المقتبس من أنباء الأندلس

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

هو كتاب من أهم الكتب التاريخية التي تؤرخ للتاريخ والحضارة الأندلسية وهو من تأليف العلامة ابن حيان القرطبي ويتحدث عن تاريخ الأندلس في الفترة الممتدة من سنة 91 هجرية تاريخ فتح الأندلس إلى سنة 336 هجرية تاريخ حكم الحكم المستنصر ويبدو أن ابن حيان قد جار في تاريخه على طائفة من أعلام الأندلس.

  • فقرة من الكتاب بعنوان نوادر وأخبار قضاة قرطبة : مسرور بن محمد

مسرور بن محمد قال محمد بن حارث الخشني: هو مسرور بن محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل المعاقري، ووالده محمد قاضي الجماعة بقرطبة الشهير فضله، ولاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم رحمهما الله قضاء الجماعة بقرطبة، وكان من الصالحين الفاضلين.

حدثني من وثقت به من أهل العلم، قال: حدثني محمد بن أحمد بن عبد الملك المعروف بابن الزراد، قال: كان عندنا بقرطبة قاض يعرف بمسرور، وكان من الزهاد؛ استأذن من حضره من الخصوم يوماً في أن يقوم لحاجة يقضيها فأذنوا له، فقام عنهم نحو منزله، ولم يلبث أن خرج وفي يده خبزة نية، فذهب بها إلى الفرن، فقال له بعض من رآه: أنا أكفيك أيها القاضي! فقال له: فإذا أنا عزلت عن القضاء - قربه الله مني - تراني أجدك كل يوم تكفيني حملها? ما أراك تنشط لذلك! بل الذي حملها قبل القضاء يحملها بعد القضاء.

وقال ابن عبد البر: مسرور بن محمد هذا من موالي الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل، يكنى أبا نجيح، استقضاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم بعد حامد بن يحيى الذي كان آخر قضاة والده الحكم وأول قضاته، وهو وذلك سنة سبع ومائتين، فلم تطل ولايته، وتوفي سنة ثمان ومائتين في آخرها..

وقال القاضي أسلم بن عبد العزيز: سمعت أبي يذكر أنه تسمى جماعة من موالي الخلفاء بأسماء العرب، فأنكر ذلك عليهم الأمير بفضل أنفته، وأكد فيه نهيه، وكان له مولى من عتاقة أبيه يسمى بمحمد، وولد له ولد سماه مسروراً، سمى به علي حد الأمير، فحسنت نشأته، واستقامت طريقته، وتفقه وتعبد، وشهر فضله إلى أن ولاه الأمير عبد الرحمن القضاء بقرطبة، فاستقل بالعمل، وأحسن وسلك الطريقة، فاغتبط به الناس، إلا أنه عوجل، فتوفي من عامه الذي فيه استقضاه.

سعيد بن سليمان قال ابن عبد البر: هو سعيد بن سليمان، يكنى أبا عثمان، أصله من فحص البلوط، وكان عم سليمان بن أسود القاضي فيما بلغنى.

ذكر محمد بن مسرور عن أبيه قال: سمعت سليمان بن أسود القاضي يقول: كان سعيد بن سليمان يخطب بخطبة واحدة لصلاة الجمعة طول مدته لم يبدلها. ولقد برز الناس للاستسقاء في بعض أيامه، فلما ابتدأ خنقته العبرة، وأشكلت عليه الخطبة، فاختصرها، وكثر من الاستغفار، والضراعة، ثم صلى، وانصرف، فسقى الناس ليومهم.

قال: وتولى القضاء للأمير عبد الرحمن مرتين.

وقال محمد بن حارث: هو سعيد بن سليمان بن حبيب الغافقي، يكنى أبا خالد، أصله من مدينة غافق وولاه الأمير عبد الرحمن قضاء الجماعة بقرطبة، وقد كان ولي قضاء ماردة وغيرها قبل ولايته لقضاء قرطبة، وكان من خيار من ولوا القضاء للأمير عبد الرحمن، وهو عم سليمان بن أسود الذي ولي قضاء قرطبة.

وكان يروى عن الفقيه أبي عثمان سعيد بن عثمان الأعناقي عن محمد بن وضاح أنه كان يقول: ولي القضاء أربعة ما ولي القضاء في مملكة الإسلام مثلهم، فاتصل بهم العدل في آفاقها: دحيم بن الوليد بالشام، والحارث بن مسكين بمصر، وسحنون بن سعيد بالقيروان، وسعيد بن سليمان بقرطبة.

فأما دحيم بن الوليد بن عبد الرحمن بن إبراهيم وهو المعروف باليتيم فكان من أهل دمشق، ولاه جعفر المتوكل على الله أيام رأى أن يفعل الخير أو يستصلح إلى الناس بعد استفساد سلفه إليهم بالمحنة في خلق القرآن، فقلده قضاء الشام في وقت لم يصح لي تاريخه، ومات غير ممتع بولايته سنة خمس وأربعين ومائتين بمدينة الرملة.

وأما الحارث بن مسكين فولاه جعفر أيضاً قضاء مصر سنة سبع وثلاثين ومائتين، جاءته ولايته وهو بالإسكندرية، فحمل إلى الفسطاط، فكان قاضي مصر إلى أن عزل في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين. وأما سحنون بن سعيد التنوخي فإنه ولاه قضاء إفريقية محمد بن الأغلب التميمي أميرها لجعفر المتوكل أيضاً سنة أربع وثلاثين ومائتين، فلم يزل قاضياً إلى أن توفي في صدر رجب سنة أربعين ومائتين.

وأما سعيد بن سليمان الأندلسي فإنه ولاه قضاء قرطبة أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم، أحسبه في سنة أربع وثلاثين ومائتين - والشك مني - فلم يزل قاضيه إلى أن مات الأمير عبد الرحمن سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وولي الأمر بعده ابن الأمير محمد ابن عبد الرحمن، فأقره على القضاء وعمل له نحو سنتين إلى أن مات بقرطبة، وهو على قضائه. ولا أعلم له عقباً.

وذكر عن أحمد بن عبد الله بن أبي خالد أن الأمير عبد الرحمن اختاره لجميل الثناء عليه، وأرسل فيه يستدعيه للقضاء، فجلس للحكم في المسجد، وعليه جبة صوف بيضاء، وفوق رأسه قلنسوة بيضاء من فضل جبته، فلما أن نظر إليه الوكلاء الذين يخاصمون عن الناس عند القضاة ازدروه واستغبوه، وطلبوا الإنذار فيه، فجاءوا في مغيبه عن المسجد بقفة مملوءة من قشور البلوط، ووضعوها تحت الحصير الذي كان يجلس فوقه فلما اقترشه عند استواء جلوسه أقض عليه وتوحش من صوت احتكاكه، فتتحول عنه، ونظر إلى القشور، فأنكر مكانه، وجلس على ملل بذلك، وذكر له أن الوكلاء فعلوا ذلك وصح عنده ما قيل له فيهم.

فلما أتوه من بعد ذلك قال لهم: يا معشر الخصماء، عيرتموني بأني بلوطيٌ، وذلك ما لا خفاء به! أشهد على نفسي أن بلوطي: عود الله صليب لا تفلون فيه. ثم حلف لهم بأثر كلامه هذا أن لا يخاصموا عنده سنة، فكاد أن يورثهم الفقر.

وذكر محمد بن عمر بن لبابة عن محمد بن أحمد العتبي قال: صلى بنا يوماً سعيد بن سليمان القاضي صلاة الجمعة في المسجد الجامع بقرطبة، ثم خرجنا معه نمشي نحو داره، فلما انتهى إلى باب الفرن الذي كان يطبخ فيه قال لصاحب الفرن: أطبخت خبزتي? فقال له: نعم. قال: فهاتها. فناوله إياها، فصيرها تحت عضده، وقوم طريقه إلى داره، ونحن نمشي معه، ونحن قد أخرنا دوابنا إجلالاً له، حتى أديناه إلى منزله، فسلم علينا ودخل وانصرفنا عنه.

وفي كتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي: هو سعيد بن سليمان بن حبيب بن المعلى بن إدريس بن محمد بن يوسف الغافقي البلوطي، استقضاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم مرتين.

يحيى بن معمر الألهاني قال محمد بن حارث: يحيى بن معمر بن عمران بن منير بن عبيد بن أنيف الألهاني، من العرب الشاميين وكان من أهل إشبيلية، منزله منها بمفرانه، قرية بقرب الحاضرة، وعليها ممر السابلة، وكان في وقته فقيه إشبيلية وفارضها، وكانت له رحلة لقي فيها أشهب بن عبد العزيز، وسمع منه ومن غيره من أهل العلم، وكان ورعاً زاهداً فاضلاً عفاً مقبلاً على عمارة ضيعته وترقيح معيشته، فانتهى خبره إلى الأمير عبد الرحمن، وقد احتاج إلى قاض، فاعتامه للقضاء، واستقدمه إلى قرطبة، فقلده قضاء الجماعة بها، فصدق الظن به، واغتدى من خير القضاة في قصد سيرته، وحسن هديه، وصلابة قناته، وإنفاذ الحق على من توجه عليه، لا يحفل لومة لائم فيه.

وكان إذا أشكل عليه أمر من أحكامه واختلف عليه فيه فقهاء قرطبة تأنى بهم، وكتب فيه إلى مصر إلى أصبغ بن الفرج وغيره من نظرائه، فيكشفهم على وجه ما يريد ويطلب النجاة من تخلف الفقهاء عليه، بغية أجوبتهم في ذلك بما يعمل عليه، فكان فقهاء قرطبة يحقدون ذلك عليه، فيذمونه ويتتبعون عثراته، ويبغضونه إلى الناس، وكان أشدهم عليه زعيم الجماعة يحيى بن يحيى، فهو الذي........... سعى في تجريحه إلى أن عزل عن القضاء.

فذكر خالد بن سعد قال: سمعت غير واحد من مشايخ أهل العلم يقول: كان بين الشيخ يحيى بن يحيى وبين يحيى بن معمر عداوة شديدة، فسعى يحيى بن يحيى في عزل يحيى بن معمر القاضي عند الأمير عبد الرحمن، وأقام عليه البينات من أهل العلم والعدالة.

قال ابن عبد البر: وقدم ليلة عيد، وكانت توضع للإمام عنزة في المصلى، فباكر أهل الدهاء والحركة واصطفوا إلى العنزة، ليختبروا خطبته وينتقدوا عليه، فلما نظر إليهم عرف بهيئاتهم أنهم بالصفة التي كانوا بها، ووقع في روعه السبب الذي ذهبوا إليه، فكادهم بأن قال للقومة: إني أرى الناس قد أزحموا حول العنزة، فقدموها إلى الفضاء ليستوسعوا! فبادر القوم إلى تقديم العنزة حتى وسعت، فتكنفوها واصطفوا حولها، وتثاقل ذوو الهيئات الذين نقلت من سببهم كما خف أولئك له، ومكثوا بمكانهم، فحصل الشيخ بحيلته على قرب من لم تكن عليه مؤونة من نقده، واسحنفر في خطبته، فكان ذوو التحصيل يعجبون مما فعله، ويحكونه كثيراً عنه.

وذكر إبراهيم بن محمد بن باز قال: لم يزل عبد الملك بن حبيب ممالئاً للقاضي ابن معمر مخالفاً للشيخ يحيى بن يحيى فيه إلى أن عصاه ابن معمر في القضاء لرجل يعنى به ابن حبيب، توجهت عليه فتوى توجب القضاء له برأي أشهب، وتوجهت بضدها عليه برأي ابن القاسم، وأخذ ابن معمر فيه برأي ابن القاسم، فلفته ابن حبيب عنه إلى رأي أشهب، وكلمه أن يأخذه به، فلم يفعل، وقال: ما أعدل عن رأي ابن القاسم، فهو الذي أفتيتموني به منذ قعدت هذا المقعد. وقضى على الرجل برأي ابن القاسم.

فغضب عليه من يومئذ ابن حبيب، وظاهر يحيى بن يحيى ضده على مطالبته، ودس من رفع عليه إلى الأمير أنه لا يحسن القضاء، فعزله في آخر سنة تسع ومائتين، وسرحه إلى بلده.

فبلغنا أنه لما أزمع الرحيل ركب بغيلته التي جاء بها، ووضع خريجه الذي ساقه تحته وقال لمن شيعه من صديقه: يا أهل قرطبة. أقلوا علنا اللوم، فكما جئناكم كذلك ننصرف عنكم! وذكر عثمان بن سعيد الزاهد قال: لما احتضر يحيى بن معمر بإشبيلية وأيقن بالموت قال لمولى له من أهل الصلاح كان ينصحه: أقسم عليك بالله أجل الأقسام إذا أنا مت إلا ما ذهبت إلى قرطبة، فقف بيحيى ابن يحيى وقل له: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ففعل مولاه ما أمره، وأبلغ يحيى ما به تقرعه. قال: فبكى يحيى حتى أخضل لحيته، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما أظننا إلا خدعنا في الرجل ووشي بيننا وبينه. ثم ترحم عليه واستغفر له.

قال القاضي أبو الوليد ابن الفرضي: قال خالد بن سعد: سمعت أحمد بن خالد يقول: كانت ليحيى بن معمر رحلة لقي فيها أشهب بن عبد العزيز، وسمع منه، وولي القضاء بقرطبة سنة تسع ومائتين بعد سعيد بن بشير في أيام عبد الرحمن بن الحكم، وعجل صرفه بالأسوار بن عقبة الوالي بعده سنة عشر ومائتين.

ذكر ذلك ابن عبد البر، ولم يذكر أنه أعيد إلى القضاء مرة ثانية.

وحكى ابن حارث أن الأمير عبد الرحمن أعاده إلى القضاء مرة ثانية، وذلك الصحيح والدليل عليه أن يحيى بن معمر صلى بالناس صلاة الخسوف بقرطبة، وهو قاض، في مسجد أبي عثمان من الربض الغربي سنة ثمان عشرة ومائتين. روى ذلك أحمد بن خالد عن ابن وضاح قال: صليت الخسوف مع يحيى بن معمر سنة ثمان عشرة ومائتين.

الأسوار بن عقبة قال محمد بن حارث: هو أبو عقبة الأسوار بن عقبة النصري، وكان من أهل جيان، فاستقدمه الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة، وولاه قضاء الجماعة بها، أشار به عليه يحيى بن يحيى عند عزل ابن معمر. وكان من أهل التحري والتواضع وحسن السيرة واقتفاء السلف، حتى إنه كان يتصرف - زعموا - في مهنة أهله، ويحمل خبزه إلى الفرن بنفسه، وعلى ذلك فما سلم من فقهاء قرطبة. وهو الذي ابتنى المسجد الذي يعرف بمسجد الأسوار في الزقاق الكبير بقرطبة.

وقال ابن عبد البر: الأسوار بن عقبة، كان رجلاً صالحاً عاقلاً فاضلاً مسمتاً حسن الحكم مستقيم القضاء وكان الفقيه محمد بن عيسى الأعشى كثير الدعابة لا يصبر عنها، فكان يقول للأسوار قبل أن يلي القضاء: كيف حالك يا أبا عقبة? - مفتوحة العين مثقلة -، فلما ولي القضاء أتاه محمد بن عيسى، فشهد عنده مع آخر من أهل القبول، فأعلم برد اسم محمد دونه، وقال للمشهود له: زدني بينة! وذلك بمحضر الأعشى.

فقال له: أظنك - أكرمك الله - لم تقبل شهادتي! فقال له: أنت - أكرمك الله - جاد في شهادتك هذه أو هازل? فإني أعرفك كثير الهزل، فعرفني إن كنت صدعت بها عن حق، فمثلك لا ترد شهادته، وإن كانت من أهزالك فقد وقفتها. فقام عنه الأعشى منقطع الحجة. فكان يقول بعد ذلك: قاتل الله الأسوار! فلقد قطع بي عن كثير مما كنت أستريح إليه من الدعابة بعد مجلسي معه.

وأنشد:

من المتقارب وتـحـسـب مـن خـبـه أنــه تراه عـنالـنـاس فـي غـربـه

وما ذاك منه فلا تأمنوه إلا لتمكنه الوثبه

رأيت له ناظرى هرة تراءى لـهـا الـفـأر فـي ثـقـبــه

إبراهيم بن العباس القرشي قال محمد بن حارث: هو إبراهيم بن العباس بن عيسى بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، يكنى أبا العباس، استقضاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم بمشورة يحيى بن يحيى، فكان محموداً في قضائه، عادلاً في حكومته، متواضعاً في أحواله، غير متصنع، ولا مترفع.

حكى محمد بن عمر بن لبابه قال: كان القاضي أبو العباس المرواني ربما جلس في بيته يقضي بين الناس، وإن جاريته لتنسج في كسر البيت.

قال: وكانت ولايته سنة أربع عشرة أو خمس عشرة.

وذكر محمد بن وضاح قال: هوى إبراهيم بن العباس إلى الشيخ يحيى بن يحيى جداً، وعول على رأيه، فوجد أعداؤه السبيل إلى ذمه والسعاية عليه، من باب انقطاعه إلى يحيى ورضا يحيى عنه من بين من لم يزل يسخطه من القضاة قبله، فوشوا الوقائع فيهما إلى الأمير عبد الرحمن، وانتصحوه في تآلفهما، وقالوا إن إبراهيم لا يقبل من الناس إلا من أشار عليه يحيى بقبوله ولا يفصل في حكومة إلا عن أمره، فقد استمال الناس إليه، فلهم فيه هوى شديد، وطمعه قوي في أن يصير الأمر في يده، فشغل بال الأمير جداً، ووهمه في دغل الشيخ يحيى بن يحيى على انحطاطه في شعبه وعزوه لإرادته.

فأحضر ضده عبد الملك بن حبيب وخلا به، وقال له: قد تعلم يدي عندك، وأنا مكترث لأمر كبير أريد أن أسألك عنه، فاصدقني فيه.

فقال: نعم، لا يسألني الأمير - أعزه الله - عن شيء إلا صدقته عنه.

قال: فإنه رفع إلينا عن قاضينا إبراهيم وعن صديقه يحيى بن يحيى أنها يعملان علينا في هذا الأمر.

فقال له عبد الملك: قد علم الأمير ما بيني وبين يحيى من التباعد، ولكني لا أقول إلا الحق: ليس يجيء من عند يحيى إلا ما يجيء مني، فمكانه من الدين مكانه، وكل ما رفع عليه إليك فباطل. وأما القاضي فلا ينبغي للأمير أن يشركه في عدله من يشركه في نسبه.

فعزله الأمير حينئذ عن القضاء.

وقال محمد بن حارث: أخبرني بعض العلماء قال: قدم موسى بن حدير عن الحج وكان في الغاية من النبالة، ودعاه الأمير عبد الرحمن إلى الخدمة، فأبى عليه، ولزم الانقباض، فبلي بعد مديدة بامرأة من جيرانه استعدت عليه القاضي إبراهيم، وذكرت أنه ظلمها في دار لها تلاصقه.

فأرسل فيه إبراهيم وأحضره إلى مجلسه، ووقفه على دعوى المرأة، واقتضى جوابه.

فقال له: أوكل - أعزك الله - عندك من يخاصمها عني.

فقال: لا بد لك أن تقول بما عندك من إقرار أو إنكار، ثم توكل بعد ذلك على خصومتك من تشاء.

فقال موسى: لا، بل أذاكر نفسي، وأقدم من يجاوب عني بما أحققه من أمرها. فأبى إبراهيم أن يقبل منه، واضطره إلى تعجيل جوابه في مجلسه، واشتد عليه. فلما لم يجد من الجواب بداً، وقد حمى والتظى، قال: أو خير من ذلك - أصلحك الله-? أقول إن جميع ما تدعيه هذه المرأة حق، وهي في دعواها مصدقه لا اعتراض عندي عليها. فلا سبيل لك إلي! فقام وهو قد احتمل على إبراهيم حقداً عظيماً حمله على أن سعى عليه، وأرهف حيلته لمطالبته.

وابتدأ فكتب إلى الأمير عبد الرحمن يذكر له أنه تعقب رد أمره فيما كان أراده عليه من معاوده العمل، ورأى أنه قدح في صدق طاعته، وفريضة ولائه، وسأله تقليد الخزانة التي كانت مضمار أمانته، فأعجب الأمير ذلك من اعترافه، وولاه الخزانة، فتصرف فيها تصرفاً أدناه منه، فأنبسط إليه في غير شيء، ثم سأله في بعض الأيام الخلوة له يذكره، فأجابه إليها، فقال له: صح عندي أن القاضي إبراهيم بن العباس يخاطب في مجلس نظره بأن يقال له: يا بن الخلائف وأن له اسماً يصغي قلوب العامة إليه!