النهضة العربية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

النهضة العربية، كما تعرف باسم اليقظة العربية، أو حركة التنوير العربية؛ هي الحالة الفكرية والاجتماعية التي سادت أساسًا في مصر العلوية وسوريا العثمانية، وامتدت لتشمل عواصم عربية أخرى كبغداد، وفاس ومراكش، تمامًا كما في المهجر، خلال القرن التاسع عشر. يضع بعض المؤرخين أمثال ألبرت حوراني تاريخ بدء النهضة عام 1798 بالحملة البونابرتية، ويضعها آخرون دخول ابراهيم باشا إلى سوريا عام 1832، لتنتهي مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914. أفضت النهضة إلى إعادة انتشال اللغة العربية مما طرأ عليها من تقهقر، وقدّمت أدبًا عربيًا معاصرًا للمرة الأولى منذ قرون، وعبر الجمعيات السياسية بعثت النهضة مشاعر الهوية العربية مجددًا، كما ناقشت قضايا الهوية للبلاد العربية المختلفة وعلاقتها بالرابطة العثمانية. رفع أغلب رجال النهضة شعارات الثورة الفرنسية، بالحرية والعدالة والمساواة، كما تأثروا تأثيرًا بالغًا بفلاسفة عصر الأنوار الأوروبي.[1] وعارضوا السلطة المركزية للدولة العثمانية، بجميع الشخصيات التي توالت على السلطة، ولعل كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، أهم كتاب سياسي - اجتماعي معارض، تمّ تأليفه في تلك المرحلة. كان من سمات النهضة أيضًا، انتشار المدارس والجامعات، وتأسيس الصحف والمجلات، والاهتمام بالعلوم؛ كما تزامنت النهضة مع افتتاح مشاريع اقتصادية هامة، كقناة السويس في مصر، وقطار الشرق السريع في بر الشام، ومعالم معمارية بازرة حتى أيامنا الراهنة، كميدان التحرير في القاهرة، وساحة المرجة في دمشق.

انتقدت النهضة بوصفها محصورة بالطبقات العليا الأرستقراطية في المدن، ولم تمسّ الأرياف وجماهير الشعب العريضة إلا بشكل هامشي؛ كما اانتقدت بوصف منتوجها "إشكالي"، وأيضًا "لم تكن النهضة في وجودها المتعين، إلا تمويهًا آيدلوجيًا برجوازيًا للتبعية".[2]

عوامل اليقظة العربية[عدل]

تظافرت عدة عوامل ساعدت على ظهور اليقظة العربية في منتصف القرن الثامن عشر، واتساع ينابيعها وتنوعها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي عوامل داخلية وخارجية:

  1. العوامل الداخلية
    1. حركات الإصلاح الإسلامي
    2. الجمعيات والأحزاب السياسية
    3. سياسة التتريك
  2. العوامل الخارجية
    1. انفتاح الوطن العربي على الفكر الأوروبي
    2. الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام
    3. إصلاحات محمد علي
    4. البعثات التبشيرية التي ساهمت في تنشيط الحركة التعليمية والثقافية

مظاهر اليقظة العربية[عدل]

حركات الإصلاح الإسلامي[عدل]

قامت في الوطن العربي حركات إسلامية عدة للنهوض بالعرب والمسلمين بإزالة عوامل التخلف التي لحقت بها، من جراء انتشار البدع والخرافات التي التصقت بالإسلام. وقد ركزت هذه الحركات في دعواتها الإصلاحية على ما يلي:

  1. ضرورة العودة إلى القرآن والسنة كأساس لوحدة المسلمين
  2. تنقية الدين الإسلامي من الشوائب التي علقت به عبر العصور
  3. فتح باب الجهاد
  4. الجهاد ضد الاستعمار

وقد ساهمت هذه الحركة في إحداث اليقظة الفكرية عند العرب.

الاتجاه الوطني[عدل]

من معاني الوطنية حب الوطن والتمسك به والانتماء إليه. وقد ساعدت مجموعة من العوامل على ظهور هذا الاتجاه منها:

  1. انتشار التعليم.
  2. إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا.
  3. نشاط حركة الترجمة والتأليف.

نادى بعض دعاة الإصلاح بالانفتاح على الحضارة الغربية والاستفادة من تفوق الغرب في العلم والاقتصاد، وقد شكل دعاة هذا الاتجاه عددا من الجمعيات الثقافية والعلمية، حاول أعضاؤها عن طريق الخطب والمحاضرات إبراز فضل العرب في الآداب والعلوم، ووجوب عمل العرب على استعادة أمجادهم. وأبرز من مثل هذا الاتجاه:

الاتجاه العربي الإسلامي[عدل]

شهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر مرحلة من أخطر المراحل، ذلك أن الدولة العثمانية التي كانت سائرة في طريق التدهور والانحدار، تعرضت لما لم تتعرض له في الماضي من تجزئه، ومن انفصال بعض ولاياتها. كما ازداد تدخل الدول الأجنبية الكبرى بها، فلجأ السلطان إلى التشديد في الرقابة ولا سيما على الولايات الغربية.

اضطر السلطان عبد الحميد في بداية حُكمه إلى قبول دستور مدحت باشا الذي لقب (بأبي الدستور) وأصبح لفترة من الوقت حاكما دستوريا، لكنه ما لبث أن اصدر الأمر بحل البرلمان، وتعليق الدستور إلى أجل غير مسمى. طلب من النواب المستنيرين (وكان من بينهم عدد من النواب العرب) مغادرة الآستانة.

حاول السلطان عبد الحميد تثبيت دعائم حكمه بتبني حركة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني، مستهدفا بذلك تقوية مركزه من الداخل والخارج.

  • داخليا: ليلتف حوله المسلمون كرئيس روحي لهم ذو سلطة عليا عليهم.
  • خارجيا: لتهديد الدول الاستعمارية بإثارة الشعوب الإسلامية الخاضعة لها فيما إذا استمرت في سياستها المعادية للدولة العثمانية.

إن خوف العرب من الأخطار الاستعمارية جعلهم يلتفون حول دولة الخلافة، ويؤيدون السلطان عبد الحميد، لكنهم لم يقبلوا بسياسته. لذا فقد استمرت الدعوة إلى الإصلاح واللامركزية. وكان من أشهر من سار في هذا الاتجاه عبد الرحمن الكواكبي الذي انتقد الحكم الاستبدادي في كتابه طبائع الاستبداد أما رشيد رضا فدعا إلى محاربة الاستبداد؟ وإعادة العمل بالدستور. وربط بين العروبة والإسلام؟ وجسد أفكاره في مجلة المنار

دور المسيحيين[عدل]

النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر بدأت في أعقاب خروج محمد علي باشا من بلاد الشام عام 1840 وتسارعت وتيرتها أواخر القرن التاسع عشر، وكانت بيروت والقاهرة ودمشق وحلب مراكزها الأساسية، وتمخض عنها تأسيس المدارس والجامعات العربية والمسرح والصحافة العربيين وتجديد أدبي ولغوي وشعري مميز ونشوء حركة سياسية نشطة عرفت باسم "الجمعيات" رافقها ميلاد فكرة القومية العربية والمطالبة بإصلاح الدولة العثمانية ثم بروز فكرة الاستقلال عنها مع تعذر الإصلاح والمطالبة بتأسيس دول حديثة على الطراز الأوروبي؛ كذلك وخلال النهضة تم تأسيس أول مجمع للغة العربية وإدخال المطابع بالحرف العربي، وفي الموسيقى والنحت والتأريخ والعلوم الإنسانية عامة فضلاً عن الاقتصاد وحقوق الإنسان، وملخص الحال أنّ النهضة الثقافية التي قام بها العرب أواخر الحكم العثماني كانت نقلة نوعية لهم نحو حقبة ما بعد الثورة الصناعية،[3] ولا يمكن حصر ميادين النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر بهذه التصنيفات فقط إذ إنها امتدت لتشمل أطياف المجتمع وميادينه برمته،[4] ويكاد يعمّ الاتفاق بين المؤرخين على الدور الذي لعبه المسيحيون العرب في هذه النهضة سواءً في جبل لبنان أو مصر أو فلسطين أو سوريا، ودورهم في ازدهارها من خلال المشاركة ليس فقط من الوطن بل في المهجر أيضًا.[5] إذ كون المسيحيون في العصر الحديث النخبة المثقفة والطبقة البرجوازية مما جعل مساهمتهم في النهضة الاقتصادية ذات أثر كبير، على نحو ما كانوا أصحاب أثر كبير في النهضة الثقافية، وفي الثورة على الاستعمار بفكرهم ومؤلفاتهم، وعملهم.[6] يذكر على سبيل المثال في الصحافة سليم العنجوي مؤسس «مرآة الشرق» عام 1879 وأمين السعيل مؤسس مجلة الحقوق وجرجس ميخائيل فارس مؤسس «الجريدة المصرية» عام 1888 واسكندر شلهوب مؤسس مجلة السلطنة عام 1897 وسليم تقلا وشقيقه بشارة تقلا مؤسسا جريدة الأهرام،[7] وفي فقه اللغة العربية يذكر إبراهيم اليازجي وناصيف اليازجي وبطرس البستاني. وفي الوقت ذاته دخلت إلى حلب على يد المطران ملاتيوس نعمة المطبعة الأولى بأحرف عربية إلى بلاد الشام واستمرت في الطباعة حتى 1899. من جهة أخرى، ساهم المسيحيون العرب في مقارعة سياسة التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي وبرز في حلب على وجه الخصوص المطران جرمانوس فرحات والخوري بطرس التلاوي، وتأسست المدرسة البطريركية في غزير التي خرجت عددًا وافرًا من أعلام العربية في تلك المرحلة،[8] ولعبت الجامعات المسيحية كجامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية في بيروت وجامعة الحكمة في بغداد وغيرها دورًا رياديًا في تطوير الحضارة والثقافة العربية.[9] وفي العراق نشط الأب أنستاس ماري الكرملي، وفي الأدب يذكر جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وأمين الريحاني وشفيق معلوف وإلياس فرحات. وفي السياسة يذكر نجيب العازوري وشكري غانم ويعقوب الصروف وفارس نمر وبطرس غالي في لبنان ومصر. ونظرًا لهذا الدور المسيحي المتزايد في السياسة والثقافة، بدأت الحكومات العثمانية تحوي تباعًا وزراءً من المسيحيين العرب ومنهم آل ملحمة في لبنان. وفي المجال الاقتصادي، برز عدد من العائلات المسيحية ومنهم آل سرسق وآل خازن وآل بسترس في الشام وآل السكاكيني، وآل غالي وآل ثابت في مصر،[10] وهكذا فإن الشرق العربي قاد بمسلميه ومسيحييه نهضة ثقافية وقومية بوجه الاستبداد الذي شكلت ركيزته جمعية الاتحاد والترقي وسياسة التتريك، ورسخت هذه النهضة كما يرى بولس نعمان "المسيحيين العرب كأحد أعمدة المنطقة وليس كأقلية على هامشها".[11]

انظر أيضا[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر، ص.7
  2. ^ حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر، ص.8
  3. ^ المسيحيون العرب: طليعة النهضة وهمزة وصل التقدم، موقع القديسة تيريزا، 14 نوفمبر 2011.
  4. ^ دور المسيحيين العرب المشارقة في تحديث العالم العربي، كنائس لبنان، 14 نوفمبر 2011.
  5. ^ دور الموارنة أحد ضرورات مستقبل المنطقة، أصول، 14 نوفمبر 2011.
  6. ^ عروبة المسيحيين ودورهم في النهضة
  7. ^ تاريخ الكنائس الشرقية، مرجع سابق، ص.111
  8. ^ محطات مارونية من تاريخ لبنان، مرجع سابق، ص.183
  9. ^ دور العرب المسيحيين المشارقة فــي تحديث العالم العربي
  10. ^ الشوام في مصر... وجود متميز خـــــــــلال القـرنين التاسع عشر والعشرين
  11. ^ محطات مارونية من تاريخ لبنان، مرجع سابق، ص.185