يرجى إعادة صياغة هذه المقالة باستخدام التنسيق العام لويكيبيديا

الإسلام والعنف

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
Arwikify.svg يرجى إعادة صياغة هذه المقالة باستخدام التنسيق العام لويكيبيديا، مثل إضافة الوصلات والتقسيم إلى الفقرات وأقسام بعناوين. (يناير_2012)
بحاجة لمصدر المحتوى هنا ينقصه الاستشهاد بمصادر. يرجى إيراد مصادر موثوق بها. أي معلومات غير موثقة يمكن التشكيك بها وإزالتها.


غالباً ما يربط البعض بين الإسلام والعنف المستخدم تجاه الاخر باسم الجهاد والذي يعزونه إلى النصوص التي تدعو المسلمين إلى اضطهاد وقمع وقتل المخالفين، والمرتبطة بالإسلام منذ نشأته إلى اللحظة الراهنة وهذا ما عزز فكرة الإسلاموفوبيا لدى الغرب، هذه الظاهرة اخذت تتبلور لتصاغ في مصطلح جديد يسمى الإرهاب الإسلامي، الذي أرتبطت كمرادف لنشاط بعض الجماعات الإسلامية الأصولية، وحركات المقاومة ذات الأيديولوجية الإسلامية، كان ظهور هذا المصطلح مرتبطاً بالسياسة الخارجية للدول الغربية، ونتيجة هيمنة الغربية ذات التأثير كبير على اللغة الخطاب الإعلامية الموجهة إلى الغرب.

تعكف منظمة تدعى "المسلمون المناهضون للشريعة" على صياغة ما أسماه "القرآن الجديد"، من خلال تحريف القرآن واعادة صياغة الإسلام ليتلائم مع متطلبات التطور في المجتمع الديمقراطي والإنساني العالمي الحديث وخيانة مبدأ لا الاه الا الله محمد رسول الله واعتناق العلمانية والديمقراطية الدين الجديد في توافق مع مشروع الشرق الاوسط الكبير ونشر الديمقراطية في بلدان الربيع واخراج الإسلام كنظام حكم و كدولة اختصاره في كهانوتية ....

الحــرب[عدل]

إن الحرب في حد ذاتها وسيلة من وسائل حل المشكلات وفض المنازعات إلى يومنا هذا. فأوروبا وأمريكا، وما تمثلانه، الآن، من رقى الفكر وحرية التعبير وتقدم الآلة، لا زالتا تعمدان إلى الحرب في حل مشاكلهما المختلفة.

فإذا كانت الحضارة الغربية تقر الحرب كوسيلة، بعد كل ما بلغته في القرن العشرين من مدنية، فهل يعقل أن تحرم الحرب على أمة تألفت قبل ثلاثة عشر قرناً، ونيط بها إحداث تطور عالمي من الناحيتين الدينية والاجتماعية، وهما أدعى إلى إثارة النفوس من جميع الخلافات البشرية؟

الغرب والحرب[عدل]

ليس أسهل من ذكر حركة استعمار قادتها أوروبا طيلة قرون خلفت لها حروباً وعداوات أشعلت حرباً عالمية راح ضحيتها ملايين من البشر وما لا يقدر من خراب ودمار. وما كادت تنتهى الحرب الأولى حتى كانت الثانية ولكن بنتائج أبشع. لعل أبرزها هو ذلك المارد الصهيونى المتأمرك والمتعطش للدماء والذي يضع العالم أجمع على حافة حربه الثالثة والأخيرة مع أكثر التقديرات تفاؤلاً.

تزعمت الولايات المتحدة حركة تدمير البشرية بعد اإنهاء الحرب العالمية الثانية بكارثتى هيروشيما وناجازاكى، وكأنها لا تهوى التعلم من تجاربها السابقة؛ فدخلت الحرب الكورية عام 1950 حتى 1953 وتركت وراءها ثلاثة ملايين من القتلى وجزيرة منقسمة يتناحر أصحابها الأشقاء إلى الآن؟! واستمر مسلسل عدوانها، الذي سيأخذ منا الكثير إذا ما تحدثنا عن فيتنام والصومال والبلقان وأفغانستان وليس أخيراً العراق.

الحرب المقدسة[عدل]

الحرب المقدسة هي كل حرب دينية ضد معتنقى الديانات الأخرى. كما عرفتها الكنيسة أثناء عصور حكمها. فأشعلت حروب كثيرة أبرزها حروبها الصليبية على الشرق طيلة قرون مضت. واتسع هذا المفهوم ليشمل أبناء الدين الواحد ولكن مختلفى المذهب كما هو دائرالآن في أيرلندا من صراع ترجع جذوره إلى القرن الثاني عشر بين الكاثوليك والبروتستانت. والعجيب أن هذا المفهوم شمل أيضاً أى مسيحي حتى ولو من نفس المذهب ولكنه يتحدث بما لا تقره كنيسته؛ ولا أدل على ذلك من واقعة جاليليو الشهيرة، ومحاكم التفتيش.

حرمة الدم في الإسلام[عدل]

لا يخفى على كثيرين منا أن أبرز ما يميز هذا الدين هو حرصه الأكيد على تأمين خلق الله كافة وعدم ترويعهم، ليس بين البشر فحسب بل مع الحيوانات أيضاً. فلا يخفى علينا أمر المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها؛ لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض. كذلك، ذلك الرجل الذي أشفق على كلب بعد أن بلغ منه الظمأ ما بلغ فسقاه فغفر الله له. فإذا كان هذا هو الحال مع الحيوان. فما بالنا بالنفس البشرية التي كرمها الله وعلى من قدرها بين سائر المخلوقات وشرفها بالعقل فكان صاحبها خليفة لله في الأرض.

إن الدين الذي لا يغفر لشخص تعذيب هرة لا يقبل إلا أن تكون جريمة القتل لنفس بريئة، جريمة ضد الإنسانية كافة... نعم ضد الإنسانية كافة؛ فقد قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بعد قتل قابيل لإخيه هابيل بغير حق " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفٍس أو فساٍد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ولقد جائتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون "

حق الحياة والأمن للناس كافة[عدل]

وكما أن لحرمة الدم في الإسلام مكانة فإن للأمن مكانة وقيمة لا تقل عن سابقتها؛ فالمسلم وغيره سواء في حق الأمن. والسبب في أحقية غير المسلم في هذه النعمة هو جهله بكلام الله وعدم قدرته على تمييز النافع من الضار. وجهله هذا لا يعد سبباً في ترويعه، بل العكس هو الصحيح؛ فله علينا حق الدعوة للإسلام، فإن أبى، فله علينا حق الإجارة والتأمين وتبليغه المكان الذي يشعر فيه بالأمان. وذلك دليل على سماحة الدين وسعته التي كفلت حق الحياة مع الأمن للناس كافة، حتى وإن كانوا على غير هذا الدين. لأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعلمنا أنه ليست للحياة قيمة في غير وجود الأمن للناس كافة، لأن هذا المناخ الآمن هو الأمثل للتفكر والتدبر لمعرفة الطريق الصحيح. وهذا مصداقاً لقوله تعالى : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون "

الجهاد في الإسلام[عدل]

يمكننا القول في عبارة واحدة أن مفهوم الحرب المقدسة، بل حتى المصطلح نفسه، لا وجود لهما في الإسلام. ورغم ذلك فإننا لا نستطيع تبسيط المسألة لهذا الحد. وذلك لأن الحق، دائماً، في حاجة إلى توضيح بعض تفاصيله.

إن كلمة " الجهاد " ليست مرادفاً للعدوان والعنف والحرب كما يحلو للكثيرين في الغرب أن يقولوه. وإنما هي كلمة عامة يحمل معناها الرئيسى مجاهدة النفس أولاً على مغريات الدنيا وحملها ثانياً على محاسن الآخرة ومنها الصلاة والصوم والزكاة وكذلك الجهاد الذي أخذ شكل المعارك الحربية في بعض فترات تاريخنا.

ولكن من الظلم أن نأخذ من معنى الكلمة ما يحلو لنا ونترك ما لا يروق لنا؛ فنأتى بآيات من القرآن ونفصلها عن سياقها لتأكيد أن الإسلام دين عدوانى. فنحن بذلك مثل من يأخذ من كلمات المسيح قوله: " لا تظنوا أنى جئت لألقى سلاماً على الأرض. ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً. فإنى جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والأبنة ضد أمها والكنة ضد حماتها. "

فإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف يكون ؟ انفرد الإسلام كعادته، بين الأديان الأخرى والفلسفات المعاصرة، بأنه يقر الحرب, ولكنه وضع لها العديد من ضوابط صارمة لتلطيف المجازر الإنسانية إلى آخر حد يمكن الوصول إليه، وهى:

1) الأصل في الجهاد هو الدفاع عن النفس ورفع الظلم: لم يشرع الإسلام الجهاد إلا بعد مرور خمسة عشر عاماً من بعثة الرسول، عليه الصلاة والسلام. وهو ما ينفى دموية الدين. وقد كان سبب التشريع للجهاد في الأصل هو درء الأذى ورفع الظلم عن المسلمين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها. وكان ذلك بعد أن أعلنت قريش الحرب على الإسلام، رداً على محاولة استرداد المسلمون، دون قتال، لجزءٍ من أموالهم التي كانت قريش قد سلبتها منهم قبل هجرتهم من مكة المكرمة. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى : " أٌذِن للذين يقاتلون بأنهم ظُلِموا، وإن الله على نصرهم لقدير "

2) القوة ليست مبرراً للجهاد، كما أن الضعف ليس مبرراً للسلم: الملاحظ أن الخط البيانى للجهاد في التاريخ الإسلامي لم يتأثر بقوة المسلمين وضعفهم؛ بمعنى أن المسلمون في فترات ضعفهم لم يركنوا إلى السلم، بينما لجئوا للحرب عند قوتهم. بل العكس هو الصحيح؛ فالمسلمون ما حاربوا قط إلا وكانت الغلبة في القوة عدداً وسلاحاً مع الطرف الأخر، ولكن لأن الباعث كان بدافع دينى بحت لم يكن ينظر المسلمون للأمور من هذه الناحية العسكرية بقدر حرصهم على دوافعهم الدينية الخالصة، لأن نصرة الله ودينه واجبة على كل مسلم. كما أن المسلم دائماً مؤمن بأن سر قوته في دينه لا في أى شيء أخر. والأعجب من هذا كله هو أنه عندما تستحكم الأمور وتضيق السبل تماماً تزداد ثقة المسلم في ربه وفى نصره المبين لأن القرآن الكريم أخبره بذلك. فقال الحق سبحانه وتعالى: " ولما رءا المئمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا ً وتسليما ً" ومن أدلة ذلك محاربة الفرس والروم، في وقت واحد، وهما أكبر قوتين في العالم في ذلك الوقت، ولكن الأمر كان متعلقاً بأمن المسلمين وحماية دينهم وحدودهم.

3) الغاية لا تبرر الوسيلة: الإسلام لا يقر في الحرب أو في غيرها مبدأ " الغاية تبرر الوسيلة " بل أنه يحرص، كل الحرص، على تأكيد ضرورة أن لا تتعارض أساليب الحرب مع الغرض منها. فمثلما كانت الغاية مشروعة ونبيلة، كذلك يجب أن تكون الوسيلة، فالحق عندنا لا يسترد ولا ينصر إلا بالحق. فنجد قوله تعالى : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين " ومن أمثلة ذلك وصاية الرسول – عليه الصلاة والسلام – لأصحابه قبل كل حرب ألا يقتلوا شيخاً أوطفلاً ولا امرأة ولامستسلماً ولا يروعوا عابداً أو يهدموا صومعة أو يحرقوا بيتاً أو يقلعوا زرعاً، حتى في أشد مراحل القتال وأشرسها. بل إن الإسلام أينما ذهب كانت بداية بناء وإعمار في الأرض، وحضارة ومدنية جديدة.

4) عدم الإسراف في استثمارالانتصار بغير حق: كلنا شهدنا ما فُعِل بألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وما لاقته وشعبها من ذل وهوان على يد الحلفاء المنتصرين. وقد كان ذلك طبيعياً؛ لأنه ما دامت المقدمات خاطئة، فبالتأكيد النتائج أيضاً. ولكن في الإسلام اختلف الأمر في مقدماته وأحداثه ونتائجه، وكان هذا ثمرة التشريع، الذي أشرنا إليه، والتطبيق السليم. ومادمنا نتحدث عن التطبيق، فليس لنا إلا الاستشهاد من واقع التاريخ الإسلامي. ولا أجد أفضل من العهد العمرى لأهل بيت المقدس دليلاً على ذلك. وملخص هذا العهد أن عمر بن الخطاب لم يتكبر على بطريرك بيت المقدس حين أصر على ألا يسلم مفاتيح المدينة إلا للخليفة، فرحل أمير المؤمنين على حمار من المدينة المنورة إلى بيت المقدس مع غلامه، الذي تقاسمه ذلك الطريق الطويل في ركوب الدابة، فكان أحدهما يركب تارة، والأخر تارة أخرى، ويريحان الدابة في الثالثة. ودخل الأمير المنتصر بيت المقدس راجلاً، وقد كان بقميصه سبع عشرة رقعة! ولم ينتهك حرمة كنائس المدينة وصلى خارجها، وأعطى للمهزومين عهداً بالأمان يتحدث عنه التاريخ إلى الآن؛ فلم يجردهم من حقوقهم وضمن لهم امتيازات تتيح لهم الحرية الدينية الكاملة، فضلاً على ألا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولاينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولم يفرض عليهم إلا الجزية وهى دينار واحد طوال العام مقابل حماية المسلمين لهم، وهو أقل بكثير مما كانوا يدفعونه للرومان المهزومين. ومن لم يكن يقدر عليها، كانت تُدفَع عنه من بيت مال المسلمين.

وهناك العديد من العهود المماثلة من خلفاء وقادة أخرىن مع شعوب وبلدان أخرى، مثل ما أبرمه خالد بن الوليد مع مسيحيى أهل الحيرة، حيث يقول : " جعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت عنه جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله، ما أقاموا بدار الإسلام " 5) حسن معاملة الأسرى : لا تختلف هذه النقطة عن سابقتها؛ ولكننا نخصها بالذكر لنوضح أنه إذا كان للمدنيين حقوق في الحرب كفلها لهم الإسلام، فإن للمقاتلين المهزومين الذين حاربونا كل الحقوق أيضاً. ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول في أوصاف المؤمنين صادقى الإيمان: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ً ويتيما ً وأسيرا ً، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا ً " وأدلة ذلك في التاريخ الإسلامي كثيرة، منها عفو الرسول – عليه الصلاة والسلام – عن جميع أسراه في بدر وسائر غزواته، وكذلك ما فعله صلاح الدين الأيوبى، حينما دفع فداء آلاف الأسرى المسيحيين من ماله الخاص فكان مثالاً رائعاً لروح التسامح، والتي جعلت كثيراً منهم يعتنقون الإسلام. ومن تاريخنا خلصنا إلى أن الأسير مهما تكن جنسيته يعود لأصله الإنسانى فتكون له كل الحقوق الإنسانية، كما قال الإمام على: " الإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق " ولذلك عندما يعود الإنسان من الحرب إلى الأسر يصبح مسالماً وتكون له كل الحقوق الإنسانية الواجبة لإنسان في حالة ضعف واستسلام ومنها : أ‌-له الحق في الحياة والأمن كغيره من المدنيين، فليس لنا أن نقتله أو نجعله يعيش خائفاً على حياته ليل نهار. ب‌-ليس لنا أن نعذبه حتى إذا ما كنا نستجوبه عن الأعداء. ت‌-له الحق في فداء نفسه بالمال أو بالعلم أو بالنفس، كما فعل المسلمون في موقعة بدر مثلاً. ث‌-له الحق في طعام وشراب وإقامة جيدة، طالما مكث بين أيدينا. ج‌-له الحق في العلاج إذا كان جريحاً، لأن تركه دون علاج هو من أشكال التعذيب المرفوضة في الإسلام. ح‌-ليس لنا أن نكلفه بما لا يطيق من العمل، أو حتى ما لا يرضى. خ‌-له الحق في معاملة تليق بمكانته بين أهله؛ فالملك لا يعامل معاملة العامة. والضابط لا يعامل معاملة جنده.

وهنا أليس لنا أن نتساءل عما تفعله أمريكا الحرة الديموقراطية مع أسراها في جوانتانامو في كوبا وفى سجن أبو غريب بالعراق ؟! 6) العفو عند المقدرة : لأن الحرب ليست غاية في حد ذاتها، كما ذكرنا، فإنها كوسيلة ينتهى العمل بها، بل وتصبح عدواناً واعتداء إذا ما استُخدِمت بغير داع. ولذلك حرم الله على المسلمين الشروع فيها أو حتى إكمالها، إذا كانوا قد بدأوها، وذلك إذا تيقن المسلمون أن الطرف الأخر يميل للسلم ويقبل دفع الجزية. وذلك مصداقاً لقوله تعالى : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم " وغيرها كثير من الآيات التي تحمل وتؤكد المعنى نفسه. وليس هناك مثال أوضح من عفو الرسول – عليه الصلاة والسلام – عند فتح مكة، وكذلك خليفة المسلمين عمر وموقفه من أهل الشام بعد فتحها، ذلك الموقف الذي تكرر في كافة البلدان المفتوحة، لأنه كان نابعاً من عقيدة وشريعة سليمة، أساسها العدل والرحمة للبشرية كافة، حتى ولو لم يكن أغلبها من المسلمين.

    • إذن نعود لنؤكد، من جديد، على أن ما يحدث الآن من عنف ودمار لا علاقة له بالإسلام.

كيف ينتشر الإسلام بالقوة[عدل]

القاعدة الشرعية للدعوة هي " لا إكراه في الدين " لأن الله غنى عن كل امرئ يُكرَه على الإسلام فيؤمن به ظاهراً دون أن يقع منه في قلبه شيء. ولذلك يجب أن تكون الدعوة وفقاً لقوله تعالى : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هى أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين "

وإذا كانت هذه هي النظرية، فإن مجريات التاريخ توضح أن الإسلام سلك طريقه بالدعوة، لا بالسيف، كما يدعون. وهذه براهيننا:

1)أين كانت القوة، حين كان الإسلام في مهده ضعيفاً لا نصير له، ومع ذلك انتشر بين أكثر أهل مكة المكرمة مالاً وقوةً، وأعلاهم حسباً ونسباً، كأبو بكر الصديق وعثمان بن عفان وطلحة بن الزبير وعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب وسعد بن أبى وقاص وغيرهم كثيرون. بل إن النقيض هو ما كان حاصلاً؛ فقد تعرض المسلمون في بداية الدعوة للقهر والظلم والاضطهاد ورغم هذا ثبتوا على الدين.

2)أين كانت القوة، حين انتشر الإسلام في المدينة المنورة دون قتال، قبل مجئ الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - إليها. وحين جاءها، شهدت المدينة عهد سلام واستقرار بعد حروب طاحنة بين أهلها أصّلت عداوات مريرة أذابها الإسلام، الذي يدعو للتآخى والمحبة والسلام.

3)بلغت مدة دعوة الرسول - عليه الصلاة والسلام - ثلاثة وعشرون عاماً. كان أغلبها فترات سلام ُكرِست للدعوة؛ فتشريع الجهاد لم يكن إلا بعد خمسة عشر عاماً من البعثة. أى أن فترات الجهاد لم تبلغ إلا ثمان سنوات فقط، تخللها صلح الحديبية بين الكفار والمسلمين، الذي وقعه الرسول – عليه الصلاة والسلام - رغم إجحافه لكثير من حقوق المسلمين حرصاً منه على حقن الدماء، وللتفرغ للدعوة. وكانت مدة هذا الصلح عشر سنوات كاملة، لم ينقض منها سوى عامين فقط حتى نقضه المشركون بعدما وجدوا أن الإسلام ينتشر في فترات السلم أكثر من فترات الحرب بكثير، فالمؤرخون يقرون أن هاتين السنتين كانتا أكثر فترات انتشار الإسلام على مر تاريخه في الجزيرة العربية.

4)لم يتعد إجمالي عدد القتلى في غزوات الرسول – عليه الصلاة والسلام – بين كلا الطرفين المئتين وخمسون قتيلاً. فأين هنا العنف من دموية حروب العصر التي خلفت فيها الحربان العالميتان وحدهما ستين مليون قتيل وبتكلفة ثمان مئة وخمسون مليار دولار. وقد كانت حروباً هدفها الطمع ونهب ثروات الأخرىن واستعبادهم، بينما شهدت غزوات الرسول – عليه الصلاة والسلام – قمة العفو والتسامح؛ فيكفينا أن نذكر موقفه من أهل مكة، الذين عذبوه هو واتباعه، وناصبوه العداء أكثر من عشرين عاماً. حين فتح مكة؛ فكم كان حريصاً على أن يدخلها دون قتال. ثم عفا عن أهلها بكلمة واحدة. بل وأمنهم على أرواحهم وأموالهم، بعد أن سألهم ماذا تظنون أنى فاعل بكم، فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال – عليه الصلاة والسلام – أذهبوا وأنتم الطلقاء.

5)أين كانت القوة حين هاجمت جيوش الصليبيين بلاد الإسلام وهى في قمة ضعفها وتفككها، ورغم هذا لم تفلح فيما جاءت من أجله، بل وانتشر الإسلام بين صفوف مقاتليها، كانتشار النار في الهشيم؟

6)أين كانت القوة حين جاء المغول، من بعد الصليبيين، وكان هجومهم في قمة القوة والقسوة والوحشية، حتى أن الدماء سالت أمامهم أنهاراً. وحطموا الحضارة الإسلامية تحطيماً؛ فهدموا القصور والمساجد، وقتلوا العلماء. ووصلوا إلى بغداد – عاصمة الخلافة – وأحرقوا مكتبتها الشهيرة وقتلوا الخليفة وأهله. ورغم هذا كله نهض الإسلام من جديد واجتذب إليه هؤلاء الغزاة البرابرة، فدخلوا في الإسلام وأصبحوا من جنوده؟

7)أين كانت القوة حين انتشر الإسلام في بقاع لم يطأها المسلمون إلا عابرى سبيل أو تجار، كماليزيا وإندونيسيا والهند والصين وجنوب الصحراء في إفريقيا. حيث كان طريقه في هذه البقاع، التي تمثل أكثر من ثلثى مساحة أراضى الإسلام وأعلاها كثافة سكانية، هو طريق الثقافة والفكر والدعوة عن طريق الدعاة وطلاب العلم والتجارة. علماً بأن هذه البقاع من الأرض كانت حتى عهد قريب أرض خصبة للتبشير، وكانت جهة إرساليات التبشير الأولى، والمدعومة بقوة الاحتلال لتنصير المسلمين دون جدوى؟

8)أين القوة اليوم التي جعلت من الإسلام أكثر وأسرع الأديان انتشاراً في يومنا هذا بين سائر الأديان، رغم أنه ليس له من وسائل دعوة، كما للأديان الأخرى. فأمريكا مثلاً هي أكبر قوة تبشيرية للمسيحية في عالم اليوم، ورغم هذا، فهى أكثر بلاد العالم التي ينتشر فيها الإسلام سنوياً؟

9)لم يشهد التاريخ حالات تهجير وإبادة جماعية عقب الفتوحات الإسلامية، كالتي حدثت بعد الوجود الغربي في أى مكان جديد تطأه أقدام أتباعه. ويتساوى في ذلك اليهود والمسيحيون، الذين أبادوا شعوباً بأكملها في طريقهم نحو الأرض الجديدة.

10) هناك فكرة مهمة حرى بنا توضيحها. وهى أنه لا علاقة بين انتشار الإسلام وبين ما دار من حروب بين المسلمين وغيرهم من مشركين وفرس وروم. لأنها كانت حروباً سياسية، لا دينية. كان الغرض منها هو تأمين الدولة والدعوة ومن يؤمنون بها وكذلك فتح الباب لمن يريد اعتناق هذا الدين طواعيةً، دون إكراه؛ فالمسلمون لم يحاربوا دولتى الفرس والروم إلا بعد أن حرض الفرس والروم القبائل العربية الموالية لهم في العراق والشام لغزو الحجاز وأعدوا العدة لذلك. فقد كانت الحروب تشتعل والمسلمون ينتصرون، فيبدأ عهد جديد من حياة هذه الشعوب، التي وجدت أن حياتها تبدل خوفها أمناً، وظلمها عدلاً، وطغيانها رحمةً وقرباً من حكامهم الجدد، الذين كانوا يدفعون عنهم الضرائب البسيطة المفروضة عليهم، إذا وجدوا أنهم لا يسطيعون أداءها، حتى ولو كانوا على غير دين الإسلام. وقد كان هذا التغيير الرهيب سبباً في تقبل هذه الشعوب لاعتناق هذا الدين. وليس هناك مثال أوضح مما ذكرناه عن رسول هذا الدين – صلى الله عليه وسلم – عند فتح مكة، وكذلك موقف خليفة المسلمين عمر من أهل الشام.

أراء غير المسلمين في هذه القضية[عدل]

لا أجد استهلالاً أفضل مما كتبه جوستاف لوبون في موسوعته عن حضارة العرب، حيث قال: " إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن؛ فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغةً لهم فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل ". " لم ينتشر القرآن إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول ". " وقد اثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، وهذا ما أدركه الخلفاء السابقون، الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة، أن النظم والأديان ليست مما يفرض قسراً فعاملوا كل قطر بلطف عظيم تاركين لهم قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في الغالب، إذا ما قيست بما كانوا يدفعونه سابقاً، في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم ".

ولم يكتف الكاتب بما ذكره، بل استشهد في كتابه بآراء الأخرىن، حيث نقل عن روبرتسون، العالم الأوروبى، في كتابه (تاريخ شارلكن) : " إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشراً لدينهم، تركوا من لم يرغبوا فيه أحراراً في التمسك بتعاليم دينهم " الإسلام في العالم العربى: أما المستشرق Kirk فقد قال: إن غالبية أهل الشام ومصر السفلى في القرن التاسع الميلادى كانت لا تزال مسيحية على الرغم من أن الإسلام كان قد مضى عليه في هذه البقاع أكثر من قرنين من الزمان. ومن هؤلاء المسيحيين من لم يدخل الإسلام حتى الآن، وتستطيع أن ترى اليوم الآلاف أو الملايين من المسيحيين في مصر والعراق وبلاد الشام وغيرهم من البلاد الإسلامية.

الإسلام في إفريقيا[عدل]

أما عن انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء، فندع الحديث عنه إلى شاهد عيان أخر وهو الكاتب المسيحي الفرنسي هوبير ديشان حاكم المستعمرات الفرنسية بإفريقيا حتى عام 1950. وهو يقول : إن انتشار دعوة الإسلام في أغلب الظروف لم تقم على القسر، وإنما قامت على الإقناع الذي كان يقوم به دعاة متفرقون لا يملكون حولاً ولا طولاً إلا إيمانهم العميق بربهم. وكثيراً ما انتشر الإسلام بالتسرب السلمى البطئ من قوم إلى قوم؛ فكان إذا ما اعتنقته الطبقة الارستقراطية، وهى هدف الدعاة الأول، تبعتها بقية القبيلة. وقد يسر انتشر الإسلام أمراً أخر هو أنه دين فطرة بطبيعته. سهل التناول لا لبس ولا تعقيد في مبادئه، سهل التكيف والتطبيق في مختلف الظروف. ووسائل الانتساب إليه أيسر وأيسر؛ إذ لا يُطلَب من المرء لإعلان إسلامه سوى النطق بالشهادتين، فيصبح بذلك في عداد المسلمين.

شريعتى التوراة والقرآن في الميزان المسيحي[عدل]

يقول فارس الخورى – وهونصرانى –:... وشريعة موسى تحتوى على أظهر الأمثلة بين الشرائع الإلهية شدة، فهى مبنية على القتل العام، ومحو سكان البلاد المفتوحة، سواء كانوا أسرى حرب أو مسلمين صلحاً. ولا فرق بين رجل مسلح محارب، أو شيخ أعزل، أو امرأة أو طفل. فالكل يذهبون طعام السيوف. ثم استشهد من التوراة " تمحو اسمهم من تحت السماء. لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم تدريجياً لئلا تكثر عليك وحوش البرية " والبون شاسع بين شريعتى موسى ومحمد عليهما السلام – والكلام له- فالأولى تأمر بالتقتيل دون إنذار، ولا عهد ولا صلح ولا دعوة لإيمان. فلا يقبل من أعداء اليهود ولا يعصمهم من القتل والفناء الإيمان؛ خوفاً من الارتداد فيما بعد... ولا يسمح لهم بالرحيل والجلاء عن بلادهم لتخلو لليهود الفاتحين؛ خوفاً من استجماع القوى والكر على الفاتحين.

والشريعة الثانية تأمربدعوتهم إلى الإسلام. فإن قبلوا الدعوة، عصموا دماءهم وأعراضهم وأموالهم. وإن أبوا، فالجزية، وإن أبوا، فالقتال. وهذه دعوة دينية قبل كل شيء...

ويقول Stanley Lane-Poole" "... وقد استمرت الحروب دائرة قبل الإسلام بين الفرس والروم أربعمائة سنة، وكانت حروب أطماع وحروب دنيا، فلم يستطع هؤلاء أو أولئك أن يحرزوا نصراً مؤزراً، لسبب واحد وهو قلة العقيدة. فلما هاجمهم البدو بسلاح العقيدة، فلّ ذلك السلاح كل سلاح، وتهاوت جيوش الفرس والروم تحت أقدام المهاجمين في وقت قصير، إنها أعجوبة الأعاجيب."

ما بعد الفتح[عدل]

وأخيراً اسمحوا لى أن أذكر لكم، سريعاً، ما تلى وجود الإسلام في البلاد التي دخلها. وأستهل حديثى بلفت الأنظار إلى ما ذكره جوستاف لوبون في حضارة العرب، حيث قال : "... وللفتوح العربية طابع خاص لا تجد له مثيل لدى الفاتحين الذين جاءوا بعد العرب، وبيان ذلك أن البرابرة الذين استولوا على العالم الرومانى والترك وغيرهم، وإن استطاعوا أن يقيموا دولاً عظيمة، لم يؤسسوا حضارة، وكانت غاية جهودهم أن يستفيدوا بمشقةٍ من حضارة الأمم التي قهروها، وعكس ذلك كان أمر العرب الذين أنشأوا بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها، والذين تمكنوا من اجتذاب أممٍ كثيرة إلى دينهم ولغتهم فضلاً عن حضارتهم الجديدة."

نعم حضارتهم الجديدة؛ فالمنصف الموضوعى يقر بأن العرب في غضون عقود قليلة أستطاعوا أن يبنوا لهم دولة على أسس متينة قوامها الدين والعلم معا، وشعارها العدل والرحمةً، نبغوا فيها في كافة نواحى الحياة من فن وعلم من طب وفلك وكمياء وفيزياء وميكانيكا وزراعة وجبر وهندسة إلى الترجمة والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والآداب والفنون والعمارة وغيرهم كثير فلم يتركوا مجالاً إلا وكانت لهم فيه بصمة ودليل. فقدموا للإنسانية العلماء كابن سينا وابن خلدون وابن النفيس والرازى والخوارزمى والأدريسى وابن بطوطة وجابر بن حيان وأخرون وكذلك أدخلوا علوم جديدة كاللوغاريتمات ومقارنة الأديان، كما أثروا العالم بالاكتشافات والمخترعات الجديدة، وظهرت في سماء الحضارة مدن جديدة تناقل بينها العلم والعلماء في خفة ورشاقة تحسب لهم مثل بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وفاس... إلخ كل ذلك وأكثر دفع مسيو ليبرى ليقول : " لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ، لتأخرت نهضة أوروبا عدة قرون ". وكذلك جوستاف لوبون الذي قال : " أنه إذا كانت هناك أمة نقر بأننا مدينون لها بمعرفتنا لعالم الزمن القديم فالعرب هم تلك الأمة، لا رهبان القرون الوسطى الذين كانوا يجهلون حتى اسم اليونان، فعلى العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة اعترافاً أبدياً "

إسبانيا والعرب : وأخص بالذكر هنا إسبانيا، كبلد مسيحي في قلب أوروبا، كمثال لهذا التحول الرهيب نحو المدنية والرقى والحضارة على يد العرب؛ حيث يستطيع الإسبان لمس صدقه بسهولة ويسر. فقد كانت إسبانيا في حالة يرثى لها، حين دخلها العرب، الذين استطاعوا في أقل من قرن أن يحيوا ميت الأرض، ويعمروا خراب المدن ويقيموا أخرىات جدد، وأقاموا فخم المبانى ووطدوا وثيق الصلات التجارية مع الأمم الأخرى.

ففى مجال العمارة أنشأ العرب العديد من المدن كمدريد وإشبيلية وطليطلة وغرناطة وبلد الوليد وسرقسطة ومورسية ولقنت وعاصمة الخلافة، قرطبة، التي غدت طيلة ثلاثة قرون كاملة، حتى خرج العرب منها، أرقى مدن العالم القديم، بل وتستطيع أن تقابلها بعواصم دول أوروبا الحديثة، فحين كانت أوروبا بأسرها غارقة في الجهل قبل الظلام، كانت قرطبة عامرة بالحياة ليل نهار، وكانت المدينة الوحيدة في العالم المعبدة الشوارع والطرقات، والتي تنار ليلاً بمصابيح، فكانت بحق عاصمة العلوم والآداب والصناعة والتجارة في العالم أجمع. كما شيد العرب بديع التحف المعمارية بطول البلاد وعرضها، من قصور ومساجد ومستشفيات وفنادق، والتي تعد شاهداً على ذوق رفيع وحس مرهف للفنان والإنسان العربى على حد سواء، ومن أمثلة ذلك قصر الحمراء في غرناطة والجامع الكبير في إشبيلية.

وفى مجال العلوم، شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب، فأنشأوا المدارس والجامعات والمكتبات والمختبرات في جميع الأرجاء، وإليهم وحدهم يرجع الفضل في ترجمة كتبهم وكتب اليونان للغة اللاتينية، مما كان له أبلغ الأثر في تواصل المعرفة والإنتاج الحضارى في كافة مجالات الحياة. كما كانت مدينة قرطبة بحق القبلة الآمنة لكل طلاب العلم في أوروبا المسيحية. حتى أنه في الوقت الذي كانت فيه إسبانيا وحدها زاهرة بالعلم والعلماء، كانت مراكز الثقافة في الغرب عبارة عن أبراج عالية يسكنها رهبان يفخرون بأنهم لا يقرأون. وكان كل صلتهم بالعلم هي قضاء أوقاتهم في أديرتهم يكشطون في خشوع كتب الأقدمين النفيسة لتوفير أكبر عدد ممكن من نسخ العبادة. وحين حاول رجل مثل جربرت الذي صار بابا في 999 م باسم سلفستر الثاني أن ينشر في أوروبا ما تعلمه، فعد الناس عمله من الخوارق واتهموه بأنه باع روحه من الشيطان ؟!

وفى مجال الزراعة، كان للعرب نفس براعتهم في المجالات الأخرى، فحتى وقت قريب لم يكن يوجد في إسبانيا في مجال الرى إلا ما أتمه العرب من قناطر وأهوسة وسدود وترع وقنوات للرى والزراعة، كما أدخلوا إلى إسبانيا زراعة قصب السكر والتوت والزعفران والأرز والقطن والموز، إلخ. فباتت إسبانيا جنة من جنان الله في الأرض.

وفى مجالات التجارة والصناعة والعلاقات الخارجية، كان العرب يصدرون منتجات المناجم ومعامل الأسلحة ومصانع الأنسجة والجلود والسكر إلى إفريقيا والشرق بواسطة تجار من اليهود والبربر.

وفى مجال الدين والأخلاق، استطاع العرب بمعاملتهم الكريمة أن يؤصلوا العديد من مكارم الأخلاق في النفس المسيحية، كالتسامح الذي هو أيمن صفات الإنسان، وبلغ حلم عرب إسبانيا نحو الأهلين المغلوبين مبلغاً كانوا يسمحون به لأساقفتهم أن يعقدوا مؤتمراتهم الدينية بحرية كاملة، كمؤتمر إشبيلية الذي عقد سنة 782 م ومؤتمر قرطبة الذي عقد سنة 852 م، وتعد الكنائس التي بناها المسيحيون أيام الحكم العربى خير دليل على احترام العرب لمعتقدات الأمم التي خضعت لسلطانهم. كما كانت إسبانيا العربية بلد أوروبا الوحيد الذي تمتع اليهود فيه بحماية الدولة ورعايتها، فصار عددهم كبيراً جداً أثناء الحكم العربى.

وتلك الأيام نداولها بين الناس... يذكر لنا التاريخ أن الفتوحات الإسلامية لم تنشط بقدر ما نشطت في عهد الخليفة عمر، الذي أرسل له حاكم فارس برسالة ذات مرة مع رسول، فإذا برسوله يجده نائماً في الطريق مستظلاً بشجرة لا يأبه أحد. فتعجب الرجل وقال: " حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت يا عمر" وهذا وإن دل على شيء، فإنما يدل على عدل هؤلاء الخلفاء ورحمتهم التي صاحبتهم طيلة حكمهم في السلم والحرب، مع المسلم وغير المسلم.

أما اليوم، فلست أدرى ماذا سيقولون حين يلقون المسيح الذي حمل صليبه بنفسه ولبس تاج الشوك وزهقت روحه ليحقن دماء الأبرياء، كما يزعمون؛ فهم لم يتعلموا من تاريخهم، كما لم يتعلموا من تاريخنا؛ فهم لا يعلمون أنهم بقتلهم الهمجى لنا يحيون الإسلام فينا من جديد. وعندئذٍ سنعود ونسود ونقود ونتبع، ولكن، للخير والعدل والرحمة كما فعلنا من قبل.

إن العبرة يا سادة ليست بالقوة والبطش، وإنما بكبحك لقوتك عند مقدرتك وإبدالها بالعدل والرحمة، وهذا ظاهر في تاريخنا، فقد كان شعارنا دائماً حين كانت لنا الغلبة والسيادة هو العفو عند المقدرة. بينما حاضرنا الآن وهو ليس ملكنا ملئ بالظلم والبطش لأبرياء من إناس يدعون أنهم مفوضون إلهياً من السماء لمحاربة الإرهاب وتحقيق السلام ولا سلام على أيديهم، وأصبح القتلى في نظر هؤلاء الملائكة إرهابيين!!

إن غطرسة القوة لما ولن تحقق الأمن والسلام، وإنما تحقيق العدل وبث الرحمة والاعتراف بحق الأخرىن في الحياة مع الأمن كما اعترفنا وفعلنا من قبل. فهل من آذان تسمع وعقول تفهم وقلوب ترحم نفسها قبل الأخرىن ؟! فهل تحكمون وتعدلون وترحمون وتأمنون وتنامون كما كان ينام عمر ؟! هيهات.. هيهات..

" ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم، إنما نملى لهم ليزدادوا إثما ًولهم عذاب أليم " " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"