المعز بن باديس

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

المعز بن باديس (422 هـ - 4 شعبان 454هـ / 1008م – 2 سبتمبر 1062م) من أهم أمراء بنو زيري، استمر ملكه بإفريقية والقيروان مدة 47 سنة، وهي من أطول الفترات خلال العهد الزيري، إذ حكم بين 406-453/1015-1061.

المعز بن باديس الصنهاجي[عدل]

قال عنه الذهبي: (صاحب إفريقية, المعز بن باديس بن منصور بن بُلُكين بن زيري بن مناد الحميري, الصنهاجي, المغربي, شرف الدولة ابن أمير المغرب).[1]

فترة حكمه[عدل]

وقد كان سلطانا جريئا في علاقته بالحكام الفاطميين بمصر. فكان يظهر لهم ندية كبيرة. وكان المعز منحرفاً عن مذاهب الرافضة ومنتحلاً للسنة فأعلن بمذهبه لأول ولايته ولعن الرافضة‏.‏ ثم صار إلى قتل من وجد منهم وفي عهده ألغى المذهب الشيعي، وخلع طاعة الفاطميين، ودعا للعباسيين وإعلان القطيعة للعلاقة بين دولته ودولة المستنصر بالله الفاطمي سنة 441/1049. فأسفر ذلك عن غضب الخليفة الفاطمي وتحريض القبائل العربية من بني هلال وسليم على الدخول إلى أفريقية. فاجتاحت جموعهم البلاد وزادوا في أزمة الدولة الاقتصادية. وقد تسبب ذلك في سقوط الدولة وانقسامها إلى إمارات مستقلة. اشتهر برجاحة العقل وحسن السياسة،، ستمر ملك المعز بإفريقية والقيروان وكان أضخم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه وقد دام حكمه 47 سنة.

وهوالمعروف بالخليفة أو الملك الزناتي (نسبة إلى قبيلة زناتة وهي من أكبر قبائل البربر قاطبة) الذي قتل على يدالمدعو أبو زيد الهلالي (الذي كان هو وقومه بني هلال يدينون بالولاء للعبيدين(الفاطميين)وهم من الشيعة الإسماعيلية(وهي من أكبر الفرق الباطنية).[2]

نودي به أميرًا يوم السبت الثالث من ذي الحجة سنة 406 هـ بعد وفاة أبيه بثلاثة أيام.[3]

استطاع بعض فقهاء المالكية أن يصلوا إلى ديوان الحكم في دولة صنهاجة وأثروا في بعض الوزراء والأمراء الذين كان لهم الفضل بعد الله في تخفيف ضغط الدولة على علماء أهل السنة.

وأخص بالذكر العلامة أبو الحسن الزجال الذي اجتهد على الأمير المعز بن باديس في تربيته على منهج أهل السنة والجماعة, وأعطت هذه التربية ثمارها بعد ما تولى المعز إفريقية, وكان عمل العلامة أبو الحسن في السر بدون أن يعلم به أحد من الشيعة الذين كانت الدولة دولتهم, وكان هذا العالم فاضلاً ذا خلق ودين وعقيدة سليمة, ومبغضًا للمذهب الإسماعيلي الشيعي.

واستطاع أن يزرع التعاليم الصحيحة في نفسية وعقلية وفكر المعز بن باديس الذي تم على يديه القضاء على مذهب الشيعة الإسماعيلية في الشمال الإفريقي. وهذا درس لنا نحن الدعاة في الاهتمام برجالات الدولة وأبنائهم من أصحاب المناهج العلمانية والبعيدة عن هدى المولى عز وجل, وليكن شعار العاملين في هذا المجال قوله تعالى: * وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا" [الكهف:20،19].

وقد وصف المؤرخون المعز بن باديس بأوصاف في غاية الروعة والجمال, فقال فيه الذهبي: «وكان ملكًا مهيبًا, وسريًا شجاعًا, عالي الهمة, محبًا للعلم, كثير البذل مدحه الشعراء, وكان مذهب الإمام أبي حنيفة قد كثر بإفريقية فحمل أهل بلاده على مذهب مالك حسمًا لمادة الخلاف, وكان يرجع إلى الإسلام, فخلع طاعة العبيدية وخطب للقائم بأمر الله العباسي, فبعث إليه المستنصر يتهدده, فلم يخفه».[1]

ورد المعز بن باديس على خطاب المستنصر الذي هدده فيه وقال له: هلا اقتفيت آثار آبائك في الطاعة والولاء, في كلام طويل, فأجابه المعز: إن آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن يتملكه أسلافك ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم.[4] وبينت لنا كتب التاريخ أن المعز تدرج في عدائه للإسماعيلية ولحكام مصر, وظهر ذلك في عام 435هـ عندما وسع قاعدة أهل السنة في جيشه وديوانه ودولته, فبدأ في حملات التطهير للمعتقدات الكفرية ولمن يتلذذ بسب أصحاب رسول الله ×, فأوعز للعامة ولجنوده بقتل من يظهر الشتم والسب لأبي بكر وعمر ما فسارعت العامة في كل الشمال الإفريقي للتخلص من بقايا العبيديين ليصفي الشمال الإفريقي من المعتقدات الفاسدة الدخيلة عليه. وأشاد العلماء والفقهاء بهذا العمل الجليل الذي أشرف على تنفيذه المعز بن باديس—وذكر الشعراء قوافي وأشعارًا في مدح المعز ودونوا تلك البداية, فقال القاسم بن مروان في تلك الحوادث:

وسوف يقتلون بكل أرض                      كما قتلوا بأرض القيروان

وقال آخر: يا معز الدين عش في رفعة                        وسرور واغتباط وجذل

أنت أرضيت النبي المصطفى                       وعتيقًا في الملاعين السفل

وجعلت القتل فيهم سنة                     بـأقاصي الأرض في كل الدول [4]

استمر المعز بن باديس في التقرب إلى العامة وعلمائهم وفقهائهم من أهل السنة وواصل السير في تخطيطه للانفصال الكلي عن العبيديين في مصر, فجعل المذهب المالكي هو المذهب الرسمي لدولته, وأعلن انضمامه للخلافة العباسية, وغير الأعلام إلى العباسيين وشعاراتهم, وأحرق أعلام العبيديين وشعاراتهم, وأمر بسبك الدراهم والدنانير التي كانت عليها أسماء العبيديين والتي استمر الناس يتعاملون بها 145 سنة وأمر بضرب سكة أخرى كتب على أحد وجهيها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله», وكتب على الآخر: * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [آل عمران:85]. وقضى المعز بن باديس على كل المذاهب المخالفة لأهل السنة من الصفرية والنكارية والمعتزلة والإباضية. وفي سنة 443هـ انضمت برقة كلها إلى المعز بن باديس بعد أن أعلن أميرها جبارة بن مختار الطاعة له. وكان أول من قاد حملة التطهير على الإسماعيلية في طرابلس وحارب تقاليدهم الباطلة ودعوتهم المضلة هو العلامة علي بن محمد المنتصر وكنيته أبو الحسن[5] المتوفي عام 432هـ. واشتاط الحقد الباطني وتفجرت براكين الغضب في نفوسهم وقرروا الانتقام من قائد أهل السنة في الشمال الإفريقي ومن أهله الذين فرحوا بعودة بلادهم لحظيرة أهل السنة, فانعقد في القاهرة مجلس رافضي باطني إسماعيلي بقيادة الخليفة العبيدي وخرجوا برأي شيطاني مفادة رمي السنية الصنهاجية الزيرية بقبائل بني سليم وبني هلال, فإن انتصرت الدولة الصنهاجية تكون الدولة العبيدية قد تخلصت من هذه القبائل المتعبة, وإن انتصر بنو سليم وبنو هلال يكونوا بذلك انتقموا من عدوهم اللدود المعز بن باديس, وكان الذي تبنى هذه الفكرة الوزير العبيدي أبو محمد بن علي اليازوري الذي شرع في إغراء القبائل المقيمة على ضفاف النيل وأمدهم بالمال والسلاح والكراع, وأباح لهم برقة والقيروان, وكل ما يكون تحت أيديهم, واتصل العبيديون بالمعارضين للمعز وأمدوهم بما يملكون من مال وسلاح وعتاد. وبدأت حلقة الصراع العنيف بين المعز بن باديس والقبائل العربية المدعومة من الروافض العبيديين.

وفاته[عدل]

توفي 4 شعبان 454هـ.

أبناء المعز[عدل]

تميم بن المعز:

ولد بالمنصورية في الثالث من رجب سنة 422هـ وولاه أبوه على المهدية سنة 445هـ, ثم أسندت إليه ولاية إفريقية من والده المعز, وسار في الناس بسيرة حسنة, وقرب أهل العلم وكان شجاع القلب, ذا همة عالية, وسياسة, ودهاء, استطاع أن يرجع المدن التي سلبت من والده, واستمال زعماء العرب بالمال والعطايا, وصاهرهم وامتزج معهم, وجعل منهم جنودًا لدولته بكياسة وفطانة وسياسة نادرة, واستطاع أن يضم مدينة سوسة في عام 455هـ بعد أن قضى على المقاومة المسلحة التي واجهته.[6]

وفي سنة 457هـ أراد الناصر بن علناس الحمادي زعيم الدولة الحمادية احتلال المهدية والقضاء على ملك تميم وجهز جيشه من صنهاجة وزناتة وبني هلال, فاستدرج تميم بن المعز القبائل العربية للوقوف بجانبه, وأعطاهم السلاح والمال والعتاد, واستطاع أن يقضي على جيش الناصر, وقتل منهم 24 ألفًا, وترك الغنائم والأموال للعرب التي استغنت بذلك, وقال تميم: يقبح بي أن آخذ سلب ابن عمي فأرضى العرب بذلك.[7]

وفي سنة 484هـ ضم تميم مدينة قابس بعد أن تولى أمرها عمرو بن المعز, وكان قبل عمرو رجل يسمى قاضي بن إبراهيم بن بلمونة, وكان ضمه لقابس بالجيوش الجرارة فقال له أصحابه: يا مولانا لما كان فيها قاضي توانيت عنه وتركته, فلما وليها أخوك جردت إليه العساكر, فقال: لما كان فيها غلام من عبيدنا كان زواله سهلاً علينا, وأما اليوم وابن المعز بالمهدية, وابن المعز بقابس فهذا لا يمكن السكوت عليه.

وفي فتحها يقول ابن خطيب سوسة القصيدة المشهورة التي أولها:

ضحك الزمان, وكان يلقى عابسًا***لما فتحت بحد سيفك قابسا

الله يعلم ما حويت ثمارها***إلا وكان أبوك قبل الغارسا

من كان في زرق الأسنة خاطبًا***كانت له قلل البلاد عرائسا

فابشر تميم بن المعز بفتكة***تركتك من أكناف قابس قابسا

ولَّوا فكم تركوا هناك مصانعا***ومقاصرًا ومخالدًا, ومجالسا

فكأنها قلبٌ, وهن وساوس***جاء اليقين, فذاد عنه وساوسا [1]

وفي سنة 493هـ استطاع تميم أن يضم مدينة صفاقس وأن ينتزعها بالقوة من حاكمها المتمرد حمو بن فلفل البرغواطي.[1]

ويعتبر عصر تميم أزهى من عصر والده فيما بعد دخول القبائل العربية.

وكان يضرب المثل بالجود والشجاعة والكرم والعطاء, قال فيه ابن كثير: «من خيار الملوك حلمًا وكرمًا, وإحسانًا, ملك ستًا وأربعين سنة, وعمر تسعًا وتسعين سنة, ترك من البنين أنهد من مائة, ومن البنات ستين بنتًا, وملك بعده ولده يحيى, ومن أحسن ما مدح به الأمير تميم قول الشاعر:

أصح وأعلى ما سمعناه في الندا***من الخبر المروي منذ قديم

أحاديث ترويها السيول عن الحيا***عن البحر عن كف الأمير تميم [8]


وكان عالمًا فاضلاً, وشاعرًا رقيق العاطفة, ومن شعره:

فإما الملوك في شرف وعز***على التاريخ في أعلى السرير

وإما الموت بين ظبا العوالي***فلست بخالد أبد الدهور[9]

وقال ابن الأثير: «كان شهمًا شجاعًا, ذكيًا وله معرفة حسنة, وكان حليمًا, كثير العفو عن الجرائم العظيمة, وله شعر حسن, فمنه أنه وقعت حرب بين طائفتين من العرب, وهم عدي, ورياح, فقتل رجل من رياح, ثم اصطلحوا وأهدروا دمه, وكان في صلحهم مما يضر به وببلاده, فقال أبياتًا يحرض على الطلب بدمه, وهي:

متى كانت دماؤكم تُطل***أما فيكم بثأر مستقلُّ

أغانم ثم سالم إن فشلتم***فما كانت أوائلكم تُذلُّ

ونمتم عن طلاب الثأر حتى***كأن العز فيكم مضمحلُّ

وما كسرتم فيه العوالي***ولا بيض تفل, ولا تُسلُّ


فعمد أخوة المقتول فقتلوا أميرًا من عدي, واشتد بينهم القتل, وكثرت القتلى, حتى أخرجوا بني عدي من إفريقية.[10]

ومن أقواله التي صارت مثلاً في إفريقية: «أسرار الملوك لا تذاع».[11]

وانطوت صفحة حياته في عام 501هـ بعد أن عادت للدولة الزيرية هيبتها.

طالع أيضا[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ أ ب ت ث سير أعلام النبلاء (ج18/140).
  2. ^ تاريخ ابن خلدون الجزء الثالث (187 من 258)
  3. ^ تاريخ الفتح العربي في ليبيا (ص 286).
  4. ^ أ ب تاريخ الفتح في ليبيا, لطاهر الزاوي, ص (289).
  5. ^ المصدر السابق, ص (290، 291).
  6. ^ الكامل لابن الأثير (ج6/234).
  7. ^ المرجع السابق (ج2/243).
  8. ^ البداية والنهاية, (ج12/181).
  9. ^ تاريخ الفتح العربي في ليبيا, ص (302).
  10. ^ الكامل (ج6/485).
  11. ^ المصدر السابق.