تاريخ الأندلس
|
711–1492
|
|---|
|
فتوحات 711–732 |
|
|
|
|
1039–1085 ملوك الطوائف |
|
1085–1145 المرابطون |
|
|
|
1147–1238 الدولة الموحدية |
|
|
|
1238–1492 مملكة غرناطة |
|
|
| مقالات مرتبطة |
عندما نسمع كلمة "الأندلس"، يتبادر إلى ذهننا مباشرةً "إسبانيا المسلمة" بالمعنى التاريخي والسياسي للكلمة. فتغيب الرؤية الجغرافية وتبقى الإشارة إلى الكيان السياسي - المستقل إلى حدٍ كبير على باقي الدولة الإسلامية - الذي مثل الحضور الإسلامي في شبه الجزيرة الإبيرية. فالقارئ العربي لا يتمثل الدلالة الإقليمية إذا قرأ لفظ الأندلس. وإذا كان هذا القارئ ذا توجه إسلامي أو سياسي معين، يرتبط الأندلس في ذهنه بنوع من "الجنة الضائعة": أمجاد مضت، حضور ولى، ثقافة وحضارة غدت أثرا بعد عين. ولعل الأندلس هو المثال التاريخي الأكثر حضور في الذهن الذي نرى فيه الإسلام استقر و"استوطن" قبل أن يتم دحره واجتثاثه من جذوره.
و بالمعنى الجغرافي الأندلس هو الإقليم الجنوبي من شبه الجزيرة الإسبانية، ينحدر اسمه من الوندال، وهم شعب جرماني من شمال أوروبا، استغل كغيره من الشعوب الجرمانية ضعف الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخمس للميلاد لاجتياح غربي أوروبا: بلاد الغول (فرنسا حالياً)، أيبيريا حيث استقر بجنوبها مدة عشرين سنة، ومن ثمة شمال إفريقيا. هذا المعنى الجغرافي لا يزال إلى الآن مستعملاً: فالإقليم الجنوبي لإسبانية ما زال يسمى: الأندلس.
ويجدر هنا القول أن حدود الأندلس الإسلامي لم تكن بأي حال من الأحوال ثابتة كما هي حدود الأندلس الجغرافي، حتى أن الحديث عن "8 قرون من الوجود الإسلامي" لا يخص في الحقيقة إلا الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة، الذي هو أصغر حتى من الأندلس الجغرافي. لكن ذلك لا يمنع أن حواضر الأندلس ومدنه الأكثر إشعاعاً والأبقى في الذهن: غرناطة، قرطبة، إشبيلية، تبقى منتمية إلى الأندلس الجغرافي. فهذه الجهة هي التي شهدت حضورا إسلامياً أكثر كثافةً وأطول مدةً.
وفي المقابل، حديث بعض المؤرخين الغربيين عن "8 قرون من الاسترداد" هو أيضاً نوع من المغالطة حيث، وإن كانت النزعة العامة لحدود الأندلس الإسلامي هي التقلص منذ توقف الفتح، فإن إسبانية المسيحية لم يكن لها وجود سياسي حقيقي في بداية الفتح، وليس ممكناً بأي حال من الأحوال الحديث عن "استرداد" يطول على 8 قرون: فمن يسترد ماذا؟ ومن كان "المالك الأصلي" حتى يسترد "أراضيه المسلوبة"؟ بل حتى أن الاسترداد "la reconquista" كمشروع سياسي وديني لم تتضح معالمه إلا في القرن الحد عشر ميلادي، أي بعد 3 قرون على الأقل من الفتح الإسلامي. كما أن نزعة التقلص لاقت فتراتٍ طويلةً من التوقف، بل وحتى الانقلاب في عهد الحاجب المنصور، الذي نجح من خلال مجموعةٍ من الغزوات في آخر القرن العاشر للميلاد في استرجاع بعض ما فقدته الخلافة الأموية من شمال إسبانيا.
محتويات |
مرحلة ما قبل فتح الأندلس[عدل]
لم يكن فتح الأندلس بطبيعته صدفةً أو ظاهرة نادرة، بل كان على العكس مواصلةً لحركة الفتوحات العامة التي بدأت منذ عهد الخليفة عمر رضي الله عنه (643-644 م) والتي حولت الدولة الإسلامية في أقل من قرن من حدود جزيرة العرب إلى إمبراطورية تمتد من حدود الهند والصين شرقاً إلى الأندلس غرباً. وإن شهدت هذه الفتوحات تسارعاتٍ وتباطؤاتٍ في وتيرتها حسب الأماكن وحسب التقلبات السياسية لدولة الخلافة، فإنها تواصلت بنفس النفس المازج بين الدعوة والرغبة في الغنيمة، طيلة هذا القرن (643-755 م) الذي هو يعتبر قرن دولة الخلافة بامتياز. قد يخيل لنا أن فتح الأندلس هو أول صدام بين أوروبا الغربية المسيحية والعالم الإسلامي، لكن الحقيقة أن أوروبا الغربية المسيحية، كمجال متجانس سياسياً، ثقافياً ودينياً، لم تكن وقعاً بعد (يجب أنتظار شارلمان في أواخر القرن الثامن لرؤية أول نوعٍ من التجانس في أوروبا الغربية)، بل على العكس كان المجال المتوسطي قبل الفتوحات الإسلامية يعيش على إرث الإمبراطورية الرومانية التي كان فيها التقسيم بين الشرق والغرب لا بين الشمال والجنوب، أي لا بين إفريقيا وأوروبا. فانهيار الجزء الغربي فسح المجال لتكون ما $يعرف بالممالك البربرية (the barbarian kingdoms)، منها مملكة الوندال في شمال إفريقيا التي سبق أن ذكرناها في المقدمة (والتي نجح الرومان الشرقيون في إسقاطها قبيل الفتح الإسلامي)، ومنها، وهي التي تهمنا الآن، مملكة القوط الغربين (the wisigoths). والإشارة إلى انعدام الحاجز السياسي أو الحضاري الحقيقي بين جنوب وشمال مضيق جبل طارق جاء للتأكيد على أن خطوة فتح الأندلس جاءت خطوة طبيعية بعد استقرار الوضع في بلاد المغرب وإفريقية، ليست بالمغامرة السياسية (وإن كانت المصاعب العسكرية حقيقية).
كان فتح إفريقية والمغرب من أعسر مراحل الفتح الإسلامي وأبطئها، إذ من غزوة "العبادلة السبعة" (647 م) التي مثلت أول انتصار إسلامي ذا شأن في إفريقية حتى سقوط الكاهنة (701 م) آخر المقاومين البربر للفتح الإسلامي، امتدت 50 سنة من الفتح والثورات، والكر والفر، والانتصارات والهزائم. ولعل من أسباب هذه الصعوبة هو تشابه المجتمعين البربري والعربي (قبلي ويغلب فيه الرحل) وبالتالي صعوبة انتصار العرب على البربر أو بالأحرى صعوبات إخضاع العرب لبربر كإخضاعهم المجتمعات الأكثر تمدناً كما في فارس ومصر والشام. لهذا، ما إن استقر الأمر بموسى بن نصير والياً لإفريقية (تشمل هذه الولاية كل المغرب العربي) حتى قرر اعتماد هذا العنصر المشابه للعرب في نمطه الاجتماعي وفي محاسنه القتالية، والداخل للإسلام حديثاً، في فتح الأندلس الذي يبدو بأي حال من الأحوال الهدف الموالي في سيرورة الفتح غير المتوقفة.
على الطرف المقابل من المضيق، يسيطر كما قلنا القوط الغربيون على شبه الجزيرة منذ ما يقارب الثلاثة قرون، عندما قدموا، قدموا ك"حلفاء" للرومان ضد "شعوب بربرية" أخرى. ولئن كان أصل القوط من شمال البحر الأسود، فإن مرورهم البطيء من مجال الإمبراطورية الرومانية وتحالفاتهم مع هذه جعلتهم "مترومنين" إلى حد كبير، وديانتهم هي المسيحية الكاثوليكية (وإن كان بعضهم على مذهب آريوس المعتبر هرطقة في نظرة الكنيسة الكاثولية)، وتعتبر دولتهم من أقوى الممالك البربرية في أوروبا الغربية. لكن مجموعة من الطوارئ أضعفت جانبهم وجعلت غزوهم أكثر سهولةً. أول هذه الطوارئ هو اضطهادهم يهود الجزيرة وطوائف أخرى (كمذهب آريوس) مما جعل المسلمين، المشهورين بالتسامح الديني، مرحباً بهم في شبه الجزيرة. ثاني هذه الطوارئ هو قيام لذريق (Rodric) بانقلاب على الملك الشرعي (الذي ينتخبه النبلاء) وتزا (Wittiza) مما أدى إلى حرب أهلية وانقسام النبلاء بين مؤيدٍ ومعارض. وآخر هذه الطوارئ وأهمها هو انشقاق صاحب سبتة يوليان (وسبتة، الواقعة على الساحل الإفريقي والخاضعة لحكم القوط دليل آخر على غياب التقسيم إفريقيا/أوروبا في ذلك الوقت) الذي اتصل بموسى بن نصير عارضاً عليه أسطوله لعبور المضيق.
الفتح الإسلامي للأندلس (711 م- 714 م)[عدل]
لسنا ندري شيئاً عن طارق بن زياد ما قبل الإسلام، كل ما ندريه هو أنه بربري (بمعنى من الأمازيغ) مسلم من قبيلة نفزة (ولعله من نبلاء وشيوخ هذه القبيلة)، ولاه موسى بن نصير واليا على طنجة ثم قائداً لجيشٍ يعد عشرة آلاف مقاتل، أغلبهم من البربر. مكلف بالحملة على الأندلس. ويجدر هنا بالذكر أنه سبقت هذه الحملة حملات أخرى استطلاعية بقيادة قادة بربر آخرين، كما سبقتها حملات استهدفت جزر البليار وفتحتها سنة 709 م. عبر طارق بن زياد المضيق عام 711 م، معتمداً سفن يوليان (أو على الأرجح سفناً من الأسطول الإسلامي الحديث النشأة)، وتجمع الجيش الإسلامي قرب جبل كالبي (جبل طارق منذ ذلك الحين) على الشاطئ الشمالي للمضيق. ثم لم يلبث أن اصطدم بجيش لذريق القادم من الشمال على عجل في معركة نهر برباط، في أواسط يوليو 711 م. ولم ينفع القوط تفوقهم العددي (40 ألف حسب ابن خلدون) إذ ألحق بهم جيش طارق هزيمة حاسمة قتل أثناءها لذريق.
ولعل أكثر ما يبقى في البال عن هذه المعركة، أكثر حتى من اسمها، هي خطبة طارق بن زياد التي قال فيها جملته الشهيرة : "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم". ولئن يشك في صحة نسب هذه الخطبة (بأكملها، ولعل بعض الجمل أو المعاني حقيقية) حقيقة لطارق بن زياد وقبل هذه المعركة، فإن شهرة هذه الجملة دليل على الوقع النفسي لهذه المعركة على العالم الإسلامي. فهذه المعركة، وهذا القائد، وهذه الكلمات، دخلت التاريخ الإسلامي من بابه العريض.
ويضاف إلى الخطبة حكاية السفن التي حرقها طارق لمنع رجاله من العودة إلى الشاطئ الإفريقي، وتبدو هي أيضا بعيدة عن المعقول، ولكن تدل على عزم طارق على المضي قدماً وعلى الفتح. وبالفعل بعد هزيمة لذريق أصبح الطرق مفتوحة نحو مختلف مدن مملكة القوط، التي سقطت واحدةً تلو الأخرى، بعضها بالسلم والآخر بعد حصار. ونظراً لتفرق جيشه في مختلف أنحاء الأندلس، أرسل طارق إلى موسى بن نصير يسأله العون، فلم يلبث هذا حتى عبر المضيق بدوره مع جيش من اثني عشر ألف رجل، والتقى الجيشان قرب طليطلة عام 713 م. ومن ثم واصلا الفتوحات في شمال شبه الجزيرة.
عهد الولاة (714- 755 م)[عدل]
تميز هذا العهد بتبعية الأندلس للخلافة في الشرق، وهو الأمر الذي لن يحدث بعد ذلك على الإطلاق، وبتدعيم الحضور الإسلامي في شبه الجزيرة بالدعوة وبهجرة العرب والبربر واستقرارهم به. من مظاهر تبعية الأندلس للخلافة مرور عشرين وال عليها تم تعينهم إما من قبل والي إفريقية أو من الخليفة مباشرة. كما تميزت هذه الفترة بالحملات نحو الشمال وراء جبال البرت أو البرانس (Pyrénées) التي لم تلقى في الحقيقة دعما كبيرا من قبل الخليفة في دمشق، ولعل أبرز هذه الحملات تلك التي قادها عبد الرحمن الغافقي والتي انتهت بمعركة بلاط الشهداء قرب مدينة بواتي (Poitiers) الفرنسية سنة 732 م.
كما اعتنى الولاة بتنظيم الدولة وترميم ما أفسدته الحرب الأهلية. وأقروا العاصمة بقرطبة، التي شهدت في عهدهم بداية ازدهار لن يخفت بريقه مذاك.
الأمويون في الأندلس: الإمارة والخلافة(755 م - 1009 م)[عدل]
يتميز هذا العهد الطويل (250 سنة) بوحدة سياسية واستقلال تام عن باقي الدولة الإسلامية، التي بدأت في الانقسام شيئا فشيئا، تحت إمرة عائلة من أعرق العائلات العربية وأعظمها تأثيراً على التاريخ الإسلامي، ألا وهي بنو أمية. هذا الاستقلال ساهم إلى حد كبير في بلورة هوية ثقافية أندلسية خاصة، ترافقت مع ازدهار معرفي وأدبي ومعماري كبير. فلئن كانت بغداد الرشيد والمأمون رمز العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، فإن قرطبة الأمويين لا تقل عنها إشعاعاً وازدهارا. ولعل العداء السياسي بين الدولتين أدى إلى منافسةٍ حضارية زادت من إشعاع العاصمتين معا. وفي المقابل، تميز هذا العهد ببداية انحسار سيطرة المسلمين على شمال شبه الجزيرة وتكون مجموعة ممالك مسيحية سوف يكون لها شيئاً فشيئا شأن ثم غلبة سياسية وعسكرية على الأندلس.
حكام الأندلس الأمويين هم بالترتيب:
- عبد الرحمن الداخل الملقب (صقر قريش) - حتى عام 172 هجرية
- هشام الأول بن عبد الرحمن - من عام 172 إلى عام 180 هجرية
- الحكم بن هشام - من عام 180 إلى عام 206 هجرية
- عبد الرحمن الأوسط بن هشام - من عام 206 إلى عام 238 هجرية
- محمد بن عبد الرحمن - من عام 238 إلى عام 273 هجرية
- المنذر بن محمد - من عام 238 إلى عام 275 هجرية
- عبد الله بن محمد - من عام 275 إلى عام 300 هجرية
- عبد الرحمن الثالث الناصر - من عام 300 إلى عام 350 هجرية
- الحكم بن عبد الرحمن - من عام 350 إلى عام 366 هجرية
- هشام الثاني بن الحكم - من عام 366 إلى عام 399 هجرية
ونظراً لطول هذا العهد وكثرة أمرائه وأحداثه، سنكتفي هنا بثلاث شخصيات مثلت ثلاث أطوار في عمر هذه الدولة الطويل: التأسيس، الأوج، السقوط.
عبد الرحمن "الداخل" بن معاوية (756- 788 م)[عدل]
لم يكن انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين سنة 750 م سلمياً بأي حال من الأحوال، فبعد نجاح الثورة العباسية وانتصار الجيش العباسي على جيش الأموي، شمل كل أفراد العائلة الأموية تقتيل كبير، هدفه اجتثاث هذه العائلة من جذورها والتخلص من أي مطالب مستقبلي، وهم كثر، بالخلافة. فقد اتعظ العباسيون عن بداية حكم بني أمية الذين واجهوا العديد من الثورات، خاصة من قبل أبناء أعداء سابقين (كالحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير). على الرغم من سياسة القضاء على كل الأمويين هذه، فإن أحد هؤلاء أفلت، ألا وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، البربري من جهة الأم (من قبيلة نفزة بالمغرب الأقصى والأوسط)، والذي تحول متخفياً إلى بلاد المغرب عند أخواله. بقي عبد الرحمن متخفياً إلى غاية 753 م حيث بدأ، معتمداً ذراعه الأيمن بدر، في الاستعداد للعبور إلى الأندلس، الذي أعلن ولاته دعمهم للعباسيين، وإن كان عدد المؤيدين للأمويين فيه كبيراً.
ويجدر هنا القول أن الانتقال من الأمويين إلى العباسيين لم يكن مجرد تغير في الأسرة الحاكمة، بل كان أيضا انتقالا في مركز الخلافة الجغرافي، الثقافي والبشري: فالعاصمة الجديدة، بغداد، تقع في مجال الإمبراطورية الفارسية الساسانية القديمة، وفي حين كان تشبه الأمويين بأباطرة الروم، كان تشبه العباسيين بشاه الفرس. وبصفة عامة، صارت دولة الخلافة أكثر انغرساً في العمق الأسيوي، مقابل ترك، إلى حد ما، المجال المتوسطي. مما جعل كل بلاد المغرب والأندلس تتحول طرفاً لهذه الدولة، يضعف فيه حضور الخليفة. فبخلاف الأندلس، لم يخضع المغرب الأقصى إلى الخلافة العباسية إلا بضع سنوات قبل أن يستقل نهائيا، أما إفريقية فعاشت طيلة الحكم العباسي المباشر (الخمسين سنة الأولى) فترة ثورات تكاد تكون متصلة، ولم تستقر حتى استقلت فعليا بقيادة الأغالبة. وهذه الإشارة تهدف خاصة للتأكيد على قابلية الأندلس الطبيعية للاستقلال، مما سهل كثيراً تأسيس دولة "أمويو الأندلس" على يد عبد الرحمن الداخل.
لا يمنع هذا بطبيعة الحال من صعوبة العملية التي استغرقت بين 753 و 756 م، والتي اعتمد فيها عبد الرحمن على مزيج من "الدعوة"، والاستقواء بالأخوال، والألاعيب الدبلوماسية، أفضى إلى تكوين جيش موال له انتصر به على جيش الوالي الموالي للعباسين في معركة المصارة سنة 756 م. ولم يلبث أن دخل قرطبة ليبايع بها أميراً على الأندلس.
لم يعني هذا الانتصار الاستقرار مباشرة بل سادت المرحلة الأولى من حكم الداخل الاضطرابات ومحاولات العصيان من مساندي الحكم العباسي. ولعل أكبر خطر شهدته الإمارة الأموية الفتية هو حملة شارلمان (قارلة في المصادر العربية) سنة 778 م التي نظمت بإيعاز من واليي سرقسطة وبرشلونة المنشقين. وإن كانت هذه الحملة لم تلقى نجاحا حقيقياً نظراً لإيقافها المبكر بسبب اضطرابات في شمال أوروبا شغلت شارلمان عن شمال إيبريا إلى حين، فإنها مهدت لحملات أخرى بعد عهد الداخل أفقدت المسلمين السيطرة على الطرف الشمالي لشبه الجزيرة. هذا بالإضافة إلى إدخال هذا الشمال في المجال السياسي لأوروبا المسيحية، حيث تكونت بعد انهيار إمبراطورية شارلمان مجموعة ممالك متناحرة لكن مشتركة في عدة عناصر أهمها المسيحية الكاثوليكية والنظام الإقطاعي، ولم يخرج شمال شبه الجزيرة عن هذه الصيرورة حيث تكونت شيئا فشيئاً مجموعة من الممالك المسيحية التي لم تعد مجرد بقايا لمملكة القوط بل صارت دول مستقلة منتمية إلى مجموعة الممالك الكاثوليكية في أوروبا الغربية والوسطى (كمملكة فرنسا، مملكة إنجلترا، دوقية برغندي...) وتحظى بدعم مثيلاتها من حين لآخر في مواجهة الجنوب المسلم. هذه الممالك الإسبانيا التي ستتوسع على حساب المسلمين وتتحد شيئاً فشيئاً هي من الشرق إلى الغرب: اراغون، نبارة (Navarra)، قشتالة، وليون.
وفي مقابل هذا الانحدار السياسي النسبي تميزت فترة الأمويين بازدهار حضاري، ثقافي ومعرفي كبير. حتى أن مدينة قرطبة صارت في عهدهم أكبر المدن الأوروبية من حيث عدد السكان، وقبلة المتعلمين والمثقفين من كل الأقطار. وازدهرت اللغة العربية كلغة الفن والعلم وكلغة الدبلوماسية، حتى أنها كانت تستعمل في بلاطات الممالك الإسبانية المذكورة آنفاً.
عبد الرحمن "الناصر" بن محمد (912-961 م)[عدل]
بعد عهد الداخل، تواصل حكم الأمراء الأمويين للأندلس تتخلله الثورات، والتهديدات الخارجية (المسيحيون في الشمال والنورمان على الشاطئ الغربي خاصةً)، ولكن يسوده بصفة عامة الازدهار والرقي. وإن كانت علاقة الأندلس بالمشرق الإسلامي السياسية متميزة بالفتور، فإن علاقته التجارية والثقافية تميزت بالنشاط والحيوية. ومع تمكن المسلمين شيئا فشيئا من السيطرة على البحر المتوسط، تطورت التجارة بين المدن الأندلسية ومدن إفريقية ومصر والشام، كتونس، والإسكندرية، وصور وعكا، وغيرها. فاستفادة الأندلس الحضارية من العصر الذهبي التي عاشته الدولة العباسية في تلك الفترة أمر مؤكد، ومن ذلك سفر زرياب، الموسيقي والمطرب في بلاط هارون الرشيد، إلى الأندلس، حيث نقل إلى قرطبة الشيء الكثير عن الموسيقى والفن وحتى ما يمكن تسميته اليوم الموضة والديكور. من ذلك أيضا محاولة عباس بن فرناس الأندلسي الطيران التي ينقلها كثير من المؤرخين المشرقين.
وفي سنة 912 م تولى عبد الرحمن الناصر لدين الله بن محمد الإمارة بعد جده (إذ أن أباه قتل ضمن محاولة انقلابية فاشلة). وإن كان حكمه يشمل نظرياً كامل الأندلس الإسلامي، فإنه ورث في الحقيقة مملكة يتخللها العصاة والمتمردون، شمالاً وجنوباً: غرناطة، إشبيلية، طليطلة، سرقسطة، وغيرها من المناطق هي في الحقيقة مستقلة عن الحكم الأموي. مما جعل بداية حكمه الطويل (نصف قرن من الزمان) مخصصة لقمع كل هذه الثورات وتوحيد الأندلس تحت إمرة الأمويين من جديد. فتخلت الفترة الممتدة بين 912 م و917 م مجموعة من المعارك ضد هذه المدن الثائرة وضد المسيحيين في الشمال والفاطميين في الجنوب. والفاطميون سلالة تنحدر من نسل النبي صلى الله عليه وسلم تنتمي إلى الطائفة الشيعية الإسماعيلية (الأكثر تطرفاً من الطائفة الاثنى عشرية المتواجدة في إيران والعراق)، قامت هذه السلالة، معتمدة على الدعوة في شمال إفريقيا، بتأسيس دولة وخلافة معادية لخلافة العباسية سنة 909 م وبسطت نفوذها على كامل بلاد المغرب وحاولت كذلك السيطرة على الأندلس.
وفي المجمل، توصل عبد الرحمن الناصر إلى إعادة تأسيس دولة قوية متماسكة الحدود ابتداء من 917 م. فانتقل من وضعية الدفاع عن أرضه من أطماع الممالك المسيحية إلى وضعية الهجوم، وانطلقت حملة تأديبية من قرطبة في يوليو 917 م نحو "نبارة" التي لم يفتأ ملكها شنجه (Sancho) يحاول التوسع نحو الجنوب. والتقى الجيشان في معركة "موتونية" حيث كان الانتصار الإسلامي حاسماً. وتبعت هذه المعركة غزوة توغلت قوات الناصر في عمق مملكة نبارة وحتى عاصمتها بمبلونة وأجبرت المسيحيين على الاحتماء بالجبال.
وفي سنة 929 م، بعد أن استقر الوضع السياسي تماماً واستتب الحكم للناصر داخليا وخارجيا، أعلن عبد الرحمن الخلافة الأموية من جديد، وقد كان الأمراء من قبله، وإن كانوا لا يعترفون بالحكم العباسي، لا يتسمون بالخلافة دفعا للانقسام واعتباراً منهم أنه لا يمكن أن يكون إلا خليفة وحيد للمسلمين. غير أن هذا الوضع تغير منذ إعلان الخلافة الفاطمية في إفريقية. وهكذا صار للعالم الإسلامي ثلاثة خلفاء.
ومع إعلان الخلافة، عمل الناصر على تفادي الثورات التي تعرض لها سابقوه خاصةً بتحجيم سلطات العائلات العربية النبيلة وامتيازاتها والاستعانة بوزراء وعمال غير عرب بل ومن سكان إسبانيا الأصليين، مما أثر سخط العرب ولكن ما قوى التفاف سكان شبه الجزيرة ومستضعفيها حول الخلافة كضمان لمساواة السكان مهما كان أصلهم.
ومع الاستقرار السياسي والاجتماعي شهد الأندلس ازدهاراً حضارياً واقتصاديا كبيراً استغله الناصر لبناء عدة معالم بقيت إلى اليوم منها خاصةً مدينة الزهراء على بعد 8 كلم من قرطبة (بداية من سنة 936 م) التي مثلت المقر السياسي لدولة الخلافة والتي تبقى مثالاً على رقي المعمار الأندلسي وجماله، ومنها أيضا مسجد قرطبة الذي تمت إعادة بنائه أكثر اتساعا وهيبةً.
وبصفة عامة مثل عهد الناصر أوج الدولة الأموية في الأندلس: سلطة سياسية قوية ومتماسكة تحظى بشعبية ذات بال، وقوة عسكرية مؤثرة قادرة على ردع العدو الخارجي خاصة من الشمال، وازدهار اقتصادي وثقافي وحضاري ومعماري، واعتراف اسمي بالتبعية من قبل حكام المغرب الثائرين على الفاطميين، وعاصمة تعد من أكبر مدن العالم مع بغداد والقسطنطينية (تعد قرطبة الناصر 3000 مسجد و300 حمام، مما يعني أن عدد سكانها يبلغ المليون تقريباً)، وخزينة تبلغ العشرون مليون من الدينارات الذهبية (ما يجعل الناصر أغنى رجل في العالم في عصره، حسب بعض المؤرخين).
ومع وفاة الناصر عن عمر يناهز السبعين، حاول الخلفاء من بعده أن يتسموا ببعض مآثره ويحافظوا على ارثه العظيم، لكن أحداً منهم لم يصل إلى مستواه.
الحاجب المنصور بن أبي عامر (978 - 1002 م)[عدل]
ساد القرن العاشر الأندلسي حكم الخلفاء الأمويين، الذين كما قلنا ضعفت شيئاً فشيئاً قوتهم وهيبتهم مقارنةً بجدهم الناصر. مما أتاح الفرصة لتنفذ الوزراء والعائلات العريقة والحاشية. وأهم أعضاء هذه الحاشية الحاجب، الذي انتقل دوره من مجرد حام لباب الخليفة مانع لدخول المزعجين عليه، إلى الوزير الأكبر، أي المساعد الأول للخليفة ثم الوصي عليه. فترافق تصاعد قوة الحاجب مع ضعف قوة الخليفة. ويعتبر عهد المنصور بن أبي عامر قمة هذه الوضعية، حيث لم يكن الخليفة سوى ألعوبة في يد المنصور، الحاكم الفعلي للأندلس. ومهدت هذه الوضعية بالتالي إلى سقوط الخلافة الأموية ونشأة ممالك الطوائف. فحكم المنصور مثل في نفس الوقت آخر عهود الأندلس القوي الموحد (بل أكثر من ذلك: الغازي للممالك المسيحية الشمالية) وفي نفس الوقت بداية نهاية الدولة الأموية وبالتالي وحدة الأندلس.
محمد بن أبي عامر هو من العرب أحفاد الفاتحين الأوائل (وجده عبد الملك من العرب القلائل في جيش طارق بن زياد) من جهة الأب ومن البربر من جهة الأم. ينتمي إلى عائلة من التجار والقضاة في الجزيرة الخضراء (جنوب الأندلس)، جاء إلى قرطبة طالباً للعلم. ثم استطاع بفضل ذكائه أن يرتفع شيئا فشيئا في ظل حكم الخليفة الحكم الثاني (961-976 م) متوالياً كتابة الدولة، والقضاء، ثم السفارة وقيادة الجيش الأموي في المغرب. عند وفاة الحكم وصعود ابنه هشام الثاني إلى الحكم، الصغير في السن. وكان ابن أبي عامر من المؤيدين لحكم هذا الخليفة الذي لقي في البداية معارضة شديدة، خاصة من الصقالبة (وهم من الأوروبيين السلاف اعتمدهم الخلفاء في الجيش ومن ثم في إدارة الدولة). وبالتعاون مع حليفه الوزير جعفر المصحفي، تخلص من كل المعارضين لهشام ومن ثم نصب الرجلان نفسيهما حاجباً (المصحفي) ووزيراً (المنصور) للخليفة الصبي. فتولى المصحفي إدارة الدولة في حين تولى المنصور قيادة الجيش. وهنا أثبت هذا حنكته وبراعته إذ سرعان ما دحر المماليك المسيحية التي حاولت استغلال الاضطرابات وصغر سن الخليفة الجديد للتوسع نحو الجنوب.
واستفاد المنصور من شعبيته المتزايدة خاصةً مع انتصاراته العسكرية، ومن تناقص شعبية المصحفي نظراً لأصله البربري المتواضع ومحاولته وضع أفراد عائلته على دواليب الدولة، استفاد من كل هذا ليتخلص من المصحفي سنة 978 م، منفرداً مذاك بالحكم دون أي منازع حقيقي، ومتسمياً الحاجب المنصور. غير أن هذه الوضعية لم ترق للكثيرين، إذ لاقى تفرد المنصور بالسلطة وعزله شيئا فشيئا الخليفة عنها (حتى أنه ألغى خاتم الخليفة من المراسم والرسائل مكتفياً بخاتمه، وسمى نفسه بالملك المنصور)، معارضة ومؤامرات من قبل عدة أعيان وأمراء حول الخليفة، أهمها معارضة أم الخليفة صبح، حليفة المنصور سابقاً، إلا أن هذه المعارضة تعرضت للقمع الشديد، ولم يتردد ابن أبي عامر في قطع رقبة كل من يثبت تآمره ضده.
أما على المستوى الخارجي فإن حكم المنصور تميز بنشاطٍ عسكري لم يعهده الأندلس منذ الفتح قبل 3 قرون، إذ يذكر أنه قاد 57 غزوة لم يلقى فيها أي هزيمة، بمعدل غزوتين في العام. أجبر من خلالها عدة ملوك مسيحيين على التبعية للأندلس من خلال الجزية ومن خلال إبقاء حامية مسلمة في بعض المدن المسيحية. فالمنصور هو مثال القائد العسكري الفذ الناجح الذي لا يهدأ، وفي عهده استرجع المسلمون أجزاء من شمال شبه الجزيرة كان قد فقدها الأمويون لصالح ممالك المسيحيين. وفي عهده سقطت عدة مدن مسيحية أهمها ليون (982 م)، برشلونة (985 م)، وخاصة شنت يعقب (Santiago de Compostela) التي تعتبر محجاً للمسيحيين من كل أوروبا الغربية، والتي غزاها ونهبها جيش المنصور في 997 م. كما أن المنصور بسط هيمنته نحو الجنوب في المغرب الأقصى، على حساب الفاطميين.
وفي مستوى الحضارة والمعمار واصل المنصور مسيرة سابقيه من الحجاب والخلفاء، حيث بنى المدينة الزاهرة مقراً لحكمه (بخلاف الزهراء مقر الأمويين) شرق قرطبة، ووسع في المسجد الكبير، وبنى عدة حصون. كما استفادت التجارة من الاستقرار واستتباب الأمن الذي مكنته سيطرة المنصور المطلقة والحازمة على البلاد. وبصفة عامة مثل حكم المنصور نوعاً من الدكتاتورية العسكرية المعتمدة أساساً على قمع الدسائس والإنفراد بالحكم، وعلى الغزو المستمر للعدو. مما يجعل الحكم على أدائه العام صعباً: فمما لا شك فيه أن في عهده مثّل الأندلس قوة إقليمية حقيقية ومتماسكة، كما أن الاستقرار دفع بالبلاد إلى مزيد من الازدهار الاقتصادي والحضاري، إلا أن سياسته الانفرادية بالحكم وعزله الفعلي للخليفة وإرادته توريث الحكم لابنه مثل أول حلقةٍ في سلسلةٍ تنتهي بانقسام الأندلس على ممالك الطوائف.
توفي المنصور سنة 1002 عن عمر يناهز الخمس والستين، تاركاً منصبه لابنه عبد الملك، الذي تولى الحكم بين 1002 م و 1008 م. وإن كان هذا يعد قائداً ناجحا وسياسياً حكيماً، فإنه لم يبلغ نجاح والده ولا حرصه واحتياطه من الدسائس. فقتل مسموماً سنة 1008 م، تاركاً الأندلس تتخبط في الحرب الأهلية بين ما يعرف بملوك الطوائف.
دولتا المرابطين والموحدين[عدل]
بسبب ضعف دول الطوائف عن الدفاع عن التراب الاندلسي ضد الهجوم الأسباني وسقوط طليطلة في ايدي الأسبان, طلب الاندلسيون المعونة من قائد المرابطين في المغرب الامير يوسف بن تاشفين ان يهب لمساعدة الاندلس وانتهت مساعدته بهزيمة كاسحة للإسبان في موقعة الزلاقة واستعادة بعض المدن لكنه فشل في استعادة طليطلة والقضاء على ملوك الطوائف وأصبحت الأندلس تابعة لدولة المرابطين في الاندلس الذين دافعو عن الاندلس ضد الأسبان في عدة مواقع الا انهم فشلو في الدفاع عن سرقسطة بقيام الثورة في المغرب بقيادة الموحدين وانهيار دولة المرابطون تحولت تبعية الاندلس إلى الموحدين الذين حملو راية الدفاع عن الاندلس في عدة مواقع اشهرها معركة الارك ولكن جيوش الموحدين ما لبث ان هزمت في موقعة العقاب على الرغم من ضخامتها وكبرها مما تسبب في انهيار دولة الموحدين نهائيا و مع انهيار الحكم الموحدي في الاندلس بدءت مرحلة جدية من الانهيار في الاندلس
سقوط الأندلس[عدل]
في عام 1492 سقطت غرناطة بعد حصارها من قبل قوات الملوك الكاثوليك.
انظر أيضاً[عدل]
وصلات خارجية[عدل]
- تاريخ الأندلس من خلال مخطوط تاريخ الأندلس لإسماعيل بن أمير المؤمنين [1]
- تاريخ المسلمين في الأندلس للدكتور محمد سهيل طقّوش [2]
- المجتمع الأندلسي في القرن الرابع الهجري من خلال شهادة مؤرخ معاصر [3]