الجراح الحكمي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

الجرَّاح الحَكميّ وهو الأمير أبو عقبة الجرَّاح بن عبد الله الحكميّ الوالي الأموي على سجستان، وهو تابعي عاصر الصحابة، وضرب أروع الأمثلة في نصرة الإسلام ونشره في بلاد ما وراء النهر، وفي حروبه على الخارجين على دولة الخلافة الإسلامية، وهو من دمشق من بلاد الشام، ولد ونشأ فيها، وولد مع نهاية العقد السادس الهجري من القرن الأول، فقد دل على ذلك مشاركته في نصرة كتائب الإسلام، وأشارت المصادر التي ترجمت له إلى أن أول ظهور عسكري له، إنما كان سنة 82هـ، في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث، عندما خرج على الدولة الأموية في دمشق، وشوهد في معركة (دير الجماجم)، حيث قتل ابن الأشعث، وكان مشاركا الحجاج في قيادة الجيش الأموي، وبرز الجراح في هذه المعركة في سعيه لأطفاء نار الفتنة عن طريق الأتصال بمعارفه ممن هم بمعية ابن الأشعث، في مناصحته لهم بالأبتعاد عنه وقد نجح في ذلك.

نسبه ومولده[عدل]

ولد في دمشق وأصله من مخلاف حكم في تهامة بين اليمن ومكة (ما يعرف اليوم بمنطقة جازان في جنوب غرب المملكة العربية السعودية)، ونسبه في قبيلة بني الحكم بن سعد العشيرة بن مَذْحِج وقيل بل من الحكم بن الهون بن خزيمة التي دخلت في الحلف مع أصهارها الحكم بن سعد العشيرة، ذكر ذلك ابن حزم وأكد عليه في كتابه جمهرة أنساب العرب وذكره اليعقوبي وابن الكلبي. كما جاء في كتاب أنساب الأشراف:[1]

وقد خرج آباء الجراح مع جيوش الفتح الإسلامي الأولى وذلك في زمن الخليفة عمر بن الخطاب وقد نزل بنو الحكم في الكوفة زمن أختطاطها شأنهم في ذلك شأن بقية أبناء هذه البلاد من بناة دولة الإسلام، وبعد أن تحققوا نصرة الإسلام في بلاد الشام أستوطنوها وعاشوا فيها، ومن خلال سكنهم فيها كانوا على جاهزية أي طلب للخروج للجهاد في سبيل الله، وككان الجراح واحدا من أبناء هذه العوائل المهاجرة في سبيل نصرة الدعوة.

وكان الحكم أكبر أبناء هذه العشيرة وبه يكنى، ومَذْحِج من القبائل اليمنية من كهلان بن سبأ، ومذحج أخو طيء.

ولاية الجراح[عدل]

ضرب الجراح أروع المثل في قتاله الخارجين على دار الخلافة، ومنهم ابن الأشعث فنال إعجاب الخلفاء من بني أمية، فوولاه الوليد بن عبد الملك ولاية البصرة، وتولى الجراح ولاية البصرة في عام 87هـ، وأستمرت ولايته لها ستة أعوام، وفي عام 96هـ، ثار الجند على قتيبة بن مسلم وقتلوه، فأستعان الوليد بن عبد الملك به للقضاء على الفتنة ومنيطا به ولاية واسط في العراق، ثم أنتقلت ولايته إلى خراسان وما جاورها، وذلك في السنة 99هـ، بتكليف من الخليفة سليمان بن عبد الملك، وأقره عليها الخليفة عمر بن عبد العزيز، ثم شكاه أهالي خراسان وما جاورها إلى الخليفة عمر فأستدعاه إلى دمشق وأبقاه في الشام، وكانت هذه الشكوى معنية بشيء من قساوته في سياسة حكمه، وقد نزل الجراح على طلب عمر بعد أن نزع منه الولاية في تلك البلاد، وقبل أن يقصد دمشق صعد منبر المسجد في عاصمة ولايته مخاطبا أهل خراسان ومبينا لهم، أنه تولاهم وهو في ثيابه التي هي عليه، وفرسه التي يملكها وبغلة قد تقدم بها العمر حتى شاب وجهها، ولم يصب من مالهم سوى حلية سيفه، فأستدان من بيت المال عشرة آلاف درهم، نفقة طريق حتى يصل بلاد الشام، فودع الأهالي وقصد دمشق وما أن وصلها حتى أمتثل بين يدي الخليفة، فسأله عمر كيف وصلت؟ فأفاده بأنه أستدان من بيت مال المسلمين عشرة آلاف درهم، فأمر الخليفة عمر بسجنه حتى يسدد ما عليه من دين لبيت المال، فجمع له قومه من الحكميين في دمشق، مبلغ السداد فأخلي سبيله، ضاربا بخلقه هذا أسمى آيات الولاء والوفاء لولي أمر المسلمين، وأقام بعدها بين أهله في بلاد الشام، إلا أن المنطقة وما حولها شهدت أضطرابات أستدعت عودته ثانية.

ثم شهدت منطقة ما وراء النهر أضطرابات على يد آل المهلب بن أبي صفرة، تمثلت بالخروج على خلافة الدولة الإسلامية، وأستطاع الجراح الوساطة عند مسلمة بن عبد الملك، في الصفح عن أبناء آل مهلب، بعدما كان ينوي بيعهم عقوبة لهم ولما آل أمر الخلافة الأموية إلى يزيد بن عبد الملك أناط بالجراح الولاية على خراسان وبلاد القوقاز من جديد عام 104هـ، الموافق 722م، وخاصة بعد كثرة الغارات من قبل اللان والوثنيين والأتراك على المدن في تلك المناطق فتصدى لهم الجراح وألحق بهم هزيمة منكرة، وتم فتح بلدة بلنجر على يديه، بعد حرب شعواء قتل منهم فيها الكثير، وبينما هو في عز الأنتصار جاءه أهل تفليس بوثيقة الصحابي حبيب بن مسلمة قائد الخليفة عثمان بن عفان فاتح تلك البلاد من قبله، التي صالحهم عليها حبيب فأعتمدها الجراح معطيا لهم الأمان الذي أعطاهم إياه حبيب من قبله. ومثل هذه الوثيقة التي وثقت حكم الجراح لتلك البلاد، كانت بمنزلة رد ونقض لما ذهب إليه كثير من الكتاب الروس المستشرقين في القول: إن الإسلام دخل متأخرا إلى بلاد القوقاز، وربما يعود دخول أهل القوقاز في دين الإسلام إلى القرن الثامن للهجرة، وهو مطلع القرن الخامس عشر الميلادي. وهذا ليس بصحيح وفق معطيات هذه الوثيقة التاريخية، ووثيقة حبيب بن مسلمة التي يعود تاريخها لعام 35هـ، ووفق رحلة أول سفير مسلم لبلاد البلقار (روسيا اليوم)، وهو أحمد بن فضلان، الذي أوفده الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة في 11 من صفر عام 309هـ، عام921م، وعاد بعد سنتين من سفره، والذي أعتنق ملك البلقار الإسلام على يديه، وكل هذا يكذب دعوى المستشرقين ويدل على سماحة دين الإسلام في هذه الرسالة، وهي إن الإسلام أعطى الولاية لأهل البلاد المفتوحة.

ولقد عزل الخليفة يزيد بن عبد الملك الجراح عن الولاية، ولما تولى الخلافة هشام بن عبد الملك بعد وفاة أخيه أعاده من جديد للولاية عام111هـ، 729م، وبعودته تجددت الفتن في بلاد ما وراء النهر من جديد، وتعرضت المدن لهجمات اللان والترك والخزريين وغيرهم من الوثنيين، فتصدى لهم الجراح.

وفاته[عدل]

وفي عام 112هـ، 730م، حدثت معركة عظيمة عند مضيق الدربند (باب الأبواب)، فاستدرجهم الجراح إلى صحراء ورثان، فكانت معركة حامية أستشهد على اثرها الجراح ومن معه، وقد شاع خبر أستشهاده وصموده في المعركة حتى ضرب به المثل (ليلة كليلة الجراح)، أو (يوم كيوم الجراح)، وفي هذه المعركة لا يزال الجسر الذي عبر منه الجراح يسمى باسمه (جسر الجراح) في بلاد داغستان.

قال ابن جابر وفي سنة اثنتي عشرة ومائة غزا الجرَّاح بلاد الترك ورجع؛ فأدركته الترك؛ فقُتِلَ هو وأصحابه؛ وقال أبو سفيان الحميري كان الجرَّاح على أرمينية، وكان رجلاً صالحًا؛ فقتلته الخزر ففزع الناس لقتله في البلدان. وقال سليم بن عامر دخلتُ على الجرَّاح فرفع يديه؛ فرفع الأمراء أيديهم؛ فمكث طويلاً ثم قال لي يا أبا يحيى هل تدري ما كنا فيه؟! قلتُ لا. وجدتُكم في رغبة فرفعتُ يدي معكم؛ قال سألْنَا اللهَ الشهادةَ فَوَاللهِ ما بقي منهم أحد في تلك الغزاة حتى استُشهِد.

قال خليفة زحف الجرَّاح من برذعة سنة اثنتي عشرة إلى ابن خاقان فاقتتلوا قتالاً شديداً فقُتِلَ الجرَّاح في رمضان وغلبت الخزر على أذربيجان، وبلغوا إلى قريب من الموصل. وقال الواقدي كان البلاء بمقتل الجرَّاح على المسلمين عظيمًا بكوا عليه في كل جند.

صفاته وأخلاقه[عدل]

عرف الجراح الحكمي في بلاد ما وراء النهر بالعفة والنزاهة وكان أميراً وقائدا عسكرياً وواليا عادلاً، مع أهلها من المسلمين وغيرهم من الطوائف الأخرى، وكان معروفاً بالحزم والجد مع العصاة الخارجين عن القانون، واستطاع بصفاته الحميدة مسك زمام الأمور وتنظيم أمور الدولة. ومن ذلك التاريخ وتلك الدول (من أواسط آسيا وبلاد القوقاز)التي فتحها الجراح لا يزال فيها دين الإسلام قائماً إلى اليوم.

المكيال الجراحي[عدل]

لقد قام الجراح بتنظيم أمور التسوق في تلك البلاد، وتسيير المحتسبين في الأسواق، ولأهمية الموازيين والمكاييل في الحياة العامة بين الناس، فقد وحد المكيال والميزان في تلك البلاد، بما يتفق والمكاييل والموازيين الإسلامية المعروفة، فزاد في عدد العاملين المحتسبين في الأسواق، حتى عرف الناس في بلاد ما وراء النهر (المكيال الجراحي)، وإلى ذلك أشار المؤرخ البلاذري (المتوفي 279هـ، 892م)، حيث زار البلاد وشاهد فيها المكيال الجراحي، وكيف إن الناس يتعاملون به وهذا إشارة إلى عدالته.

المراجع[عدل]

  1. ^ "وولد الهون مفتوح الهاء بن خزيمة: مليح بن الهون.فولد مليح: ييثغ بن مليح بن الهون. والحكم وهو قليل دخلوا في مذحج قالوا: نحن بنو الحكم بن سعد العشيرة وهم رهط الجراح بن عبد الله الحكمي. والله أعلم"

مصادر[عدل]

  • قادة الفتح الإسلامي في بلاد ما وراء النهر - محمود شيت خطاب - بغداد.
  • موسوعة دول العالم الإسلامي - الدكتور شاكر مصطفى - الجزء الأول - دار العلم للملايين -بيروت 1993م - صفحة 111 ،112.
  • مع الرعيل الأول - محب الدين الخطيب - المكتبة السلفية - القاهرة - صفحة 210.
  • مجلة الفيصل - العدد 374 - شعبان 1428هـ، أيلول 2007م - مقالة(رسالة الجراح الحكمي وجغرافية الدولة الإسلامية) - عبد الكريم إبراهيم السمك - الرياض - صفحة 108.
  • الوثائق الإسلامية - قاسم السامرائي - دار العلوم - 1983م - صفحة 25.
  • كتاب جمهرة أنساب العرب لابن حزم - صفحة 74.