البنطس

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

البنطس (باللاتينية: Pontus) (باليونانية:Πόντος وتعني حرفيا البحر) هو اسم أطلق في الأزمنة القديمة على المناطق التي تشمل شمال شرق آسيا الصغرى والمجاورة لبونتوس يوكسين (البحر الأسود).

الموقع الجغرافي[عدل]

يتفاوت المغزى المحدد من هذا الاسم الإقليمي كثيرا في مختلف الأزمان. فاليونانيون استعملوه ليسموا الأجزاء الموازية لشواطئ البحر الأسود، ولم يتحدد الاسم بكل مؤكد حتى تأسيس المملكة الموجودة إلى ما بعد نهر هاليس أثناء الفترة الصراعات التي تبعت موت الإسكندر الأكبر، كان هذا حوالي العام 301 ق م من قبل ميثراداتس الأول كتيستس وهو ابن ساتراب فارسي خدم في جيش أنتيغونوس أحد ورثة الإسكندر، وحكمت الدولة من قبل عدة ملوك متعاقبين يحمل أغلبهم نفس الاسم حتى عام 64 ق م.

الجزء الأعظم هذه المملكة كابادوكيا، التي امتدت في الأزمنة الأولى من حدود كيليكيا إلى البحر الأسود، والمملكة ككل في بادي الأمر سميت كابادوكيا نحو البنطس، لكن بعد ذلك أصبحت البنطس فقط، والاسم كابادوكيا أصبح محددا بالنصف الجنوبي للمنطقة.

تحت حكم الملك الأخير ميثراداتس السادس يوباتور والذي لقب بالكبير لم تتضمن مملكة البنطس فقط كابادوكيا البنطية لكن أيضا الساحل من حدود بيثينيا إلى كولخيس وجزءا من دواخل بافلاغونيا وأرمينيا الصغرى. وبنهاية هذه المملكة من قبل بومبي في عام 64 ق م تغير معنى الاسم. فجزء من المملكة أصبح ملحقا بالإمبراطورية الرومانية حيث تم توحيده مع بيثينيا في محافظة سميت البنطس وبيثينيا، وهذا الجزء تضمن (على الأغلب من البداية، لكن بالتأكيد من حوالي 40 ق م وقدما) فقط الساحل بين هيراكليا (إريغلي) وأميسوس (سامسون). فيما بعد أصبح الاسم يدل على نصف هذه المحافظة الثنائية، خصوصا من قبل الرومان والناس الذين يتكلمون من وجهة نظر رومانية؛ هو مستعمل بشكل كبير في العهد الجديد.

لكنه الاسم أيضا استعمل كثيرا للدلالة (بشكل كامل أو جزئي) على ذلك الجزء من المملكة الميثراداتية القديمة التي تقع بين نهر هاليس وحدود كولخيس وأرمينيا الصغرى وكابادوكيا وغلاطية، وهي المنطقة المسماة كابادوكيا نحو البنطس، والتي كانت نواة المملكة البنطية. أخذ الجغرافي سترابون اسم المنطقة (وهو نفسه من مواطنيها) بالمعنى الدقيق للاسم.

التضاريس[عدل]

تضاريس الإقليم عبارة عن مجموعة من الهضاب تشكل الزاوية الشمالية الشرقية للهضبة العظيمة في آسيا الصغرى، تحدها من الشمال حواف جبلية عالية. والهضبة تشمل سلسلة سهول خصبة تختلف في حجمها وارتفاعها ومنفصلة عن بعضها البعض بالمرتفعات أو الجبال، وهو جاف تقريبا من الجهة قبل نهر آيريس (ييشيل) وروافده العديدة وأكبرها سكيلاكس (جيكيريك) ذو الرافد العديدة ليكوس (كلكيت)، والثلاثة كلها ترتفع في المرتفعات قرب حدود أرمينيا الصغرى ومتدفقة أولا باتجاه الغرب وبعد ذلك باتجاه الشمال الغربي لتتحد مياه الأنهار في جدول مشترك وهو إيريس الذي يثقب الحائط الجبلي ويظهر على شرق أميسوس (سمسون).

حافة الجبل بين هاليس وآيريس منخفضة ووعرة نسبيا، لكن ما يقع شرق آيريس هو حافة عالية متصلة (سماها القدماء باريادرس وسكيديسس)، حيث المنحدرات الشمالية الوعرة مثلمة بممرات السيول، وبها مجموعة كبيرة من الجداول الصغيرة (بينهم ثيرمودون وهو الآن تيرمي وهو مشهور في قصة الأمازونيات) والتي تصب في البحر.

سكان الإقليم[عدل]

سكان الإقليم كانوا من نفس عرق الكابادوكيين، وقد شكلوا جزءا من عرق شرقي سماهم الإغريق ليوكوسيري (باللاتينية: Leucosyri) أو السوريون البيض كتمييز عن السوريين الجنوبين الذين كانت لهم سحنة أدكن، لكن علاقاتهم العرقية الدقيقة مجهولة.

هذه المنحدرات الصعب الوصول إليها كانت مسكونة حتى في زمن سترابو من قبل قبائل أخرى نصف همجية وبرية لا نعرف إلى أي مجموعة عرقية تنتمي) وتدعى خاليبس (وعرّفها اليونانيون مع القوم بنفس الاسم الذين ذكرهم هوميروس)، وكذلك تيباريني ومسينويكي وماكرونس، والذي يلقي كسينوفون بعض الضوء على عاداتهم وتقاليدهم. لكن حافة الساحل من طرابزون غربا هي إحدى أجمل أجزاء آسيا الصغرى وأشاد بها سترابو لروائع ما تنتجه. وساحل البحر، مثل بقية السواحل الجنوبية للبحر الأسود، كان مليئا بالمستعمرات اليونانية التي أسست من القرن السادس ق م فصاعدا، ومنها:

  • مستعمرة أميسوس والتي أسسها أهل ميليتوس التي في القرن الخامس دخلتها جموع من المستوطنين الأثينيين وهي الآن ميناء سامسون.
  • مستعمرة كوتيورا وهي الآن أوردو.
  • وكيراسوس وأصبحت لاحقا فارناكيا وهي الآن كيراسوند.
  • وترابيزوس (طرابزون) وهي مدينة مشهورة من زمن كسينوفون حتى نهاية العصور الوسطى.

والثلاثة الأخيرة كانت مستعمرات سينوب، وهي نفسها مستعمرة ميليتية. أما عن البلدات الرئيسية في الداخل فنذكر منها:

  • أماسيا على نهر آيريس وهي مسقط رأس سترابون عاصمة ميثراداتس العظيم ومدفن الملوك السابقين، وقبورهم ما زالت موجودة.
  • مستعمرة كومانا في أعالى النهر وهي مركز مشهور من عبادة الربة ما (أو كوبيلي).
  • مدينة زيلا وهي مركز ديني عظيم آخر، أعاد تأسيسها بومبي وهي الآن زيلج.
  • يوباتوريا وأعاد تأسيسها بومبي باسم ماغنوبوليس في ملتقى نهري ليكوس وآيريس.
  • كابيرا وأعاد تأسيسها بومبي باسم ديوسبوليس، وبعد ذلك أصبحت نيو قيصرية والآن هي نيكسار.
  • سيباستوبوليس على نهر سكيلاكس، وهي الآن سيفاس.
  • ميغالوبوليس التي أسسها بومبي، في مكان ما في نفس المنطقة.

التاريخ[عدل]

إن تاريخ هذه المنطقة هو تاريخ تقدم الإمبراطورية الرومانية نحو الفرات. فموقعها السياسي بين عامي 64 و41 ق م غير محدد تماما وذلك عندما أصبح ماركوس أنطونيوس سيد الشرق. وجزء منها سلمها بومبي إلى الأمراء المتعاونين، فتم إعطاء أرض الساحل شرق هاليس (ماعدا منطقة أميسوس) وكذلك أرض قبائل باريادرس سكان التلال أعطيت مع أرمينيا الصغرى، إلى الزعيم الغلاطي ديوتاروس مع لقب ملك؛ وتركت كومانا تحت حكم كاهنها الأكبر.

بقية الدواخل قسمت من قبل بومبي بين المدن الداخلية، وجميعها تقريبا أسست من قبله، وطبقا لأحد الآراء تم جمع الإقليم بالساحل غرب أميسوس وشمال شرق بافلاغونيا (والذي كان في حوزة ميثراداتس) في محافظته الجديدة البنطس وبيثينيا. يزعم آخرون بأن الساحل فقط تم إلحاقه في المحافظة، والمدن الداخلية تم منحها حكما ذاتيا. ووجهة النظر الأخيرة أكثر انسجاما مع السياسة الرومانية في الشرق، التي لم تلحق البلدان عادة حتى تصل (تحت حكم الأمراء المتعاونين) إلى مستوى معين من الحضارة والنظام، لكن من الصعب الموافقة بينها وبين بيانات سترابو.

في أية حال، أثناء السنوات بعد 40 ق م سلمت كل دواخل البنطس إلى الأمراء المحليين مثل المنطقة الشمالية الشرقية لبافلاغونيا. والأملاك البنطية لديوراتوس (مات 40 ق م) تم تسليمها مع بعض الإضافات (مثل كابيرا) في 39 ق م إلى داريوس بن فارناكس، وفي 36 ق م إلى بوليمون وهو ابن خطيب من مدينة لاوديكيا على نهر ليكوس. وكاهن كومانا الأكبر ليكوميدس استلم أراضي ألقابا ملكية. وأراضي زيلا وميغالوبوليس قسمت بين ليكوميس كاهن زيلا الأكبر وأتيبوركس الذي حكم إمارة كارانا (لاحقا سيباستوبوليس)، وبالنسبة لأماسيا وأميسوس تم تسليمهما أيضا إلى الأمراء المحليين.

بعد معركة أكتيوم عام 31 ق م. قام أغسطس بإعادة أميسوس كمدينة حرة في محافظة بيثينيا والبنطس، لكنه لم يقم بأي تغييرات جدية آخرى. واحتفظ بوليمون بمملكته حتى موته سنة 8 ق م عندما انتقلت إلى أرملته بيثودوريس، لكن عملية الإلحاق بالإمبراطورية كانت قد بدأت والمناطق البنطية دمجت بشكل تدريجي في الإمبراطورية، وكلها ربطت بمحافظة غالاتيا التي كانت وقتها مركز السياسة الأمامية الرومانية. فالمنطقة الغربية ضمت في قسمين هما سيباستوبوليس وأماسيا في أعوام 3 – 2 ق م. وكومانا أعوام 34 – 35 م، ولتمييز هذه المنطقة عن محافظة البنطس والمنطقة التي يحكمها بوليمون سميت البنطس الغلاطية (وكانت أول جزء انضم لغلاطية)

وهناك مملكة بوليمون والتي حكمها بوليمون الثاني منذ عام 38 ق م وهو حفيد الملك السابق، وقد ضمت من قبل نيرون أعوام 64 – 65 م، وتم تمييزها بعنوان البنطس البوليمونية (باللاتينية: Pontus Polemoniacus) والتي بقت لقرون. ولكن الاسم المعروف وهو البنطس (والذي استعمل عموما لتحديد مملكة بوليمون) كان لا يزال مستخدما للدلالة على هذه المنطقة لوحدها أو بالجمع مع البنطس الغلاطية، حيثما يوضح السياق المعنى (ومثال على ذلك كما في النقوش وعلى العملات المعدنية).

وتضمنت البنطس البوليمونية ساحل البحر من ثيرمودون إلى كوتيورا وطبقا لبطليموس فقد تضمنت أيضا المدن الداخلية مثل زيلا وماغنوبوليس وميغالوبوليس ونيوقصرية وسيباستيا، لكن على ما يبدو وطبقا للعملات المعدنية فقد ضمت للبنطس منذ عام 2 ق م.

أخيرا، في نفس الوقت (64 م) ضم الجزء الشرقي الباقي للبنطس والذي شكل جزءا من مملكة بوليمون لكنه ربط بمحافظة كابادوكيا وسمي بالبنطس الكابادوكية، شكلت هذه المناطق الثلاث أقسام إدارية مختلفة ضمن المحافظات التي ربطت بها، وكانت عواصمها منفصلة فهناك أماسيا ونيوقيصرية وترابيزوس؛ لكن أول قسمين إداريين دمجا بعد ذلك في قسم واحد، سمى أحيانا البنطس المتوسطي وعاصمته نيو قيصرية، على الأغلب عندما نقلا بشكل نهائي (حوالي العام 114 م) ليصبحا جزءا من كابادوكيا، والتي كانت عندها أكبر المحافظات العسكرية الحدودية.

عندما أعيد تنظيم النظام الإقليمي تحت إشراف ديوكلتيان حوالي 295 م، قسمت المناطق البنطية بين أربع محافظات، وأولها بافلاغونيا والذي ربطت معه أغلب المحافظة القديمة؛ وديوسبونتوس والذي أعاد قسطنطين تسميته هيلينوبونتوس، ويشمل بقية محافظة البنطس والمنطقة المجاورة وبه ثمان مدن (بما في ذلك سينوب وأميسوس وزيلا) ومع أماسيا العاصمة؛ والبنطس البوليموني الذي يحتوي كومانا وبوليمونيوم وكيراسوس وترابيزوس مع نيوقيصرية كعاصمة؛ وأيضا أرمينيا الصغرى وبها خمس مدن مع سيباستيا كعاصمة.

أعطت إعادة التنظيم هذه مكانا لينظم البيزنطيون المناطق العسكرية. وقدمت المسيحية إلى المحافظة من البحر في القرن الأول بعد السيد المسيح وتجذرت بعمق عندما حكم بليني المحافظة (111 – 113 م). لكن تنصير المناطق الداخلية بدأ فقط حوالي منتصف القرن الثالث وبشكل كبير بسبب الحماس التبشيري لجريجوري ثاوماتورغوس أسقف نيو قيصرية

تحوي هذه المقالة معلومات مترجمة من الطبعة الحادية عشرة لدائرة المعارف البريطانية لسنة 1911 وهي الآن من ضمن الملكية العامة.