شارل الخامس

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

اذهب إلى: تصفح, البحث
شارل الخامس
شارل الخامس

شارلكان أو شارل الخامس هابسبورغ (خنت، 24 فبراير 1500 - كواكوس دي يستي، 21 سبتمبر 1558) ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

أحد أعظم الشخصيات في التاريخ الأوروبي ، توّج ملكاً لإسبانيا باسم كارلوس الأول و ملك إيطاليا و أرشيدوق النمسا و رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة ، حكم إمبراطورية مترامية الأطراف و موزعة على ثلاث قارات ، فقيل إن الشمس لا تغيب عنها.

محتويات

[عدل] سيرته

[عدل] من مولده (1500) حتى تتويجه امبرطوراً في آخن (1520)

في عام 1496 ، تزوج فيليب هابسبورغ المقلب بالوسيم ابن و ولي عهد ماكسيمليان الأول أرشيدوق النمسا و إمبراطور الرومانية المقدسة من خوانا تراستامارا التي لقبت فيما بعد بالمجنونة ابنة ملكي إسبانيا الكاثوليكيان فرناندو الثاني ملك أراغون و إيزابيلا الأولى ملك قشتالة .

من هذا "الزواج السياسي" ولد في 24 فبراير من عام 1500 بمدينة خنت ، و هي بلدة تتبع دوقية فلاندر لذا سمي شارل خنت. كما وُلد لشارل خمسة أشقاء . البكر إليونورا تزوجت أولا مانويل الأول أفيس ملك البرتغال ثم تزوجت لاحقاً فرانسوا الأول فالوا أنغوليم ملك فرنسا ؛ و من بعده هو وُلد كل من إيزابيلا و تزوجت كريستيان الثاني أولدنبورغ ملك الدنمارك ؛ فرديناند و تزوج من أنا ياغيلون ابنة ملك المجر وبوهيميا (فتكون فرع هابسبورغ النمساوي) ؛ ماريا و تزوجت من شقيق أنا ياغيلون لايوش الثاني ملك بوهيميا والمجر (1506-1526) ؛ و أخيراً كاتارينا و تزوجت من جواو الثالث ملك البرتغال .

قـُدّر لشارل لأن يصبح في فترة زمنية قصيرة أقوى حاكم في العالم ، وإن ساعدته في ذلك سلسلة من محاسن الظروف.

فالابن الذكر الوحيد لجدّيه من أمه كان قد توفي سنة 1497 دون أن يترك ذرية . و بعد ذلك مباشرة توفيت ابنتهما البكر عام 1500 و في نفس العام توفي أيضاً ابنها الوحيد و ولي عهد قشتالة و أراغون . لذلك ، بموت الملكة إيزابيلا سنة 1504 ، ورثت ابنتها خوانا والدة شارل عرش قشتالة ، فصار شارل بدوره الوريث المحتمل .

بعد فترة وجيزة ، زُعم أن الجنون قد ضرب عقل خوانا و لم تعد قادرة على الحكم ، لذا عـُرفت بلقب "خوانا الجنونة" . في سنة 1506 توفي فيليب والد شارل شاباً ، فأصبح شارل بعمر الستة سنوات فقط ولي للعهد ليس لقشتالة فقط ، بل أيضاً للنمسا و بورغونيا اللتان سيرثهما من جديه من أبيه ، لأن جده الإمبراطور ماكسيمليان الأول هابسبورغ كان قد تزوج من ماري دوقة بورغونيا الوريثة الأخيرة لدوقية بورغونيا.

تـَعـَلـّم شارل أولاً لدى وليم دي كروي حاكم شيفر (Chièvres) ، ثم لدى أدريان فلورنس أوتريخ أسقف طرطوشة و الذي سيصبح البابا هدريانوس السادس ، و لدى عمته الأرشيدوقة مارغريت هابسبورغ . تلقى الأمير الشاب كل تعليمه في الفلاندر فتشبع بالثقافة الفلمنكية ، رغم أصوله النمساوية الإسبانية.

تـُمـَثـّل دوقية فلاندرز مهد شارل ، و قد أقام بها والده فيليب منذ أن ورث ملكها عن والدته ماري ، التي توفيت عن عمر يناهز خمسة وعشرين ربيعاً إثر سقوطها عن صهوة جواد. و في الفلاندر قضى شارل طفولته و مراهقته .

اعتبر شارل راشداً في الخامس من يناير سنة 1515 بمدينة بروكسل ، و أعلن دوقاً جديداً لبورغونيا . كان إلى جواره مجلساً مقرّباً كان ضمنه وليم دي كروي و أدريان أوتريخت و كبير المستشارين جان دي سوفاج . كما كان دسيدريوس إراسموس مستشاراً لشارل و الذي أظهر في رسالة بعث بها إلى توماس مور شيئاً من الحيرة حول القدرات الأمير الفكرية .

ففي الواقع لم يكن مولعاً بالدراسة ، مفضلاً فنون الفروسية و الصيد . و رغم كونه ملك إسبانيا فإن لغته كانت الفرنسية ، أما الإسبانية فتعلمها بشكل سطحي فحسب .

في عام 1516 ، بوفاة جده من أمه الملك فرناندو ، ورث شارل أيضاً عرش أراغون وهو بعمر الستة عشر فقط ، وضعاً في يديه إسبانيا بأكملها ، فتمكن من التباهى بلقب ملك إسبانيا بكل ما يحمل من معنى ، متخذاً اسم كارلوس الأول . مع ذلك تجدر الإشارة إلى أن وريثة عرش قشتالة الحقيقية ما تزال والدته خوانا التي لجنونها المزعوم ، سـُلمت سلطاتها فعلية لابنها شارل ، و إن كانت من ناحية السلالية هي الملكة حتى وفاتها في سنة 1555.

بعد وراثة عرش إسبانيا ، كان شارل بحاجة لمبايعة الرعيـّة له ملكاً ، فرغم كونه سليلاً للعائلتين المالكتين القشتالية و الأراغونية ، لكنه يظل هابسبورغياً . وتحقيقاً لهذه الغاية استدعى بلاطات قشتالة نهاية سنة 1517 بمدينة بلد الوليد. و بعد مفاوضات عدة و عند بداية العام التالي ، أدى اليمين و بويع ملكاً . بالمثل تصرف مع بلاطات أراغون و كاتالونيا ، الذين دعاهم أواخر سنة 1518 في سرقسطة وبرشلونة . و هنا أيضاً بعد العديد من المفاوضات ، أدى الملك اليمين في سنة 1519 و اعـْتـُرف به ملكاً . بعد ذلك اضطر للذهاب إلى النمسا للحصول على الميراث الهابسبورغي.

في سنة 1519 ، إثر وفاة جده ماكسيمليان الأول ، استلم شارل ملك إسبانيا منذ ثلاث سنوات عرشَ النمسا بعمر التسعة عشرة ، إضافة لدخول الميراث البورغوندي لجدته من أبيه في حيازته . في نفس العام و تحديداً في الثامن و العشرين من يونيو بمدينة فرانكفورت انتخب إمبراطوراً للرومانية المقدسة بدعم من مصرفيي آل فوغر الألمان ، متفوقاً على المرشح الآخر للتاج الامبراطوري فرانسوا الأول ملك فرنسا . فضل الأمراء الناخبون انتخاب شارل الخامس على فرانسوا الأول لأنهم وجدوا أنه من الأفضل لطموحاتهم بذاتية الحكم كوّن شارل ملك إسبانيا ، حيث يعيش و يعمل بعيداً عن المقر الامبراطوري . توج شارل اإمبراطوراً من قبل رئيس أساقفة كولونيا في الثالث و العشرين من أكتوبر عام 1520 في كاتدرائية آخن .

كارل خنت ، اتخذ كإمبراطور روماني مقدس اسم كارل الخامس أو شارل الخامس ، و اشتهر به تاريخياً.

[عدل] من تتويج آخن (1520) حتى توييج بولونيا (1530)

الوفاة المبكرة لجميع ذكور السلالة القشتالية الأراغونية ، إلى جانب وفاة والده فيليب "الوسيم" في ريعان شبابه و مرض والدته خوانا ملكة قشتالة ، كل ذلك مهد الطريق لشارل الخامس - بعمر التاسعة عشرة فقط - لأن يحكم امبراطورية بحجم لم يسبق له مثيل و لا حتى في زمن شارلمان.

كانت ممتلكات شارل الخامس بالتفصيل على النحو التالي :

خلافاً لما كان يحدث ذلك الزمان ، تزوج شارل في الحادي عشر من مارس سنة 1526 من ابنة خالته إيزابيل أفيس (1503 - 1539) و أنجبا ستة أبناء. كما كان له سبعة أبناء غير شرعيين.

ورث شارل الخامس من جدته للأب أيضاً لقب دوق بورغونيا و الذي كان إقطاعة أيضاً لوالده فيليب لبضع سنوات . كدوق لبورغونيا كان مـُــقطعاً للملك فرنسا ، إذ أن أرض بورغونيا تنتمي منذ زمن للتاج الفرنسي . فضلاً عن إنتساب أسلافه دوقات بورغونيا إلى فرع من سلالة فالوا المالكة في فرنسا آنذاك.

كانت بورغونيا أرضاً واسعة في شمال شرق فرنسا ، اتحدت معها لمصالح المشتركة في الماضي أراضي أخرى مثل لورين و اللوكسمبورغ و فرانش كومته و المقاطعات الهولندية و الفلمنكية ، ما جعل هذه الأراضي الأغنى والأكثر ازدهارا في أوروبا. كانت تلك المناطق تقع في مركز الطرق التجارية الأوروبية و كانت وجهة تجارة ما وراء البحار من و إلى أوروبا. لدرجة أن مدينة أنتويرب أصبحت أكبر مركز تجاري ومالي في أوروبا.

حاول جده الإمبراطور ماكسيمليان بوفاة زوجته ماري عام 1482 الاستحواذ على دوقيتها لقيادتها تحت حكم الهابسبوغيين المباشر ، محاولاً انتزاعها من تاج فرنسا. وتحقيقاً لهذه الغاية خاض صراعاً مع الفرنسيين استمر لأكثر من عقد من الزمن و خرج منه مهزوماً . فاضطر في سنة 1493 لتوقيع صلح سونلي مع شارل الثامن ملك فرنسا ، تنازل بموجبه نهائياً عن جميع مطالباته بشأن دوقية بورغونيا مع احتفاظه بملكه على الأراضي المنخفضة و أرتوا فرانش كومته.

لم يتقبل ماكسيمليان حقيقةً أبداً هذا التنازل القسري ، و انتقلت ذات الرغبة في الانتقام من فرنسا إلى حفيده شارل الخامس و الذي لم يتخلى أبداً طيلة حياته عن فكرة استعادة بورغونيا.

كملكٍ لإسبانيا ، كان إلى جوار شارل مجلس دولة يمارس نفوذاً كبيراً على القرارات المتخذة ، و كان يتألف من ثمانية أعضاء هم : واحد إيطالي و واحد سفوي و إسبانيان اثنان و أربعة الفلمنكيين . تشكلت بالمجلس جبهتان منذ تأسيسه : يرأس الأولى نائب الملك في نابولي كارلو دي لانوي ، والأخرى يرأسها البييمونتي مركورينو أربوريو غاتينارا الذي كان أيضاً كبير مستشاري الملك . كان لدى لمركورينو أربوريو غاتينارا بمكانته كبيراً للمستشارين (المنصب استمر به من 1519 إلى 1530) و الرجل ثقة لدى شارل الكثير من التأثير على قرارات هذا الأخير ، على الرغم من استمرار وجود الفصيلين المتعارضين داخل مجلس الدولة ، خصوصاً بشأن السياسة الخارجية. و في الواقع ، التشكيلة التي يرأسها لانوي كانت صديقة للفرنسيين و معادية للإيطاليين ، بينما تلك التي يرأسها مركورينو أربوريو غاتينارا كانت معادية للفرنسيين و صديقة للإيطاليين .

خلال فترة حكمه لم يجمع شارل الخامس الكثير من النجاحات. ربما كان بطء الاتصالات أحد أسباب النشاط السياسي المتوسط للإمبراطور ، نظراً لضخامة ممتلكاته . سبب آخر لا شك فيه كان وجود حقائق معاصرة أخرى متعارضة مع الإمبراطورية ، مثل مملكة فرنسا و الدولة العثمانية اللتان شكلتا أكبر عائق أمام سياسة الإمبراطور الساعية تنفيذ حكومة عالمية تحت قيادة آل هابسبورغ . انه ، في الواقع ، يقصد إلزام الهابسبورغيين دائمة والموروث في شكل الامبراطورية الملكية ، حتى في المنتخب وفقا للأحكام الواردة في الفقاعة الذهبية التي تصدر في 1356 من قبل الامبراطور شارل الرابع ملك بوهيميا.

ملك فرنسا فرانسوا الأول فالوا - أنغوليم ، في الواقع ، من خلال لتمتعه بدرجة عالية من الحكم الذاتي ، مع طموحاته في التوسع في الفلاندر و هولندا و كذلك إيطاليا ، تصدى دائماً لمحاولات الإمبراطور لجعل فرنسا تحت سيطرة الامبراطورية. و مارس هذه المعارضة من خلال العديد من الصراعات الدموية.

كما كان الخليفة العثماني سليمان القانوني يشكل دائماً شوكة في خاصرة الإمبراطورية بنواياه التوسعية نحو وسط أوروبا . وخاض شارل الخامس في الواقع عدة نزاعات ضد العثمانيين ؛ فوجد نفسه غالباً يحارب على جبهتين في ذات الوقت : شرقاً ضد العثمانيين و غرباً ضد الفرنسيين.

خرج كارل منتصراً على الجبهتين ، و إن ليس بكفاءته الخاصة بقدر ما هو لكفاءة مساعديه . انتصر و لكن استنزف مالياً أيضاً ، خصوصا لتكلفة للحملات العسكرية الباهظة إضافة إلى المبالغ الضخمة المخصصة للإنفاق على بلاطه الذي أدخل عليه ترف العادات البورغونية الفاحش .

توجب على شارل الخامس طوال حياته مواجهة المشاكل الداهمة في ألمانيا أولا و مالبثت أن انتشرت في أجزاء أخرى من إمبراطوريته وفي أوروبا بشكل عام ، بسبب العقيدة الدينية الجديدة التي ظهرت على يد الراهب الألماني مارتن لوثر في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية. لم تتجلى تلك المشاكل في الخلافات المذهبية فحسب ، بل أدت أيضاً إلى صراعات مفتوحة . كارل الذي كان يعلن نفسه على المستوى الديني بأنه أشجع مدافع عن الكنيسة الكاثوليكية لم يستطع لا هزيمة العقيدة الجديدة و لا الحد من انتشارها على أقل . و انتهى اجتماعا أوغسبورغ 1530 و ريغنسبورغ 1541 دون نتائج ، مؤجلا البت في الخلافات المذهبية إلى مجمع مسكوني مستقبلي.

استطاع كارل زيادة ممتلكات تاج إسبانيا فيما وراء المحيط من خلال فتوحات اثنين من أبرز الكونكيستدوريين وهما هرنان كورتيس و فرانسيسكو بيسارو. هزم الأول الآستكيين و استولى على فلوريدا ، كوبا ، المكسيك ، غواتيمالا ، الهندوراس و يوكاتان . و هزم الثاني إمبراطورية الإنكا و استولى على بيرو و شيلي أي من ساحل أمريكا الجنوبية المطل على المحيط الهادئ . عين شارل كورتيس حاكماً على الأراضي التي فتحها في أمريكا الشمالية و التي ستشكل إسبانيا الجديدة. بينما عـُين بيسارو حاكماً للبيرو. غداة تتويجه إمبراطوراً ، واجه شارل الخامس خلال سنتي 1520-1522 ثورتين في قشتالة و أراغون ، و لا يرجع ذلك إلى حقيقة أن إسبانيا صارت في يد ملك ألماني الأصل فحسب ، وإنما أيضاً لانتخابه إمبراطوراً للرومانية المقدسة ، و بالتالي مال للإنشغال أكثر بالمشاكل المرتبطة بأوروبا النمساوية الجرمانية من تلك المتعلقة بإسبانيا.

كانت هناك ثورة البلديات القشتالية الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من الوزن السياسي لقشتالة داخل لامبراطورية . و اندلعت في أراغون ثورة خرمانيا ضد النبلاء ، و كانت "خرمانيا" تجمعاً ضم كل الفاعليات المدنية . تمكن شارل من اخماد هاتين الثورتين دون أي إضرار بعرشه.

توصل شارل بعد عامين من تتويجه في آخن إلى اتفاق سري مع شقيقه فرديناند بشأن الحقوق الميراثية لكل منهما . تقرر بموجب هذا الاتفاق أن تؤول الأراضي النمساوية و التاج الإمبراطوري لفرديناند و ذريته ، في حين تؤول لذرية شارل بورغونيا و الفلاندر و إسبانيا و الأراضي فيما ما وراء البحار.

خاض شارل بين عامي 1521 و 1529 حربين داميتين طويلتين ضد فرنسا لحيازة دوقية ميلانو و جمهورية جنوا. كانت معركة بافيا حاسمة لاختتام الأولى و التي اعتقل فيها الملك فرانسوا الأول بفضل الكوندوتييرو الفورلي تشيزري هركولاني .

خرج كارل منتصراً من كلا الصراعين ، فانتهي الأول بصلح مدريد ، و الثاني بصلح كامبراي. يـُـذكر خلال الحرب الثانية بين الملكين غزو اللاندسكنيشت تحت قيادة الجنرال غيورغ فون فروندسبيرغ لمدينة روما في سنة 1527 ، حينها اجتاحت القوات الجرمانية المدينة و نهبتها تماماً مدمرتاً كل ما يمكن تدميره واضطر البابا للتحصن في قلعة سانتانجلو . عرفت هذه الحادثة باسم "نهب روما". أثارت هذه الأعمال السخط و الاستهجان في جميع أنحاء العالم المتحضر ، ما حدى بشارل الخامس بأن ينئى بنفسه عن المرتزقة و يدين بشدة تلك الأعمال مبرراً حدوثها بأنهم تصرفوا دون إشراف قائدهم الذي الذي اضطر للعودة إلى ألمانيا لأسباب صحية.

و كتعويض جزئي لأحداث روما ، التزم الإمبراطور شارل الخامس بأن يعيد سلطان أسرة ميديشي إلى فلورنسا ، و هي نفس أسرة البابا . لكن ما كان يـُعتقد أنه سيتم بعملية سريعة للقوات الامبراطورية أصبح حصاراً طويلاً و انتهى بنصر مـُضني .

وفقاً للاتفاقات الموقعة في كامبراي ، تم في الثاني و العشرين من فبراير عام 1530 ببولونيا الإيطالية و في قصر المدينة تتويج البابا كليمنس السابع لشارل الخامس ملكاً على إيطاليا بالتاج الحديدي للملوك اللومبارديين . بعد ذلك بيومين ، في كاتدرائية سان بترونيو ، توج شارل الخامس إمبراطوراً للرومانية المقدسة ، و لئن كان قد توج بذلك قبل عشر سنوات في آخن من قبل أسقف كولونيا. و إلا أن التكريس الامبراطوري هذه المرة تم مباشرة بيد البابا.

في نفس عام تتويجه في بولونيا توفي كبير المستشارين غاتينارا مركورينو ، أكثر المستشارين تأثيراً و إصغاءاً من جانب الملك . بعد وفاة غاتينارا لم يتأثر شارل الخامس بأي مستشار آخر و القرارات التي سوف يتخذها من الآن فصاعدا ، ستكون على وجه الحصر تقريباً نتيجة لقناعاته. فقد اكتملت عملية نضج العاهل.

[عدل] من تتويج بولونيا (1530) حتى الحملة على الجزائر (1541)

رسم شخصي لشارلكان بريشة تيتيان, 1532-1533.

شكلت سنة 1530 نقطة تحول هامة لشارل الخامس على المستوى الشخصي و لدوره كملك و إمبراطور. فقد تخلص من أية وصاية لأي مستشار و بدأ باتخاذ قراراته بصورة مستقلة على أساس خبرته التي نضجت إلى جوار غاتينارا. و كإمبراطور ، شعر من خلال تتويجه بابوياً أنه تولى المهمة الأساسية المتمثلة بتكريس نفسه لحل المشاكل التي أحدثتها اللوثرية في أوروبا و ألمانيا على وجه الخصوص ، بهدف محدد هو إنقاذ وحدة الكنيسة النصرانية الغربية.

تحقيقاً لهذه الغاية ، دعى في نفس العام إلى اجتماع أوغسبورغ و الذي تواجه فيه اللوثريون و الكاثوليك من خلال عدة وثائق ، أبرزها "إقرار أوغسبورغ" الـُمعد لإيجاد إدارة عضوية و متجانسة مع الفرضية الدينية و المفاهيم المذهبية المركبة التي تمثل أسس العقيدة اللوثرية ، دون أي ذكر لدور البابوية حيال الكنائس الإصلاحية . كان شارل الخامس قد أكد مرسوم فورمس لسنة 1521 ، أي حرمان اللوثريين كنسياً ، ما يهدد إعادة بناء أملاك الكنيسة. رد اللوثريون الممثلون بما يسمى "التنظيم الإصلاحيين" بإقامة الإتحاد الشمالكالدي في سنة 1531 . و زود هذا الإتحاد بجيش إتحادي و خزانة عامة ، و قاده الدوقان فيليب الأول لاندغراف هسن و يوهان فريدرش ناخب ساكسونيا.

إتضح أن أتباع مذهب لوثر اتخذوا اسم "البروتستانت" (المحتجين) لأن المضوين في "التنظيم الإصلاحيين" كانوا قد احتجوا خلال اجتماع شباير الثاني سنة 1529 على قرار الامبراطور استعادة مرسوم فورمس (قوانين الحرمان الكنسي وإعادة بناء الممتلكات الكنسية) المعلق سابقاً و قبل اجتماع شبير لسنة 1526 .

في نفس العام حل شارل مشكلة لطالما تسببت له بالإحرج . كان فرسان القديس يوحنا قد خسروا في سنة 1522 جزيرة رودس على يد العثمانيين و التي كانت مقراً لهم ، فظلوا يجوبون البحر الأبيض المتوسط طوال سبع سنوات بحثاً عن أرض جديدة. الوضع لم يكن سهلا لأن فرسان القديس يوحنا لم يقبلوا بأن يكونوا تابعين لأحد و يتطلعون إلى بقعة تكون لهم فيها السيادة الكاملة في بحر متوسط محتل تماماً من القوى الأخرى. في عام 1524 عرض شارل على الفرسان جزيرة مالطا و التي كانت تحت حكمه المباشر. لم يتقبل الفرسان المقترح في البداية لأنه يعني ضمناً خضوعهم رسمياً للإمبراطور ، ولكن بعد مفاوضات طويلة ، قبلوا بالجزيرة (قالوا بأنها ليست رحبة جداً وليس من السهل الدفاع عنها) بشرط أن يكونوا حكاماً و ليسوا تابعين للإمبراطور و طلبوا أن توفر لهم الإمدادات الضرورية للحياة من صقلية. كان قرار شارل ذو طابع استرتيجي أكثر من كونه تعبير عن رغبة حقيقية في مساعدة تنظيم القديس يوحنا : فمالطا ، الجزيرة الصغيرة في وسط البحر المتوسط ، تقع بموقع ذو أهمية استراتيجية كبيرة ، و خاصة بالنسبة للسفن التي تـَعبـُر و تتوقف بأعداد كبيرة ، فكانت هدفاً لهجمات و غارات المجاهدين البحريين ، لذا احتاج شارل لأحد يتفرغ بشكل تام بالدفاع عنها و كان الفرسان مثاليين لذلك.

كان العقد الذي افتتح غداة تتويج شارل الخامس بكاتدرائية سان بترونيو في بولونيا في 24 فبراير 1530 على يد البابا كليمنس السابع و انتهى سنة 1540 مفعماً بالأحداث التي خلقت للامبراطور مشاكل ليست بالقليلة. فاستؤنف الصراع مع فرنسا ، و تجددت هجمات العثمانيين باتجاه أوروبا ، كما سـُجل انتشار واسع للمذهب اللوثري. كان على شارل الخامس باعتباره المعقل الأعلى للتكامل الأوروبي و للعقيدة الكاثوليكية ، التعامل على جميع هذه الجبهات الثلاث في وقت واحد وبصعوبة بالغة.

في أوائل عقد الثلاثينات ، بدأ كل من شارل الخامس و فرانسوا الأول بانتهاج ما تـُعرف ب"سياسية الزواج" التي رغبوا من خلالها في بسط السلطان على بلدان أوروبا التي لم يتمكنوا من فعل ذلك فيها بالسلاح . زوج شارل الخامس ابنته غير الشرعية مارغريت من دوق فلورنسا و كما زوج ابنة شقيقته كريستينا أولدنبورغ من دوق ميلانو. من ناحيته زوج فرانسوا الأول أخت زوجته ريني فالوا أورليان من دوق فيرارا إركولي الثاني ديستي.

لكن أبرز الأعمال هذا المجال كان ترتيب البابا كليمنس السابع لزواج ابنة أخيه كاترين دي ميديشي من النجل الثاني لفرانسوا الأول ، هنري ، الذي بسبب الوفاة المبكرة لوريث عرش فرانسوا ، سيكون هو ملك فرنسا باسم هنري الثاني.

جعل هذا الزواج فرانسوا الأول أكثر مغامرة و عدوانية حيال شارل الخامس ، فأبرم تحالفاً مع سلطان القسطنطينية شجع الأخير على فتح جبهة صراع ثانية ضد الإمبراطور في البحر المتوسط بقيادة أمير البحر خير الدين الملقب برباروسا .

قادت هذه الخطوة شارل الخامس للقيام بحملة عسكرية ضد المسلمين في شمال أفريقيا ، و التي انتهت في سنة 1535 باحتلال تونس و هزيمة برباروسا و لكن ليس القبض عليه ، إذ وجد ملجأ في مدينة الجزائر.

قرر شارل الخامس بعد أن عاد من حملة تونس التوقف في إيطاليا ، و وصل روما في أبريل سنة 1536 ، للتعرف و محاولة التحالف مع البابا الجديد بولس الثالث (ألساندرو فارنيزي) خليفة كليمنس السابع المتوفي سنة 1534. أعلن البابا الجديد الحياد في الصراع المستمر منذ أكثر من عقد بين فرنسا والإمبراطورية ، لذلك استأنف فرانسوا الأول المدعوم بهذا الحياد الأعمال العدائية ، مبتدأً النزاع الثالث مع الإمبراطور و الذي انتهى بعد عامين فقط في سنة 1538 بهدنة بومي و صلح نيس اللذان لم يؤديا إلى نتائج جديدة فلم تتغير نتائج صلح مدريد و صلح كامبراي اللذان أنهيا النزاعين السابقين.

كان على شارل الخامس بالتزامن مع هذه الأحداث ، مواجهة انتشار المذهب اللوثري الذي بلغ ذروته بتشكيل الإتحاد الشمالكالدي في سنة 1531 ، والذي بدأ يستقطب الأمراء الجرمان أكثر وأكثر.

انشغل الامبراطور من جديد ضد العثمانيين في صراع انتهى بالهزيمة في معركة بروزة البحرية في 27 سبتمبر 1537 حين تفوق قائد المسلمين برباروسا على الأسطول الإمبراطوري .

دفعت هذه الهزيمة شارل الخامس لاستئناف العلاقات مع دول ألمانيا ، التي يحتاجها سواءاً من الناحية المالية أو العسكرية. أكسبه تصرفه الأكثر تصالحية اتجاه ممثلي اللوثريين في اجتماعي فورمس (1540) و ريغنسبورغ (1541) دعم جميع الأمراء ، فضلا عن التحالف مع فيليب الأول لاندغراف هسن. أدى هذا إلى شن حملة أخرى ضد المسلمين ، لاستعادة المصداقية و لتحالف العدو الأبدي فرانسوا الأول ملك فرنسا مع السلطان. كانت الجزائر هي الهدف هذه المرة و هي القاعدة اللوجستية لبرباروسا و منطلق جميع غارات السفن على موانئ إسبانيا.

جمع شارل الخامس قوة غزو هائلة ، عـُهد بقيادتها إلى كوندوتييريين شجعان و ذوي خبرة و هم أندريا دوريا و فيرانتي الأول غونزاغا و هرنان كورتيس. رغم هذا منيت الحملة التي انطلقت في أكتوبر سنة 1541 بالفشل التام ، لأن الظروف غير المواتية للإبحار دمرت 150 سفينة محملة بالأسلحة والقوات والامدادات. لم يكن شارل الخامس قادراً مع ما تبقى أن يكلل المغامرة بالنصر فعاد إلى إسبانيا ، و في أوائل ديسمبر من تلك السنة ، تخلى نهائياً عن سياسته المتعلقة بالسيطرة على البحر الأبيض المتوسط.

[عدل] من حملة الجزائر (1541) إلى وفاة فرانسوا الأول (1547)

شارلكان في معركة مولبيرغ .لوحة شهيرة من أعمال تيتيان في 1548 تخليدا لهذا النصر ، متواجدة بمتحف ديل برادو في مدريد . يظهر الامبراطور على صهوة جواد بدرع و خوذة و رمح في يده أثناء قيادة القوات بالمعركة.

بعد هذه الهزيمة ، شن فرانسوا الأول حرباً رابعة ضد الإمبراطور في يوليو من سنة 1542 ، انتهت في سبتمبر من عام 1544 بتوقيع صلح كريبي الذي خرج ملك فرنسا منه مهزوماً بوضوح مرة أخرى ، و إن تمكن من الحفاظ على بعض الأراضي المحتلة خلال النزاع و التابعة لدوقية سفويا. في الواقع لم يتنازل فرانسوا في النهاية عن أحلامه بغزو إيطاليا فحسب ، إنما كان عليه أيضاً دعم افتتاح مجمع بشأن القضية اللوثرية البارزة في ذلك الوقت.

دعى البابا بولس الثالث إلى مجمع مسكوني في مدينة ترينتو ، وافتتحت الأعمال رسمياً في 15 ديسمبر 1545. كان مجمعاً لم يرد له لا الملك و لا الامبراطور أن يختتم ، و لا حتى البابا الذي دعى إليه.

لعدم اعتراف البروتستانت بمجمع ترينتو ، شن الامبراطور عليهم الحرب في يونيو سنة 1546 ، على بجيش قوي مؤلف من البابويين بقيادة أوتافيو فارنيزي النمساويين بقيادة فرديناند شقيق الامبراطور والقوات الهولندية تحت قيادة كونت بورن. كان موريتس ساكسونيا الذي ازاح باقتدار الإتحاد الشمالكالدي بجوار الامبراطور . حقق شارل الخامس انتصارا ساحقا في معركة مولبيرغ سنة 1547 ، فتراجع الامراء الالمان و خضعوا للامبراطور.

في الواقع تشير المصادر المعاصرة إلى أن الامبراطور تابع المعركة من بعيد جداً ، راقداً على سرير متنقل غير قادر على الحركة لإصابته بإحدى نوبات النقرس المتكررة ، وهو داء رافقه طيلة حياته ، و نجم عن حماسه المفرط بالتلذذ بالموائد الفاخرة.

ناقش المجمع بأول عامين المسائل الإجرائية ، دون اتفاق بين البابا والامبراطور : في الواقع ، بينما أراد الامبراطور للإجتماعات أن تتناول قضايا الإصلاح ، أراد البابا لها أن تتناول أكثر قضايا ذات طابع لاهوتي.

شهد 31 مايو سنة 1547 وفاة الملك فرانسوا الأول ، و لأن ابنه البكر فرانسوا الدلفين كان قد عام 1536 في سن الثامنة عشر، صعد عرش فرنسا ثاني أبناءه هنري الثاني. ليس ذلك فحسب ، ففي نفس العام ، نقل بولس الثالث مقر مجمع ترينتو إلى مدينة بولونيا ، لتجنيبه تأثير الإمبراطور.

[عدل] من وفاة فرانسوا الأول (1547) حتى حصار متز (1552)

Ritratto eseguito dal Tiziano, 1548.

بلغ شارل الخامس الآن في ذروة قوته. فقد توفي غريمه الكبير فرانسوا الأول . و انتصر على الإتحاد الشمالكالدي. دوقية ميلانو في يد فرديناندو غونزاغا الذي كان رهن اوامر الإمبراطور كما هو الحال في جنوا و سفويا و دوقيات فيرارا و توسكانا ومانتوفا ، بالإضافة إلى جمهوريتي سيينا و لوكا. و جنوب إيطاليا ولاية إسبانية منذ فترة طويلة . البابا بولس الثالث ، لمعارضة هذه القوة الساحقة ، كان بوسعه ان لم نَقُل مجبرا للتوصل إلى اتفاق مع ملك فرنسا الجديد .

ذروة قوته ، مع ذلك ، كما تتزامن مع بداية له في الانخفاض. في الواقع ، للفترة 1546- 1547 ، وكان شارل الخامس للتعامل مع بعض المؤامرات المضادة الأسبانية في إيطاليا. وقال لوكا ، 1546 ، فرانشيسكو بورلاماكي حاول أن يضع في كل توسكانا الجمهوري. في جنوا ، تمرد جانلويجي فييسكي لصالح فرنسا ، ولكن دون جدوى . في بارما سنة 1547 ، انتزع فرديناندو غونزاغا دوقية بارما و بياشنسا من الدوق بيير لويجي فارنيزي (ابن البابا) ، ولكن الدوق أوتافيو فارنيزي استعاد الدوقية ، التي عادت بعد ذلك من جديد إلى آل غونزاغا.