آمنة بنت وهب

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من امنه بنت وهب)
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
Emblem-scales.svg
إن حيادية وصحة هذه المقالة أو هذا القسم مختلف عليها. رجاء طالع الخلاف في صفحة النقاش.
آمنة بنت وهب
ولادة مكة المكرمة, شبه الجزيرة العربية
وفاة 47 ق هـ / 577م
الأبواء (بين مكة والمدينة المنورة)
لقب أم محمد، أم رسول الله
زوج عبد الله بن عبد المطلب
أولاد محمد بن عبد الله
والدان أبوها: وهب بن عبد مناف بن زهرة
أمها: برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار


آمنة بنت وهب الزهرية القرشية هي أم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلّم، ماتت وعمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلّم ست سنوات، حيث توفيت سنة 47 ق هـ الموافق 577م.

نسبها[عدل]

تندرج "آمنة بنت وهب " من بني زهرة بن كلاب وهم أحد بطون قريش ذات المكانة العظيمة فقد كان أبوها وهب بن عبد مناف سيد بني زهرة شرفا وحسبا، وفيه يقول الشاعر:

يا وهب يا بن الماجد بن زهرة
سُدت كـلابـا كلهـا ابن مـرة
بـحــســبٍ زاكٍ وأمٍّ بـرّة

ولم يكن نسب "آمنة" من جهة أمها، دون ذلك عراقة وأصالة فهي ابنة "برة بنت عبد العزى" من بني عبد الدار بن قصي أحد بطون قريش. ويؤكد هذه العراقة والأصالة بالنسب اعتزاز الرسول بنسبه حيث قال: "لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما" ويقول أيضا: "أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا".

نشأتها[عدل]

نشأت في أسرة عريقة النسب، مشهود لها بالشرف والأدب، اتسمت بالبيان، وعرفت بالذكاء وطلاقة اللسان، وتعد أفضل امرأة في قريش نسباً ومكانة. ورباها عمها وهيب بن عبد مناف. كان عبد المطلب سيد قريش وجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد نذر لله إن رزقه الله عشرة من الذكور لينحرن أحدهم شكراً لله وتقرباً إليه. وقد صار لـعبد المطلب عشرة ذكور، وعزم على تنفيذ نذره، فأقرع بين أولاده ليعلم أيهم سينحر. وخرج القدح على عبد الله بن عبد المطلب، أحبهم إليه، فما العمل؟ لقد أشار عليه وجوه القوم أن يفديه بعشرة من الإبل، وقدم الإبل ثم أقرع بينها وبين ولده، فخرج سهم عبد الله بن عبد المطلب، فقالوا لعبد المطلب: زدها عشراً ثم اقرع، ففعل، فخرج سهم عبد الله، وظل يزيد في كل مرة عشراً من الإبل حتى بلغت المائة، وعندما أقرع بينها وبين ولده، وقعت القرعة على الإبل، فسرّ عبد المطلب بذلك سروراً عظيماً ونحر الإبل المائة فداء ولده، وعمت الفرحة قريشاً بنجاة ابن سيدهم عبد المطلب. وتزوج عبد الله آمنة بنت وهب، وفي أول ليلة جمعتهما رأت آمنة أن شعاعاً من النور خرج منها فأضاء الدنيا من حولها حتى تراءت لها قصور بصرى في الشام وسمعت هاتفاً يقول لها: يا آمنة لقد حملتِ بسيد هذه الأمة. سافر زوجها في تجارة إلى الشام وتوفي في تلك الرحلة في يثرب. وبعد ست سنوات من وفاته وبينما هي عائدة من زيارة قبر عبد الله وأخـواله بني عدي بني النجار أدركها المرض وتوفيت في الأبواء بين مكة والمدينة المنورة.

نشأة آمنة[عدل]

نشأت سيدتنا "آمنة" وصباها في أعز بيئة، ولها مكانة مرموقة من حيث الأصالة النسب والحسب، والمجد، فكانت تعرف "بزهرة قريش" فهي بنت بني زهرة نسباً وشرفاً، فكانت مخبأة من عيون البشر، حتى إنَّ الرواة كانوا لا يعرفون ملامحها. وقيل فيها إنها عندما خطبت لـعبد الله بن عبد المطلب كانت حينها أفضل فتاة في قريش نسباً وموضعاً. وقد عرفت آمنة في طفولتها وحداثتها ابن العم "عبد الله بن عبد المطلب" حيث إنه كان من أبناء أشرف أسر قريش، حيث يعتبر البيت الهاشمي أقرب هذه الأسر إلى آل زهرة؛ لما لها من أواصر الود والعلاقة الحميمة التي تجمعهم بهم، عرفته قبل أن ينضج صباها، وتلاقت معه في طفولتها البريئة على روابي مكة وبين ربوعها، وفي ساحة الحرم، وفي مجامع القبائل. ولكنها حجبت منه؛ عندما ظهرت عليه بواكر النضج، وهذا ما جعل فتيان مكة يتسارعون إلى باب بني زهرة من أجل طلب الزواج منها.

عبد الله فتى هاشم[عدل]

لم يكن "عبد الله بن عبد المطلب" بين الذين تقدموا لخطبة "زهرة قريش" رغم ما له من الرفعة والسمعة والشرف، فهو ابن عبد المطلب بن هاشم وأمه "فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية" وجدة "عبد الله" لأبيه "سلمى بنت عمرو". ولكن السبب الذي يمنع "عبد الله" من التقدم إلى " آمنة" هو نذر أبيه بنحر أحد بنيه لله عند الكعبة. حيث إن عبد المطلب حين اشتغل بحفر البئر، وليس له من الولد سوى ابنه "الحارث"، فأخذت قريش تذله، فنذر يومها، إذا ولد له عشرة من الأبناء سوف ينحر أحدهم عند الكعبة. فأنعم الله على "عبد المطلب" بعشرة أولاد وكان "عبد الله" أصغرهم. وخفق قلب كل شخص وهو ينتظر اللحظة ليسمع اسم الذبيح، وبقيت "آمنة"، لا تستطيع أن تترك بيت أبيها، ولكنها تترقب الأنباء في لهفة، وقد اختير "عبد الله" ليكون ذبيحا، ومن ثم ضرب السهم على "عبد الله" أيضا فبكت النساء، ولم يستطع "عبدالمطلب" الوفاء بنذره؛ لأن عبد الله أحب أولاده إليه، وأتى الفرج فقد أشار عليهم شخص وافد من خيبر بأن يقربوا عشراً من الإبل ثم يضربوا القداح فإذا أصابه، فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم، وظلوا على هذه الحالة ينحرون عشرًا ثم يضربون القداح حتى كانت العاشرة، بعد أن ذبحوا مئة من الإبل.

زواج آمنة وعبد الله[عدل]

جاء "وهب" ليخبر ابنته عن طلب "عبد المطلب" بتزويج "آمنة" بابنه "عبد الله" فغمر الفرح نفس "آمنة"، وبدأت سيدات آل زهرة تتوافد الواحدة تلو الأخرى لتبارك "لآمنة". وكذلك قيل بأن الفتيات كن يعترضن طريق "عبد الله"؛ لأنه اشتهر بالوسامة، فكان أجمل الشباب وأكثرهم سحرا، حتى إنَّ أكثر من واحدة خطبته لنفسها مباشرة. وأطالت "آمنة" التفكير في فتاها الذي لم يكد يفتدى من الذبح حتى هرع إليها طالباً يدها، زاهدا في كل أنثى سواها، غير مهتم إلى ما سمع من دواعي الجمال والغنج، واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام، ولكن عيناها ملأتها الدموع؛ لأنها سوف تفارق البيت الذي نشأت فيه، وأدرك "عبد الله" بما تشعر به، وقادها إلى رحبة الدار الواسعة. وذكر بأن البيت لم يكن كبيرا ضخم البناء، لكنه مريح لعروسين ليبدآ حياتهما على بركة الله. فكان البيت ذا درج حجري يوصل إلى الباب ويفتح من الشمال، ويدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو عشر أمتار في عرض ستة أمتار، وفي جداره الأيمن باب يدخل منه إلى قبة، وفي وسطها يميل إلى الحائط الغربي مقصورة من الخشب، أعدت لتكون مخدعاً للعروسين الكريمين.

رحلة عبد الله للتجارة[عدل]

أعرض عن "عبد الله" كثير من النساء اللواتي كنَّ يخطبنه علانية بعد زواجه من "آمنة"، فكانت بنت نوفل بن أسد من بين النساء اللواتي عرضن عن "عبد الله"، فسأل عبد الله واحدة منهن عن سبب إعراضها عنه فقالت: "فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة". أدهش هذا الكلام "عبد الله وآمنة" وراحا يفكران في القول الذي قالته تلك المرأة؟ ولم تكف "آمنة" عن التفكير والرؤيا عنها وسبب انشغال آمنة في التفكير يرجع إلى أن هذه المرأة أخت "ورقة بن نوفل" الذي بشر بأنه سوف يكون في هذه الأمة نبي... وبقي "عبد الله" مع عروسه أياما، وقيل إن المدة لم تتجاوز عشرة أيام؛ لأنه يجب عليه أن يلحق بالقافلة التجارية المسافرة إلى غزة والشام.

العروس الأرملة آمنة[عدل]

انطلق عبد الله بسرعة قبل أن يتراجع عن قراره، ويستسلم لعواطفه، ومرت الأيام و"آمنة "تشعر بلوعة الفراق، ولهفة والحنين لرؤية عبد الله حتى إنها فضلت العزلة والاستسلام لذكرياتها مع عبد الله بدلا من أن تكون مع أهلها. ومرت الأيام شعرت خلالها "آمنة" ببوادر الحمل، وكان شعورا خفيفا لطيفا ولم تشعر فيه بأية مشقة أو ألم حتى وضعته. وكانت كثيرا ما تراودها شكوك في سبب تأخير عبد الله فكانت تواسي نفسها باختلاقها الحجج والأسباب لتأخيره.

وجاءت "بركة أم أيمن" إلى "آمنة" فكانت لا تستطيع أن تخبرها بالخبر الفاجع، الذي يحطم القلب عند سماعه فكانت تخفيه في صدرها كي لا تعرفه "آمنة"، ومن ثم أتاها أبوها ليخبرها عن عبد الله التي طال معها الانتظار وهي تنتظره، فيطلب منها أن تتحلى بالصبر، وأن عبد الله قد أصيب بوعكة بسيطة، وهو الآن عند أخواله بيثرب، ولم تجد هذه المرأة العظيمة سوى التضرع والخشية وطلب الدعاء من الله لعله يرجع لها زوجها عبد الله الذي تعبت عيناها وهي تنتظره، وفي لحظات نومها كان تراودها أجمل وأروع الأحلام والرؤى عن الجنين الذي في أحشائها، وتسمع كأن أحداً يبشرها بنبوءة وخبر عظيم لهذا الجنين. وجاء الخبر المفزع من الحارث بن عبد المطلب عن وفاة عبد الله، فزعت آمنة، فنهلت عيناها بالدموع وبكت بكاءً مراً على زوجها الغائب، وحزن أهلها حزنا شديدا على فتى قريش عبد الله. وبكت مكة على الشجاع القوي.

آمنة بنت وهب أم اليتيم[عدل]

لم يكن أمام آمنةُ بنت وهبٍ سوى أن تتحلى بالصبر على مصابها الجلل، الذي لم تكن تصدقه حتى إنها كانت ترفض العزاء في زوجها، ولبثت مكة وأهلها حوالي شهراً أو أكثر وهي تترقب ماذا سوف يحدث بهذه العروس الأرملة التي استسلمت للأحزان. وأطالت التفكير بزوجها، حتى إنها توصلت للسر العظيم الذي يختفي وراء هذا الجنين اليتيم، فكانت تعلل السبب فتقول أن عبد الله لم يفتد من الذبح عبثا! لقد أمهله الله حتى يودعني هذا الجنين الذي تحسه يتقلب في أحشائها. والذي من أجله يجب عليها أن تعيش. وبذلك أنزل الله عز وجل الطمأنينة والسكينة في نفس "آمنة"، وأخذت تفكر بالجنين الذي وهبها الله عز وجل لحكمة بديعة، Ra bracket.png أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى Aya-6.png La bracket.png[2](سورة الضحى، الآية 6). فوجدت "آمنة" في هذا الجنين مواساة لها عن وفاة الزوج، ووجدت فيه من يخفف أحزانها. وفرح أهل مكة بخبر حمل "آمنة" وانهلوا عليها من البشائر لتهنئة "آمنة" بالخبر السعيد. وتكررت الرؤى عند "آمنة" وسمعت كأن أحد يقولها "أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم تسميه محمدا". وجاءتها آلام المخاض فكانت وحيدة ليس معها أحد ولكنها شعرت بنور يغمرها من كل جانب، وخيل لها أن "مريم ابنة عمران"، "وآسية امرأة فرعون"، و"هاجر أم إسماعيل" كلهن بجنبها، فشعرت بالنور الذي انبثق منها، ومن ثم وضعت وليدها كما تضع كل أنثى من البشر، وهكذا كان فقد:

ولــد الهدى فالكائنات ضيـاء وفـم الـزمـان تـبـسم وثنـاء
الروح والمـلأ الملائـك حــوله للديـن والدنـيـا بـه بـشراء
والعرش يزهـو والحظيرة تزدهي والمنـتهـى والـدرة العصمـاء

وهنا اكتملت فرحة "آمنة"، ولم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تشعر بها من قبل. وفرح الناس وفرح الجد "عبد المطلب" بحفيده، وشكر الرب على نعمته العظيمة وأنشد يقول:

الـحـمــد الله الـذي أعــطــاني
هـذا الـغـلام الـطـيـب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمـان
أعـيــذه مــن شـر ذي شـنــآن
مـن حـسـد مـضـطـرب الـعنــان

وسماه "محمداً"، ولما سئل عن سبب تسميته محمداً قال ليكون محموداً في الأرض وفي السماء، ومن ثم توال القوم ليسموا أبناءهم بهذا الاسم. وأحست "آمنة" بأن الجزء الأول والأهم قد انتهى بوضع وليدها المبشر، ورسالة أبيه قد انتهت بأن أودعه الله جنينًا في أحشائها، ولكن مهمتها بقت في أن ترعاه وتصحبه إلى يثرب ليزور قبر فقيدهما الغالي عبد الله. وبعد بضعة أيام جف لبن "آمنة" لما أصابها من الحزن والأسى لموت زوجها الغالي عليها فأعطته "لحليمة بنت أبي ذؤيب السعدي" لترضعه، فبات عندهم حتى انتهت سنة رضاعته وأرجعته إلى "آمنة". وفي الفترة التي عاش عند "حليمة" حدثت للرسول حادثة شق الصدر التي فزعت النفوس بها.

وفاة آمنة بنت وهب[عدل]

قبر السيدة أروى بنت كريز المجاور لقبر السيدة آمنة بنت وهب.[3]

حان الوقت التي كانت "آمنة" تترقبه حيث بلغ محمدٌ السادسة من عمره بعد العناية الفائقة له من والدته. وظهرت عليه بوادر النضج. فاصطحبته إلى أخوال أبيه المقيمين في يثرب لمشاهدة قبر فقيدهما الغالي، ومكثت بجوار قبر زوجها ما يقارب شهرا كاملا، وهي تبكي وتتذكر الأيام الخوالي التي جمعتها مع زوجها بينما "محمد" يلهو ويلعب مع أخواله. وإثر عاصفة حارة وقوية هبت عليهم تعبت "آمنة" في طريقها بين البلدتين. فشعرت "آمنة" بأن أجلها قد حان وكانت تهمس بأنها ستموت، ثم أخذها الموت من بين ذراعي ولدها الصغير وفارقت هذه الدنيا. وانهلت أعين الطفل بالبكاء بين ذراعي أمه، فهو لم يدرك معنى الموت -بعد-. فأخذته "أم أيمن" فضمت المسكين إلى صدرها وأخذت تحاول أن تفهمه معنى الموت حتى يفهمه. وعاد اليتيم الصغير إلى مكة حاملا في قلبه الصغير الحزن والألم، ورأى بعينيه مشهد موت أعز الناس وأقربهم إلى قلبه؛ أمه آمنة التي يصعب عليه فراقها.

تؤكد مصادر تاريخية بأن السيدة آمنة قد وافتها المنية قافلة من زيارتها لأقاربها بيثرب (المدينة المنورة حاليا) بالأبواء (وهي منطقة على بعد 190 كم عن مدينة جدة بالسعودية اليوم).

حنيفيتها ومعرفتها بالله[عدل]

قال ابن إسحاق : إن آمنة ابنة وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث أنها أتيت في منامها لما حملت برسول الله فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض قولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام[4].

وروي الخطيب البغدادي بسنده: أن آمنة قالت: لما وضعت النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت سحابة عظيمة لها نورا أسمع فيها صهيل الخيل وخفيقان الأجنحة وكلام الرجال حتي غشيته وغيبت عني فسمعت منادي ينادي طوفوا بمحمد في جميع الأرض وأعرضوه علي كل روحاني من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش. وأعطوه خلق آدم ومعرفة شيث وشجاعة نوح وخلة إبراهيم ولسان إسماعيل ورضاء إسحاق وفصاحة صالح وحكمة لوط وبشري يعقوب وشدة موسي وصبر أيوب وطاعة يونس وجهاد يوشع وصوت داوود وجب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيي وزهد عيسي وأغمسوه في أخلاق النبيين[5].

حادثة الاستغفار[عدل]

يذكر في كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بقبر أمه السيدة آمنة بنت وهب حاول الاستغفار لها عدة مرات لكن الله لم يقبل استغفاره لأنها ماتت على الشرك. بناحية عسفان في ربيع الأول سنة ست، وفي هذه الغزوة جاز على قبر أمه صلى الله عليه وسلم:[6]

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا علي بن محمد العلاف قال‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد الحمامي قال‏ أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الحريري قال‏:‏ أخبرنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال‏:‏ أخبرنا أبو إبراهيم الترجماني قال‏:‏ حدثنا المشمعل بن ملحان عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ وقف على عسفان فنظر يمينًا وشمالًا فأبصر قبر أمه آمنة فورد الماء فتوضأ ثم صلى ركعتين فلم يفاجئنا إلا ببكائه فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف إلينا فقال: "ما الذي أبكاكم؟" قالوا: بكيت فبكينا يا رسول الله. وقال: "وما ظننتم؟"‏ قالوا: ظننا أن العذاب نازل علينا. قال: "لم يكن من ذلك شيء". قالوا: فظننا أن أمتك كلفوا من الأعمال ما لا يطيقون. قال: "لم يكن من ذلك شيء ولكني مررت بقبر أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين واستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجرًا فعلا بكائي". ثم دعى براحلته فركبها فما سارت إلا هينة حتى قامت الناقة بثقل الوحي فأنزل الله تعالى: Ra bracket.png مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ Aya-113.png La bracket.png(سورة التوبة، الآية 113)[7] إلى آخر الآيتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أشهدكم أني بريء من آمنة كما تبرأ إبراهيم من أبيه.[8]

فتوى الأزهر حول حادثة الاستغفار[عدل]

قرر الأزهر أن حديث النهي عن الاستغفار إن صح - وهو حديث ضعيف - فهو متأخر عن إحياء الله تعالى لهما ليؤمنا بالنبي ص، وأن الحكم في أبوَي النبي ص أنهما ناجيان وليسا من أهل النار، وقد صرح بذلك جمع من العلماء، وصنف العلماء المصنفات في بيان ذلك، منها: رسالتا الإمام السيوطي "مسالك الحنفا في نجاة والدَي المصطفى" و"التعظيم والمِنّة بأنَّ والدَي المصطفى في الجنة".

وقد سلكوا في إثبات هذا الحكم والاستدلال عليه عدة طرق أهمها:

  • أنهما مِن أهل الفَترة؛ لأنهما ماتا قبل البعثة ولا تعذيب قبلها، وقد صرح أئمة أهل السنة أن مَن مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا، ومِمَّن صرح بذلك العلامة الأَجهُورِي فيما نقله عنه النفراوي في "الفواكه الدَّواني"، وشرف الدين المُناوي فيما نقله عنه السيوطي في "الحاوي"، ونقل هذا القول السِّبط ابن الجَوزي عن جماعة من العلماء منهم جَده، وجزم بهذا القول العلامة الأُبِّي في شرحه على صحيح مسلم، ومال إليه الحافظ ابن حجر في بعض كتبه كما نقل عنه السيوطي في "مسالك الحنفا". واستدلوا على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.[الإسراء: 15]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. [الأنعام: 131]، وبآيات وأحاديث أخرى.

وقد أورد الطبري في تفسيره عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. [الضحى: 5. قال: "مِن رِضا محمد ص أن لا يَدخُل أحدٌ مِن أهل بيته النار".

  • الطريق الثاني: أنهما ناجيان؛ لأنهما لم يثبت عنهما شرك، بل كانا على الحنيفية دِين جدهما إبراهيم عليه السلام ولقد ذهب إلى هذا القول جمعٌ من العلماء منهم الفخر الرازي في كتابه "أسرار التنزيل". واستدل أهل هذا الطريق بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. [الشعراء: 218، 219]، أي أنه ص كان يتقلب في أصلاب الساجدين المؤمنين مما يدل على أن آباءه ص لم يكونوا مشركين، قال ص (لَم أَزَل أُنقَلُ مِن أَصلابِ الطّاهِرِينَ إلى أَرحامِ الطّاهِراتِ)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. [التوبة: 28]، فوجب ألا يكون أحدٌ مِن أجداده ص مشركًا" اهـ. واستدل السيوطي لهذا المسلك بدليل آخر مركب، مُلخَّصُه: أنّ رسول الله ص قال: ((أنا خِيارٌ مِن خِيارٍ))، وبهذا الحديث وغيره من الأحاديث والآيات الدالة على مثل هذا المعنى ثبت أنّ كل أصل مِن أصوله ص مِن آدم -عليه السلام- إلى أبيه عبد الله خير أهل قرنه وأفضلهم.
  • والطريق الثالث : أنهما ناجيان؛ لأن الله تعالى أحياهما له ص حتى آمَنا به ص، وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة مِن حفاظ المحدِّثين وغيرهم، منهم: الخطيب البغدادي وابن شاهين وابن المُنَيِّر والمحب الطبري والقرطبي. واحتجوا لمسلكهم بأحاديث ضعيفة، ولكنها ترقى إلى الحسن بمجموع طرقها.

وقد ردَّ أصحاب هذا المسلك على أن النبي ص قد نُهِيَ عن الاستغفار لهما بأن الإحياء متأخر عن النهي، فكان حكمه ناسخًا لحكم النهي. قال القرطبي: "لا تَعارُضَ بين حديث الإحياء وحديث النهي عن الاستغفار؛ فإن إحياءهما متأخر عن النهي عن الاستغفار لهما؛ بدليل حديث عائشة أن ذلك كان في حجة الوداع؛ ولذلك جعله ابن شاهين ناسخًا لما ذكر مِن الأخبار". اهـ.

فهذه مسالك العلماء الذين قالوا بنجاة والدَي المصطفى ص، وهي مسالك قوية مؤيَّدةٌ بالدليل والبرهان، وعليها جماهير علماء الأمة.

أما الأحاديث التي استدل بها بعضهم، فهذه الأحاديث إما أساؤوا فهمها، أو لم تكن لهم دراية بالعلوم المساعدة لاستنباط الأحكام؛ مثل علم الحديث وأصول الفقه، فجاء كلامهم على هذه الأحاديث مجانبًا للصواب.

فلفظ (أبي وأباك في النار) الوارد في حديث أنس عند مسلم لم يتفق الرواة على لفظه، وإنما ذَكَرَ هذا اللفظَ حَمّادُ بن سَلمة عن ثابت عن أنس، وقد خالفه مَعمَر عن ثابت فلم يذكر (إنّ أبي وأباك في النارِ)، ولكن قال له: (إذا مَرَرتَ بقَبرِ كافِرٍ فبَشِّره بالنارِ). ومعمر راوي هذه الرواية أثبتُ عند أهل الحديث مِن حماد؛ فإن حمادا تُكُلِّم في حفظه، ووقع له أحاديث مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ، فحدَّث بها فوَهِم، ومِن ثَمَّ لم يُخَرِّج له البخاري شيئًا، ولا أخرج له مسلم في الأصول إلا مِن روايته عن ثابت، فلا شك أن رواية معمر أثبت من رواية حماد، والذي نراه أن حمادًا وكأنه روى هو أو أحد الرواة عنه الحديثَ بالمعنى، فوقع هذا الخطأ منه أو من أحد الرواة عنه.

وقد أجاب بعض العلماء كابن عابدين وغيره بأن هذه الأحاديث منسوخة؛ لأن حديث الإحياء تأخر عن هذا الحديث فيكون ناسخًا له، وقد نقل الحافظ السيوطي هذا القول عن جماعة من العلماء في "مسالك الحنفا"، وعليه فلا يصح الاحتجاج بها.

والقول بنجاة والدَي المصطفى ص هو ما عليه الفتوى بدار الإفتاء المصرية؛ وقد صدرت بذلك فتوى فضيلة مفتي الديار المصرية الأسبق العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي، والتي قال في آخرها في حكم مَن زعم أن أبوَي المصطفى ص ليسا مِن أهل الإيمان: "قد أخطأ خطأً بيِّنًا؛ يأثم ويدخل به فيمن آذى رسول الله ص" اهـ[9].

المصادر[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ أ ب سيرة ابن هشام
  2. ^ القرآن الكريم، سورة الضحى، الآية 6
  3. ^ يرى ضريح السيدة آمنة بنت وهب وإلى يمينها ضريح مجهول، وإلى يسارها ضريح السيدة أروى بنت كريز وهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أم الخليفة ذو النورين عثمان بن عفان.
  4. ^ الكامل في التاريخ ص 417
  5. ^ عن كتاب "الانوار المحمدية" للنبهانى، وانظر الخصائص الكبرى للسيوطي ص 81 وما بعدها
  6. ^ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، أبو الفرج بن الجوزي.
  7. ^ القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 113.
  8. ^ كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم
  9. ^ رقم الفتوى الصادرة من أمانة الفتوى 2623 رابط الفتوى

كتب[عدل]