. ^ Canard (1981), pp. 1083–1084
  57. ^ Miles (1964), pp. 6–8
  58. ^ أ ب ت ث ج ح Canard (1986), p. 1084
  59. ^ Christides (1981), pp. 95–97
  60. ^ Christides (1981), p. 82
  61. ^ (Bréhier 1969, p. 130)
  62. ^ Treadgold (1997), p. 467
  63. ^ Christides (1981), p. 83
  64. ^ السيد الباز العريني : الدولة البيزنطية ، ص382، 1982، دار النهضة العربية ، بيروت.
  65. ^ Makrypoulias (2000), pp. 352–353
  66. ^ Christides (1981), p. 94
  67. ^ Treadgold (1997), p. 470
  68. ^ (Bréhier 1969, p. 132)
  69. ^ Makrypoulias (2000), pp. 353–356
  70. ^ Treadgold (1997), p. 489
  71. ^ (Bréhier 1969, p. 159)
  72. ^ Treadgold (1997), pp. 493–495
  73. ^ (Bréhier 1969, p. 160-161)
  74. ^ أ ب Treadgold (1997), p. 495
  75. ^ Canard (1981), pp. 1084–1085
  76. ^ Kazhdan (1991), p. 96
  77. ^ ياقوت الحموي: معجم البلدان ، ص236، 1374هـ-1955م دار صادر ، بيروت. الأمير شكيب أرسلان : تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط ، ص187، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت.
  78. ^ Miles (1964, pp. 11, 16–17
  79. ^ cf. Canard (1986), p. 1083
  80. ^ Christides (1981), pp. 78–79
  81. ^ Miles (1964), pp. 15–16
  82. ^ Christides (1981), p. 98
  83. ^ Christides (1984), pp. 33, 116–122
  84. ^ Christides (1984), pp. 116–118
  85. ^ Christides (1984), pp. 104–109
  86. ^ Miles (1964), pp. 11–15
  87. ^ Canard (1986), p. 1085