المواكب

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

قصيدة شعرية[1] نظمها جبران خليل جبران من أدباء اللبنانيين فى أمريكا وطبعها فى كتاب مستقل كبير الصفحات مزدان بالرسوم الرمزية, ويظهر أنه جرى فى وضعها وطبعها على أسلوب رباعيات الخيام لأنه وضعها فى المعانى التى طرقها الخيام وطبعها على الشكل الأنيق المصور الذى أختاره الناشرون من الانجليز والأمريكان لطبع رباعياته. والقصيدة رمزية طويلة تتكون من 203 بيتا تنقسم إلى وحدات تتناول مختلف المواضيع، و المواكب هي مواكب الناس في حياتهم الشائكة و أطباعهم الزائفة وضلالهم و معتقداتهم الخاطئة. فالمواكب بجملتها مواضيع شتى تشكل بمجموعها مسيرة الحياة، عبر لنا من خلالها الشاعر و الفيلسوف قائمة مطولة من آرائه الرومنتيكية التي تدعوا إلى العودة لأحضان الطبيعة و بساطها و التي تفوق القيم الزائفة للمجتمع المتحضر، كما نلاحظ ريشة جبران تزين أبياته رسومات الطبيعة الساحرة التي يريدها بل و يتعطش إليها. ثم تجده يشخص الطبيعة ويضع فيها صفات إنسانية. تتألف القصيدة من ستة مقاطع كل مقطع يتألف من ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: الموضوع كما هو في الواقع أوكما يتصوه الواقع، المرحلة الثانية: الموضوع حسب رأي الكاتب أو الوضع المثالي لهذا الموضوع "صوت الغاب" صوت الناي وهو تأكيد لصوت الغاب. تتألف القصيدة من المواضيع: الخير، الدين، العدل، العلم، السعادة والحب، وصف الطبيعة المثالية"وصف لبنان".

مقدمة القصيدة[عدل]

وللكتاب مقدمة عريضة بقلم نسيب أفندى نراها من ألزم المقدمات لأنها فسرت من أغراض القصيدة ما لم تفسره أبياتها, ومنها قوله: "ليتصور القارىء قبل اقدامه على مطالعة الكتاب مرجا واسعا فى سفح جبل. هنالك يتلاقى رجلان على غير ميعاد أحدهما شيخ والاّخر فتى. الأول خرج من المدينة والثانى من الغاب. أما الشيخ فيسير بخطى ضعيفة متوكئا على عصاه بيد مرتجفة وفى غضون وجهه وشعره الشائب المسترسل ما ينم على أنه عرك الدهر وعرف أسرار الحياة ومخاّتها فذاق منها مرارة أوصلته الى التشاؤم منها. يصل هذا الشيخ الى المرج فيستلقى هنالك على العشب قصد الراحة, واذا فتى جميل غض الاهاب قد لوحت الشمس بشرته وأكسبته الحياة جذلا وانبساطا خرج من الغاب يحمل نايه فيسير حتى يصل الى مكان راحة الشيخ فيضظجع بجانبه. فلا تمر دقيقة سكون الا تراهما قد بدءا بالحديث فيأخذ الشيخ بابداء نظراته فى الحياة كما يراها طرفه المتشائم وخبرته المحنكة. فيرد عليه الفتى شارحا عن الحياة كما تراها عينه الجذلة المتفائلة ".[2]

نقد القصيدة[عدل]

هذا هو محور القصيدة كما فسره صاحب المقدمة. وقد أحسن كاتبها فى مراعاة المقام لولا ما فى كتابته من قليل الغلط النحوى والصرفى. وما يتخللها من روح النقد العتيقة التى احتذى بها أمرسون وأشياعه من متصوفة الأمريكان.

نقد بناء القصيدة[عدل]

أما القصيدة فليس فى استطاعتنا أن نسميها شعرا صحيحا كما وصفها صاحب المقدمة وان كنا نتبين منها أن ناظمها يفكر تفكير شاعر. وأول ما نشير اليه أن مبنى القصيدة ليس مما يوصف بالصحة لما فيها من الخطأ اللغوى وكا يعتورها من ضعف التركيب وغلبة العبارة النثرية على النغمة الشعرية فى أبياتها. وقد فتحنا الكتاب فوجدنا فى أول شطرة من أول بيت خطأ من هذا القبيل فى قوله: "الخير فى الناس مصنوع اذا جبروا". يريد أجبروا. ولم ننته من الصفحة الا على خطأ ثان فى قوله: فأفضل الناس قطعان يسير بها صوت الرعاة ومن لم يمش يتدثر والواجب جزم يندثر فى البيت. وهذا وليس فى الصفحة الا أربعة أبيات!! ولا نشك فى أن ناظم القصيدة كان يحترس من الوقوع فى مثل هذاالخطأ لو كتب باحدى اللغات الغربية. فالاحتراس فى الكتابة العربية أولى.[3]

نقد معنى القصيدة[عدل]

أما المعنى فمعيار صحته عندنا أن يكون موافقا للفطرة الصحيحة والطبيعة الصادقة. ولا نرى معانى الناظم كذلك. نعم ان صاحب المقدمة يقول انه_ أى الناظم _ متمرد على الحياة نفسها. ولكن التمرد على الحياة لا يدل فى كل حالة على رغبة فى حياة أسمى وأفضل وكثيرا ما يدل على انتصار المتمرد لجانب الموت والفوضى على جانب الحياة والمثل الأعلى. خصوصا اذا لم يكن هذا التمرد مبنيا على أساس من الشعور الصميم بقوانين الحياة الراسخة فى دخائل الطباع وأعماق الاحساس. ونرجح مما قرأناه فى مواكب الناظم أن تمرده على الحياة من هذا النوع لأنه كما يقول صاحب المقدمة " يتمرد على كل قيد ويود الرجوع الى الغاب " أما الغاب التى يقصدها فى قصيدته فليست غابا بمعناها الضيق بل هى الطبيعة بأسرها, - فمن قال ان الطبيعة تحل الانسان من قيوده؟؟ ألا ليت الطبيعة كذلك!! ولكنها فى الحقيقة أم القيود والأغلال, وما من عادة متحكمة فى نفوسنا ولا غريزة غالبة أو شهوة متمكنة الا وفى الطبيعة طرفاها واليها مرجعها. فاذا قال الناظم متغنيا بطلاقة الطبيعة وتسامحها : ليس فى الغابات دين لا ولا الكفر القبيح فاذا البلبل غنى لم يقل هذا الصحيح قلنا على الرغم منا: حقا ان البلبل لا يزعم أن غناءه هو الصحيح وغناء غيره الشاذ السقيم ولكنه لسوء حظ العشاق_ عشاق الطبيعة_ يدين بالأنانية القاسية التى يدين بها المتعصب الزارى على معتقد غيره ويعمل فى اطاعة هذه الأنانية كل ما يستطيع عمله من عبث وضر. ويؤيد قول المعرى: ظلم الحمامة فى الدنيا وان حسبت فى الصالحات كظلم الصقر والبازى واذا قال الناظم فى الاشادة بمساواة الطبيعة وعفتها: ليس فى الغابات حر لأولاد العبيد الذميم امما الأمجاد سخف وفقاقيع تعوم فاذا ما اللوز ألقى زهرة فوق الهشيم لم يقل هذا حقير وأنا المولى الكريم قلنا انه لا يقول ولكنه يفعل. انه يقتل كل شجرة ضعيفة تجسر على النمو الى جانبه وتشرئب الى مكان لها من الفضاء والنور, وكذلك نجد قيود الطبيعة وقوانينها ويجدها كل حى فى هذا العالم المسخر, فهى قيود أثقل وأظلم على من يشعر بها من قيود المدنية. وقوانين أشنع واّلام أثقل أظلم على من يشعر بها من قيود المدنية. وقوانين أشنع واّلام عند من يشكوها من قوانين الانسانية. وربما لطفت المدنية قيودها وزوقتها وصقلت جوانبها ولكن الطبيعة لا يعنيها القيد ولا حامله ولا تلقى اليك قيدها الا حديدا أسود كالحاثم تضاعفه لك وقد لا تقبلك فى حظيررتها اذا أنت حطمته أو زحزحته عنك. فليس من الشعور الصحيح ولا من الاحساس العميق أن يعبر الانسان عن ألمه من قيود المدنية هذا التعبير. أو يظن أن بساطة الحياة تنجو بالحى من أحكام الوجود, وقد تكون المدنية شوهاء ولكن ليس معنى ذلك أن الحياة الهمجية مليحة الوجه حسناء .. أليست شياطين ساكن الغابات وأرواحه الخبيثة ترجمانا لوساوسه ومخاوفه؟؟ أليس هو أسوأ ظنا بالطبيعة وقوانينها منا؟؟ هذا وهو طفلها النازل فى كنفها ونحن عصاتها الخارجون عليها المتحصنون دونها فى حصون المدنية؟[4]

محاسن القصيدة[عدل]

وبعد, فنحن لا نغمط ناظم المواكب حقه اذا قلنا أن شعره ليس من الشعر الصحيح لهذا السبب. ولكننا لا ننسى أن نذكر أننا قرأنا فى مواكبه أبياتا من أصدق الشعر وأحكمه مثل قوله: وما السعادة فى الدنيا سوى شبح يرجى فان صار جسما ملّه البشر. وكقوله فى العدل : والعدل فى الأرض يبكى الجن "لو" سمعوا به ويستضحك الأموات لو نظروا فالسجن والموت للجانين ان صغروا والمجد والفخر والاثراء ان كبروا وقاتل الجسم مقتول بفعلته وقاتل الروح لا يدرى به البشر وأصاب اذ قال " العدل فى الأرض " ولم يقصره على الناس. وقوله : انما الناس سطور كتبت لكن بماء وقوله : والحب فى الناس أشكال وأكثرها كالعشب فى الحقل لا زهر ولا ثمر وعندنا أنه لو طرق باب الشعر المنثور لكان ذلك أفسح مجالا لاّرائه وأقرب الى سليقته وقدرته اللغوية من معالجة الشعر الموزون. وحبذا لو أقل من المعانى الرمزية فانها بقية من بقايا ابهام الكهان الأقدمين لا يقبلها فى العصور الحديثة الا أشباه الكهان فيما تصرم من العصور.[5]

نص القصيدة[عدل]

(( المواكب )) جبران خليل جبران

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا وأكثر الناس آلاتٌ تحركها أصابع الدهر يوماً ثم تنكسرُ فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقُرُ فأفضل الناس قطعانٌ يسير بها صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثر

ليس في الغابات راعٍ .......... لا ولا فيها القطيعْ فالشتا يمشي ولكن ........... لا يُجاريهِ الربيعْ خُلقَ الناس عبيداً ........... للذي يأْبى الخضوعْ فإذا ما هبَّ يوماً ........... سائراً سار الجميعْ أعطني النايَ وغنِّ ........... فالغنا يرعى العقولْ وأنينُ الناي أبقى .......... من مجيدٍ و ذليلْ

  • * *

و ما الحياةُ سوى نومٍ تراوده أحلام من بمرادِ النفس يأتمرُ و السرُّ في النفس حزن النفس يسترهُ فإِن تولىَّ فبالأفراحِ يستترُ و السرُّ في العيشِ رغدُ العيشِ يحجبهُ فإِن أُزيل توَّلى حجبهُ الكدرُ فإن ترفعتَ عن رغدٍ و عن كدرِ جاورتَ ظلَّ الذي حارت بهِ الفكرُ

ليس في الغابات حزنٌ ......... لا و لا فيها الهمومْ فإذا ... هبّ ... نسيمٌ......... لم تجىءْ معه السمومْ ليس حزن النفس إلا ......... ظلُّ وهمٍ لا يدومْ وغيوم النفس تبدو ........... من ثناياها النجومْ أعطني الناي وغنِّ ........... فالغنا يمحو المحنْ وأنين الناي يبقى ............. بعد أن يفنى الزمنْ

  • * *

وقلَّ في الأرض مَن يرضى الحياة كما تأتيهِ عفواً و لم يحكم بهِ الضجرْ لذلك قد حوَّلوا نهر الحياة إلى أكواب وهمٍ إذا طافوا بها خدروا فالناس إن شربوا سُرَّوا كأنهمُ رهنُ الهوى و عَلىَ التخدير قد فُطروا فذا يُعربدُ إن صلَّى و ذاك إذا أثرى و ذلك بالأحلام يختمرُ فالأرض خمارةٌ و الدهر صاحبها وليس يرضى بها غير الألى سكروا فإن رأَيت أخا صحوٍ فقلْ عجباً هل استظلَّ بغيم ممطر قمرُ

ليس في الغابات سكرٌ ......... من مدامِ أو خيالْ فالسواقي ليس فيها ............ غير أكسير الغمامْ إنما التخدير ُ ثديٌ ............... و حليبٌ للأنام فإذا شاخوا و ماتوا ...............بلغوا سن الفطامْ اعطني النايَ و غنِّ ...........فالغنا خير الشرابْ و أنين الناي يبقى ......... بعد أن تفنى الهضاب

  • * *

و الدين في الناسِ حقلٌ ليس يزرعهُ غيرُ الأولى لهمُ في زرعهِ وطرُ من آملٍ بنعيمِ الخلدِ مبتشرٍ و من جهول يخافُ النارَ تستعرُ فالقومُ لولا عقاب البعثِ ما عبدوا رباًّ و لولا الثوابُ المرتجى كفروا كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهمْ إِن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

ليس في الغابات دينٌ ......... لا و لا الكفر القبيحْ فإذا... البلبل ... غنى .......... لم يقلْ هذا الصحيحْ إنَّ...دين الناس يأْتي .......... مثل ظلٍّ و يروحْ لم يقم في الأرض دينٌ ...........بعد طه و المسيح اعطني الناي و غنِّ ............ فالغنا خيرُ الصلاة وأنينُ الناي يبقى .............. بعد أن تفنى الحياةْ

  • * *

والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا بهِ و يستضحكُ الأموات لو نظروا فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ

ليس في الغابات عدلٌ .......... لا و لا فيها العقابْ فإذا الصفصاف ألقى .......... ظله فوق الترابْ لا يقول السروُ هذي .......... بدعةٌ ضد الكتابْ إن عدلَ الناسِ ثلجُ ......... إنْ رأتهُ الشمس ذابْ اعطني الناي و غنِ ............فالغنا عدلُ القلوبْ و أنين الناي يبقى ............ بعد أن تفنى الذنوبْ

  • * *

والحقُّ للعزمِ و الأرواح إن قويتْ سادتْ و إن ضعفتْ حلت بها الغيرُ ففي العرينة ريحٌ ليس يقربهُ بنو الثعالبِ غابَ الأسدُ أم حضروا وفي الزرازير جُبن و هي طائرة وفي البزاةِ شموخٌ و هي تحتضر والعزمُ في الروحِ حقٌ ليس ينكره عزمُ السواعد شاءَ الناسُ أم نكروا فإن رأيتَ ضعيفاً سائداً فعلى قوم إذا ما رأَوا أشباههم نفروا

ليس في الغابات عزمٌ ......... لا و لا فيها الضعيفْ فإذا ما الأُسدُ صاحت .......... لم تقلْ هذا المخيفْ إن عزم الناس ظلٌّ .......... في فضا الفكر يطوفْ و حقوق الناس تبلى ........... مثل أوراق الخريفْ اعطني الناي و غنِّ ............. فالغنا عزمُ النفوسْ وأنينُ الناي يبقى ........... بعد أن تفنى الشموسْ

  • * *

و العلمُ في الناسِ سبلٌ بأنَ أوَّلها أما أواخرها فالدهرُ والقدرُ وأفضلُ العلم حلمٌ إن ظفرت بهِ وسرتَ ما بين أبناء الكرى سخروا فان رأيتَ أخا الأحلام منفرداً عن قومهِ و هو منبوذٌ ومحتقرُ فهو النبيُّ و بُرد الغد يحجبهُ عن أُمةٍ برداءِ الأمس تأتزرُ وهو الغريبُ عن الدنيا وساكنها وهو المهاجرُ لامَ الناس أو عذروا وهو الشديد وإن أبدى ملاينةً وهو البعيدُ تدانى الناس أم هجروا

ليس في الغابات علمٌ .......... لا و لا فيها الجهولْ فإذا الأغصانُ مالتْ ............ لم تقلْ هذا الجليلْ إنّ علمَ الناس طرَّا ............. كضبابٍ في الحقولْ فإذا الشمس أطلت ............. من ورا الأفاق يزولْ اعطني النايَ و غنِّ .............. فالغنا خير العلومْ و أنينُ الناي يبقى ........... بعد أن تطفي النجومْ

  • * *

و الحرُّ في الأرض يبني من منازعهِ سجناً لهُ و هو لا يدري فيؤتسرْ فان تحرَّر من أبناء بجدتهِ يظلُّ عبداً لمن يهوى و يفتكرُ فهو الاريب و لكن في تصلبهِ حتى و للحقِّ بُطلٌ بل هو البطرُ و هو الطليقُ و لكن في تسرُّعهِ حتى إلى أوجِ مجدٍ خالدٍ صِغرُ

ليس في الغابات حرٌّ ........... لا و لا العبد الدميمْ إنما الأمجادُ سخفٌ ............... و فقاقيعٌ تعومْ فإذا ما اللوز ألقى ............ زهره فوق الهشيمْ لم يقلْ هذا حقيرٌ ................ و أنا المولى الكريمْ اعطني الناي و غني .............. فالغنا مجدٌ اثيلْ و أنين الناي أبقى ................. من زنيمٍ و جليلْ

  • * *

و اللطفُ في الناسِ أصداف و إن نعمتْ أضلاعها لم تكن في جوفها الدررُ فمن خبيثٍ له نفسان واحدةٌ من العجين و أُخرى دونها الحجرُ و من خفيفٍ و من مستأنث خنثِ تكادُ تُدمي ثنايا ثوبهِ الإبرُ و اللطفُ للنذلِ درعٌ يستجيرُ بهِ إن راعهُ وجلٌ أو هالهُ الخطرُ فان لقيتَ قوياًّ ليناً فبهِ لأَعينٍ فقدتْ أبصارها البصرُ

ليس في الغابِ لطيفٌ ............ لينهُ لين الجبانْ فغصونُ البان تعلو ............. في جوار السنديانْ و إذا الطاووسُ أُعطي .......... حلةً كالأرجوان فهوَ لا يدري أحسنْ ............. فيهِ أم فيهِ افتتان اعطني الناي و غنِّ .......... فالغنا لطفُ الوديعْ و أنين الناي أبقى .......... من ضعيفٍ و ضليعْ

  • * *

و الظرفُ في الناس تمويهٌ و أبغضهُ ظرفُ الأولى في فنون الاقتدا مهروا من مُعجبٍ بأمورٍ و هو يجهلها و ليس فيها له نفعٌ و لا ضررُ و من عتيٍّ يرى في نفسهِ ملكاً في صوتها نغمٌ في لفظها سُوَرُ و من شموخٍ غدت مرآتهُ فلكاً و ظلهُ قمراً يزهو و يزدهرُ

ليس في الغاب ظريف ......... ظرفهُ ضعف الضئيلْ فالصبا و هي عليل .................. ما بها سقمُ العليلْ إن بالأنهار طعماً .................. مثل طعم السلسبيلْ و بها هولٌ و عزمٌ ................ يجرفُ الصلدَ الثقيلْ اعطني الناي و غنِّ ............. فالغنا ظرفُ الظريفْ و أنين الناي أبقى ............ من رقيق و كثيفْ

  • * *

و الحبُّ في الناس أشكالٌ و أكثرها كالعشب في الحقل لا زهرٌ و لا ثمرُ و أكثرُ الحبِّ مثلُ الراح أيسره يُرضي و أكثرهُ للمدمنِ الخطرُ و الحبُّ إن قادتِ الأجسام موكبهُ إلى فراش من الأغراض ينتحرُ كأنهُ ملكٌ في الأسر معتقلٌ يأبى الحياة و أعوان له غدروا

ليس في الغاب خليع ............ يدَّعي نُبلَ الغرامْ فإذا الثيران خارتْ .............. لم تقلْ هذا الهيامْ إن حبَّ الناس داءٌ ............... بين حلمٍ و عظامْ فإذا ولَّى شبابٌ ................. يختفي ذاك السقامْ اعطني النايَ و غنِّ ........... فالغنا حبٌّ صحيحْ و أنينُ الناي أبقى .......... من جميل و مليحْ

  • * *

فان لقيتَ محباً هائماً كلفاً في جوعهِ شبعٌ في وِردهِ الصدرُ و الناسُ قالوا هوَ المجنونُ ماذا عسى يبغي من الحبِّ أو يرجو فيصطبرُ أَفي هوى تلك يستدمي محاجرهُ و ليس في تلك ما يحلو و يعتبرُ فقلْ همُ البهمُ ماتوا قبل ما وُلدوا أنَّى دروا كنهَ من يحيي و ما اختبروا

ليس في الغابات عذلٌ ......... لا و لا فيها الرقيبْ فإذا الغزلانُ جُنّتْ ............ إذ ترى وجه المغيبْ لا يقولُ النسرُ واهاً ............. إن ذا شيءٌ عجيبْ إنما العاقل يدعى .............. عندنا الأمر الغريبْ اعطني الناي و غنِّ ..............فالغنا خيرُ الجنون و أنين الناي أبقى ........... من حصيفٍ و رصينْ

  • * *

و قل نسينا فخارَ الفاتحينَ و ما ننسى المجانين حتى يغمر الغمرُ قد كان في قلب ذي القرنين مجزرةٌ و في حشاشةِ قيسِ هيكلٌ وقرُ ففي انتصارات هذا غلبةٌ خفيتْ و في انكساراتِ هذا الفوزُ و الظفرُ و الحبُّ في الروح لا في الجسم نعرفهُ كالخمر للوحي لا للسكر ينعصرُ

ليس في الغابات ذكرٌ ............... غير ذكر العاشقينْ فالأولى سادوا و مادوا ............ و طغوا بالعالمين أصبحوا مثل حروفٍ ........... في أسامي المجرمينْ فالهوى الفضّاح يدعى ............. عندنا الفتح المبينْ اعطني الناي و غنّ ............... و انس ظلم الأقوياء إنما الزنبق كأسٌ .................. للندى لا للدماء

  • * *

و ما السعادة في الدنيا سوى شبحٍ يُرجى فإن صارَ جسماً ملهُ البشرُ كالنهر يركض نحو السهل مكتدحاً حتى إذا جاءَهُ يبطي و يعتكرُ لم يسعد الناسُ إلا في تشوُّقهمْ إلى المنيع فان صاروا بهِ فتروا فإن لقيتَ سعيداً و هو منصرفٌ عن المنيع فقل في خُلقهِ العبرُ

ليس في الغاب رجاءٌ ............... لا و لا فيه المللْ كيف يرجو الغاب جزءا ........ و عَلىَ الكل حصلْ و بما السعيُ بغابٍ .................أَملاً و هو الأملْ انما العيش رجاءً .............. إِحدى هاتيك العللْ اعطني النايَ و غنِّ ................. فالغنا نارٌ و نورْ و أنين الناي شوقٌ .................. لا يدانيهِ الفتور

غايةُ الروح طيَّ الروح قد خفيتْ فلا المظاهرُ تبديها و لا الصوَرُ فذا يقول هي الأرواح إن بلغتْ حدَّ الكمال تلاشت و انقضى الخبرُ كأنما هي...أثمار إذا نضجتْ و مرَّتِ الريح يوماً عافها الشجرُ و ذا يقول هي الأجسام إن هجعت لم يبقَ في الروح تهويمٌ و لا سمرُ كأنما هي ظلٌّ في الغدير إذا تعكر الماءُ ولّت ومَّحى الأثر ضلَّ الجميع فلا الذرَّاتُ في جسدٍ تُثوى و لا هي في الأرواح تختصر فما طوتْ شمألٌ أذيال عاقلةٍ إلا و مرَّ بها الشرقيْ فتنتشرُ

لم أجد في الغاب فرقاً ............. بين نفس و جسدْ فالهوا ماءٌ تهادى ........... . و الندى ماءٌ ركدْ و الشذا زهرٌ تمادى ........... و الثرى زهرٌ جمدْ و ظلالُ الحورِ حورٌ ............ ظنَّ ليلاً فرقدْ اعطني النايَ و غنِّ ........... فالغنا جسمٌ وروح و أنينُ الناي أبقى ............... من غبوق و صبوحْ

  • * *

و الجسمُ للروح رحمٌ تستكنُّ بهِ حتى البلوغِ فتستعلى و ينغمرُ فهي الجنينُ و ما يوم الحمام سوى عهدِ المخاض فلا سقطٌ و لا عسرُ لكن في الناس أشباحا يلازمها عقمُ القسيِّ التي ما شدَّها وترُ فهي الدخيلةُ و الأرواح ما وُلدت من القفيل و لم يحبل بها المدرُ و كم عَلَى الأرض من نبتٍ بلا أَرجٍ و كم علا الأفق غيمٌ ما به مطرُ

ليس في الغاب عقيمٌ ............ لا و لا فيها الدخيلْ إنَّ في التمر نواةً ............ حفظت سر النخيلْ و بقرص الشهد رمزٌ.......... عن فقير و حقولْ انما... العاقرُ ... لفظ ........ صيغ من معنى الخمولْ اعطني الناي وغنِّ ............. فالغنا جسمٌ يسيلْ وأنينُ الناي أبقى ............... من مسوخ و نغولْ

  • * *

و الموتُ في الأرض لابن الأرض خاتمةٌ و للأثيريّ فهو البدءُ و الظفرُ فمن يعانق في أحلامه سحراً يبقى و من نامَ كل الليل يندثرُ و من يلازمُ ترباً حالَ يقظتهِ يعانقُ التربَ حتى تخمد الزهرُ فالموتُ كالبحر , مَنْ خفّت عناصره يجتازه , و أخو الأثقال ينحدرُ

ليس في الغابات موتٌ ......... لا و لا فيها القبور فإذا نيسان ولىَّ ......... لم يمتْ معهُ السرورْ إنَّ هولِ الموت وهمٌ ........ ينثني طيَّ الصدورْ فالذي عاش ربيعاً ......... كالذي عاش الدهورْ اعطني الناي و غنِّ ............ فالغنا سرُّ الخلود و أنين الناي يبقى ............ بعد أن يفنى الوجود

  • * *

اعطني الناي و غنِّ ............ وانس ما قلتُ و قلتا انما النطقُ ... هباءٌ .............. فأفدني ما فعلنا هل تخذتَ الغاب مثلي ..... منزلاً دون القصورْ فتتبعتَ السواقي ............... و تسلقتَ الصخورْ هل تحممتَ بعطرٍ .............. و تنشقت بنورْ و شربت الفجر خمراً ............ في كؤُوس من أثير هل جلست العصر مثلي .......... بين جفنات العنبْ و العناقيد تدلتْ ............. كثريات الذهبْ فهي للصادي عيونٌ ............ و لمن جاع الطعامْ و هي شهدٌ و هي عطرٌ ....... و لمن شاءَ المدامْ هل فرشتَ العشب ليلاً ........... و تلحفتَ الفضا زاهداً في ما سيأْتي .............. ناسياً ما قد مضى و سكوت الليل بحرٌ ..............موجهُ في مسمعكْ و بصدر الليل قلبٌ .............. خافقٌ في مضجعكْ اعطني الناي و غنِّ ................ و انسَ داًْء و دواء انما الناس سطورٌ ................. كتبت لكن بماء ليت شعري أي نفعٍ ............... في اجتماع و زحامْ و جدالٍ و ضجيجٍ.................و احتجاجٍ و خصامْ كلها إنفاق خُلدٍ .............. و خيوط العنكبوتْ فالذي يحيا بعجزٍ ................ فهو في بطءٍ يموتْ

  • * *

العيشُ في الغاب و الأيام لو نُظمت في قبضتي لغدت في الغاب تنتثر لكن هو الدهرُ في نفسي له أَربٌ فكلما رمتُ غاباً قامَ يعتذرُ وللتقادير سبلٌ لا تغيرها والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا[1]

مراجع[عدل]

  1. ^ أ ب قصيدة المواكب نشرت بجريدة الأهالى فى مايو سنة 1919.
  2. ^ كتاب الفصول (مجموعة مقالات أدبية واجتماعية وخطرات وشذور). عباس محمود العقاد. المواكب. صفحة 45.
  3. ^ كتاب الفصول (مجموعة مقالات أدبية واجتماعية وخطرات وشذور). عباس محمود العقاد. المواكب. صفحة 46.
  4. ^ كتاب الفصول (مجموعة مقالات أدبية واجتماعية وخطرات وشذور). عباس محمود العقاد. المواكب. صفحة 46, 47, 48.
  5. ^ كتاب الفصول (مجموعة مقالات أدبية واجتماعية وخطرات وشذور). عباس محمود العقاد. المواكب. صفحة 48.