بولاق

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

إحداثيات: 30°03′11″N 31°13′48″E / 30.053°N 31.230°E / 30.053; 31.230

Bulak from Ghezireh.jpg

بولاق أو بولاق أبو العلا هو حي قديم من أحياء مدينة القاهرة، تقع علي ضفة النيل الشرقية مقابل جزيرة "الزمالك" وبولاق تعني الميناء

النشأة وتاريخ التطور[عدل]

فقد نشأت عواصم مصر بعيدا عنها. العاصمة الإسلامية الأولى هي "الفسطاط" جنوبي القاهرة الحالية عند حصن بابليون.. وعندما أنشأ العباسيون العاصمة الثانية لمصر الإسلامية أقاموها شمال الفسطاط، وعرفت "بالعسكر". وعندما أنشأ أحمد بن طولون العاصمة الثالثة لمصر وسماها القطائع، أقامها أيضا شمال شرق المعسكر.. حتى جوهر الصقلي الذي بدا بناء القاهرة لتصبح رابع عاصمة لمصر الإسلامية أقامها أيضا: شمال شرق القطائع. وكل هذه العواصم لم تكن تطل على النيل باستثناء الفسطاط. بل إن المعز لدين الله الفاطمي عندما وصل إلى مصر ليقيم في القاهرة التي بناها قائد جيوشه جوهر الصقلي، عاتبه عتابا خفيفا عندما رأى موقع المدينة وقال له: "لو كنت أنشأتها قريبا من النيل يا جوهر!!".

وبالمناسبة ظلت الفسطاط عاصمة لمصر 112 سنة هجرية، منذ بناها عمرو بن العاص عام 20 هـ - 641 م حتى عام 750 م، عندما زالت دولة بني أمية. ثم خلفتها مدينة العسكر كعاصمة مع العصر العباسي من 132 هـ - إلى 254 هـ ؛ أي من عام 868 م – إلى 905 م، وظلت عاصمة لمصر 39 سنة هجرية، وعادت الفسطاط عاصمة لمصر مرة آخر من 293 هـ إلى 358 هـ أي من 905 م إلى 969 م لمدة سنة أخرى، لتخلفها المدينة الجديدة القاهرة عاصمة لمصر عام 362 هـ - 973 م، وذلك بوصول المعز لدين الله إلى القاهرة، ومن هنا تعتبر القاهرة العاصمة الرسمية من ذلك التاريخ. واتصلت هذه العواصم الأربع واندمجت في مدينة واحدة.. ولكنها ظلت بعيدة عن النيل.. أي بعيدة عن بولاق!! وبالطبع ما دامت العاصمة في الجنوب.. كان ميناؤها في الفسطاط أي مصر القديمة "العتيقة"، وهو في المكان المعروف الآن باسم "أثر النبي" حيث يستقبل منتجات الصعيد.. والوجه البحري أيضا.

ثم بدأ الكلام عن بولاق على استحياء. وربما بدأت تأخذ شهرتها مع حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798م، ومحاولة استخدام موقعها للوصول إلى مناطق الوجه البحري..

واختلف الناس في معنى بولاق.. البعض قال إن أصل الكلمة هو "بو" أي الجميلة بالفرنسية. و"لاك" أي بحيرة، أي إن معنى الكلمة "البحيرة الجميلة" ثم تحرفت من بولاك إلى بولاق.. ولكن لا يوجد ما يؤكد هذا حيث أن بولاق كانت موجودة قبل الحملة الفرنسية.

ويقول البعض الآخر أن أصل تكوين منطقة بولاق يعود إلى غرق سفينة كبيرة في هذا الموقع. ثم مع إطماء النيل بكثرة في هذه المنطقة بدأت الأرض تعلو، وتتكون أرض جديدة هي بولاق الآن

وكانت الجزيرة المقابلة لها – وهي جزيرة الزمالك الآن – يطلق عليها اسم جزيرة بولاق.

وتتحدث كتب التاريخ عن "الطرح السابع" للنيل، الذي حدث عام 1771 م، وتركز عند بولاق.. وكيف كسبت القاهرة زيادة كبيرة في مساحتها بفعل هذا الطرح. ثم كيف أنشأ علي بك الكبير عمارة كبيرة على ساحل النيل في تلك الأرض، حيث يمر شارع المطبعة الأميرية، وأن الأهالي كانوا يلقون الأتربة وبقايا البيوت بجوار هذا الساحل فطمي النيل عليها. بذلك تكونت الأراضي التي قامت عليها – في عصر محمد علي = دار المطبعة الأميرية والورش الحكومية ومصلحة الوابورات أي الترسانة. وأصبح الساحل الجديد عند بولاق ملتقى لتجار القمح والزيت والسكر وكانت المنطقة تزخر بالمدارس والمساجد والدور. وتؤم الشاطئ المراكب الشراعية المحملة بالبضائع القادمة من شمال مصر.

وهكذا تحول الواقع بين القاهرة والنيل وبولاق من أرض تغمرها مياه الفيضان إلى هذا الحي الشعبي على ضفاف شاطئ النيل. وقد أدى تحول طرق التجارة المصرية ابتداء من عصر برسباي "1421-1438 م" واعتمادها على تجارة البحر المتوسط، بعد أن كانت تعتمد على تجارة البحر الأحمر عبر الطريق التقليدي "عيذاب – قوص – الفسطاط" بعد تخريب عيذاب في أواسط القرن التاسع الهجري.. بعد أن حدث كل هذا فقدت الفسطاط أهميتها الاقتصادية. وبدأت التجارة تتجه إلى بولاق الذي أصبح ميناء بديلا لميناء أثر النبي الذي حرفه العامة إلى "أتر النبي"، ولكن ميناء بولاق لم يلعب دورا في الحياة الاقتصادية للقاهرة إلا ابتداء من القرن الخامس عشر.

وبدأ الاهتمام بضاحية بولاق منذ الحملة الفرنسية على مصر. وكانت البداية شق طريق مستقيم يبدأ من منطقة الأزبكية إلى بولاق، وقام بتمهيده المهندس "لوبيريه" كبير مهندسي الطرق والكباري في الحملة، وغرس على جانبي الطريق الأشجار تسهيلا لمرور فرق الجيش الفرنسي. وكان هذا الطريق يصل ما بين الأزبكية وبولاق بعد مروره فوق قنطرة المغربي، التي كانت مقامة فوق خليج الطويلة "الخليج الناصري القديم" مخترقا التلال الموازية للخليج. ولكن العصر الذهبي لحي بولاق بدأ مع عصر محمد علي باشا، عندما أمر باستكمال شق الطريق بين "القاهرة.. وضاحية بولاق"، وكان لهذا الطريق فعل السحر في تعمير بولاق، كما أن محمد علي أنشأ هناك دارا لصناعة السفن مع بدء الإعداد لإرسال الحملة الوهابية، وضرورة إنشاء أسطول قوي لمصر في البحر الأحمر.

ثم أخذ في تحويل المنطقة إلى منطقة صناعية ضخمة.. منها المسابك والمصانع حتى عرفنا المنطقة الصناعية في السبتية. وفيما بين بولاق وشبرا على ساحل النيل، أقيمت الورش الكبرى والمطبعة الأميرية ودار الصناعة الكبرى والمباني الحكومية وحظيرة واسعة أطلق عليها اسم "المبيضة"، حيث كان يتم "تبيض" الأقمشة بالأساليب المستحدثة. وكما أنشئ مصنع الخوخ على شاطئ النيل وامتاز بجودة إنتاجه وأزيلت أنقاض بولاق، مما بقي منذ أيام الحملة الفرنسية، وتحولت إلى حي صناعي راق. فقامت فيه المصانع والمخازن ومساكن المهندسين ومدرسة صناعية كبيرة، حتى أصبحت بولاق بحق ثغر القاهرة في الشمال، وفيها أنشئت أول دار للطباعة في الشرق. وبجوارها أنشئ مصنع لصناعة الورق ليمد المطبعة بما تحتاجه، بل أنشئ مسبك لسبك الحروف العربية اللازمة للمطبعة. وتحولت بولاق والسبتية – امتدادها – إلى منطقة صناعية فيها مسابك الحديد ومصانع الأقمشة وورش النجارة والحدادة وغيرها.

وزاد الاهتمام بحي بولاق عندما خطط الخديوي إسماعيل "القاهرة الخديوية" ووصل التخطيط الجديد من ميدان الإسماعيلية جنوبا إلى نهاية شارعي شريف "المدابغ" وسليمان باشا. وكان لابد من تجـديد شارع بولاق "26 يوليو الآن" مع مشروع تخطيط ميدان الأزبكية.. لأن هذا الطريق هو بداية تعمير ضاحية بولاق الذي أدى إلى ربط القاهرة الجديدة بشاطئ بولاق، ولم تعد بولاق مجرد ضاحية للمدينة الصاعدة.. ثم جاءت الطفرة التعميرية عندما تم إنشاء كوبري بولاق "أبو العلا" الذي افتتح في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني "حفيد إسماعيل" عام 1912 م، وكان ها الكوبري معجزة هندسية ليربط بين القاهرة وجزيرة الزمالك، ثم يعبر النيل الآخر "البحر الأعمى" ليصل إلى إمبابة على اليمين ثم العجوزة والدقي على اليسار، وتمتد فوق كوبري أبو العلا وامتداده كوبري الزمالك، خطوط الترام لتصل إلى ميدان الكيت كات في إمبابة يمينا وإلى شارع النيل عند العجوزة يسارا، إلى حدائق الاورمان والحيوان وصولا إلى ميدان الجيزة ثم إلى منطقة الأهرام.. ويؤدي توفير الترام إلى انتعاش حركة تعمير منطقة غرب النيل في العجوزة والدقي والجيزة.. وامتداد التعمير إلى منطقة إمبابة ذاتها.

وفي المنطقة بين بولاق وساحل النيل، نجد سوق العصر ثم شمالا نجد جامع سنان باشا، وهو أول مسجد كبير يقام على الطراز العثماني، فقد كان سنان باشا من أوائل ولاة العصر العثماني، ثم نجد سوق الحطب شرقي المطبعة الأميرية وشارع المطبعة الأهلية، وعلى يسار شارع بولاق "26 يوليو" وخلف جامع السلطان أبو العلا نجد إصطـبلات الخاصة الملكية، ثم نجد حي الحطابة حيث المقر الجديد والحالي لوزارة الخارجية ، ذات الملامح الفرعونية وتيجانه من زهرة اللوتس.. وجنوبها نجد شارع إصطبلات الطرق ومقر مصلحة نظافة العاصمة قبل إنشاء بلدية القاهرة. وجنوبها جمعية الرفق بالحيوان وكلها غير بعيدة عن شارع "ظهر الجمال" ولاحظوا العلاقة. بين سوق الحطب والحطابة والإصطبلات والرفق بالحيوان وظهر الجمال‍!!


من صولت إلى محال البوظة.. ومن المحروسة إلى أبو العلا[عدل]

حمل الشارع الممتد من حديقة الأزبكية منذ بداية عصره اسم شارع بولاق.. ثم حمل اسم شارع فؤاد الأول إلى أن تغير مع ثورة 23 يوليو، ليحمل اسم: شارع 26 يوليو إلى منطقة ميت عقبة مخترقا حي بولاق أبو العلا إلى جزيرة الزمالك عبر كوبري أبو العلا ثم كوبري الزمالك إلى نهاية سور نادي الترسانة على اليمين ونادي الزمالك على اليسار، ليبدأ المحور المروري الجيد: محور 26 يوليو، الذي يمتد ليصل إلى طريق القاهرة – الإسكندرية الصحرواي ومدينة 6 أكتوبر.. وتحول شاطئ بولاق إلى شاطئ للنزهة عند الغروب، وكان حي بولاق يعج ببؤر تدخين الحشيش. وتمتد من كوبري بولاق الذي حمل شعبيا اسم كوبري أبو العلا إلى مقر جميعة الإسعاف، وكانت محال البوظة تملأ هذه المنطقة حتى منتصف القرن العشرين. وقامت العمارات الضخمة على طول الطريق من حديقة الأزبكية – إلى كوبري أبو العلا.. ومنها عمارة الجندول التي أقامها الموسيقار محمد عبد الوهاب مكان بار سان جيمس، الذي كان يجلس فيه الشاعر أحمد بك شوقي وعمر لطفي المحامي.. وعمارة شيكوريل التي قامت مكان "بار صولت" الحلواني، الذي كان مطعما ومحلا للحلوى ومشربا للخمر. وكان "صولت" هذا متلقى كبار الأدباء والشعراء والمثقفين والصحفيين، يتقدمهم أحمد بك شوقي الذي كان مكانه المفضل بين العاشرة مساء والواحدة صباحا ! وحوله يتجمع الدكتور محجوب ثابت بك الطبيب الأديب، والشيخ عبد العزيز البشري ومحمود فهمي النقراشي وعبد الحليم العلايلي، وأمين الرافعي رئيس تحرير جريدة الأخبار "القديمة" وسليمان فوزي صاحب جريدة الكشكول وصالح البهنساوي الصحفي الشمهور في "الأهرام".

في محاذاة محل "صولت" الذي كان مصدرا للأخبار الصحفية كان يقع بار المحروسة الذي كان يجلس عليه الوجهاء من آل يكن وآل المانسترلي وغيرهم. وفي مواجهته كان يقوم بار بطرسبورج، ثم نجد مقهى بور فؤاد حيث يجلسون على الأرصفة ثم على ناصية شارع بولاق مع شارع سليمان باشا كان يقع مقهى البور نور على الناحية المواجهة للأمريكين حاليا. ومع تحرك "الحي التجاري" من الأزهر والحمزاوي وشارع المعز شرقا نحو الموسكي والعتبة غربا. ثم مع تحرك الحي التجاري مرة أخر من العتبة والموسكي إلى القاهرة الخديوية وبالذات شارع بولاق "26 يوليو"، تم إنشاء سلسلة من الفنادق المتنوعة الدرجة على امتداد الشارع الذي أصبح محور الحي التجاري، فمن كان لا يذهب للشراء كان يذهب للفرجة!! ومن أشهر هذه الفنادق: كلاريدج.. جلوريا.. إدن.. كارلتون.. جراند أوتيل.. إسكس.. إكس موراندي.. نيتوكريس.. أمية.. وهكذا.

شهد محور شارع بولاق "فؤاد الأول ثم جلع 26 يوليو" إنشاء العديد من المباني العامة والعمارات الضخمة. لعل أشهر هذه المباني دار القضاء العالي، التي أقيمت لتكون مقار للقضاء المختلط. ولكي تنتقل هذه المحكمة من موقعها المجاور لمبنى صندوق الدين بين ميدان العتبة والأوبرا.. وإلى مقرها الجديد. إلا أن إلغاء القضاء المختلط بعد توقيع حكومة الوفد لاتفاقية مونترو عام 1937 أنهي هذا القضاء الذي كان صاحب فكرته نوبار باشا أول ناظر للنظار "رئيس الوزراء" في عصر الخديوي إسماعيل، وأصبحت دار القضاء العالي رمزا للقضاء المصري بسبب المبنى الضخم، الذي بني على الطراز الإيطالي بأعمدته وصالاته الواسعة وارتفاع مبانيه. ويلاصقه مبنى مصلحة الشهر العقاري الذي بني في الفترة نفسها التي شهدت بناء دار القضاء العالي. قبل أن ترك هذه المنطقة لنعبر شارع رمسيس، نتذكر أن أمام دار القضاء العالي تمت إقامة أحدث عمارة في الشارع عام 1938 هي عمارة لاجيفواز، وبعدها نجد تلك العمارة الضخمة ذات المساحة الهائلة التي أقامها عميد عائلة، وتحت مربعا من شارع 26 يوليو، ويمتد يمينا إلى شارع رمسيس. وهي من ضخامتها تضمن تصميمها عدة مداخل وممرات تحتها. وتتزين هذه العمارة التي لو هدمت لكانت خسارة كبيرة لتاريخ العمارية المصـرية، وأقامت مكانها عشرات العمارات. تتزين بأعمال كريتال "حديد مشغول" وتماثيل وكرانيش من الجبس، وتعلوها قباب ما زالت صامدة رغم مرور أكثر من 100 عام هي عمر العمارة حتى الآن. وخلف هذه العمارة يقع سوق التوفيقية حيث عمارات أقيمت منذ عام 1900 و1903 و1910 م. وهو أول سوق للأطعمة الطازجة والخضر والفاكهة، منذ تركنا سوق العتبة، وقبل أن نصل إلى سوق شارع بولاق الجديد. وعلى الضفة الغربي لشارع رمسيس مع تقاطعه مع شارع 26 يوليو، نجد الجمعية المصرية للعلوم السياسية. وعلى الناصية الأخرى نجد مقر جمعية الإسعاف الملاصق لمبنى معههد الموسيقى العربية الذي تقرر إعتبـاره من الآثار، ثم نجد كنيسة صغيرة لنصل إلى شارع الجلاء حيث نجد على اليمين مستشفى الجلاء للولادة، الذي أقيم في عهد الملك فؤاد عام 1934 ولهذا حمل اسم "مستشفى فؤاد الأول للولادة" وتعرف عند أهالى بولاق بمستشفى فاروق للولادة ثم تغير اسمه بعد 23 يوليو 1952 م ليحمل اسم مستشفى الأوقاف.. وتغير الاسم للمرة الثالثة ليصبح اسمه الآن "مستشفى الجلاء للنساء والولادة".. وأمامه نجد معهد ليوناردو دافنشي للفنون والعمارة. وكما نجد مقر شركة القاهرة للكهرباء والغاز منذ كانت امتيازا لشركة ليبون الفرنسية. كما يوجد بعدها بعدة امتار سينما فؤاد ثم سنيما على بابا نمضي مع شارع 26 يوليو لنجد "متحف الركائب الملكية" ثم مسجد السلطان أبو العلا. لم يكن أبو العلا سلطانا أو ملكا، ولكنه حمل هذا الاسم لأنه كان سلطان.. المتصوفين!! أعيد بناء هذا المسجد في عهد الملك فؤاد الأول عام 1922 م. وافتتحه الملك فؤاد بأداء صلاة الجمعة في 5 يونيو 1936م ن لنصل إلى شاطئ النيل عند بداية كوبري بولاق "أبو العلا" الذي أحالوه إلى المعاش ونقوله بعيدا لينتهي حي بولاق على الشارع الرئيسي الذي حمل اسم شارع بولاق.. ويقبع على البعد حي الزمالك بقصوره وفيلاته، أي أن الكوبري كان يفصل بين الحي الشعبي بولاق والحي الراقي الإرستقراطي الزمالك !!

حي الصحافة والطبعة والدبلوماسية المصرية[عدل]

يعتبر حي بولاق من الإحياء التي تتواجد فيها الكثير من المؤسسات الصحفية والدبلوماسية، ففيه مقر جريدة الأهرام، منذ انتقلت من شارع مظلوم عند تقاطعه مع شارع شريف في أواخر الخمسينيات بمبانيها الجديدة ومطابعها العصرية في شارع الجلاء.. ومقر مؤسسة أخبار اليوم منذ بني التوءم مصطفى وعلي أمين دار أخبار اليوم في أواخر الأربعينيات في هذه المنطقة، التي كانت تعرف باسم عشش الترجمان. ولدار أخبار اليوم المبنى التقليدي الدائري الذي أصبح رمزا لها.. والمبنى الصحفي الجديد على بعد أمتار منه.. وبجوار هذا المبنى كانت تقع جريدة المساء منذ أقيمت في الخمسنيات على مشارف عشش الترجمان. وإذا كان النصف الأول من حي بولاق المجاور لحديقة الأزبكية هو الجزء الراقي الحديث. فإن النصف الثاني على اليمين حيث عشش الترجمان والعدوية، وأيضا على اليسار حيث المنطقة المؤدية إلى الإصطبلات القديمة... وجراج هيئة النقل العام حاليا. وهنا تكثر العشش والمباني العشوائية والحواري والأزقة الضيقة التي لا تستطيع سيارات الشرطة أو الإسعاف أو المطافئ المرور فيها. وإذا كان التطور قد بدأ يطول حي بولاق، بعد أن أنشئ المبنى الضخم على كورنيش بولاق ليصبح مقرا للدبلوماسية المصرية كوزارة للخارجية، مما نتج عنه إزالة العديد من العشش والمباني العشوائية.. وتلك هي الخطوة الثانية بعد أن أزيلت مساحة كبية من المباني العشوائية لنبني مكانها مبنى الإذاعة والتلفزيون الضخم في أوائل الستينيات.

كما بدأت عملية إزالة بعض المخازن القديمة في بولاق، ورملة بولاق، والتي كانت عبارة عن مخازن للشركات أقيم مكانها الآن المركز التجاري الدولي، وبجواره أعلى عمارتين على الكورنيش. وهكذا زحف العمران العصري على ساحل بولاق.. وإن بقيت مساحات كبيرة عشوائية وقديمة من طابق واحد وطابقين، أشهرها منطقة وكالة البلح ذات السوق التاريخي رخيص الأسعار، الذي تعرفه أقدام "وجيوب" كل القاهريين.. وغير بعيدة عن وكالة البلح نجد المبنى الحديث لدار الكتب المصرية ومقر الهيئة المصرية للكتاب. وكأننا نعيد إلى المنطقة سمعتها القديمة، عندما كانت مقرا لأول مطبعة في الشرق.. تلك المطبعة الأميرية التي أقامها محمد علي عام 1827 م، ثم أهداها عباس الأول لأحد أصدقائه، قبل أني ستعيدها من ماله الخاص الخديو إسماعيل.. وغير بعيد.. وعلى الشاطئ الآخر عند إمبابة، تقع مباني المطبعة الأميرية "العصرية" التي أقيمت في أواخر الستينيات.. وتتصل مباني حي بولاق.. بمباني حي روض الفرج، ولم يعد أحد يعرف إلا فيما ندر الفاصل بين الحيين العريقين ولا تاريخهما.

فتوات بولاق.. والثورة[عدل]

لا يمكن لمن يتعرض لكاتبة تاريخ بولاق أن ينسى أنصع صفحات هذا التاريخ. وهي بكل المقاييس من أنصع صفحات التاريخ المصري الحديث، لأنها تكشف المعدن الأصيل للشعب المصري، الذي ثار وحارب وقاوم وهو يعلم أن عدوه يملك أحدث الأسلحة.. بينما هو لا يملك إلا النبابيت والعصى.. وعددا محدودا من البنادق والطبنجات.. فماذا يقول تاريخ المقاومة الشعبية المصرية عن بولاق وفتوات بولاق؟ بداية نذكر القارئ أن بولاق كانت بلدة من ضواحي القاهرة.. تقع على شط النيل، بينما القاهرة في حضن الجبل.. وأقصى إستاع لها هو منطقة الأزبكية، كان هذا أيام الحلمة الفرنسية التي جاءت مصر بقيادة بونابرت عام 1798 م. وعرف الفرنسيون أهمية موقع بولاق لأن منها ينطلقون إلى الوجه البحري كله. ولهذا كان اهتمامهم بهذه البلدة عظيما، وليس أفضل من الجبرتي عندما يصف هذه الفترة لأنه عاشها وعاصرها يوما بيوم.

يقول عبد الرحمن الجبرتي إنه في اليوم الخامس من ديسمبر عام 1798 م جدد الفرنسيون قنطرة المغربي، وكانت قد آلت إلى السقوط. ثم مهدوا الأرض بعدها بحيث صار جسرا عظيما ممتدا مستويا على خط مستقيم من الأزبكية إلى بولاق بطول 1200 مترا من قنطرة المغربي إلى بولاق، ثم ينقسم بقرب بولاق إلى قسمين أحدهما إلى طريق أبو العلا والثاني يذهب إلى جهة التبانة وساحل النيل.. وبطريقة الطريق المسلوكة الواصلة من طريق أبي العلاء وجامع الخطيري إلى ناحية المدابغ، دون أن يسخروا العمال، بل كانوا يعطونهم زيادة في الأجر. وأقام الفرنسيون محاجر صحية في القاهرة "بجزيرة بولاق" والإسكندرية ودمياط ورشيد. ويضيف الجبرتي أن الفرنسيس عملوا "كرنتيلة" بجزيرة بولاق، وبنوا هناك بناة يحجزون به القدامين من أسفار أياما معدودة. كل جهة من الجهات القبلية والبحرية، وذكر الدكتور "لاري" كبير جراحي الحملة الفرنسية أنهم أنشؤوا محجرا آخر في جزيرة الروضة.

وكجزء من الاهتمام الحربي ببولاق وتحسبا لي أحداث داخلية أو خارجية، أقام الفنرسيون عددا من الطوابي الحربية، خص منها في بولاق طابية "رنزلو" في جنوب بولاق. وطابية "سبتزر" على شاطئ بولاق، وطابية "كونرو" غربي الأزبكية على طريق بولاق، ربما تكون في الموقع الذي تشغله الآن دار القضاء العالي. كما وضعوا قاعدة بحرية للسطول الفرنسي عند بولاق لحماية الملاحة في الينل وحماية نقل الغلال إلى القاهرة. وإذا كان أهل بولاق لم يساهموا مساهمة ظاهرة في ثورة القاهرة الأولى "أكتوبر 1798 م" إلا أنهم من فجروا ثورة القاهرة الثانية، بل هم الذين قادوها. هكذا سجمع كل من أرخ لهذه الثورة سواء الجبرتي أو الرافعي، بل أيضا قادة الحملة الفرنسية أنفسهم.. وقد شبت ثورة القاهرة الثانية يوم 20 مارس 1800 م، بينما كانت معركة عين شمس قائمة بين الجيش الفرنسي بقيادة كليبر، والقوات العثمانية التي جاؤت من عاصمة الإمبراطورية العثمانية لإخراج الحملة الفرنسية من مصر.

وكان من زعماء الثورة: السيد عمر مكرم نقيب الأشراف، والسيد أحمد المحروقي كبير التجار، والشيخ الجوهري ابن الشيخ محمد الجوهري.. ولم يكد سكان العاصمة يسمعون قصف المدافع في ميدان المعركة.. حتى بدأت الثورة في حي بولاق. وفي ذلك يقول الجبرتي ".. أما بولاق فإنها قامت على ساق واحدة.. وتحزم الحاج مصطفى البشتيلي "نسبة إلى قرية بشتيل القريبة من إمبابة" وأمثاله من دعاة الثورة وهيجوا العامة.. وهيؤوا عصيهم وأسلحتهم ورمحوا "بالرماح" وصفحوا "أي تصفحوا للدفاع" وأول ما بدؤوا به أنهم ذهبوا إلى وطاق الفرنسيين "موقع عسكري تجاري ومخازن للمؤن" الذي تركوه بساحل البحر "النيل" وعنده حرس منهم قتلوا من أدركوه منهم، ونهبوا جميع ما به من خيام ومتاع ورجعوا غلى البلد "يقصد بولاق" وفتحوا مخازن الغلال والودائع التي للفرنساوية، وأخذوا ما أحبوا منها، وعملوا "كرانك" أي "حصونا" حوالي البلد.. ومتاريس. فمن زعيم ثورة بولاق"!

هو مصطفى البشتيلي من أعيان بولاق، وتكلم الجبرتي، عندما إعتقلوه الفرنسيون قبل الثورة بعدة أشهر، فقال إن الفرنسيين إعتقلوه يوم 4 أغسطس 1799 م لما بلغهم من بعض الوشاة أن بوكالته قدورا ملوءة بارودا "أي أن الرجل كان يستعد للثورة" ففتشوا الوكالة، ووجدوا البارود في القدور، فضبطوها، وإعتقلوه. ولم يذكر الجبرتي متى أفرجوا عنه أو أطلقوا سراحه قبل نشوب الثورة. ولكن – من ظاهر الأحداث – أي أنهم أطلقوا سراحه بعد توقيع معاهدة العريش، التي كانت تنظم انسحابهم من مصر.. أي أنهم افرجوا عنه عندما عزموا على الجلاء، فلما نقضت هذه المعهدة وتجددت الحرب، كان الحاج مصطفى البشتيلي من دعاة الثورة في بولاق. فقد صار "أهل بولاق" وحمولا ما وصلت إليه أيديهم من السيوف والبنادق والرماح والعصى، وإتجهوا بمجموعهم صوب قلعة "كامان" التي أقامها الفرنسيون عند قنطرة الليمون "كوبري الليمون الآن" لاقتحامها والاستيلاء على ما بها من أسلحة فرنسية، وكلن حامية القلعة ردت هجموهم.

وعاد كليبر إلى القاهرة يوم 27 مارس، بعد أن هزم القوات العثمانية في عين شمس والمطرية، فوجد نار الثورة تضطرم في أحياءها.. وشاهد في بولاق ومصر القديمة حصونا أقامها الثوار للدفاع. ووجد جميع الوكائل والمخازن التي على النيل قد تحولت إلى شبه قلاع احتلها الثوار. وصارت الملاحة في النيل تحت رحمتهم. وعندما أنهي الجنرال "بليار " ثورة دمياط، وعاد بمعظم قواته إلى القاهرة يوم 13 إبريل، عسكر أمام بولاق التي كانت قد تحولت إلى معقل الثورة. فلما وصل هذا المدد إعتزم كليبر أن يستولي عنوة على حي بولاق ويخمد فيه الثورة بكل ما لديه من قوة.

إخماد الثورة.. وتدمير بولاق[عدل]

ويقرر كليبر القضاء على ثورة القاهرة، حتى ولو اضطر إلى إحراق القاهرة وبولاق معا. والمؤلم أن مراد بك زعيم المماليك كان يمده بالحطب اللازم لهذه الجريمة. ونسي مراد بك أنه كان يوما حاكما لهذا البلد وكبير مماليكه. ويصف الجبرتي عنف كليبر للقضاء على الثورة، فيقول "وصل كليبر إلى داره بالأزبكية – قصر محمد بك الألفي، الذي كان مقرا لقيادة الجيش الفرنسي – وأحاطت العسكر الفرنساوية بالمدينة – يقصد القاهرة – وبولاق في الخارج. ومنعوا الداخل من الدخول والخارج من الخروك، وذلك بعد ثمانية أيام من ابتداء الحركة، أي حوالي 28 مارس، وهو يوافق اليوم التالي بحضور كليبر إلى القاهرة – وقطعوا الجالب على البلدين – مصر وبولاق – أي إن بولاق كانت بلدة غير القاهـرة، وأحاطوا بهما إحاطة السوار بالمعصم، فعند ذلك اشتدت الحرب، وعظم الكرب، وأكثروا من الرمي المتتابع، بالمكاحل والمدافع، وأوصلوا وقع القنابر والبنبات – أي القنابل والبمب – من أعالي البيوت والقلعات خصوصا البنبات الكبار على الدام والاستمرار آناء الليل وأطراف النهار، في الغدو والبكور والأسحار. وعدمت الأقوات وغلت أسعار المبيعات وعزت المأكولات ونفدت الحبوب والغلات.. " ثم يقول "واستمر الحال على ما هو من اشتعال نيران الحرب وشدة البلاء والكرب، ووقع القنابل على الدور والمسكان من القلاع والهدم والحرق، وصراخ النساء من البيوت والصغار من الخوف مع القحط وفقد المأكل والمشرب.. واستمر ذرب المدافع والفنابر والبنادق والنيران.. ". وحاول المشايخ والعلماء التوسط للصلح من أجل العامة. لكن الجهلاء تغلبوا على العقلاء. وأرسل كليبر هؤلاء يطلب إليهم وفدا من العلماء لكيونوا سفراء بينه وبين الجماهير. فأرسلوا المشايخ: الشرقاوي والمهدي والسرسي والفيومي وغيرهم، وقابلوا الجنرال كليبر، فرض عليهم أن يوقف القتال ويعطي أهل القاهرة أمانا وافيا شافيا، فلما عرض المشايخ طلب كليبر الصلح على الجماهير وزعماء الثورة "قاموا عليهم وسبوهم وشتموهم وضربوا المشايخ ورموا عمائمهم وأوسعوهم قبيح الكلام وصاروا يقولون: هؤلاء المشياخ إرتدوا.. وعملوا فرنسيس.. وبذلك أخفقت مساعي الصلح وتجددت المذبحة.

وفي اليوم الرابع عشر من إبريل 1800 م، أنذر كليبر العاصمة بالتسليم ولكن الثوار لم يعبأوا، ففي اليوم التالي بدأت الجنود بالهجوم على حي بولاق قبل شروق الشمس بقيادة الجنرال "بليار"، وأخذوا يضـربونه بالمدافع، وكانت مداخل الحي محصنة والثوارة ممتنعين خلف المتاريس وفي البيوت، فأجابوا على شرب المدافع بإطلاق النار من المتاريس والبيوت المصحنة، ولكن نار المدفعية الفرنسية حطمت المتاريس القامئة على مدخل الحي. فثغرت فيها ثغرة كبيرة، تدفق منها الجنود إلى شوارع بولاق، وأضرموا النار في البيوت القائمة بها، فاشتعلت فيها وإتسعت مداها. وامتدت إلى مباني الحي من مخازن ووكائل ومحال تجارة، فإلتهمتها، وما كان فيها من المتاجر العظيمة، ودمرت هذا الحي الكبير الذي يعد ميناء للقاهرة ومستودعا لمتاجرها، وهدمت الدور على سكانها. فباد كثير من العالات تحت الأنقاض أو في لهب النار. ويصف الجبرتي المأساة فيقول: "هجموا على بولاق من ناحية البحر – النيل – ومن ناحية بوابة أبي العلا. وقالت أهل بولاق جهدهم ورموا بأنفسهم في النيران حتى غلب الفرنسيس عليهم وحصروهم من كل جهة، وقتلوا منهم بالحرق والقتل وبلوا بالنهب الوسلبة. وملكوا بولاق وفعلوا بأهلها ما تشيب من هوله النواصي. وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والأزقة، واحترقت الأبنية والدور والقصور، وخصوصا البيوت والرباع المطلة على البحر، وكذلك الأطراق.. ثم أحاط الفرنسيس بالبلد، ومنعوا من يخرج منها واستولوا على خانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع. مولكوا الدور وما بها من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان والبنات ومخازن الغلال والكتان والقطن والأرز والأدهان والأصناف العطرية وما تسعه السطور، ولا يحيط به كتاب ولا منشور: وهذا يدل على مدى غنى بولاق كميناء رئيسي للعاصمة. وإذا كان البعض يرى أن الجبرتي كان مبالغا في وصف الأهوال التي حلت ببلدة بولاق، فماذا يقولون فيما ذكره "مسيو جالان" الفرنسي، الذي كان شاهد عيان في كتابه "صورة مصر أثناء إقامة الجيش الفرنسي" قال:

"في اليوم 14 إبريل أنذرت بولاق بالتسليم، فرفض أهلها كل إنذار وأجباوا بإباء وكبرياء أنهم يتبعون مصير القاهرة. وأنهم إذا هوجموا فهم مدافعون عن أنفسهم حتى الموت. فأخذ الجنرال "بليار" يحاصر المدينة، وبدأ يصل عليهم من المدافع ضربا شديدا أملا منه في إجبار الأهالي على التسليم.. ولكنهم أجباوا بضرب النار. فأطلقت المدفعين قنابها على المتاريس، وهجم الجنود على الاستحكامات فاقتحموا أكثرها. وظل بعضها يقاوم. واستبسل الأهلون في الدفاع ولجؤوا إلى البيوت فإتخذوها حصونا، فاضطرت الجنود إلى الاستيلاء على كل بيت منها – أي تحولت إلى معركة من بيت لبيت – وبلغ القوم في شدة الدفاع حدا لا مزيد بعده.

وفي هذا البلاء عرض العفو على الثوار فأبوا واستمر القتال، فجعلنا المدينة – بولاق – ضراما وأسملناها للنهب وصار أهلها عرضة لبطش الجنود. فجرت الدماء أنهارا في الشوارع، وإشمتلت النار أحياء بولاق من أقصاها إلى أقصاها، وعادت تلك المدينة العامرة الزاهرة هدفا للخراب وأكلتها أهوال الحرب وفظائعها. ولما بلغت الماساة مداها طلب الأهالي التسليم فأجيبوا إلى طلبهم. ولكن بولاق ستظل زمنا طويلا تتردى في هاوية من الخراب إلى أن تستطيعه النهوض من أعباء الكوارث التي حلت بها، فإن معظم بيوتها أصبحت ركاما من الخرائب والأطلال المحترقة. ولقد مضت ثماينة أيام والنار تلتهمها.

كليبر ينتقم من بولاق[عدل]

ويقول عبد الرحمن الرافعي في كتابه "تاريخ الحركة الوطنية" إن النكبة قد حلت ببولاق ثم في سائر أنحاء القاهرة، وانتهز الجنرال كليبر فرصة الفزع الذي إستولى على النفوس، فأمر جنوده بالهجوم على مواقع الثوار. وهاجم الفرنسيون المدينة هجوما عاما من جهة الناصرية وباب الللوق والمدابغ والفجالة كوم أبي الريش وباب الشعرية. وإنقضت عدة أيام استمر فيها القتال والنهب في عمليات عسكرية، اشترك فيها معظم جنرالات الحملة الفرنسية. أما ما حدث لبولاق فكان هو الأكثر إيلاما، إذ لم يكتف الفرنسيون بما حل ببولاق من خراب وتدمير، بل فرضوا على أهلا غرامة جسيمة بلغت 200 ألف ريال، وأخرى على متاجرها بلغت 300 ألف ريال تجبى من السلعة مثل السكر والبن والزيت والحبال والتيل والقطران والنحاس والحديد والرصاص. وفرضوا على الأهالي أن يسلموا ما عندهم من المدافع والذخائر الموجودة في ترسانة بولاق، وما لديهم من أخشاب وغلال وشعير وأروز وعدس وفول. وأن يسلموا 400 بندقية و200 طبنجة، وقبض الفرنسيون على الحاج مصطفى البشتيلي قائد الثورة وحبسوه في القلعة، ثم أشاعوا بين أهل بولاق أن البشتيلي هو سبب ما حل بهم من دمار وغرامات وحرائق وضياع أموال.. ثم دفعوا بقائد الثورة إلى الأهالي وإلى أتباعه، وطلبوا منهم أن يقتلوه فأخذ الأهالي يضربونه بالعصى والنبابيت حتى مات من الضرب.. " وهكذا راح قائد الثورة ضحية الخبث الفرنسي فمات بأيدي قواته وأهله. ولكن الجنرال كليبر نفسه دفع ثمن الخراب، الذي حل ببلدة بولاق التي قادت ثورة القاهرة الثانية.. ولم يمض شهران إلا ولقي كليبر مصرعه يوم 14 يونيو 1800 م على يدي سليمان الحلبي في حديقة قصره بالأزبكية. وجاء بالتحقيقات أن من أهم أسباب إقدام الحلبي على اغتيال كليبر ما حل ببولاق والقاهرة من دمار والإهانات التي لحقت بمشايخ الأزهر وعلمائه خصوصا، وأن الحلبي كان مجاور بالأزهر ويدرس به.

تلك هي حكاية بولاق التي كانت قائمة بذاتها وميناء للقاهرة، إلى أن جاء الخديوي إسماعيل فقرر وصلها بالقاهرة، وأعاد تمهيد وشق شارع بولاق من الأزبكية إلى ساحل النيل ليمتد العمران فوق الأرض التي كانت زراعية، أو تلال وكيمانا من الأزبكية إلى النيل، وهي ما تعرف الآن بحي بولاق!!

ثلاثة مساجد.. الأشهر.. والأكبر.. والأقدم![عدل]

وفي بولاق ثلاثة مساجد أشهرها مسجد السلطان أبو العلا، وأكبرها مسجد سنان باشا، وأقدمها مسجد زين الدين يحيى، فالأول بني عام 1485 م، والثاني عام 1571 م ن والثالث عام 1448 م. والمساجد الثلاثة بهذه التواريخ تؤكد أن "بلدة بولاق" بلدة قديمة على شط النيل.. ونبدأ بالأكثر شهرة: مسجد السلطان "أبو العلا" لأنه بسبب شهرة "أبو العلا" أصبح الناس يفرقون بين بولاق هذه، فيقولون بولاق أبو العلا.. وبولاق الأخرى – في الجيزة – ونقصد بولاق الدكرور. والأصح أن نقول: بولاق التكرور. بل إن العامة أطلقوا على الكوبري الشهير الذي أقاموه الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1912 م وحمل اسمه رسميا. وأطلقوا عليه كوبري "أبو العلا" أي أصبح "أبو العلا" أشهر ما في هذا الحي العتيق.

ومسجد "أبو العلا" الذي لا يفصله عن شاطئ النيل إلا كورنيش ماسبيرو وعمارة، ويحتل موقعه في شارع 26 يوليو مباشرة "بولاق، ثم فؤاد الأول"، بنسب إلى الشيخ الصالح حسين أبي على المكني بأبي العلاء، الولي المعتمد، صاحب الكرامات والمكاشفات على ما يصفه الصوفيون الذي أطنبوا وبالغوا في كراماته.. حتى أطلقوا عليه لقب "السطان"، وهو ليس سلطانا ولا ملكا أو حتى أميرا، ولكن بسبب صلاح وكراماته أصبح عندهم. سلطانا للمتصوفين. وقد سكن هذا الشيخ الصالح في خلوة بزاوية، كانت موجودة بالقرب من النيل في القرن 15 الميلادي. وكان للناس فيه اعتقاد كبير فكثر مريدوه ومعتقدوه، وكان من بينهم التاجر الكبير الخواجة نور الدين علي ابن المرحوم محمد بن القنيش البرلسي، فطلب منه الشيخ أن يجد زاويته وخلوته التي كان يتعبد فيها، فصدع بالأمر. وأنشأ هذا المسجد، وألحق به قبة دفن فيه الشيخ "أبو العلا" عندما توفي عام 890 هـ - 1486 م. وإن كان محمد بك رمزي المؤرخ والجغرافي يرى أن هذا المسجد حل محل المسجد، الذي أنشأه الفخر ناظر الجيش محمد بن فضل الله عام 1330 م. ومسجد "أبو العلا" أنشئ عام 1485 م في عصر، ازدهرت فيه العمارة الإسلامية أيام السلطان المملوكي الجركسي قايتباي، وكان على طراز مدرسة ذات أربعة إيوانات متعامدة غنية بالنقوش في عصرها الزاهر. والمنبر فخر المنابر الإسلامية في دول المماليك الجراكـسة. وصانعه – كما جاء على باب المقدم – علي بن طنين، والمنبر من الخشيب النقي المطعم بالعاج ومحرابه مكسو بالرخام.

وقد أجريت للمسجد أكثر من عملية تجديد وإعمار.. الأولى 1741 م والثانية 1847 م، ودفن فيه من العلماء: الشيخ أحمد الكعكي المتوفي 1545 م والشيخ عبيد والسيد علي حكشة المتوفي 1854 م، والشيخ مصطفى البولاقي 1846 م. وفي العصر الحديث تولت لجنة حفظ الآثار العربية بين عامي 1915 و1920 م عمليات إصلاحات شاملة، وأنشأت في النهاية الغربية للواجهة البحرية سبيلا يعلوه كتاب، اقتبست تفاصيله من نماذج عصره، وفكت مباني المنارة، وأعادت بناءها وأكلمت قمتها طبقا لمنارات عصرها، إلى أن سقط سقف الإيوان الشرقي أثناء الاحتفال بمولده يوم 13 يوليو 1922 م، فتعطلت به الشعائر الدينية، فأمر الملك فؤاد بتجديده وتوسيعه في عام 1925 م، فقامت وزارة الأوقاف بالتنفيذ، ونزعت ملكية الأماكن التي اقتضاها التوسيع، ثم عهدت إلى لجنة حفظ الآثار العربية بوضع تصميم تجديد المسجد، فراعت فيه المحافظة على الأجزاء القدينمة وإدماجها فيه، على أن تكون جميع التفاصيل مقتبسة من منشآت القرن 15 الميلادي. وتبلغ مساحة المسجد بعد التجديد 1264 مترا، بعد أن كانت 843 مترا، وتكلفت أعمال التجديد والتوسيع 17 ألف جنيه، وإفتتتحه الملك فؤاد بأداء صلاة الجعة فيه يوم 5 يونيو 1936 م. ونصل إلى أكبر مساجد بولاق، وهو مسجد سنان باشا بشارع جامع السنانية.. وسنان باشا قائد تركي كبير، وسياسي محنك، عاص أربعة سلاطين، هم: سليمان القانوني ابن السلطان سليم الأول فاتح مصر وإبنه سليم الثاني، ثم مراد الثالث، وإبنه محمد خان. وقد عين سنان باشا واليا على مصر مرتين: الأولى بين عامي 1567 م و1569 م. ثم قام على رأس جيش إلى اليمن لقمع فتنة الزبديين، فقام بمهمته، وتم له فتح اليمن، ثم عاد إلى مصر واليا مرة ثانية في يونيو 1571 م، وبقي فيها إلى عام 1573 م، حيث عين صدرا أعظم في إستانبول. ثم عهد إليه السلطان سليم الثاني فتح تونس وتحريرها من الإسبان فاستولى على قلاع تونس، وكان فتحها من أهم الفتوحات العثمانية، ثم عاد ليتولى الصدارة الأعظم في عهد مراد الثالث 1580 م، ثم تولى نيابة الشام فبنى فيها مسجدا ما زال باقيا ثم عاد إلى إستانبول، وتولى الصدارة للمرة الرابعة في عصر بلغت فيه السلطنة العثمانية أقصى إتساعها.. وكان سنان باشا معاصرا لخوجة سنان، المهندس الحربي العظيم، الذي سمي خوجه سنان تمييزا له عن سنان آخر من تلاميذه، وهو الذي بنى مسجد سنان باشا في بولاق. وسنان باشا هو الذي أعاد حفر خليج الإسكندرية، وأنشأ مسجدا وسوقا وحماما، لأنه كان مغرما بإنشاء العمائر الخيرية وترك العديد من المنشآت في كل البلاد، التي أقام بها، ومنها: خان وحمام في بولاق ثم مسجده هذا. وهو ثاني مسجد أنشئ بمصر على الطراز العثماني الأول هو مسجد سليمان باشا داخل قلعة الجبل.

ومسجد سنان في بولاق الذي أنشئ عام 1571 م، كان محاطا من خارج بأسوار بها أبواب، هدم الشرقي منها عام 1902 م. والمحراب من الرخام الرقيق يجاوره منبر خشبي، وفرشت أرضيا المداخل والشبابيك بمربع القبة بالرخام الرقيق. والمنارة في الطرف القبلي الشرقي، وهي إسطوانية، وإن كانت غير كاملة لأن مسلتها قائمة على نصف بدن، دون دورتها الثانية، وبالمسجد معلمها حسن الصوافي عام 1182 هـ، وهي مصنوعة من البلاط. وفي عهد الملك فاروق أجربت للمسجد عمليات صيانة، شملت إصلاح القبة. وكان لفتح الشارع أما الواجهة البحرية أثر كبير في إظهار هذا المسجد وكشف جماله ومحاسنه. أما سنان باشا فقد توفي عام 1596 م، وهو في الثمانين من عمره، وترك ثروة كبيرة وكان دخله يزيد على 400 ألف جنيه سنويا.

أما أقدم مساجد بولاق وهو ثالث مساجدنا هنا.. فهو مسجد زين الدين يحيى بشارع الخضرا.. وهو ثاني مسجد أقامه الأمير يحيى زين الدين، وعرف بجامع المحكمة استخدامه محكمة منذ القرن العاشر الهجري حتى عصر محمد علي. وهذا المسجد بني عام 1448 م وأفتتح للصلاة فيه قبل تمام إقامته، وصاحبه هو الأمير الزيني الاستادار بشاطئ النيل ببولاق. وكان محتسبا للقاهرة، وناظرا للأسطبل السلطاني، واسمه يحيى بن عبد الرازق الزيني القبطي، وفي رواية الأرمني الظاهري الاستادار المعروق بالأشقر " والاستادار هو المسئول عن أموال السطان الخاصة"، وذلك في زمن حكم السلطان الظاهر جمقمق. ولكن الدنيا تنكرت للأمير يحيى هذا وتم تعذيبه مرات، وتم الاستيلاء على أمواله وقاصى أهوالا شديدة. ولما تولى السلطنة الملك الأشرف قايتباي صادر ما بقي من أمواله، وحبسه بالقلعة إلى أن توفي عام 1469 م. وقد زاد عمره على الثمانين، ودفن بمدرسته وجامعه عند تقاطع شارع الأزهر بشارع الخليج المصري.

ومسجده هذا في بولاق، وكذلك مسجده بشارع الأزهر، بناه المعلم محمد ابن حسين الطولوني، وكان من أشهر المهندسين في عصره. وعند قيام لجنة حفظ الآثار العربية وجدت هذا المسجد خربا مندثرا مهدما، وجدرانه مائلة وعقوده ساقطة وسقوفة مفقودة، أي كان عبارة عن أطلال. وقدرت تكاليف إصلاحه عام 1891 م بحوالي 6000 جنيه، وبدأت أعمال التجديد عام 1916 م، وفي عام 1920 م أعيد الإيوان القبلي والإيوانات: البحري والغربي من الإيوان الشرقي، ثم أعيد بناء المفقود، وأقيمت القبة الخشبية فوق الحراب، وعمل له منبر جديد، وتمت أعمال الإصـلاح وافتتح للصلاة في عهد الملك فؤاد الأول، وهو أحد ثلاثة مساجد، أقامها هذا الأمير: الأول في الأزهر، والثاني في بولاق.. والثالث في الحبانية

معالم بولاق[عدل]

  • سراى العدويه وهى عماره سكنيه مكونه من عدد 4 ادوار مبنيه على مساحه 600 متر مربع وتاريخ بنائها 1910 ميلادى
  • شارع السبتيه وهو أشهر الشوارع التجاريه والصناعية في مجال الحديد والصلب
  • سينما على بابا وسينما فؤاد وهى من اهم سينمات الخمسينات من القرن الماضى
  • وكالة البلح

مشاكل أساسية[عدل]

تعانى منطقة بولاق من العشوائيات والتي شملت سكان معظمهم قادمين من الأرياف والصعيد سكنت بعض المناطق مثل الفرنساوى والصحافة والعدوية ومنطقة الكنيسة والتي من خلال الإحصائيات تبين ان بها 10% من الهاربين من أحكام قضائية أو مسجلين خطرين.
كما تعانى معظم المبانى من تهالك واضح البنيه القديمة وعدم وجود وعى سكانى للترميم والتحسين مما يعرض معظم السكان لخطر الانهيارات وقد تجلى هذا بوضوح في زلزال 92 حيث تعد بولاق المنطقة الأولى في مصر من حيث الخسائر خلال هذه الفترة.

عباس الطرابيلى، خطط الطرابيلى، أحياء القاهرة المحروسة

انظر أيضا[عدل]