أبو محمد القاسم بن فيره الشاطبي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

اسمه هو القاسم بن فِيرُّه – بكسر الفاء، بعدها ياء مثناة تحتية ساكنة، ثم راء مشددة مضمومة، بعدها هاء ؛ ومعناه بلغة عجم الأندلس : الحديد – ابن خلف بن أحمد أبو القاسم، وأبو محمد الشاطبي الرعيني، الضرير، وليُّ الله الإمام العلاَّمة، أحد الأعلام الكبار المشتهرين في الأقطار. وهو من علماء المسلمين أهل السنة والجماعة وأبرز علماء علم القراءات

نشأته وتربيته: هو أبو محمد القاسم بن فيرة بن أحمد الشاطبي الرعيني (نسبة إلى ذي رعين أحد أقيال اليمن). والشاطبي: بفتح الشين المعجمة وبعد الألف طاء مكسورة مهملة وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى شاطبة، وهي مدينة كبيرة ذات قلعة حصينة بشرق الأندلس، خرج منها جماعة من العلماء، استولى عليها الفرنج في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة خمس وأربعين وستمائة.

ولد عام 538 هـ في مدينة شاطبة بالأندلس، كف بصره صغيرًا، وعنيت به أسرته، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم طرفًا من الحديث والفقه، واتجه إلى حلقات العلم التي كانت تعقد في مساجد شاطبة، ومالت نفسه إلى علم القراءات، فتلقاها على أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفزي، ثم شد رحاله إلى بلنسية وكانت من حواضر العلم في الأندلس. وممن كناه أبا القاسم كالسخاوي وغيره، لم يجعل له اسماً سواها. والأكثرون على أنه أبو محمد القاسم.

رحل إلى بلنسية بالقرب من بلده، فعرض بها التيسير من حفظه والقراءات على الإمام ابن هذيل وسمع منه الحديث وروى عنه وعن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف بن سعادة، صاحب أبي علي الحسين بن سكرة الصدفي ؛ وعن الشيخ أبي محمد عاشر بن محمد بن عاشر، صاحب أبي محمد البطليوسي ؛ وعن أبي محمد عبد الله بن أبي جعفر المرسي ؛ وعن أبي العباس بن طرازميل ؛ وعن أبي الحسن عليم بن هاني العمري، وأبي عبد الله محمد بن حميد، أخذ عنه « كتاب سيبويه » و« الكامل » لابن المبرد و« أدب الكاتب » لابن قتيبة وغيرها ؛ وعن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم، وأبي الحسن ابن النعمة صاحب كتاب : « ريّ الظمآن في تفسير القرآن »، وعن أبي القاسم حبيش صاحب عبد الحق بن عطية، صاحب التفسير المشهور، ورواه عنه.

ثم رحل للحج ؛ فسمع من أبي طاهر السِلَفي بالإسكندرية وغيره. ولما دخل مصر، أكرمه القاضي الفاضل وعرف مقداره، وأنزله بمدرسته التي بناها بدرب الملوخيا داخل القاهرة، وجعله شيخها، وعظمه تعظيماً كثيراً، فجلس بها للإقراء، وقصده الخلائق من الأقطار، وبها أتم نظَم هذا المتن المبارك. ونظم – أيضاً – قصيدته الرائية المسماة : « عقيلة أتراب القصائد، في أسنى المقاصد » في علم الرسم، وقصيدة أخرى تسمى « ناظمة الزهر » في علم عدد الآي. وقصيدة دالية خمسمائة بيت لـخَّصَ فيها « التمهيد » لابن عبد البر. ثم إنه لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بيت المقدس، توجه فزاره سنة /589 هـ/، ثم رجع فأقام بالمدرسة الفاضلية يُقرئ حتى تُوفي.

وكان إماماً كبيراً، أعجوبة في الذكاء، كثير الفنون، آية من آيات الله، غاية في القراءات، حافظاً للحديث، بصيراً بالعربية، إماماً في اللغة، رأساً في الأدب، مع الزهد والولاية، والعبادة، والانقطاع والكشف، شافعي المذهب، مواظباً على السُّنَّة ؛ قال ابن خلكان تعالى : « كان إذا قُرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ، تُصحح النسخ من حفظه ». بلغنا أنه وُلد أعمى. ولقد حكى عنه أصحابه ومن كان يجتمع به عجائباً ! وعظموه تعظيماً بالغاً، حتى أنشده الإمام الحافظ أبو شامة الدمشقي – – من نظمه في ذلك :

رَأَيْتُ جَمَاعَةً فُضَلاَءَ فَازُوا----- برُؤْيَةِ شَيْخِ مِصْرَ الشَّاطِبيِّ وَكُلُّهُمُ يُعَظِّمُهُ وَيُثْنِي ------- كَتَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ للنَّبِيِّ

وذكر بعضهم : أن الشاطبي كان يُصلي الصبح بالفاضلية، ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون إليه، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله : من جاء أوَّلاً فليقرأ ؛ ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق ؛

 وكان لا يتكلم إلاََّ بما تدعو الضرورة إليه. 

ولا يجلس للإقراء إلاَّ على طهارة، في هيئة حسنة وخضوع واستكانة، ويمنع جلساءه من الخوض إلاَّ في العلم والقرآن ؛ وكان يعتل العلة الشديدة ولا يشتكي، ولا يتأوَّه ؛ وإذا سُئل عن حاله قال : العافية ؛ لا يزيد على ذلك. اهـ.

طلابه وممن قرأ عليه هذا النظم المبارك، وعرض عليه ما تضمنه من القراءات : الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي، وهو أجلُّ أصحابه وكان أنبغ تلاميذه، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بعد شيخه، ؛ والإمام أبو عبد الله محمد بن عمر القرطبي، والسديد عيسى بن مكي، ومرتضى بن جماعة، والكمال علي بن شجاع الضرير، وهو صهره ؛ والزَّيْن محمد بن عمر الكردي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن سعيد الشافعي، وعيسى بن يوسف بن إسماعيل المقدسي، وعلي بن محمد بن موسى النجيبي وعبد الرحمن بن إسماعيل التونسي. وممن سمع عليه، وقرأ عليه بعض القراءات : الإمام أبو عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب، والشيخ أبو الحسن علي بن هبة الله بن الجميزي، وأبو بكر محمد بن وضَّاح اللخمي، وعبد الله بن عبد الوارث بن الأزرق، وهو آخر أصحابه موتاً.

منظومة الشاطبية:

هذا النظم المبارك المشهور بحرز الأماني ووجه التهاني للإمام الورع القاسم بن فيره بن خلف الشاطبي الرعيني جمع ناظمه ما تواتر عن القراء السبعة

وهي من أوائل القصائد التي نظمت في علم القراءات إن لم تكن أولها على الإطلاق وفضلا عن أنها حوت القراءات السبع المتواترة فهي تعتبر من عيون الشعر بما اشتملت عليه من عذوبة الألفاظ ورصانة الأسلوب وجودة السبك وحسن الديباجة وجمال المطلع والمقطع وروعة المعنى وسمو التوجيه وبديع الحكم وحسن الارشاد فهي بحق كما قال العلامة ابن الجزري

ومن وقف على قصيدته علم مقدار ما آتاه الله في ذلك خصوصا اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقها ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن بل أكاد أن أقول ولا في غير هذا الفن فإنني لا أحسب بلدا من بلاد الإسلام يخلو منه بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة به

ولقد تنافس الناس فيها ورغبوا من اقتناء النسخ الصحاح منها وبالغ الناس في التغالي فيها حتى خرج بعضهم بذلك عن حد أن تكون لغير معصوم

ويقول الإمام الذهبي في كتابه معرفة القراء الكبار

ولقد سارت الركبان بقصيدته حرز الأماني وعقيلة أتراب القصائد اللتين في القراءات والرسم وحفظهما خلق لا يحصون وخضع لها فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذاق القراء فلقد أبدع وأوجز وسهل الصعب

لذا تلقاها العلماء في سائر الأعصار والأمصار بالقبول الحسن وعنوا بها أعظم عناية من مقدمة محمد تميم الزعبي

تعود شهرة الشاطبي إلى منظومته "حزر الأماني ووجه التهاني" في القراءات السبع، وهي قراءات نافع إمام أهل المدينة، وابن كثير إمام أهل مكة، وأبي عمرو بن العلاء بن العلاء إمام أهل البصرة، وعاصم وحمزة والكسائي أئمة أهل الكوفة، وابن عامر إمام أهل الشام. وجاء عنه قال: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله، لأنني نظمتها لله.

ومتن الشاطبية، ذلك النظم المدهش، نجد الشاطبي لم يكتف بالقراءات فحسب، بل ضمن منظومته العديد من الفوائد النحوية، واللغوية، والإشارت الوعظية، والاقتباسات الحديثية.

والشاطبية قصيدة لامية اختصرت كتاب "التيسير في القراءات السبع" للإمام أبي عمرو الداني المتوفى سنة (444هـ= 1052م)، وقد لقيت إقبالا منقطع النظير، ولا تزال حتى يومنا هذا العمدة لمن يريد إتقان القراءات السبع، وظلت موضع اهتمام العلماء منذ أن نظمها الشاطبي رواية وأداء، وذلك لإبداعها العجيب في استعمال الرمز وإدماجه في الكلام، حيث استعمله عوضًا عن أسماء القراء أو الرواة، فقد يدل الحرف على قارئ واحد أو أكثر من واحد، وهناك رموز ومصطلحات في المنظومة البديعة، لا يعرفها إلا من أتقن منهج الشاطبي وعرف مصطلحه، وقد ضمّن في مقدمة المنظومة منهجه وطريقته، ومن أبياتها:

جزى الله بالخيرات عنا أئمة ---لنا نقلوا القرآن عذبًا وسلسلا

فمنهم بدور سبعة قد توسطت--- سماء العلا والعدل زهر وكُمَّلا

لها شهب عنها استنارت فنورت---- سواد الدجى حتى تفرق وانجلا

ولم يحظ كتاب في القراءات بالعناية التي حظيت بها هذه المنظومة، حيث كثر شُراحها وتعددت مختصراتها، ومن أشهر شروح الشاطبية:

· فتح الوصيد في شرح القصيد لـ "علم الدين السخاوي"، المتوفى سنة (643هـ= 1245م

· وإبراز المعاني من حرز التهاني لـ "أبي شامة"، المتوفى (665هـ= 1266م.

· وكنز المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني لـ "الجعبري"، المتوفى سنة (_732هـ=1331م.

· وسراج القارئ المبتدئ وتذكار المقرئ المنتهي لـ "ابن القاصح"، المتوفى (801هـ= 1398م

· وتقريب النفع في القراءات السبع للشيخ "علي محمد الضياع"، شيخ عموم المقارئ المصرية.

وقد بارك الله له في تصنيفه، لا سيما هذا النظم المبارك، فلقد رُزق من القبول والشهرة، ما لا نعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، حتى صارت جميع بلاد الإسلام لا تخلو منه، ولقد بالغ أكثر الناس في التغالي فيه، وأخذ أقواله مسلَّمة، واعتبار ألفاظه منطوقاً ومفهوماً، وتجاوز بعض الحد فزعم أن ما فيها هو القراءات السبع، وأن ما عدا ذلك لا تجوز القراءة به! وقد شرحه كثير من الأئمة المعتبرين، منهم : برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري، وشمس الدين الكوراني، وشمس الدين الفناري، وعلم الدين علي بن محمد السخاوي المصري، وأبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل النحوي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد – المعروف بشعلة الموصلي – وعلاء الدين بن عثمان المعروف بابن القاصح البغدادي، وأبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد الفاسي، وعماد الدين علي بن يعقوب الموصلي، وجمال الدين بن علي الحصني، وأبو العباس أحمد بن محمد القسطلاّني المصري، وأبو العباس أحمد بن علي الموصلي، وتقي الدين عبد الرحمن بن أحمد الواسطي، وتقي الدين يعقوب بن بدران الجرايدي، وشهاب الدين أحمد بن يوسف السمين الحلبي، وشهاب الدين أحمد بن محمد بن جبارة المقدسي، وشمس الدين محمد بن أحمد الأندلسي، ومحب الدين محمد بن محمود بن النجار البغدادي، وأبو بكر بن ايدغدي الشهير بابن الجندي، وأبو القاسم هبة الله بن عبد الرحيم البارزي، ويوسف بن أبي بكر المعروف بابن الخطيب، وعلم الدين قاسم بن أحمد اللورقي، وبدر الدين المعروف بابن أم قاسم المرادي، وأبو عبد الله المغربي النحوي، والسيد عبد الله بن محمد الحسيني، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ونور الدين علي بن سلطان القاري، ومنتجب الدين الهمداني، وشهاب الدين أحمد بن عبد الحق السنباطي، وعلي بن محمد الضبَّاع، له عليه شرحان : « إرشاد المريد إلى مقصود القصيد » و« إنشاد الشريد من معاني القصيد ». وقد حصر أحد الباحثين المغاربة أكثر من مائة عمل ما بين شرح للشاطبية وحاشية على الشرح وللشاطبي منظومتان معروفتان هما:

· عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد، وهي في بيان رسم المصحف.

· وناظمة الزهرة في أعداد آيات السور.

ونقل الإمام القرطبي : أن الإمام الشاطبي رحمة الله لما فرغ من تصنيفه طاف به حول الكعبة اثنا عشر ألف أسبوع، كلما جاء في أماكن الدعاء، قال : اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب هذا البيت العظيم، انفع بها كل من قرأها – يعني : هذا المتن، باعتبار أنه قصيدة –. وروي عنه – أيضاً – أنه رأي النبي في المنام، فقام بين يديه وسلم عليه، وقدم القصيدة إليه وقال : يا سيدي يا رسول الله! انظر هذه القصيدة! فتناولها النبي بيده المباركة وقال : « هي مباركة، من حفظها دخل الجنة » زاد القرطبي : بل من مات وهي في بيته دخل الجنة.

مناقبه:

كان الشاطبي إماماً ثبتاً حجةً في علوم القرآن والحديث واللغة كما كان آية من آيات الله في حدة الذهن، وحصافة العقل، وقوى الإدراك، وكان مثلاً أعلى في الصبر والاستسلام لله تعالى والخضوع لحكمه، وكان إذا سئل عن حاله لا يزيد على أن يقول: العافية

. وكان عالما بكتاب الله قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ تصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحدا في علم النحو واللغة، عارفا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل.

شخصيته العلمية:

كان الإمام الشاطبي كثيرالفنون، واسع العلوم، متبحرًا في علوم الشريعة واللسان العربي، فقد كان الشاطبي إمامًا في القراءات والتفسير ـ كما ذكرنا ـ وكذالك في النحو واللغة، والحديث، والتفسير، كما كان أديبًا شاعرً... وعمومًا فقد أخذ الشاطبي ـ ـ من كل فن بطرف وشارك في أغلب علوم عصره، وكان قد اجتمعت فيه مقومات الاجتهاد الفقهي الخاص، إذا كان حافظًا مقرئًا نحويًا فقيهً، ومع ذلك فقد انتسب إلى أحد المذاهب الفقهية السنية، وقد اختلف المؤرخون والعلماء في مذهب الشاطبي، فذكر ابن الصلاح، وتاج الدين الأسنوي أنه كان شافعيً، وقد وضعوه في طبقات الشافعية، لكننا وجدناه عند (ابن فرحون) يذكره في طبقات المالكية، وابن الملقن..، ونحن أمام هذا التعارض لا يسعنا إلا التوفيق بين الرأيين، فنقول أنه كان في أول أمره مالكيًا (وذلك في فترة حياته بالأندلس)، أما بعد قدومه مصر فقد سلك المذهب الشافعي..

وهذا على عكس مذهبه العقدي، إذ على الرغم من أن أحدًا ممن ترجم له لم يفصل الأمر في عقيدته، إلا أن هناك إشارات في طبقات الشافعية تظهر أنه كان أشعريً، وانتساب الشاطبي إلى الأشاعرة ليس مستغربً، فمذهب أبي الحسن الأشعري كان قد انتشر في المغرب على يد (القلانسي) في تلك الفترة، كما أنتشر بعد ذلك في مصر في عهد صلاح الدين الأيوبي، بعد إسقاطه الحكم الشيعي فيه.

آراء العلماء فيه:

هذا وقد أفاض العديد من العلماء في الحديث عنه: فنجد ابن خلكان يتحدث عنه في وفيات الأعيان فيذكر عنه: صاحب القصيدة التي سماها حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات، وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم، فقل من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة، وما أظنة سبق إلى أسلوبها، وقد روي عنه أنه كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله عز وجل بها، لأني نظمتها لله تعالى مخلصا في ذلك. ونظم قصيدة دالية في خمسمائة بيت من حفظها أحاط علما بكتاب التمهيد لابن عبد البر. وللذهبي في (سير أعلام النبلاء): الشيخ الإمام، العالم العامل، القدوة، سيد القراء، أبو محمد، وأبو القاسم القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد الرعيني، الأندلسي، الشاطبي، الضرير، ناظم الشاطبية والرائية. وذكره أبو عمرو بن الصلاح في طبقات الشافعية. وتلا ببلده بالسبع على أبي عبد الله بن أبي العاص النفري، ورحل إلى بلنسية، فقرأ القراءات على أبي الحسن بن هذيل، وعرض عليه التيسير، وسمع منه الكتب، ومن أبي الحسن ابن النعمة، وأبي عبد الله ابن سعادة، وأبي محمد بن عاشر، وأبي عبد الله بن عبد الرحيم، وعليم بن عبد العزيز. وارتحل للحج، فسمع من أبي طاهر السلفي، وغيره. قال الأبار: تصدر بمصر، فعظم شأنه، وبعد صيته، انتهت إليه رياسة الإقراء، وتوفي بمصر في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمس مائة. قلت: وله أولاد رووا عنه منهم أبو عبد الله محمد. وكان إذا قرئ عليه الموطأ والصحيحان، يصحح النسخ من حفظه، حتى كان يقال: إنه يحفظ وقر بعير من العلوم. قال ابن خلكان: قيل: اسمه وكنيته واحد، ولكن وجدت إجازات أشياخه له: أبو محمد القاسم. وكان نزيل القاضي الفاضل فرتبه بمدرسته لإقراء القرآن، ولإقراء النحو واللغة، وكان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق إلا لضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة.

وقال عنه علماء زمانه:

المقري (نفح الطيب): " كان إمامًا عالمً، ذكيًا كثير الفنون، منقطع القرين، رأسًا في القراءات، حافظًا للحديث "

و قال ابن الصلاح في طبقاته: " كان أحد القراء المجودين، والعلماء المشهورين، والصلحاء الورعين، صنف هذه القصيدة التي لم يُسبق إلى مثلها، ولم يلحق بما يقاربه، (يقصد المنظومة)، قرأ عليه الأعيان والأكابر، ولم يكن بمصر في زمنه مثله في تعدد فنتونه وكثرة محفوظه "

ـ كما ذكره الحموي فقال: " كان رجلاً صالحًا صدوقًا في القول، مجدًا في الفعل، ظهرت عليه كرامات الصالحين.."

ورثاه الجعبري (عن كنز المعاني في شرح حرز الأماني) فقال:

إمامٌ فريد بارع متورع... صبورٌ طهورٌ ذي عفاف مؤيـد

زكا علمه فاختاره الناس قدوةً... فكم عالم من دره متقلد

هنيئًا ولي الله بالخلد ثاويُ... بعيش رغيد في ظلال مؤبد

عليك سلام الله حيًا وميتً.... وحييت بالإكرام يا خير مرشد

ـ وعن مؤلفاته، قال ابن الجزري: " ومن وقف على قصيدته علم مقدار ما آتاه الله في ذلك، خصوصًا اللامية (يقصد حرزالأماني) التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها، فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها (نظم ابن الجزري على منوالها) أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقه، ولقد رزق هذا الكاتب من الشهرة والقبول ما لاأعلمه لكاتب غيره في هذا الفن، فإنني لا أحسب أن بلدًا من بلاد الإسلام يخلو منه. بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة به "

وفاته : ظل الشاطبي في القاهرة يقيم حلقته في مدرسته، ويلتف حوله تلاميذه النابهون من أمثال أبي الحسن على بن محمد السخاوي ولم تطل بالشاطبي الحياة، حيث تُوفي وعمره اثنان وخمسون عامًا، توفي الإمام الشاطبي – تعالى – يوم الأحد، بعد صلاة العصر، وهو اليوم الثامن والعشرون من جمادى الآخرة، سنة : /590 هـ/ الموافق 20يونيو 1194م، ودفن يوم الأثنين بمقبرة القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، بالقرافة الصغرى، بالقرب من سفح الجبل المقطم بمصر، وقبره مشهور معروف ؛ تعالى.

المصادر من مصادر الدراسة:

ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء ـ تحقيق ج برحستراسر ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ (1402 هـ= 1982م).

شمس الدين الذهبي: معرفة القراء الكبار ـ تحقيق بشار عواد معروف وآخرين ـ مؤسسة الرسالة بيروت ـ بدون تاريخ.

عبد الوهاب السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ـ تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناجي ـ هجر للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ (1413 هـ= 1992م).

ابن خلكان: وفيات الأعيان ـ تحقيق إحسان عباس ـ دار صادر ـ بيروت ـ (1398هـ= 1978م).

الإسنوي: طبقات الشافعية ـ تحقيق عبد الله الجبوري ـ رئاسة ديوان الأوقاف ـ بغداد ـ 1391م.

أحمد اليزيدي: الجعبري ومنهجه في كنز المعاني في شرح حرز الأماني ـ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ الرباط ـ (1419هـ= 1998م).

شوقي ضيف: عصر الدول والإمارات (مصر ـ سوريا) دار المعارف ـ القاهرة ـ 1984م.

الإمام الشاطبي.. (سيد القراء) ـ إبراهيم الجرمي ـ سلسلة أعلام المسلمين ـ دار القلم دمشق ـ 2000.

لتحميل متن الشاطبية