تنيكي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

قرية تنيكي نشأتها وموقعها ومكانتها التاريخية تأسست قرية تنيكي في أواخر القرن السادس الهجري بعد حين من سقوط دولة المرابطين وهي الدولة التي ينتمي سكان هذه القرية إلى الأرومة التي كان لها فيها دور الريادة وشرف القيادة ألا وهي قبيلة لمتونة المعروفة فلا غرو إذا أن كان لقرية تنيكي نصيبها من القيم والتقاليد المرابطية.

وتعتبر قرية تنيكي من أهم المدن التاريخية الموريتانية الغابرة التي شهدت ازدهارا علميا وحضاريا وعمرانيا هاما ما يزال تاريخه بحاجة إلى الدراسة والتمحيص.

تقع قرية تنيكي في منطقة آدرار وتبعد عن مدينة انواكشوط العاصمة الموريتانية حوالي 600 كلم إلى الشمال الشرقي، وتقع قريبا من خط العرض 20 درجة و 27 دقيقة و10 ثوان من العروض الشمالية وعلى خط الطول 12 درجة و21 دقيقة و45 ثانية غرب خط "غرينتش".

وقد تم اختيار موقع القرية من طرف مؤسسيها بعناية تامة فهي تقع على ضفة واد كبير هو الوادي المسمى فيما بعد بـ "ارغيوية" ومن المرجح أن هذا الوادي كان في القديم يحتوي على مياه غزيرة دائمة طوال العام وهو ما مكن ساكني القرية من ممارسة زراعة النخيل والواحات شأنها في ذلك شأن أودية آدرار المعروفة.

كما تقع قرية تنيكي كذلك على الطريق التجاري المعروف بالطريق اللمتوني الذي يربط بين درعة وسجلماس في المغرب وبين منطقة آدرارفي موريتانيا مرورا بالمجابات الكبرى ولهذا كان لأهل تنيكي دور هام في التجارة عبر الصحراء وتسيير القوافل وكان لهم نشاط تجاري واسع خصوصا في جنوب المغرب وفي المناطق المحاذية لنهر السينغال ولدينا شواهد عديدة على هذا الأمر يضيق المقام عن ذكرها.

وقد ورد أول ذكر مكتوب لقرية تنيكي في رحلة البرتغالي فالانتيه فرناندوس الذي دون مجموعة معلومات نقلها عن بعض المستكشفين والرحالة الذين زاروا شواطئ الأطلسي سنة 850 هـ وقام بجمع بعض المعلومات عن منطقة آدرار وموريتانيا عموما وقد تحدث عن قرية تنيكي باعتبارها إحدى أهم قرى منطقة آدرار.

وتجمع المصادر التي تحدثت عن تنيكي على أنها كانت قرية آهلة بالسكان وافرة الأسواق تعج بمختلف أوجه النشاط العلمي والتجاري والاقتصادي الهام.

يقول الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي في الرسالة الغلاوية متحدثا عن تنيكي: "إنها كانت قصرا مشيدا" ويقول أحمد بن الأمين الشنقيطي في الوسيط في كلامه على جغرافية منطقة آدرار :" تنيكي وهي مدينة مشهورة وكانت من مدن آدرار المعتبرة فيما مضى وكانت بها دور ونخيل ولم يبق منها اليوم إلا الأطلال وجذوع النخيل".

اما العلامة المؤرخ الكبير المختار بن حامد فيقول عنها : " ولما وضعت حرب المرابطين أوزارها أسس تجكانت قريتهم "تنيگي" في القرن السادس الهجري وأقاموا بها قريبا من أربعة قرون في غاية ما يكون من العمارة والدين والعلم والمال والعدد".

لمحات من التاريخ الثقافي لقرية تنيكي لمحات من التاريخ الثقافي لقرية تنيكي ودورها في تأسيس التقاليد العلمية في موريتانيا

عرفت قرية تنيكي بكثرة علمائها و ازدهارها الثقافي والعلمي وهو أمر سارت به الركبان ونسجت حوله الحكايات والقصص المستغربة.

ومن أشهر ذلك الرواية التي تقول " إنه كان في تنيكي أربعون جارية فارقة تحفظ الموطأ" وهي رواية مشهورة أوردها الشيخ سيدي باب في رسالته " تاريخ إيدوعيش ومشظوف " نقلا عن العلامة المتبحر والشيخ المعمر أفلواط بن محمدُّ بن المختار بن أحمدن ألفغ الجكني الذي أدركه الشيخ سيدي باب مطلع القرن الرابع عشر وهو إذ ذاك شيخ كبار.

ومنها رواية أخرى نقلها الأستاذ المختار بن حامدن عن العلامة اباه بن محمد الأمين وهي أن أكثر البلاد يومئذ علما قرية تنيكي ومدينة القاهرة.

وقد شاعت هذه الحكايات وتداولها الناس شرقا وغربا وهي وإن كانت لا تخلو من نوع مبالغة وت فإن لها قيمة ودلالة رمزية لا يمكن إهمالها إطلاقا كما هو معروف لدى الباحثين في علم الاجتماع فهي ليست إلا صدى لواقع ثقافي قديم و تعبيرا عن ماض مجيد شهدته هذه القرية.

إن هناك شواهد كما ذكرنا توحي بدور كبير لقرية تنيكي في التأسيس للثقافة الإسلامية والتقاليد العالمة في هذه البلاد ومن بين هذه الشواهد أن أول ذكر معروف لمصطلح "المحضرة" قد عرف فيها حيث نجده مرتبطا باسم أحد العلماء المشهورين الذين عاشوا في هذه القرية وهو المختار بن الطالب أند عبد الله المعروف "بالطالب محضرة" وقد عاش في القرن العاشر الهجري.

ومصطلح "المحضرة" هو مصطلح أندلسي انتقل من الأندلس إلى المغرب ومن المغرب إلى موريتانيا وقد كان يعني في المغرب والأندلس المدارس القرآنية الابتدائية التي يتعلم فيها الصبيان القرآن الكريم بينما تم تعميمه في موريتانيا ليكون علما على جميع المدارس العلمية بمختلف مراحلها وتخصصاتها.

ومعروف أن لهذا المصطلح مكانة كبيرة ودلالة خاصة في ثقافة هذه البلاد وفي تاريخها العلمي فالمحاضر هي جامعات بدوية متميزة حافظت على هوية البلد وحفظت علوم أهل الإسلام في هذا القطر وتطوع القائمون عليها بأداء وظيفة التدريس والإفتاء والقضاء وغيرها من الوظائف والمصالح العامة التي هي من اختصاص الدولة.

وقد خلد المحضرة أحد العلماء المنحدرين من هذه القرية في أبيات سائرة وهو العلامة الكبير شيخ المشائيخ المختار بن بونا رحمه الله تعلى حيث يقول:

ونحن ركب من الأشراف منتظم *** أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة *** بها نبين دين الله تبيانا

ومن جهة أخرى فقد عرفت قرية تنيكي ازدهارا فريدا لمؤسسة القضاء التي كان لها دور هام في المدن والحواضر الصحراوية في تلك الفترة حيث كان القاضي كما معروف يمثل منصب "شيخ الجماعة" أي رئيس جماعة أهل الحل والعقد التي تنوب عن السلطة التنفيذية في حال غيابها كما هو معروف في الفقه المالكي.

ومن مظاهر ذلك وجود عدد من العلماء والقضاة الذين اشتهروا بلقب القاضي فلا تذكر أسماؤهم على اليوم إلا مقرونة بهذا اللقب ومن هؤلاء:

1- القاضي يعقوب بن القاضي يحيى بن رمضان عاش في القرن الثامن الهجري (14الميلادي) أثنى عليه الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي في الرسالة الغلاوية وقال عنه: "إنه كان علامة لبيبا..".

2- القاضي يرزك بن محمد بن الحسن بن يوسف وهو خال العالم المشهور سيدي أحمد البكاي وقد عاش في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع.

ومن المعروف أن هناك قضاة اشتهروا بصفة القضاء في التاريخ الإسلامي من أولهم القاضي شريح ومن بعده اشتهر به جماعة من العلماء من مختلف التخصصات والمذاهب العلمية مثل قاضي بغداد أبي بكر الباقلاني إمام أهل السنة في علم الكلام والقاضي إسماعيل البغدادي والقاضيين أبي بكر بن العربي وعياض من مالكية الأندلس والمغرب والقاضي أبي يعلى من الحنابلة والقاضي أبي الطيب من الشافعية.

وكثيرا ما يقترن اسم القاضي بمن اشتهر بالعدل وصناعة القضاء مثل القاضي شريح المشتهر بحكاياته في هذا المجال.

ومما لاشك فيه أن تحلية هؤلاء العلماء بالقضاء وشهرتهم على قدم العهد وطول المدى دليل قاطع وقرينة واضحة على أهمية منصب القضاء في قرية تنيكي واشتهار قضاتها في تلك العصور وما كان لهم من منزلة وصيت.

ومن جهة أخرى فإن من أقدم الشعراء المعروفين في موريتانيا محمد بن المسلم الديشفي وهو من أهل قرية تنيكي وقد عاش في القرن الثامن الهجري و له قصيدة في مدح قبيلة المحاجيب أهل ولاتة أوردها الطالب أبو بكر المحجوبي في "منح الرب الغفور" ومطلعها : إذا كنت جوالا على الأرض تبتغي *** منازل بعض الصالحين ذوي الذكر عليك بعثمان الفقيه ورهطه *** وإخوانه الغر الأكارم من فهر

وهي تعتبر من أقدم الشعر المحفوظ في موريتانيا.

وقد حفظ لنا التاريخ كذلك أسماء بعض المشائيخ والمتصوفة الذين عاشوا في قرية تنيكي مثل الشيخ سيدي محمد بن سيدي علي الكنتي الكبير (ت حوالي 820) والذي كان عالما كبيرا وصالحا زاهدا مربيا وقد كانت له صلة قوية بقرية تنيكي وكان يقطن بها في بعض الأحيان وقد ترجم له حفيده الشيخ سيدي المختار الكنتي وأثنى عليه بالعلم والصلاح وفيه يقول الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار رضي الله عنهما من أبيات له:

والوالد الجد الأعلى من ختمت به *** نظم العلوم ونشر السر أبداه

وكذلك ابنه الشيخ سيدي أحمد البكاي المتوفى سنة 920هـ الذي كان عالما صالحا مربيا. ومن المشائيخ والمتصوفة الذين عاشوا في قرية تنيكي كذلك المستحي من الله بن سيدي علي الذي عاش في القرن 8 الهجري قال عنه ابن حامد في موسوعته: "إنه كان فقيها صوفيا مربيا صاحب كرامات وسياحات" وهو الجد الأعلى للعلامة الكبير المختار بن بونا.

عرفنا إذا أن قرية تنيكي عرف ظهور جماعة من أوائل الشعراء والقضاة والمدرسين ومشائيخ التصوف المعروفين في هذا البلد وهذا ما يجعلنا في صورة الازدهار الثقافي والعلمي الذي عرفته.

ومن بين العلماء الذين عاشوا في قرية تنيكي وحفظ لنا التاريخ أسماؤهم نذكر الأسماء التالية: 1- سيدي المختار الدراوي بن يعقوب الجكني ولد بقرية تنيكي ونشأ بها ثم انتقل إلى وادي درعة واستقر به وقد كان عالما كبيرا فقيها محدثا وما تزال لدينا نسخة من صحيح البخاري كتبها بخطه وهي في غاية ما يكون من الحسن والتحرير والضبط.

2- سيدي المختار الشواف بن الطالب حبيب الله بن الوافي الجكني قال عنه ابن حامد: " كان علامة مشهورا بكراماته وبركاته. تهابه اللصوص وتخافه الأعداء. فلذلك طالبوه بتغيير علامة ماشيته ليتجنبوها. فغيرها إلى الورك الأيسر بدلا من شق الرقبة الأيمن".

3- أندكسعد التاشدبيتي (ت حوالي سنة 1040ه) عالم مشهور هاجر من تنيكي إلى منطقة القبلة التي اشتهر بها.

4- سيدي محمد المحجوب الجكني (ت 1102ه) ولد في قرية تنيكي ونشأ بها ثم حج وطلب العلم في المغرب وجاء ببعض الأسانيد والإجازات العلمية وأخذها عنه علماء شنقيط وتشيت وغيرهم.

ولعل في هذا ما يعطينا فكرة عن بعض ملامح التاريخ الثقافي لقرية تنيكي وهي معطيات كانت مجهولة إلى وقت قريب.

نهاية قرية تنيكي شهدت قرية تنيكي في أوائل القرن الحادي عشر قلاقل واضطرابات أدت إلى نزوح سكانها واندثارها بالكامل وكان خرابها حوالي سنة 1055 هـ حسب رواية العلامة محمد عبد الله بن الإمام رحمه الله التي تؤيدها قرائن عديدة.

خربت قرية تنيكي وهاجر سكانها إلى مختلف مناطق موريتانيا وهاجر بعضهم إلى المغرب والجزائر ومالي والسينكال ولكنهم مع ذلك ظلوا متشبثين بالانتماء إلى هذه القرية فهي في الحقيقة رمز وحدتهم وأصالتهم.

خربت تنيكي كما خربت بغداد والقدس وكما نكبت مدن الأندلس وقد رثاها الشاعر عبد الرحمن بن أفلواط بن محمد ُّ رحمه الله تعلى بأبيات يصور فيها هول الفاجعة ويبين أنها كانت نتيجة صراع أهلي بين ساكني القرية فقال: تينگي قومي بإذن الله قائمة *** قد ينشر الله أقواما وإن ماتوا فالله أفناك يوما لا مرد له *** وسوف يحيك والأيام تارات ذووك أقوام حرب خربوك بها *** فالشمل منك بأيدي القوم أشتات أيديهم قطعتْ أيديهم سفها *** لا عار ما لعدو فيك إشمات

أما العلامة محمد المختار بن الأمين بن المختار (تـ حوالي سنة 1250هـ) فقد خلد ذكر قرية تنيكي في قصيدة قالها وهو في المغرب أثناء رحلته إلى الحج حيث سأله بعض المغاربة عن موطنه ومن أي قرية هو بعد قرون من خرابها فأجاب قائلا: ما للغرائب نصب عين الواني *** بل من تغرب نازح الأوطان لا غرو إلا ما يسائل صاحبي *** مستخبري هل لي من العمران فإذا سألت سعيد عني إنني *** من معشر غر ذوي تيجان لم أستطب شنقيط يوما لا ولم أك *** قاطنا بالشم من وادان تشيت لم تك من منازلنا ولا *** بولاتة القصوى وقيت الشاني أ أخا السعادة والجديد إلى البلى *** مصري تنيكي الشامخ الأركان قصر مشيد كان محترما لنا *** فيما مضى من غابر الأزمان والآن نحتل الصحاري بعدما *** ألوى الزمانبغصنهالفينان