سورة الذاريات

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث


[[{{{سابق}}}|→]]   سورة الذاريات   [[{{{لاحق}}}|←]]
الترتيب في القرآن 51
عدد الآيات 60
عدد الكلمات 360
عدد الحروف 1510
الجزء {{{جزء}}}
الحزب {{{حزب}}}
النزول مكية
نص سورة الذاريات في ويكي مصدر
السورة بالرسم العثماني
بوابة القرآن الكريم

محتويات

تفسير سيد قطب[عدل]

هذه السورة ذات جو خاص، فهي تبدأ بذكر قوى أربعة..من أمر الله.. في لفظ مبهم الدلاله ،يوقع في الحس لأول وهلة أنه أمام أمور ذات سر، يقسم الله - الله – على أمر : (والذريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرا. إن ما توعدون لصادق ، وإن الدين لواقع).. والذريات.. والحاملات. والمقسمات..مدلولاتها ليست متعارفة.

وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى يعقبه قسم آخر بالسماء : (والسماء ذات الحبك) يقسم بها الله على أمر : (إنكم لفي قول مختلف)..لااستقرار ولا تناسق فيه، قائم على التخرصات والظنون، لا على العلم واليقين..

هذه السورة بافتتاحها على هذا النحو، ثم بسياقها كله..ربط القلب البشري بالسماء، وتعليقه يغيب الله المكنون، وتخليصه من أوهاق الأرض، وإطلاقه من كل عائق يحول بينه وبين التجرد لعبادة الله، والانطلاق إليه جملة، والفرار إليه كلية، استجابة لقوله في السورة : (ففروا إلى الله).. وتحقيقاً لإرادته في عباده : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)

ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقد عني في هذه السورة بإطلاق الحس من إساره، وتطمين النفس من جهته، وتعليق القلب بالسماء في شأنه، لا بالأرض وأسبابها القريبه. وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها إما مباشرة كقوله : (وفي السماء رزقكم وما توعدون).. (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)..وإما تعريضاً كقوله بصور حال عباده المتقين مع المال : (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)..ووصفه لجود إبراهيم وسخائه وهو يقرى ضيوفه القلائل – أو من حسبهم ضيوفه من الملائكة بعجل سمين، يسارع به عقب وفودهم إليه، وبمجرد إلقاء السلام عليه، وهو لم يعرفهم إلا منذ لحظة.

فتخليص القلب من أوهاق الأرض، وإطلاقه من إسار الرزق ، وتعليقه بالسماء، ترف أشواقه حولها، ويتطلع إلى خالقها في علاه، بلا عائق يحول بينه وبين الانطلاق، ويعوقه عن الفرار إلى الله. هو محور السورة بكل موضوعاتها وقضاياها التي تطرقها. ومن ثم كان هذا الافتتاح، وكان ذلك الإيقاع الغامض في أولها، وكان القسم بعده بالسماء، وكان تكرار الإشارة إلى السماء أيضاً..

وفي هذا كانت صورة المتقين التي يرسمها في مطلع السورة : (إن المتقين في جنات وعيون. آخدين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا من قبل ذلك محسنين. كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم).. فهي صورة التطلع إلى الله، والتجرد له، والقيام في عبادته بالليل، والتوجه إليه في الأسحار. مع إرخاص المال، والتخلص من ضغطه، وجعل نصيب للسائل والمحروم حقاً فيه.

وفي هذا كان التوجيه إلى آيات الله في الأرض وفي الأنفس مع تعليق القلوب بالسماء بشأن الرزق، لا بالأرض وما فيها من أسبابه القريبة : (وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون. وفي السماء رزقكم وما توعدون)

وفي هذا كانت الإشارة إلى بناء الله للسماء على سعة، وتمهيده للأرض في يسر، وخلقه ما فيها من أزواج والتعقيب على هذا كله بالفرار إلى الله : (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون. ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)..

وفي هذا الإيقاع الأخير البارز في السورة، عن إرادة الله سبحانه في خلق الجن والأنس، ووظيفتهما الرئيسية الأولى : (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)..

فهو إيقاع واحد مطرد. ذو نغمات متعددة. ولكنها كلها تؤلف ذلك الإيقاع ، وتطلق ذلك الحداء. الحداء بالقلب البشري إلى السماء !

وقد وردت إشارات سريعة إلى حلقة من قصة إبراهيم ولوط، وقصة موسى، وقصة عاد، وقصة ثمود وقصة نوح. وفي الإشارة إلى قصة إبراهيم تلك اللمحة عن المال، كما أن فيها لمحة عن الغيب المكنون في تبشيره بغلام عليم، ورزقه وامراته به على غير ما توقع ولاانتظار. وفي بقية القصص إشارة إلى تصديق وعد الله الذي أقسم عليه في أول السورة : (إن ما توعدون لصادق) والذي أشار في ختامها إنذاراً للمشركين : (فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون).. بعد ما ذكر أن أجيال المكذبين كأنما تواصت به ؟ بل هم قوم طاغون !)

فالقصص في السورة – على هذا النحو مرتبط بموضوعاتها الأصيل. وهو تجريد القلب لعبادة الله، وتخليصه من جميع العوائق، ووصله بالسماء. بالإيمان أولاً واليقين. ثم يرفع الحواجز والشواغل دون الرفرفة والانطلاق إلى ذلك الأفق الكريم.

معنى كلمة : " أوهاق " وقد ذكرت في السورة كثيرا " أوهاق الأرض " وهى من المعجم الوسيط : وَهَقَ الشيءَ عنه ـِ (يَهِقُه) وَهْقاً: حبسه. فهو مَوْهوقٌ. وـ فلاناً: جعل الوَهَقَ في عنقه وأَعلقَه به. وـ البعيرُ البعيرَ: مدَّ كلُّ واحدٍ منهما عنقه في السير وبارى الآخر. (أَوْهَقَ) الدّابّة: طرح في عنقها الوهق. (وَاهَقَهُ): باراه في عمله. ويقال: واهقت الناقة الناقة. (تَوَاهَقَ) الرَّجُلان: تباريا. وـ الرِّكاب: مدَّت أعناقها في السَّير وتبارت فيه. (الوَهَْقُ): الحبل في أحد طرفيه أُنشوطة يُطْرح في عنق الدّابّة والإنسان حتى يؤخذ. (ج) أوهاق.

المصدر : سيد قطب.

تفسير عمراني أحمد[عدل]

فكرة النص العامة[عدل]

يبدأ النص أولا بذكر قَسَمٍ وموضوع هذا القَسَمِ يتطابق مع الشيء الذي من أجله أقسم صاحب النص ثم يردف بذكر اختلاف الناس في أمر حصول الرزق ويبين فرقتين من الناس : الخراصين والمحسنين، ثم يذهب إلى الاستدلال على صحة قوله من خلال ذكر قصص تاريخية ثم الرجوع إلى التأكيد على أن الله لا يريد رزقا من العباد ولكن الرزق يتحرك بين العباد أي بين الأغنياء والفقراء. ثم يتوعد الذين يمنعون حركة الرزق بين الناس أي الخراصين.

اسم السورة[عدل]

إن حاولنا أن نطلق مرادفا على كلمة الذاريات فإننا نستعمل كلمة هواء لما فيه من حركة إن كانت قوية صارت ريحا فهي تفسد وإن كانت خفيفة صارت ذارية وإن كانت محملة فهي حاملة وإن كان الشيء لا هواء فيه كالحجارة والطين فهو سوء. في الهواء حركة وهي حركة المحسن بين الأغنياء وبين الفقراء، لكن عدم وجود حركة الرزق بين الفقراء والأغنياء فهي سوء. هذه السورة تدعو إلى الحركة من قلة النوم وحركة القلب بمحاسبة نفسه وحركة الانفاق على المساكين. التفسير

{ وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً }* { فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً }* { فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً }* { فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً }[عدل]

أقسم صاحب النص بالذاريات وهي الرياح التي تذرو السحاب أو الغيوم، وبالحاملات وهي أيضا الرياح التي تحمل الغيوم المحملة بالأمطار، وبالمقسمات وهي الرياح أيضا التي تقسّم الغيوم.

{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ } * { وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٱقِعٌ }[عدل]

الشيء الذي توعدونه صادق أي الرزق، أي بما أن الرياح موجودة وتعمل عملها بدفع الغيوم وتقسيم الأمطار فهذا دليل على وقوع الرزق. كلمة الدين يجب شرحها في هذا السياق بمعنى جديد. فعادة ما نقول إنها تدل على يوم الآخرة أو يوم الحساب لكننا لن نأخذ بهذا المعنى في هذا السياق. يوم الدين هو يوم وقوع الحساب في هذه الدنيا وفي هذا السياق الأمر بيّن، هو وقوع الأمطار التي تغذي المحاصيل في المدينة وتغذي بالتالي التجار بالمحاصيل وتغذي الحرفيين بأدوات العمل وبالتجار أو بالمستهلكين. أي أن يوم الدين هو يوم آخرة التعب أو العمل في حياتنا اليومية، فآخرة التاجر هي يوم يبيع بضاعته أو تفسد له، وآخرة الفلاح هي يوم يحصّل منتوجه أو لا يحصّله لأنه هزيل، وآخرة الحرفي هي يوم يبيع منتوجه أو يكسد له ويفسد. هناك علاقة سببية بين القَسَم والشيء الذي يأتي بعده، أي بين الرياح وبين الرزق الذي يحصل بالرياح وبالأمطار التي تحملها هذه الرياح.

{ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } * { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } * { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ }[عدل]

ثم أقسم ثانية بالسماء ذات الحبك وهي الطرق أي مسارات الريح المختلفة أو المسارات التي تصنعها السحب بفعل الريح. مثل الرمل أو الماء الذي تضربه الريح فيصنع تمَوُّجات صغيرة. فهذه الطرق أو المسارات الكبيرة الموجودة في السماء تشبه اختلاف آراء الناس حول مسألة الرزق والشك فيه. فبعضهم يؤفك أي يصد ويصرف عما يقوله صاحب النص حول مسألة الرزق. هنالك علاقة سببية بين القسم وبين الشيء الذي يأتي بعده، أي بين السماء التي فيها الكثير من الطرق والسبل التي صنعتها الريح في السحب وبين اختلاف الناس في التصديق والتيقن فبعضهم يختار طريق التشكيك والبعض يختار طريق اتقاء الشك (وهو معنى كلمة المتقين في النص).

{ قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ } * { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ } * { يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ } * { يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } * { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ }[عدل]

فليصمت الخرّاصون. لم نجد هذه الكلمة مكررة في القرآن. وهذا ما يطلق عليه اللغويون هاباكس لغوي «hapax linguistique» أي أن كلمة ترد مرة واحدة في نص وهي غير متداولة فيصعب معناها. لكن لحسن الحظ فعل هذه الكلمة قد تكرر في سورة الأنعام، 116 و148 وفي سورة يونس، 66 وفي سورة الزخرف، 20. وفي هذه الآيات نجد أنّ هذا الفعل قد ذكر بعد الشك والظن أي عدم وجود اليقين والاعتقاد في الشيء. فمثلا نذكر «إن يتبعون إلا الظن وإن هم يخرصون» الأنعام، 116 ؛ «ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون» الزخرف، 20.والخراصون هم الذين يقدرون المحاصيل والأرزاق جزافا. ويشُكّون في يوم الدين وهو يوم وقوع الرزق وحصوله لأنهم متأكدون بوقوع رزق قليل فلا يؤمنون بالرزق الوفير الذي ينبئ به صاحب النص. ثم يسألون متى سيقع هذا الرزق. فالخرّاصون الذين يشككون في وقوع الرزق ولا يؤمنون بحصول رزق وفير (أي قاطعي الأمل) فسيلقون ما يتمنون وهو رزق قليل ومحصول زهيد بل محصولهم لِقِلَّتِه ستأكُلُه النار أي نار الشمس المحرقة وبما أنهم سيكونون في المكان الذي حرثوه وهو مُعرّض لنار الشمس فإنهم سيُحْرَقون بنار هذه الشمس أيضا. لم نختر أن تكون نار يوم الآخرة كما يعرفها علماء الدين بل هي نار الشمس الملتهبة ونار الرمل المحرقة. فالأرض التي لم تنبت ولم تسقط فيها الأمطار في الصحراء هي عرضة لِحَرَّيِّ الشمس والرمل وكل واقفٍ فيها فهو كالمحروق المُنتصِب بين نارين، وهذا هو الذي دلت عليه الآية. هذا دليل أول على أن المقصود هو نار الحياة الدنيا والدليل الثاني هو ما سيأتي في الأمثلة التالية فكل أنواع العذاب التي سلطت على الأقوام التي رفضت المبشرين والمنذرين قد أصابها سوء دنيوي من حجارة من طين وصاعقة وريح عقيم وغرق في اليم. { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } * { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } * { وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } * { وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } في حين إن المتقين أي الذين اتقوا الشك والتقدير القليل أي أنهم أمنوا بوقوع رزق كبير وآمنوا بما أقسم به صاحب النص من رياح ذارية وحامِلة وجارِية ومُقسِّمة فسيكون لهم محصول قوي وأرضهم التي فلحوها ستكون جنة فيها عيون الماء التي سقتها لهم الغيوم. سيكونون في نعيم المحصول الذي حصلوه لأنهم كانوا قبل وقوع الرزق من أهل الإحسان. وأهل الإحسان لهم صفات ثلاث : 1 - قلة النوم لأنهم يعملون كثيرا لتحصيل الرزق، 2 - وقلة الاعتقاد بأن عملهم كان كاملا. أي أنهم يستغفرون أن يكون عملهم هو وحده الذي يجلب الرزق، 3 – وأنهم يتصدقون على المساكين من السائلين أو الذين لا يسألون. وجه الشبه بين الريح التي ذكرها صاحب النص في بداية القسم وبين المتقين هو أن الريح تجلب الرزق أي الأمطار من مكان عامر بالماء إلى مكان قاحل منه فكذلك المتقي يجلب الرزق من مكان عامر به وهو الجنة (حقل الزرع) أو السوق ويقسمه على أهل الحاجة. فالمُحسن كالريح. هذا ما يدل على وحدة النص القرآني من بداية السورة حتى الآن. تكمن وحدة النص أيضا في كلامها على أهل الفلاحة وعناصر عملهم : الريح والأمطار والرزق ويوم الحصاد والحقول (الجنة) وعين الماء، والخرّاصين أي مُقدِّري المحاصيل الزراعية والبخلاء. يؤكد صاحب النص على المتقين ويوصي المُخاطَبين أن يكونوا منهم لأنهم إنسانيون ورافقون بالضعفاء وكرماء خلافا «للخرّاصين» الذين يقدرون رزقا قليلا قبل وقوعه فلا يَجْنون كثيرا ولا هم يتصدقون. يؤكد صاحب النص على اللُحْمة الاجتماعية لا على الأنانية الفردية. ويتنقل بنا صاحب النص في ذكره للمتيقن بين مراحل ثلاث : مرحلة المُتَيَقِّن من رزقه (المتقي أو الموقِن) الذي يسلك نهاره في العمل أي مع أقرانه من العاملين أو مع من هو أكثر منه مالا. ثم يظل مع نفسه ويحاسبها إن أخطأ أو تصرّف تصرفا لا يليق مع أهل حرفته وهذا هو الاستغفار. ثم لا ينسى الفقراء ويخالطهم. فالنص يؤكد على أن يكون الفرد همزة وصل بين الأغنياء والفقراء.

{ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } * { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } { وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } * { فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ }[عدل]

في الأرض عوامل وعناصر وعلامات تؤكد أن الزرق كائن وحاصل، وفي أنفسنا أيضا لأننا نعمل، وفي السماء أيضا لأن فيها الريح وفيها الغيوم التي أتينا على ذكرها آنفا. فهنا نرى وجود مكانين وعنصر أو عامل ورِهان أو هدف : الأرض والسماء هما مكانان. والعامل أو العنصر الذي يجمع بينهما هو الإنسان العامل. والرهان أو الهدف هو الرزق. فبما أنه فينا نحن الأفراد عناصر العمل من إرادة وجهد عضلي ويقين في الرزق، وفي الأرض عناصر فلاحتها من تراب وحبوب وأشجار وأحجار، وفي السماء عناصر أخرى من ريح وأمطار، فوقوع الرزق إذن أكيد ويقيني. فكلمة توعدون قد تكررت في الآية الخامسة وستتكرر في الآية الثانية والعشرين. فهذا دليل على وحدة النص وكلامه على نفس الموضوع، أي مسألة الرزق واليقين بوقوعه. في الآية تشبيه عميق بين يقين الرزق وحقيقة الكلام أو النطق. فلاهما واقع لكن ما وجه الشبه؟ النطق أو الكلام لا يحصل إلا بهواء أو ريح تنقله من مكان النطق وهو الفم إلى مكان السمع وهو الأذن. إذن عامل الريح مُهِمٌّ في النطق فهو ينقل الكلمة (الغيمة من مكان غني) إلى الأذن (مكان فقير). فهذا أيضا دليل على وحدة النص من بدايته حتى هذه الآية.

{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ }*{ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } { فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ }[عدل]

هنا تبدأ قصة لتؤكد ما قيل من قبل حول فكرة الخرّاصين (أو الشكاكين المرتابين) والذين يوقنون ويتقون الشك والظن. هذه القصة تتبعها قصص قصيرة أخرى تدور حول الموضوع نفسه. هنا في النص لم يذكر هوية الضيف أو الضيوف لكن المفسرين ذكروا أنهم من الملائكة. وهذا بعيد عن الفهم في سياق هذه السورة. لأن هناك تشبيه من جهة بين محمد الذي يبشر وينذر قومه وهو بشرٌ مثلهم، ومن جهة ثانية بين ضيف إبراهيم الذين بشروه ونبؤوه عن أهله وقوم قريبين منه. كما أن في الآيات اللاحقة نفس الشيء، فقد بُعث موسى لفرعون ونوح لقومه. فقبْل أن يعرف إبراهيم ما سبب مجيء الضيف قدم لهم الأكل وذبح لهم. فهو مثل المُحسنين الذين رأيناهم من قبل. كانوا قبل يوم الحصاد يتصدقون. فهو محسن بهذا المعنى المذكور في الآية السابقة. وكلمة منكَرون تدل على معنى عدم معرفتهم وأنهم غرباء عن المدينة. فالمحسن هنا، ليس فقط الذي يتصدق على أهل مدينته من الفقراء السائلين والفقراء الذين لا يسألون بل يتصدق على عابري السبيل أيضا. ولم يتصدق عليهم بأضعف أو أوسط ما يملك من دوابه بل ذبح لهم دابة سمينة. وهذه إحدى صفات الإحسان التي لم تذكر من قبل. ذكر النص صفة الضيف فقال عنهم إنهم مُكْرمون. كلمة مكرم ذكرت مرة أخرى في القرآن في سورة ياسين، 27. وهي صفة أطلقت على شخص بشّر وأنَْذَر مثل هؤلاء الضيوف الذين حضروا عند إبراهيم. الشخص المُكْرَم هو الذي يوقن وقوع الأشياء ولا يشكك فيها وينذر الآخرين بحصولها. صفة المكْرَم فيها وجهان : الوجه الأول أنه أُكِرم والوجه الثاني أنه أكرّم الذي تفضل عليه بأن بشره بالخير. ذكرت التوراة قصة ضيف إبراهيم في «سفر الخلق، الفصل 18». ويعني هذا أن الذين خاطبهم النص كانوا يعرفون هذه القصة.

{ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ } * { فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ } * { فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } * { قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } *[عدل]

عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا لا لأنهم ملائكة كما قال المفسرون ولكن لأن سياق النص يفرض فهما آخر. وهو أنهم كالرياح التي تحمل الغيوم وتقسمها على الأرض القاحلة وتذهب. ولا تأخذ شيئا مقابل ما عملته. فهذا حال الرسول أو المبشر أو المنذر، همُّهُ ليس في إرسال الرسالة أو البشرى أو النذير مقابل أجر، بل بدون أجر. بشروه أن يكون له غلام عليم. لا نعرف إن كان هذا الغلام سيكون له من صلبه أو قد سيتبناه ولا نعرف أيضا هل قد ولد أو لم يولد بعد. قال المفسرون إن الغلام وُلد وإبراهيم شيخ. وهو بعيد عن فهمنا الحالي للنص. لم يذكر النص موقف إبراهيم من البشارة والذي أُريدَ من خلال سكوت النص هو أن المحسن – إبراهيم –من الأشخاص الموقنين الذي لا يشككون في البشارات. لكن في مقابل هذا المحسن نجد زوجه التي صكت وجهها أي لطمته واستغربت البشارة ولم تؤمن بها والنص بإيجازه يدل على هذا : «كيف بامرأة عجوز عقيمة تلد أو يكون لها غلام وتربيه في سنها». من خلال موقف المرأة نجد ما وجدناه من قبل في النص : من جهة، يُمثِّل إبراهيم الموقنين وتمثل زوجه الخرّاصين الشكاكين في البشارة.

{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }*{ قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ }*{ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ }*{ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ }*{ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }*{ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }*{ وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ }[عدل]

ضيف إبراهيم هنا لهم بشارتان ونبؤتان : البشارة الأولى هي أن إبراهيم سيكون له غلام والنبوة الأولى الخاصة بزوجة إبراهيم التي أنكرت واستغربت حصول الغلام لم تتحقق أي أن زوجة إبراهيم لم تعذب لأنها كادت أن تنكر حصول الغلام. والبشارة الثانية هي أن مؤمني القوم سوف لن يمسهم العذاب. والنبوة الثانية هي أن القوم سيأخذهم العذاب. وجه الشبه بين عذاب القوم هنا هو أنه طبيعي أي حجارة من طين، وعذاب الخراصين في الآيات الآولى هو نار الشمس المحرقة. إن في كلمتي الحجارة والطين ما يدل على معرفة تامة بأمر الفلاحة لأن الحبوب لا تنبت في مكان فيه حجارة بل في التراب الخصب، كما أن الحبوب لا تنبت في أرض الطين لأن الهواء لا يدخلها مثلها مثل الحجارة. فربما كانت الأرض خصبة ثم صارت فيها حجارة وطين. كما يمكننا أن نفهم من حجارة الطين هي حجارة المنجانيقات أو ما يشبهها فهنا العذاب ليس من الطبيعة ولكنه من صنع الإنسان باستعمال عوامل طبيعية فيها الحجارة والطين. ثواب المحسنين أو الموقنين في المثال الأول هو الزيادة المادية في الدنيا أي جنات قد سقتها أمطار الريح وعيون قد غذتها هذه الأمطار وفي هذا المثال هو إعطاء غلام عليم لإبراهيم. كلمة مسرفين فيها بعض الإشكال لأن الإسراف الذي نعرفه اليوم في اللغة العربية هو التبذير لكن هذا المعنى لا يتطابق مع وِحدة النص. فالإسراف هو دليل على وجود المال والرزق لكن السورة تتناول كيفية البحث عن الرزق وازدهاره. فهذا التبذير لا نأخذ به لفهم هذه الآية ولكننا بعد رؤية معنى كلمة سرف في قاموس «لسان العرب» وجدنا ما قد يقربنا من موضوع وحدة السورة. فمن معاني كلمة سرف هي العجلة أي أن الذين لا يوقنون بالبشرى يقولون للمبشر عجّل لنا بالعذاب إن كنت صادق. وهذا هو الذي رأيناه في الآية 12 من هذه السورة وسنراه في الآية 59. والمعنى الثاني القريب من موضوع هذه السورة هو أن السرف هو الجهل. أي أن القوم جهلوا حقيقة البشرى ولم يصدقوها. والمعنى الثالث لكلمة سرف هو العراء والفقر والتجريد. لهذا نقول في اللغة «شجرة مسروفة» أي أن دويبة السرفة الصغيرة قد أكلت أوراقها. وهذا المعنى يتطابق أيضا مع معنى الآية لأن إبراهيم كان كريما وذبح العجل السمين عكس القوم المسرفين أي الذين أظهروا العراء والفقر فلم يقدموا للضيوف (الرسل) أكلا. لذلك استحقوا العذاب. وبهذا المعنى يكون معنى الفعل في الآية هو بخِل. والمسرف هو البخيل عكس المحسن الذي ينفق كما رأيناه في الآية السابقة.

{وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}*{فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}*{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ}[عدل]

وفي هذا المثال الثالث نرى قصة ثانية بين شخصين، بين المبشّر والمنذر وهو موسى وبين المتلقي وهو فرعون. جاء موسى ببرهان وبنبأ بيّن واضح قاطع لكن فرعون رأى في هذه النبوة إما سِحرا أو جنونا في موسى. فهو كالخرّاص الذي صرف فكره عن وقوع حقيقة الرزق. لم يذكر النص هنا ما حقيقة النبوة التي جاء بها موسى وما الشيء الذي شك فيه فرعون ورفضه. لكنه أفصح عن العذاب الذي وقع له جراء رفضه التصديق وهو عذاب من الطبيعة وهو يشبه العذابين السابقين لكنه يختلف عنهما في النوعية، فالأول هو حر الشمس وأصله النار والثاني هو الحجارة وأصلها التراب والثالث هو اليم أي البحر وأصله الماء. الشيء الشبيه بين المثال الثاني والثالث هو عكس المثال الأول. في المثال الأول أُحرِق الخراصون لأنهم لم يعتقدوا في وقوع الرزق ولم يتصدقوا مثل المحسنين فأحرقت الشمس أولا زروعهم ثم لذعتهم. أما المثال الثاني فقد عُذِب القوم لأنهم كانوا مسرفين أي كانوا بخلاء وهو حال فرعون أيضا. حتى وإن لم تذكر الآية بخل فرعون فإن هذه الصفة قد تكون مرادة لأنها قد ذكرت في المثال السابق. وبما أن كل القصص في هذه السورة تدور حول نفس الموضوع فطبيعة الأشخاص الخرّاصين تتشابه، وطبيعة الأشخاص الموقنين تتشابه أيضا، والمبشرين أيضا.

{ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } * { مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ } * { وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ } * { فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ } * { فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ } *[عدل]

إن كانت الأمثلة السابقة قد بدأت بمبشرين وهما أولا ضيف إبراهيم ثم موسى، فإن النص هنا لم يذكر اسم المبشرين بل اكتفى بذكر القوم الرافضين البشرى أو النذير. فذكر أولا قوم عاد وعذابهم بالريح وهو عذاب من الطبيعة مثل نار الشمس وحجارة الطين وماء اليم. فقد اكتملت هنا العناصر الأربعة التي كان القدماء يعرفونها: الماء والأرض والهواء والنار. بقيت الآن الصاعقة وهي اجتماع العناصر الأربعة: فهي تتكون في الهواء مع الغيوم المحملة بالماء ثم تسقط على الأرض أي التراب فتحدث حريقا أي نارا. فلا يمكننا أن نتكلم عن صاعقة إن لم تمس الأرض. تكلم النص عن تمتع ثمود لمدة، وهذه الإشارة هي ما ستذكره الآية 54. أي أن المبشر لا يجب أن ييأس من رفض القوم التصديق وبخلهم. فالصاعقة التي أخذت ثمود وهم ينظرون نفهم منها أنها لم تخسف بهم بل بحصادهم لأنهم كانوا ينظرون إلى حريق الحصاد. فلم يستطيعوا القيام بحفظ المحصول ولم ينتصروا على الحريق. وهو نفس الشيء مع قوم عاد فالريح العقيم هي الريح الذي لا مطر فيه فيضرب المحصول الزراعي فيجفه ولا يغذيه فيصير رمادا ورميما.

{ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ }[عدل]

عن ابن منظور في لسان العرب : الفاسق هو الخارج والمخَّرِب، وقد ذَكر أيضا الفويسقة وهي الفأرة التي تخرج من جحرها وتخرّب المحاصيل. فقوم نوح قد خرجوا من عاداتهم القديمة وصاروا يفسدون نظامهم القائم على المساعدة ومناصرة الفقراء.

{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } * { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } *[عدل]

بعدما ذكر النص الأمثلة الخاصة بالخراصين وضيف إبراهيم ونذير موسى وعذاب قوم عاد وثمود ونوح رجع إلى ما بدأه من أمر الرزق ومن يشك فيه فقال صاحب النص عن المكانين الذين ذكرهما من قبل وهما السماء والأرض إن الأرض التي تحمل المحاصيل واسعة ومفروشة ممهدة سهلة الفلاحة والسماء واسعة تحمل الكثير من الأمطار والرياح.(وانا لموسعون اي استمرارية التوسعة للسماء ,اي ان السماء في توسع مستمر غير منتهي )

{ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } *[عدل]

الزوجان في الآية يدلان على الوظيفتين اللتين لكل عنصر من عناصر الطبيعة : فعنصر الماء له دور إيجابي وهو سقي المحاصيل لكنه قد استعمل في إغراق فرعون وجنوده، وعنصر الرياح يحمل الغيوم وقد جعلت محاصيل قوم عاد رميما، ومن التراب يخرج الزرع وقد عذب قوم إبراهيم بحجارة الطين التي منشؤها من التراب، والنار بها تخرج المحاصيل وبها تحرق أيضا في حالة الخرّاصين. أي لا تنسوا أنّ الشيء الذي نغذيكم به قد نعذبكم به. والشيء الذي تظنون أنه ينفعكم قد يضركم. فهذا هو التذكير أو التذكُّر.

{ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } { كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } * { أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ }[عدل]

الله هو صاحب البشارة وهو الذي أرسل المبشر بالبشارة وبالنذير، فالمبشر يأمر قومه أن يفروا إلى الإيقان ببشارة الله وأن يكونوا محسنين حتى يحصل لهم الرزق وإلا أصاب محاصيلهم القلة والسوء كما بيّن ذلك في القصص السابقة. ويطلب منهم أن لا يجعلوا مع إله البشارة إله أخر يعني إله اليأس وعدم الثقة في حصول الرزق. فالنص في هذه الآية التي يذكر فيها إلهين يذكرنا بالطرق الموجودة في السماء في الآيتين 7 و8 حول اختلاف الناس بين من يعتقد في حصول الرزق وهو الذي يعتقد في الله والذي لا يعتقد في حصوله وهو الخراص الذي يعتقد في إله أخر لا يجلب له إلا السوء وقلة المحاصيل. فهذا ما يدل على وحدة النص من بدايته حتى الآن وأنه يدور حول قسمين من الناس واعتقادين، وسلوك الناس أمام المبشر لإله الرزق. فقال صاحب النص إن الرسول هو نذير مبين أي أن الأمثلة والقصص التي ذكرها برهان قاطع بيّن على ما يقوله، والآيات أو العناصر التي ذكرها والتي تعرفونها عن سعة السماء والأرض ووجود الرياح والأمطار ووجود في مقابل ذلك النار والريح والماء المغرق والحجارة أدلة أيضا بينة على صدق قوله. هل تواصوا أي اتفقوا على الأمر وهو عدم سماع رسالة المبشر والنذير، ذلك لأنهم قوم طاغون أي لا يرفقون بالمساكين والمحرومين. قد اُتهمت الرسل بالجنون وبالسحر في هذه السورة وهو ما قاله فرعون لموسى في الآية 39. وهو الذي قيل لعيسى في إنجيل مرقس، 3 – 21. وهذا يعني أن النص أراد أن يبين للمخاطبين من أهل الكتاب وهم النصارى بأنه على علم بكتابهم وما قيل في نبيهم.

{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ } * { وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } *[عدل]

يرجع النص القرآني لمخاطبة المبشر فيصرف وجهه عن الذين لا يصدقون الذين يؤمنون بالبشرى. فيقول له إنه مثل الريح لا لوم عليها بعد أن تُقسّم الأمطار ولا لوم على ضيف إبراهيم الذين بشروا وعذبوا. استُعمل هنا الفعل المزيد «ذكّر» أي لما فيه من التكرار والمضاعفة. وهذا ما نراه أيضا في هذه السورة من التكرار حول نفس العبرة ونفس الموضوع : نرى التكرار بين قصة موسى وقصة إبراهيم وحالة الخراصين. فالنص يقول : كما أن صاحب النص يكرر الأمثلة في نصه فكرر أنت أيها المبشر عملك وبشارتك إلى الذين يؤمنون بك. أي إن لم يسمع خطابك الأغنياء فردّده على الفقراء المساكين. صورة الد

{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } * { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } * { إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } *[عدل]

فيذكّر بني الإنسان أنهم مثل الجن خلقهم صاحب الخطاب ليعبدوه أي في سياق النص أن يوقنوا أن ما يقوله فيما يتعلق بالرزق أمر يقيني. وأن لا يخافوا على رزقهم من الله لأنه لا يطلب منهم أن يرجعوه له ويطعمونه بل إن الرزق منه وهو الذي يعطيه.

{ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } * { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ }[عدل]

أي أن الذين لم يسمعوا كلام المبشر حول مسألة الرزق قد أخطأوا مثل الذين سبقوهم وقد ذُكِرت قصصهم في السورة. وقد كانوا استعجلوا وأسرفوا في أمر وقوع السوء لمحاصيلهم. إن الذين رفضوا أن يوقنوا في مسألة الرزق وحصوله فإن يوم وقوع السوء على محاصيلهم موعود ويقيني.

خلاصة[عدل]

بعدما وضعنا حجر الأساس لفهم هذه السورة وتوقفنا عند حدود فهمها الأولى، نود الآن النظر إلى السورة بكاملها. أولا يجب التذكير أننا فرضنا أن السورة نزلت مرة واحدة وكل آياتها تنتمي إلى نفس الزمن التاريخي وبالتالي كل آياتها تتعلق بنفس الموضوع وتكوّن بذلك وحدة واحدة. ==أسباب النزول == السورة مدنية وليست مكية كما قال كل المفسرين من مسلمين وغربيين في العصر الحالي. وهذا لسببين : يتمثل الأول في أن الآيات الأولى تتطرق لموضوع الفلاحة والزراعة والأمطار والرياح. نعلم أن مكة ليست بمدينة زراعية ولا واحات فيها، أما المدينة فبلى. إذن الخطاب كان موجها لفلاحين ومزارعين يعرفون أنواع الرياح التي تجلب الأمطار والتي تضر المحاصيل. ويتمثل السبب الثاني في أن البراهين التي ذكرت حول موضوع الرزق كانت تدور حول قصص الأنبياء من بينهم إبراهيم وموسى ونوح ثم بشكل غير مباشر إنجيل مرقس. ونعلم أن الخطاب إذا استَعمَل براهين فإنه يذكر تلك التي يعرفها المخاطَب والتي تكون بيّنة له لكي يقتنع بالخطاب. إذن الخطاب كان موجّها لأناس يعرفون الكتب القديمة من توراة وإنجيل، ونعلم أن هاتين الديانتين لم تكونا في مكة بل في المدينة. إذن كان الخطاب في زمن وصول الرسول إلى المدينة. إذا قبلنا بأن السورة مدنية، فيجب أن نتطرق إلى تحديد زمني أكثر دقة إن أمكن ذلك. نعلم أن الرسول عندما وصل إلى المدينة كان مستضعفا فقيرا هو وأصحابه المكيين المهاجرين. فخطابه من خلال السورة هو أن يحسن إليه أغنياء المدينة وأن ينفقوا من رزقهم على مساكين المدينة ومحروميها من المهاجرين. وبهذا يكون نزول السورة في السنوات الأولى التي لحقت وصول الرسول إلى المدينة وقبيل بداية الغزوات. إن الخطاب لم يتوجه للفرد ولكن للمجموعة فقليلا ما نجد صفة لفرد سواء من أصحاب الخير أو من أصحاب الشر فنورد مثلا : المحسنين، المؤمنين، المسلمين، الخراصين، المسرفين، الطاغين، إلخ. فالخطاب موجه إلى مجتمع قبلي قائم على المجموعة لا على الفرد. تركيبة النص : كما في باقي السور وفي هذه السورة التي بين أيدينا نرى أن فواصل الآيات (أي ما يشبه السجع في النصوص المنثورة) ليست واحدة من بداية السورة إلى نهايتها. بل هناك تغيرا وحركة بين حروف الفواصل. قام شعر العرب – على الأقل – ذلك الذي عُرف في زمن الرسول على قصائد ذات روي واحد لا يتبدل من بداية القصيدة إلى نهايتها. لكن نرى أن القرآن بُني على كسر هذه الطريقة. من خلال هذه السورة ومن خلال موضوعها الذي يتناول قضية الحركية في المواضيع الموجودة في الآيات من رياح ورزق ورسل وأمطار فإن القرآن بُنِي على هذه الحركية والتنويع بين حروف الفواصل. فكما أن براهينه متنوعة وفي حركية دائمة من قصص وأدلة من الطبيعة ومن الفلسفة – هذا موضوع سنراه فيما قريب عن العناصر الأربعة – فهو يستنجد بحركية الوَقْع في الفواصل.

البراهين[عدل]

===أ - طبيعية === الناس الذين خوطبوا بهذا النص هم ناس عاشوا بين الطبيعة وفي وسط واحة تظلها سماء واسعة وتدور حولها أرض شاسعة وعوامل الطبيعة تؤثر كثيرا على حياتهم. فهم في تواصل دائم معها. لهذا نجد أن النص مليء بهذه العناصر التي يعرفها هؤلاء الناس. نجد كل أنواع الرياح : الذارية، والحاملة، والجارية، والمقسمة، والريح العقيم، ويعرفون حَرَّي الشمس والرمل، ويعرفون أن الطين ليست بخصبة. بما أن معيشتهم مرتبطة بهذه العناصر فقد حدثهم عنها ليلفت انتباههم لما يقول لهم من خطاب. ===ب - تاريخية === قد ورد في النص عدة قصص منها ما هو مذكور في كتب اليهود والنصارى من قصص إبراهيم وموسى ونوح ومنها ما هو معروف بالتأكيد في الذاكرة الشفوية لسكان هذه الواحة حول قوم عاد وثمود. فبما أن المخاطبين كانوا يعرفون هذه القصص فإن صاحب النص قد استدل بها ليؤكد صحة ما يرمي إليه خطابه. وبما أن قصص الأنبياء الثلاثة كانت معروفة عند أهل الكتاب فإنه يمكننا أن نقول ونحن شبه متأكدين أن المُخاطَبين كانوا من أغنياء اليهود والنصارى من مدينة يثرب. والشيء اللافت للانتباه هو أن محمدا كان يعرِف ما احتوته كتبهم. ===ج - فلسفية === رأينا في أنواع العذاب التي سلطت على الأقوام السابقة أنها تدور حول خمسة أشكال : النار للخراصين ثم حجارة الطين التي أصلها تراب لقوم قِريبين من مسكن إبراهيم ثم الغرق في اليم الذي هو من الماء لفرعون وجنوده ثم الريح لقوم عاد ثم الصاعقة لقوم ثمود وهذه الصاعقة- كما شرحناها في النص- تجمع كل العناصر السابقة. الشيء الذي يمكن إضافته إلى استعمال النص لهذه العناصر هو أنّ الرسول محمدا كان على علم بالعناصر الأربعة التي تكوّن العالم وهي التي عرفها الإغريق وغيرهم من أمم العالم وهي : النار والهواء والتراب والماء. إن العرب الذين يسكنون المدينة كانوا على علم بهذه العناصر إما من مخالطتهم الأمم القديمة من إغريق ولاتينيين أو أن النصارى واليهود الذي فروا من قهر السلطات الرومانية في بلاد الشام قد أووا بمعارفهم إلى بادية العرب وتحدثوا بمعارفهم أمام العرب. وهذا الذي جعل العرب عالِمة بما تكلمت به الأمم عن العناصر الأربعة المكوّنة للعالم. ما يمكن إضافته إلى هذا القول الفلسفي الموجود في واحة صحراوية في القرن السابع هو أن الإغريق عرفوا العنصر الخامس وسموه إيثر «Ether» وهو من حصول توافق بين الهواء والنار. ونعلم أن الصاعقة قبل العلم الحديث أنها تتكون في السماء. وفي السماء مسكن عنصري الهواء والنار. أي نار الشمس. فإن كان الأمر كذلك فإن الترجمة أو الصيغة العربية في زمن الرسول للعنصر الخامس هي «الصاعقة». إن سلمنا بصحة هذا القول فإن الآيات التالية ذكرها سيكون تفسيرها بهذا الشكل : «{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } * { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } * { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } » بين السماء الواسعة والأرض الممدودة يوجد العناصر الخمسة المكونة للأشياء والتي هي أصلها. ونعلم أن الأقدمين قد ذكروا أن العناصر تكون زوجين زوجين. على سبيل المثال وهو قول أرسطو: إن النار يابسة وحارة، والهواء حار ورطب، والماء رطب وبارد،، والأرض باردة ويابسة (انظر كتاب أرسطو في الكون والفساد) وهو توافق كبير بين الآية وقول أرسطو. إذ يجب فقط وضع كلمة «شيء» مكان كلمة «عنصر». فيصير معنى الآية : وكل عنصر أو شيء له زوجان يكونانه. هذا ما يدل على أن في بادية العرب كان هناك فلاسفة يعرفون أرسطو وفلسفته وهو ما حافظ عليه القران في هذه السورة. إلا نرى في جملة « لعلكم تذكرون» دعوة إلى المخاطَبين بأن يتذكروا معرفة أو عِلما سائدا بينهم. والسؤال الذي يتبادل إلى الذهن هو ما الشيء الذي أضافه وما الذي اختلف بين تقديم أرسطو الذي نعرفه الآن عن العناصر الأربعة وتقديم النص القرآني؟ هناك ثلاثة أشياء : يكمن الأول في الترتيب، أي أن أرسطو رتب العناصر الأربعة بدأ بالنار ثم الهواء ثم الماء ثم الأرض. لكن في نص السورة نجد أولا النار ثم الأرض ثم الماء ثم الهواء ثم الصاعقة. ويكمن الشيء الثاني في المصطلح وهو أن الخطاب القرآني لم يستعمل المصطلحات التي يتداولها الفلاسفة، فقد ذكر فقط حالها في الطبيعة : النار، حجارة الطين، اليم، الريح، الصاعقة وكلمة «شيء» بدل «عنصر». ويكمن الشيء الثالث في الحيادية وهو أن عناصر العالم الخمسة عند الفلاسفة موضوعية وحيادية بينما في السورة هي وسائل عذاب وسوء أي أنها أخذت بجانبها السلبي. ===سؤال آخر يطرح نفسه=== : ما الحاجة إلى الاستنجاد بفلسفة أرسطو في هذه السورة ؟ يبدو أن كتاب أرسطو حول «الكون والفساد» يبين كيفية صلاح العالم من خلال توافق عناصره وامتزاجها، فبما أن العالم متجانس ومتوافق بفضل عناصره فيجب على المجتمع الإنساني أن يكون مثله. فإن رفض البشر حركية الرزق بين الأغنياء والفقراء (وهو ما يريده النبي المهاجر الفقير من أغنياء يثرب) فإن عناصر العالم ستتحرك وتصيب الأغنياء بسوء وهذا هو الذي حصل مع الأمثلة التي ذكرها في القصص. أي أنه يجب أن يكون توافقا بين عناصر الطبيعة وعناصر المجتمع. لأن المجتمع الإنساني هو جزء من الطبيعة.

خلاصة الخلاصة[عدل]

النص يدعو إلى الحركة ويذم التوقف أو إيقاف الحركة. ومسار الحركة هو من مكان عامر غني إلى آخر فقير فارغ. مثل حال الرياح الحاملة للأمطار، وحال المحسن الذي ينقل الرزق إلى الفقراء، وحال النطق الذي يصدر من الفم فيبلغ الأذن، وحال إبراهيم الذي أكرم الضيف. في مقابل ذلك يذم إيقاف الحركة وهو حال الخراصين المدخرين الرزق، وحال قوم إبراهيم المسرفين البخلاء وحال أقوام موسى ونوح وعاد وثمود. فجزاء إيقاف حركة الرزق هو أنواع العذاب من نار وغرق، وصاعقة، وغيرها من العقوبات. كان من وراء مدح الكرم والحركة، وذم البخل وإيقاف السيرورة حث أغنياء المدينة من أهل الكتاب الإحسان إلى المهاجري الفقراء. وقد ترتب عن هذا النص ظهور معرفة العرب بفلسفة الإغريق الخاصة بالعناصر الأربعة أو الخمسة. فقد أعطوها من خلال النص القرأني مصطلحات خاصة تتناسب مع طبيعة معيشتهم البدوية والزراعية من ريح وأرض وماء وصاعقة ونار. كما أنهم عرفوا وظيفة ودور هذه العناصر في الحياة فهي إما نافعة أو ضارة، فمثلا الرياح تجلب الأمطار والريح العقيم تفسد. وكأنهم استعملوا فلسفة تطبيقية تتماشى مع حياتهم. لذلك خاطبهم القرآن بمعارفهم. ومن خلال الترتيب الذي قدمه النص نرى أن الهواء أخذ نصيبا كبيرا فهو الذي استعمل في تسمية السورة وفي بدايتها وفي ذكر مثال النطق. فكانت له الأولية على العناصر الأخرى.