التاريخ البنائي لقوة الرومان العسكرية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

يتضمن التاريخ البنائي للقوة العسكرية الرومانية التحولات الأساسية التي طرأت علي بنية وتنظيم جيش روما القديمة الذي يعتبر "أكثر مؤسسة عسكرية مؤثرة وطويلة الأمد عرفها التاريخ."[1] خضعت المؤسسة العسكرية في روما القديمة إلي تغيرات أساسية منذ تأسيسها عام 800 ق.م وحتى حلها بالكامل عام 470 م، تزامناً مع تلاش الامبراطورية الرومانية الغربية. فقد انقسمت القوة العسكرية على أعلى مستوى إلى جناحي بري وبحري على الرغم من أن هذا التصنيف كان أقل وضوحا من مؤسسات الدفاع الوطني الحديثة. أدى كلاً من الإصلاح العسكري والتطور التدريجي الجزئي إلى تغيرات هيكلية على مستوي الجناحي البري والبحري التي يمكن تقسيمها إلي أربع مراحل أساسية.

نموذج للمقاتلين الرومان القدماء من كتاب ألبرت كريتشمر أزياء الشعوب (1882)

المرحلة الأولي اعتمد الجيش في نشأته في هذه المرحلة علي الخدمة العسكرية السنوية التي فُرضت علي المواطنين بموجب كونها جزء من واجباتهم تجاه الدولة فقد كان جيش الرومان أثناء تلك الفترة يشن حملات موسمية ضد الخصوم داخل الإمبراطورية

المرحلة الثانية مع استمرار خضوع الاقاليم لهيمنة الرومان وازدياد عدد قواتهم، أصبحت الجندية تدريجياً تتضمن جنود مرتزقة مما أدي إلي امتداد مدة الخدمة العسكرية للفئات الأدني ( والتي لا تتقاضي اجور). وقد تميزت الوحدات العسكرية الرومانية في تلك الفترة إلي حد كبير بتجانسها وتنظيمها رفيع المستوي. وقد احتوي الجيش أيضاً علي وحدات المشاة من المدنيين يعرفوا ب"الفيالق" ( باللاتينية:legiones ) ووحدات اخري يطلق عليها القوات الأجنبية المساعدة (باللاتينية: auxilia) والتي كانت في الغالب تُستدعي لدعم الجيش بالمشاة خفيفة التسليح والمساعدات اللوجستية وسلاح الفرسان.

المرحلة الثالثة كانت مهمة القوات العسكرية تشتمل علي إدارة وتأمين حدود الأقاليم العظمي التي خضعت لنفوذ الإمبراطورية الرومانية في الوقت الذي بلغت فيه أوج قوتها. وقد قلَت في هذه الفترة الأخطار الاستراتيجية واقتصر الاهتمام علي الحفاظ علي الاراضي المكتسبة. وقد خضع الجيش لتغييرات نابعة من الاحتياجات التي طرأت حديثاً وأصبح أكثر اعتماداً علي الحاميات العسكرية من المخيمات الزحفية والعمليات الميدانية المستمرة.

المرحلة الرابعة ظلت الخدمة العسكرية قائمة كمهنة بأجور داخل القوات النظامية وذلك في الوقت الذي كانت روما منهمكة في الحفاظ علي هيمنتها علي الأقاليم متسعة الأرجاء (مترامية الأطراف). وقد شاع تعيين عناصر من المرتزقة والحلفاء حتي أصبحوا يمثلون نسبة أساسية من الجيش. وقد اضمحلت في الوقت ذاته الوحدة التي تمتعت بها قوات روما العسكرية في سابق عهدها حيث تألفت الجندية في هذا العصر من الفرسان الرماة خفيفي التسليح إلي المشاة ثقيلة التسليح علي هيئة أفواج متفاوتة الكفاءة والأعداد. وقد غلب وجود سلاح الفرسان بشكل متزايد وأكثر من فرق المشاة. كما اصطحب ذلك الحاجة للمزيد من العمليات الزحفية خاصة في أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية.

القوات القبلية (حوالي ٨٠٠ ق.م – ٥٧٨ ق.م)[عدل]

وفقاً لما ذكره كلاً من المؤرخين تيتوس ليفيوس وديونيسوس هاليكارناسوس أقدم جيش روماني تواجد عام 8 ق.م وذلك في كتابتهم فيما بعد هذا التاريخ بكثير. وفي تلك االفترة كانت روما مجرد مستوطنة محصنة تعلو قمم التلال. وقد تألف من قوة صغيرة نسبياً اقتصرت نشاطاتها " غالباً علي شن غارات وسرقة الماشية وخوض اشتباكات بسيطة من حين إلي أخر ."[2] يشير المؤرخ الألماني تيودور مومسن لهذه القوة باسم "الجيش الكيرياتي" أو عشائري (مشتقة من اللاتينية curia وتعني العشيرة) نسبة إلي التقسيم المستند علي الحدود الافتراضية بين القبائل الثلاث التي أسست روما وهم الرمانيس واللوسيرس والتيتيس.[3] وعلي الرغم أنه من الصعب الوصول إلي تركيب محدد لهذا الجيش، إلا أنه كان بشكل عام أشبه بفرقة من المقاتلين أو مجموعة من الحُراس تحت قيادة شيخ القبيلة أو الملك.[4] و يري مومسن أن نظام وانضباط المؤسسة العسكرية الرومانية في هذه الفترة كان محكوما بقوانين الملك إيطالوس الابوكريفية ( معروفة للاغلبية ولكن غير صحيحة)[5] والتي فُقدت رغم إشارة أرسطو لها. تكون الجيش وفقاً لليفيوس تحديداً من ٣٠٠٠ جندي من المشاة و٣٠٠ من الخيالة وقد تألف ثلث كلاً منهما من القبائل المؤسسة الثلاث. عمل المحاربون تحت إمرة ستة من القادة بقيادة القائد العام الذي في الغالب كان الحاكم.[6] أتي مومسن بالحجج والبراهين الفيلولوجية كما استعان بليفيوس ومصادر أخري ليشير أن الأغلبية العظمي من الجنود المشاة كانوا من رماة الرماح (باللاتينية : pilumni) مع عدد أقل غالباً من رماة السهام [7] (باللاتينية:arquites). أما عدد الخيالة فقد كان أقل بكثير وعلي الأرجح كانوا من أغنياء المدينة فقط.[8] و يُرجح أن الجيش تتضمن نماذج بدائية من العجلات الحربية وذلك مرجح في الكلمة اللاتينية flexuntes و[9][10] التي تعني الإنجليزية (the wheelers). ومع بزوغ القرن ٧ ق.م ، كانت الهيمنة في المنطقة للحضارة الإتروسكانية والتي ظهرت في العصر الحديدي.[11][12] حذي الرومان حذو أغلب شعوب المنطقة حيث اصطدموا بالأتروسكان ومع نهاية القرن، هزم الرومان في صراعهم من أجل الاستقلال وأنتهي بغزو الأتروسكان لروما وتأسيسهم لمملكة دكتاتورية ذات طابع عسكري.

الهوبليت ( المشاة الأتروسكانيون) (٥٧٨ ق.م – حوالي ٣١٥ ق.م)[عدل]

علي الرغم من تعدد المصادر الرومانية القديمة، بما فيهم كتابات ليفيوس وبوليبيوس، التي تحدثت عن الجيش في فترة المملكة الرومانية بشكل شامل والتي تلت سقوط روما في أيدي الأتروسكان، لم يتم العثور علي روايات معاصرة. فعلي سبيل المثال دون بوليبيوس هذه الأحداث بعد ثلاثمئة عام تقريباً من وقوعها ، وكذلك ليفيوس بعد حوالي خمسمائة عام. هذا بالإضافة إلي أن كل ما احتفظ به الرومان في هذه الفترة من مخطوطات قد دُمر أثناء أعمال السلب والنهب التي حذثت للمدينة. فلذلك مصادر تلك الفترة لا تعتبرموضع ثقة إلا التاريخ العسكري لما بعد تلك الفترة مثل الحرب البونية الأولى وما بعد ذلك.

تمثال لمقاتل الهوبليت في اليونان القديمة يعود إلي القرن الخامس ق.م (متحف أسبرطة الأثري)

حكم كلاً من تاركوينيوس بريسكوس وسيرفيوس توليوس وتاركوينيوس سوبربوس روما في الفترة التي كانت تحت سيطرة الأتروسكان وذلك وفقاً لما ذُكر في الروايات التي بقت حتي اليوم. وفي تلك الفترة خضع الجيش إلي إصلاح والذي عادةً يُنسب إلي سيرفيوس ثاني الملوك الأتروسكانيين حيث أصبح مقسم إلي وحدات مئوية علي خلفية التصنيف الإجتماعي والإقتصادي.[13] أجري توليوس قبل ذلك أول إحصاء رسمي لسكان روما[14] ويقول ليفيوس أن توليوس قام بإصلاح الجيش من خلال زرع النظام الطبقي الإجتماعي الذي نتج عن هذا الإحصاء داخل بنيته.[13] وقد أُعتبرت الخدمة العسكرية ذلك الوقت علي نطاق واسع من مسؤليات المدنيين وكما كانت تُعد إحدي سبل رفع المكانة والهيبة الإجتماعية.[15]

وربما يكون القول بأن بنية الجيش أُدخل عليها بعض التحسينات أكثر دقة من وصفها بأنها إصلاحات الجذرية. فقد انقسمت المشاة قبل تلك الإصلاحات إلي فئة تضم المواطنين الأغنياء (باللاتينية: classis) وأخري للفقراء (باللاتينية: infra classem) والتي اُستبعدت من صفوف المقاتلين بحجة رداءة معداتهم القتالية.[8] وفي أثناء تلك الإصلاحات أصبح هذا التقسيم البسيط القائم علي التفريق بين الأغنياء والفقراء بناء طبقي أكثر تعقيداً. وقد اعتمد الجيش بمختلف قواته بعد ذلك علي فئة المواطنين ذوي الأملاك (باللاتينية: adsidui ). وبذلك أصبحت الخدمة العسكرية إلزامية لجميع الطبقات من فقراء الفئة الخامسة لأغنياء الفئة الأولي وعلي رأسهم الفرسان.[16] رأي الرومان في تلك الفترة أن الخدمة العسكرية ما هي إلا التأدية المناسبة لواجبات المواطن تجاه الدولة وذلك علي نقيض التصورات السابقة عن الخدمة العسكرية كعبئاً ثقيلاً؛ [17] وبالرغم من وجود بعض الروايات تصف الرومان الذين قاموا بتشويه أجسادهم حتي يتم إعفائهم من أداء الخدمة العسكرية وخاصة في أواخر عهد الإمبراطورية إلا أن هذا النفور لم يُعرف في بدايات جيش روما[18] وذلك يمكن أن يرجع جزئياً إلي قلة الصراعات في هذة الحقبة وكذلك لأن الجنود كانوا يخوضوا تلك المعارك غالباً في مناطق قريبة من ديارهم. كما يُرجع بعض الكتاب الرومان مؤخرأ ذلك إلي الروح القتالية التي كانت سائدة في القدَم.[19]

مثلت وحدات راكبي الخيل الطبقة العليا، وقد عُرفوا أيضاً بالخيَالة (باللاتينية: equites). كما تألفت المشاة الثقيلة المدججة بالسيوف والحراب من الفئة الأولي من المواطنين الأغنياء وقد تقدمت الصفوف في المعارك. تشابه تسليح الفئة الثانية ً مع تسليح الفئة الأولي فيما عدا أن مقاتلي الفئة الثانية استخدموا دروعاً مستطيلة بدلاً من دائرية الشكل ولم يرتدوا دروعاً واقية للصدور، وقد لحقوا الصف الأول في تشكيلة الجيش أثناء المعارك. أما الفئة الثالثة والرابعة فقد كان تسليحهم يعتمد علي أسلحة خفيفة مثل النصال والرماح وكانت تتخذ الفئة الثالثة مكانها خلف الفئة الثانية لتدعيمها بالرماح. وتألفت الفئة الخامسة من فقراء المُمَلكين وقد تم تسليحهم بالحجارة والمقاليع للقيام بالمناوشات فقط حيث تم نشرهم كحاجز أمامي لحماية تقدم القوات الأساسية أو لتغطية مناوراتهم.

عُفي من الخدمة العسكرية كل من لم يكن خاصته أي ممتلكات، وبذلك اُستبعد من الفئات المؤهلة لأداء الخدمة العسكرية (باللاتينية: adsidui ) وذلك علي خلفية العجز عن تدبير العتاد وغير ذلك.[13] وبالرغم من أن القيمة العسكرية لهذه الفئة كانت موضع خلاف إلا أنهم أُلزموا بتأديتها في ظل الأحوال الطارئة.[20] قاتلت هذه القوات المؤلفة من مختلف الطبقات جنباً إلي جنب أثناء المعارك ولكن اُستثني من ذلك الأقدمين الذين أقتصرت مهمتهم علي حماية المدينة.[14] زُعم أن الجيش قد ازداد عدده في القرن الخامس قبل الميلاد من ٣٠٠٠ إلي ٤٠٠٠ مقاتل وفي وقتاً ما قبل بزوغ القرن الرابع قبل الميلاد ليصل عدده إلي٦٠٠٠ مقاتل [8] ؛و قد تم تقسيمة بعد ذلك إلي ٦٠ وحدة مئوية.[21]

الفيالق الشِرذمية ( ٣١٥ ق.م- ١٠٧ ق.م)[عدل]

استمر جيش الجمهورية الرومانية في التطور حيث طرأت عليه بعض التغييرات وقد مال العديد من الرومان إلي ربطها بالمُصلحين الكبار وجهودهم الفردية وسياستهم الإصلاحية إلا أنها نتجت بشكل أكبرعن التطورالتدريجي.[22] حاكي الرومان أعدائهم ،غالباَ من السامنيين في جنوب ووسط إيطاليا، حيث أخذوا عنهم تشكيلاتهم الشِرذمية وربما كان ذلك نتيجة الهزائم التي لحقت بهم خاصة الحرب السامنية الثانية.[23][24] و قد عُرف في تلك الفترة التشكيل المكون من ٥٠٠٠ مقاتل باسم الفيلق (باللاتينية: legio) . تألفت الفيالق في فترات الجمهورية المبكرة والوسطي من كلاً من المشاة خفيفة وثقيلة التسليح وذلك علي نقيض التشكيلات الفيلقية فيما بعد التي تكونت فقط من المشاة ثقيلة التسليح. ولذا فإن استخدام مصطلح الجيش الشِرذمي يشير إلي الجيوش القائمة وحدات تسمي الشراذم (جمع شِرذمة وهي تعني جماعة قليلة من الأفراد) (باللاتينية:manipulus) والذي يختلف تماماً عن جيش الإمبراطورية الفيلقي فيما بعد والذي قام علي نظام الكتائب. بُني نظام الجيش الشِرذمي بشكل جزئي علي التصنيف من حيث الطبقة الإجتماعية من ناحية ومن ناحية أخري أُعتمد علي معايير السن والخبرة العسكرية.[25] و يمثل هذا النظام علي المستوي النظري الانتقال بين أنظمة الجيوش في الفترات المبكرة التي قامت علي أساس طبقي وأنظمة الجيوش في العصور المتأخرة التي خلت من أي نوع من الطبقية. وحين ألحَت الضرورة في وقتاً ما في فترة الجمهورية لم يُعفي حتي العبيد من الخدمة في الجيش.[26] كان من المعتاد أن يتم حشد فيلقاً كل عام ولكن في عام ٣٦٦ ق.م ُحشد لأول مرة فيلقان في سنة واحدة.[8]

زي القدماء الرومان العسكري (المتحف العسكري القومي في بوخارست) رومانيا

ترجع تسمية الجيش الشِرذمي إلي الطريقة التي كان يتم بها نشر المشاة ثقيلة التسليح علي هيئة شراذم أو مجموعات. تألفت كل وحدة من١٢٠مقاتل من مختلف فئات المشاة. تميزت التشكيلات الشِرذمية بصغر حجمها مما جعل تحركات وحدات المشاة داخل الحيز الأساسي للجيش أكثر سهولة أثناء المعركة. تم تقسيم الشِرذام إلي ثلاثة أنواع طبقاً لتقسيم المشاة ثقيلة التسليح إلي ثلاثة فئات.[27] النوع الأول تألف من مجموعات (شِراذم) الرمَاحين (باللاتينية: hastati)، وقد شكَل المشاة المنتمين لهذا النوع الصفوف الأولي للجيش. تكونت الشرذمة من١٢٠مقاتل أنقسموا إلي ثلاثة صفوف وقد تكون كل صف من ٤٠ مقاتل.[28] كان رداء هؤلاء المشاة عبارة عن أوقية من الجلود السميكة كما زُودوا بدروع مصنوعة من النحاس وقلنسوات مُزينة بالريش (بلغ طولها : ٣٠ سم). وقد جُهزوا بتُروس مستطيلة محدبة كانت تُصنع من الخشب ومُدرعة بالحديد (بلغ طولها ١٢٠ سم/٤ أقدام). زُود هؤلاء المقاتلون أيضاً بالرماح بأنواعها المستخدمة في الرماية والاشتباك (باللاتينية :pila) وبنوع من السيوف القصيرة [29] (باللاتينية:gladius )

شكَل النوع ثاني من الِشراذم (باللاتينية: principes وتعني "القادة" حرفياً) الصفوف التي تلَت الصفوف الأولي؛ وقد كان تسليح وتدريع هذه الفئة مماثلاً للرمٌاحين ولكن يُستثني أنهم كانوا يرتدون سُترات خفيفة مصنوعة من حلقات معدنية صغيرة علي عكس الدروع الصلبة التي أرتداها الرماحون؛و قد أنقسمت هذه المجموعة إلي 10 صفوف مُشَكلين من 12 مقاتل. أما الصف الثالث في تنظيم صفوف الجيش أثناء المعارك فقد مثلته الفئة الثالثة (باللاتينية: triarii وتعني بالإنجليزية : third liner أي من يشكل الصف الثالث) والتي تكونت مما تبقي من القوات علي غِرار محاربي الهوبليت. وقد تم تزويدهم بمثل ما زُود به مقاتلي الفئة الثانية باستثناء أنهم كانوا مُدججين بعُصي رامحة (بالإنجليزية: pike) بدلاً من الرماح. تألفت هذه المجموعة من تشكيلين مكونين معاً من 600 مقاتل علي 10 صفوف (أي تكون كل صف من 6 مقاتلين). أبقي تقسيم الفيلق إلي ثلاثة فئات بعض الشئ علي التدرج الطبقي في المجتمع الروماني، إلا أنه يمكن الجزم بأن تشكيل الثلاث فئات علي الأقل رسمياً مؤسس علي السن والخبرة أكثر من التدرج الإجتماعي؛ حيث شكل المقاتلون تحت الإختبارو الأصغر سناً صف الرماحين، أما هؤلاء الأكبر سناً ذوو بعض الخبرة فقد شكلوا الفئة الثانية، بينما تألفت الفئة الثالثة من مجموعات المتمرسين ذوي الحكمة والحنكة.

نموذج للسترات الواقية التي ارتداها الفئة الثانية (principes)

يقول بوليبيوس في "القصص": " سجل الرومان عادةً أربعة فيالق كل عام؛ وقد تكون كلاً مما يقرب من أربعة آلاف راجل ومائتي فارس ؛ إذا ما طرأ أي شئ من الضرورة، حشدوا خمسة آلاف راجل وثلاثمائة فارس. أما القوات الحلفاء فقد تطابق في العدد مع المدنيين ولكن مع إختلاف أن عدد الفرسان زاد ثلاث أضعاف."

الفيالق في عهد ماريوس ( ١٠٧ق.م - ٢٧ ق.م)[عدل]

تمثال نصفي لماريوس (متحف جليبتوثيك في ميونخ)

و في سياق ما يُعرف باسم "الإصلاحات الماريوسية"، قام غايوس ماريوس ،قنصل روماني وأحد العسكريين الرومان، بتنفيذ برنامج ابتدعه لإصلاح القوة العسكرية الرومانية.[26] أصبح جميع المواطنين مؤهلين لتأدية الخدمة العسكرية دون أي اكتراث بأوضاعهم المعيشية أو الطبقة الإجتماعية التي ينتسبون إليها.[30] ولقد شكَلت هذه الخطوة بشكل نهائي وحاسم عملية تدريجية لإلغاء المِلكيات كشرط أساسي لتأدية الخدمة العسكرية.[31] وأما تصنيف المشاة الثقيلة إلي رمَاحين (باللاتينية: hastati) وطبقة أخري مكونة من المقاتلين المتمرسين (باللاتينية: principes) وأخري مكونة من الأغنياء وكبار السن (باللاتينية: triarii) الذي تلاشي تدريجياَ مع الوقت فقد أُلغي رسميا [27][32] ؛ وتكونت قوات متاجنسة من فيالق المشاة ثقيلة التسليح. تم تعبئة هذه الفيالق من المواطنين وذلك في الوقت الذي أمتدت فيه المواطنية الرومانية إقليمياً لتضم سكان معظم أرجاء إيطاليا القديمة وبلاد الغال.[33] وقد اُستبدلت بعض المشاة خفيفة التسليح مثل المناوشين (باللاتينية : velites ) والخيَالة ( باللاتينية : equites ) والتي تكونت من المدنيين بقوات مُدعِمة (باللاتينية: auxilia) أحياناً تألفت من قوات مرتزقة.[34] اعتمد جيش الرومان آنذاك علي قوات إضافية من الفرسان حيث تمركز وجود فيالق المدنيين في قوات المشاة الثقيلة.[35] و لطالما صوحبت هذه الفيالق بوجود قوات مُدعِمة خفيفة التسليح التي كانت موازية لها أو أكثر منهاً عددا ، وقد تم تشكيل تلك القوات بحشد غير المدنيين من سكان المناطق المختلفة في رقعة الإمبراطورية.[36] حُشدت جميع الفيالق من مختلف المقاطعات علي هذا النهج باستثناء ذلك الفيلق الذي كان يحشد في غلاطية.[33]

اعتمد حشد الفيالق ما بعد ماريوس بشكل كبير علي التطوع الذاتي من قِبل المواطنين أكثر من كونهم ملزمين لتأدية خدمتهم في الجيش [37] وقد قُبلوا الذين أتوا طواعيةً من القري والمدن الصغيرة المحيطة التي خضعت لهيمنة الرومان.[38] نال المدنيون خبرة عسكرية محدودة إما من خدمتهم الفعلية في ميدان المعركة أو مشاركتهم في حملات عسكرية معدودة ؛و قد فاق عددهم عدد هؤلاءالمتمرسون الذين امتهنوا العمل العسكري.[39] أختلفت الفيالق الرومانية في أواخر عهد الجمهورية عن الفيالق في عهد الإمبراطورية لاحقاً حيث تميزت بأن ساد الرومان بناءها وتكوينها[40] ، وعلي الرغم من ذلك فمن المحتمل أن عدد قليل من قوات مساعِدة خارجية دخل في النسيج البنائي لهذه الفيالق. كما استمر اختيار الضباط والقادة رفيعي المقام بشكل انتقائي من الطبقة الأرستقراطية.[38]

توقفت الحملات الموسمية التي أعتادت الفيالق خوضها من قبل في الفترات المبكرة للجمهورية الرومانية لحماية الأراضي التابعة. وعوضاً عن ذلك فقد تقاضي الجنود أجور متوسطة بشكل ثابت، كما عينتهم الدولة لفترات محددة. ولذلك فقد انجذب العديد من فقراء المجتمع لتأدية الخدمة العسكرية لِما وجدوه فيها من ضمان الحصول علي راتب ثابت [41] ، وبذلك انتشر وجود الفقراء في التكوين البنائي للجيش وتحديداً فقراء المناطق الريفية بنسبة أكبر من ذي قبل.[42] وترتب علي ذلك التطور اكتساب طبقات الكادحين مزيداً من القوة وارتقاء مكانتهم داخل مؤسسات الدولة.[41] كان من الضروري إضفاء الطابع المهني علي القوة العسكرية وذلك لمد الأراضي المكتسبة التي تقع في مناطق نائية بحاميات عسكرية دائمة مثل هسبانيا.

أشار المؤرخ ريتشارد إدوين سميث أن بعض الأخطار الإستراتيجية دفعت إلي حالة من الطوارئ مما أدي إلي ظهور الحاجة إلي تعبئة المزيد من الفيالق ، كما أكد سميث أن ذلك خلٌف نوعين من الفيالق.[43] النوع الأول هو الفيالق طويلة الأمد التي تألفت من القوات المتمرسة علي القتال ، وقد تم نشرها إما في المناطق النائية أو في مناطق ما وراء البحار. أما النوع الثاني فقد تمثل في الفيالق سريعة التشكيل والمتجددة التي تكونت من عناصر أصغر سناٌ وأقل حنكة ، وقد بحث هؤلاء المقاتلون عن خوض مغامرات جديدة وكسب الغنائم.[43] لم يكن علي الرغم من ذلك هناك اختلاف حقيقي في كلا النوعين من حيث دفع الأجور أو الانضباط أو التدريع. يمكن تفسير معاودة القوات المتمرسة للالتحاق طواعية بالفيالق حديثة النشأة علي نحو أنه لا توجد أي قوة تعمل بشكل كامل وفق أياً من هذه الصورالنموذجية لتشكيلات الفيالق، وذلك ما لم يكن ممكناً في ظل نظام الحملات الموسمية التي شنتها قوات المدنيين من الجيش.

كونت المشاة ثقيلة التسليح الأغلبية العظمي من الفيالق في أواخر عهد الجمهورية الرومانية ،حيث كانت الوحدة الأساسية للفيلق الواحد ما يُعرف بالكتيبة التي تكونت تقريبياً من ٤٨٠ جندي مشاة وسم <ref> غير صحيح؛ المراجع غير ذات المحتوى يجب أن تمتلك اسما ؛ وبذلك فإن الكتيبة كوحدة أكبر حجماً بكثير من الوحدات مثل الشِرذمة حيث تكونت من ٦مئويات (٨٠ مقاتل علي حِدة) [44] وقد شُكلت كل مئوية من ١٠ مجموعات (باللاتينية: contubernia) مكون كلاً منها من ٨ مقاتلين. وتم إضافة مجموعة صغيرة من ١٢٠ خيٌال فيلقي (باللاتينية: equites legionis) إلي كل فيلق وقد كانت مهامهم تعتمد علي دوريات الاستطلاع ونشر الأوامر ونقل الرسائل والأخبار بين الجيش أكثر من عملهم كفرسان في ميادين القتال.[45] كما تم تخصيص مجموعة من ٦٠ فرداً كسلاح مِدفعية لإدارة الآلات مثل العرادات.وسم <ref> غير صحيح؛ المراجع غير ذات المحتوى يجب أن تمتلك اسما

أحد أنواع العرادات (المنجنيق)
المِرجام

تجنيد غير المدنيين (٤٩ ق.م- ٢٧ ق.م)[عدل]

بحلول عام ٥٤ ق.م ، في عهد يوليوس قيصر ،تم إلحاق للوحدات الفيلقية بتكوينها المألوف مجموعة من المستطلعين (باللاتينية: exploratores) ومجموعة أخري من الجواسيس(باللاتينية: speculatores) والتي أقتصرت مهمات عناصرهم علي التسلسل إلي معسكرات العدو.[46] أقتضت الحوائج المُلحة التي صحبت اندلاع الحرب الأهلية تجنيد الفيالق من غير المدنيين وذلك ما قام به كلاً من يوليوس قيصر في بلاد الغال النربونية وماركوس بروتس في مقدونيا القديمة وبومبيوس في فارسالا.[47] وقد كان ذلك الإجراء استثنائي بالنسبة لنظام المعايير والمقاييس الذي عُمل به في تعبئة الفيالق من المدنيين في الأوقات المعتادة بموجب ما نص عليه القانون الروماني رسمياً.

الفيالق الإمبراطورية وإصلاحات القوات الأجنبية المساعدة (27 ق.م – 117م)[عدل]

مع بداية الألفية الجديدة انصَبُ إهتمام الإمبراطور أغسطس علي ردع القادة العسكريين ومنعهم من أي محاولات لاستيلاء علي العرش الإمبراطوري.[48] أظهرت تجارب يوليوس قيصر وأيضاً من ذي قبل ماريوس وسولا كورنيليوس أن جيش الطوارئ قد يتضمن قوات تسعي إلي كسب الغنائم في مقابل طاعة قادتهم للإنقلاب علي الحكام ؛ولتجنب ذلك قام أغسطس بحل تلك الفيالق المخصصة لحالات الطوارئ ولمقابلة الحتياج لهذه القوات زادت أعداد قوات الجيش الدائم حتي أصبحت كافية لتكوين قوة دفاع في كل إقليم.[48][49] يمكن القول أن تزويد قوات الفيالق والقوة الأجنبية المساعدة بمجموعة منتخبة من الحرس لحماية الإمبراطور أغسطس يرجع للأسباب عينها؛ وقد عُرفت النوع الأول من تلك الوحدات الي تم تأسيسها في روما باسم " الحرس البريتوري" (باللاتينية: Praetoriani) ،أما النوع الثاني والذي عُرف باسم "الكتائب المدنية" (باللاتينية: Cohortes urbanae) فقد أنشأه أغسطس لموازنة وتحجيم قوة الحرس البريتوري الهائلة وأيضاً للقيام بدور ما يُعرف بالشرطة المدنية.[50][51]

تغيرت القوة العسكرية من فيالق مؤلَفة من هؤلاء الذين امتهنوا العمل العسكري والعناصر التي اشتركت فقط في الحملات العسكرية إلي جيش دائم من المحترفين العسكريين فقط.[52] ظل البناء الفعلي للجيش - والذي تَشَكل من الكتائب كوحدة فرعية-علي ما كان عليه في أواخر عصور الجمهورية ،وذلك بالرغم من زيادة عدد عناصر الكتيبة الواحدة إلي ٨٠٠ مقاتل في القرن الأول الميلادي.[52][53] ؛كما استمر التشكيل الفيلقي للجيش بالرغم من بناء الفيلق كوحدة قد بدأ يتغير تدريجياً. . في حين أن تم حشد الفيالق في فترات الجمهورية المبكرة عن طريق إجراء قرعة بين هؤلاء المواطنين المؤهلين لتأدية الخدمة العسكرية، اعتمدت الفيالق الإمبراطورية علي الانضمام التطوعي علي نطاق واسع من المؤهلين لتأدية الخدمة العسكرية ؛وبينما تم تعبئة الفيالق في فترة الجمهورية الرومانية من سكان شبه الجزيرة الإيطالية فقط في أغلب الأحوال ، تألفت الفيالق في العصر الإمبراطوري من مجندين أتوا من مختلف أرجاء الإمبراطورية من عام ٦٨ م وفيما بعد ذلك. ويرجح أحد الافتراضات أن نسبة سكان شبه الجزيرة الإيطالية وصلت إلي٦٥٪ من تعداد الجيش في عهد الإمبراطورأغسطس في القرن الأول الميلادي إلي أن أنخفضت في أواخر عهد الإمبراطور نيرون لتصل إلي ٤٩٪.[54]

إدخال العناصر الأجنبية في نسيج الجيش (١١٧ م-٢٥٣ م)[عدل]

انخفضت في عهد الإمبراطور ادريان نسبة المجندين من سكان شبه الجزيرة الإيطالية لتصل إلي ١٠٪ [54] ،وبذلك مثَل المجندون من سكان الأقاليم التي خضعت لحكم الرومان الفئة المهيمنة في تشكيل الفيالق؛ ومن المرجح أن هذا يعود إلي حاجات الجيش المتغيرة والتي تتعلق بتزويده بالإمدادات البشرية أو اللوجستية. فقد أُنشئ منظومة دفاعية دائمة لتطويق حدود الإمبراطورية الخارجية وبهدف تعزيز المناطق التي اكتسبها تراجان مؤخراً ومما دعا إلي تخصيص بعض القوات بشكل دائم. تألفت أكثرية القوات فيما بعد مع بداية القرن الثالث الميلادي من سكان المستعمرات المترومنة (أي ذات طابع روماني) خارج حدود شبه الجزيرة الإيطالية.

انظر أيضا[عدل]

المصادر[عدل]

  1. ^ Encyclopædia Britannica, Eleventh Edition (1911), The Roman Army
  2. ^ Goldsworthy, In the Name of Rome, p. 18
  3. ^ Mommsen, The History of Rome, Volume 1, p. 40
  4. ^ Keppie, The Making of the Roman Army, p. 14
  5. ^ Mommsen, The History of Rome, Volume 1, p. 22
  6. ^ Grant, The History of Rome, p. 22 * Boak, A History of Rome to 565 AD, p. 69
  7. ^ Mommsen, The History of Rome, Volume 1, p. 20
  8. ^ أ ب ت ث Boak, A History of Rome to 565 AD, p. 69
  9. ^ Mommsen, The History of Rome, Volume 1, p. 65
  10. ^ Boak, A History of Rome to 565 AD, p. 86
  11. ^ Livy, The Rise of Rome, Book 5, chapter 33
  12. ^ Pallottino, The Etruscans, p. 68
  13. ^ أ ب ت Livy, The Rise of Rome, Book 1, chapter 42
  14. ^ أ ب Livy, The Rise of Rome, Book 1, chapter 43
  15. ^ Smith, Service in the Post-Marian Roman Army, p. 10
  16. ^ Gabba, Republican Rome, The Army And the Allies, p. 2
  17. ^ Grant, The History of Rome, p. 334 * Boak, A History of Rome, p. 454
  18. ^ Campbell, The Crisis of Empire, p. 126 * Boak, A History of Rome, p. 454
  19. ^ Vogt, The Decline of Rome, p. 158
  20. ^ Gabba, Republican Rome, The Army And the Allies, p. 5
  21. ^ Grant, The History of Rome, p. 24
  22. ^ Grant, The History of Rome, Faber and Faber, 1979 p. 54
  23. ^ Rome, The Samnite Wars
  24. ^ Sekunda, Early Roman Armies, p. 40
  25. ^ Boak, A History of Rome to 565 A.D., p. 87
  26. ^ أ ب Santosuosso, Storming the Heavens, p. 10
  27. ^ أ ب Santosuosso, Storming the Heavens, p. 18
  28. ^ From Maniple to Cohort From Maniple to Cohort
  29. ^ Polybius, History, Book 6
  30. ^ Boak, A History of Rome to 565 A.D., p. 189 * Santosuosso, Storming the Heavens, p. 10
  31. ^ Gabba, Republican Rome, The Army And the Allies, p. 1
  32. ^ Cary & Scullard, A History of Rome, p. 219
  33. ^ أ ب Luttwak, The Grand Strategy of the Roman Empire, p. 27
  34. ^ Santosuosso, Storming the Heavens, p. 16
  35. ^ Luttwak, The Grand Strategy of the Roman Empire, p. 40
  36. ^ Tacitus, Annals, IV, 5
  37. ^ Luttwak, The Grand Strategy of the Roman Empire, p. 16
  38. ^ أ ب Santosuosso, Storming the Heavens, p. 29
  39. ^ Santosuosso, Storming the Heavens, p. 51
  40. ^ Smith, Service in the Post-Marian Roman Army, p. 56
  41. ^ أ ب Gabba, Republican Rome, The Army and The Allies, p. 25
  42. ^ Boak, A History of Rome, p. 189
  43. ^ أ ب Smith, Service in the Post-Marian Roman Army, p. 29
  44. ^ Luttwak, The Grand Strategy of the Roman Empire, p. 14
  45. ^ Webster, The Roman Imperial Army, p. 116
  46. ^ Santosuosso, Storming the Heavens, p. 67
  47. ^ Smith, Service in the Post-Marian Roman Army, p. 57
  48. ^ أ ب Smith, Service in the Post-Marian Roman Army, p. 71
  49. ^ Boak, A History of Rome to 565 A.D., p. 270
  50. ^ Luttwak, The Grand Strategy of the Roman Empire, p. 17
  51. ^ Grant, A History of Rome, p. 209
  52. ^ أ ب Santosuosso, Storming the Heavens, p. 91
  53. ^ Hassall, The Army, p. 325
  54. ^ أ ب Santosuosso, Storming the Heavens, p. 98