صمويل جونسون

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
صمويل جونسون
صورة معبرة عن الموضوع صمويل جونسون
صمويل جونسون، تصوير جوشوا رينولدز

ولد 18 سبتمبر 1709
ليشفيلد، إنجلترا
توفى 13 ديسمبر 1784 (75 عاماً)
لندن، إنجلترا
المهنة شاعر، كاتب مقال ، صناعة معجمية
P literature.svg بوابة الأدب


صمويل جونسون 18 سبتمبر 1709 - 13 ديسمبر 1784. كان كاتب وناقد وشاعر بريطاني.

النشأة المشوهة[عدل]

لقد كان نسيج وحده، ومع ذلك كان نموذجياً، فهو يختلف عن أي إنجليزي في زمانه، ومع ذلك فهو خلاصة لجون بول جسداً وروحاً، يبزه معاصروه في جميع الميادين الأدبية (خلا تصنيف المعاجم) ومع ذلك فهو يسود عليهم جيلاً بأسره، ويملك عليهم دون أن يرفع شيئاً إلا صوته.

ولنلم الآن إلمامة سريعة بالضربات التي طرقته لتشكل طابعه الفريد. فلقد كان أول طفل ولد لمايكل جونسن، الكتبي، والطباع، وتاجر الأدوات الكتابية في لتشفيلد، على 118 ميلاً من لندن. أما أمه فترقى أرومتها إلى قوم بهم إثارة من نبالة. كانت تبلغ السابعة والثلاثين حين تزوجت في 1706 مايكل البالغ من العمر خمسين عاماً.

وكان صموئيل غلاماً، بلغ من ضعفه حين ولد أنه عمد للتو مخافة أن يكون مأواه الأبدي-إن مات بغير عماد-في الأعراف، مدخل الجحيم الكئيب. وسرعان ما بدت عليه إمارات "داء الملك" (الخنازيري). فلما أن بلغ ثلاثين شهراً أخذته أمه رغم أنها حامل في ولدها الثاني في الرحلة الطويلة إلى لندن لكي "تلمسه الملكة ليبرأ من الخنازيري" وصنعت الملكة قصارها ولكن المرض كلف جونسن الاكتفاء بعين واحدة وأذن واحدة، وشارك غيره من البلايا في تشويه وجهه(1).

على أنه اشتد رغم ذلك عضلاً وهيكلاً، ودعمت قوته كما دعمت ضخامته تلك النزعة الاستبدادية التي أحالت جمهورية الأدب إلى ملكية كما شكا جولدسمث. وقد ذهب صموئيل إلى أنه ورث عن أبيه "ذلك المزاج السوداوي الكريه الذي جعلني مجنوناً طوال حياتي، أو على الأقل غير متزن"(2). ولعل لوهمه المرضي أساساً دينياً لا بدنياً فقط، كما كان الشأن مع كوبر، فلقد كانت أم جونسن كلفنية راسخة تؤمن بأن الهلاك الأبدي قاب قوسين منها. وقد قاسى صموئيل من رهبة الجحيم إلى يوم مماته.

وعن أبيه أخذ مبادئ المحافظين، والميول الاستيوارتية، والشغف بالكتب. فكان يقرأ بعضهم في مكتبة أبيه، وقد قال لبوزويل فيما بعد، "كنت في الثامنة عشرة أعرف تقريباً قدر ما أعرفه الآن"(3). وبعد أن نال حظاً من التعليم الأولي انتقل إلى مدرسة لتشفيلد الثانوية، وكان في ناظرها "من الضراوة ما جعل الآباء الذين تعلموا على يديه يأبون إرسال أبنائهم إلى مدرسته"(4).

على أنه حين سئل في كبره كيف أتيح له أن يتمكن من اللاتينية على هذا النحو أجاب "كان معلمي يحسن ضربي بالسوط. لولا ذلك يا سيدي لما أفلحت في شيء"(5). وقد أعرب في شيخوخته عن أسفه لإهمال العصا. " في مدارسنا الكبرى اليوم يجلدون التلاميذ أقل مما كانوا يجلدونهم في الماضي، ولكن ما يتعلمونه فيها أقل، فهم يخسرون في طرف ما حصلوه في الطرف الآخر"(6).

وفي 1728 أتيح لأبويه من الموارد ما يسر لهما إرساله إلى أكسفورد، وهناك راح يلتهم الكلاسيكيات اليونانية واللاتينية ويزعج معلميه بعصيانه وتمرده. وفي ديسمبر 1729 عجل بالعودة إلى لتشفيلد، وربما لنفاد مال أبويه، أو لأن وهمه المرضي قد قارب الجنون قرباً أحوجه إلى العلاج الطبي. وعولج في برمنجهام، ثم ساعد أباه في متجره بدلاً من العودة إلى أكسفورد. فلما أن مات الأب (ديسمبر 1731) اشتغل صموئيل مدرساً مساعداً في مدرسة بماركيت بوزوبرث. وسرعان ما مل هذا العمل بعد قليل، فانتقل إلى برمنكجهام، وسكن مع كتبي، وكسب خمسة جنيهات بترجمة كتاب عن الحبشة، وكان هذا مرجعاً بعيداً لقصته "راسيلاس". وفي 1734 ففل إلى ليتشفيلد حيث كانت أمه وأخوه يواصلان العمل في المتجر. وفي 9 يوليو 1735، قبل أن يتم السادسة والعشرين بشهرين، تزوج إليزابث بورتر، وكانت أرملة في الثامنة والأربعين لها ثلاثة أطفال وتملك 700 جنيه. وبمالها هذا افتتح مدرسة داخلية في إديال القريبة منه. وكان من تلاميذه ديفي جاريك، أحد صبية لتشفيلد، ولكن لم يكن هناك ما يكفي لاستمالته إلى مهنة التعليم، وكان التأليف يختمر في باطنه. فكتب مسرحية سناها "أيريني"، وبعث بكلمة لأدورد كيف محرر "مجلة الجنتلمان" يشرح كيف يمكن تحسين تلك المجلة. وفي 2 مارس 1737 انطلق إلى لندن مع ديفد جاريك وجواد واحد، ليبيع مأساته ويشق لنفسه طريقاً في العالم القاسي.

على ان مظهره يعاكسه. كان نحيلاً طويلاً، ولكن كان له هيكل ناتئ العظام جعله كتلة من الزوايا. وكان وجهه مبقعاً بندوب الداء الخنازيري تهيجه مراراً انقباضة تشنجية، وكان جسمه عرضة لانتفاضات مزعجة، وحديثه تؤكده حركات وإيماءات غريبة. وقد نصحه كتبي طلب عنده عملاً بأن "يحصل على إنشوطة حمال ويحمل الحقائب"(7). والظاهر أنه تلقى بعض التشجيع من كيف، لأنه في يوليو عاد إلى لتشفيلد وأتى بزوجته إلى لندن.

ولم يكن خلواً من المكر. فحين هوجم كيف في الصحف نظم جونسن قصيدة في الدفاع عنه وأرسلها إليه، فنشرها كيف، وكلفه بمهام أدبية، وانضم إلى ددسلي في نشر قصيدة جونسن "لندن" (مايو 1738) التي نقداه عشرة جنيهات ثمناً لها. وقد قلدت القصيدة في غير مواريه "الهجائية الثالثة" لجوفنال، ومن ثم أكدت الجوانب المؤسفة لمدينة لندن التي سرعان ما تعلم الكاتب أن يحبها، كذلك كانت هجوماً على حكومة روبرت ولبول، الذي وصفه جونسن فيما بعد بأنه "خير وزير عرفته البلاد"(8). وكانت القصيدة من بعض نواحيها هجوماً غاضباً لشاب ظل غير واثق من قوت غده بعد أن قضى عاماً في لندن. ومن هنا بيته المشهور "أن الكفاية تصعد ببطئ لأن الفقر يوهنها"(9).

في أيام الكفاح تلك جرب جونسن قلمه في كل لون من ألوان الأدب. كتب "سير العظماء" (1740)، ودبج مقالات شتى لمجلة الجنتلمان، منها تقارير وهمية عن المناقشات البرلمانية. وكان نشر المناقشات البرلمانية محظوراً حتى ذلك التاريخ، فوقع كيف على حيلة ادعى بها أن مجلته إنما تسجل المناقشات في "مجلس شيوخ مجنا للبيوتيا". وفي 1741 اضطلع جونسن بهذه المهمة. ومن المعلومات العامة التي اجتمعت له عن سير النقاش في البرلمان ألف خطباً نسبها إلى شخصيات كانت أسماؤهم تصحيفاً لأسماء كبار المجادلين في مجلس العموم(10). وكان في هذه التقارير من مظهر الصدق ما أوقع في روع الكثير من القراء أنها تقارير حرفية، واضطر جونسن إلى أن ينبه سموليت (الذي كان يكتب تاريخاً لإنجلترا) إلى عدم الاعتماد عليها كتقارير حقيقية. وذات مرة علق جونسن على إطراء سمعه لخطبة نسبها إلى شاتان بقوله "هذه الخطبة كتبتها في علية بأكستر ستريت"(11). فلما أثنى بعضهم على حياد تقاريره اعترف قائلاً "لقد أحسنت إنقاذ المظاهر إلى حد معقول، ولكن حرصت على ألا يكون كلاب الهويجز هم الفائزون"(12).

ترى كم كان اجره على عمله هذا؟ لقد وصف كيف مرة بأنه "صراف بخيل"، ولكنه صرح غير مرة بحبه لذكراه. وقد دفع له كيف تسعة وأربعين جنيهاً بين 2 أغسطس 1738 و12 أبريل 1739، وفي 1744 قدر جونسن أن مبلغ خمسين جنيهاً في العام "يفيض ولا ريب عن حاجات الحياة"(13). غير أن الناس جروا على القول بأن جونسن كان يعيش في تلك السنين في فقر مدقع في لندن. وقد اعتقد بوزويل أن "جونسن وسفدج بلغ بهما الأملاق أحياناً مبلغاً أعجزتهما عن دفع إيجار مسكن، فكانا يجوبان الشوارع ليالي بأكملها"(14)، وزعم ماكولي أن شهور الضنك تلك عودت جونسن قذارة الهندام و"شدة الشره" للطعام(15).

وقد ادعى رتشرد ساڤدج أنه ابن لأحد الأيرلات، دون أن تقنع دعواه الناس ولكنه كان قد بات متبطلاً لا يصلح لشيء حين لقيه جونسن في 1737. وقد جابا الشوارع لأنهما أحبا الحانات أكثر مما أحبا مسكنيهما ويذكر بوزويل "بكل ما يمكن من احترام ولياقة.".

أن سلوك جونسن بعد مجيئه إلى لندن، ومعاشرته لسافدج وغيره، لم يكن فيهما شديد الالتزام بالفضيلة، في إحدى النواحي، كما كان هو أصغر سناً. وقد عرف عنه أن ميوله الغرامية كانت قوية عاتية إلى حد غير عادي. واعترف لكثير من أصدقائه أنه اعتاد أن يأخذ نساء المدينة إلى الحانات، ويستمع إليهن وهن يروين سيرتهن. وباختصار يجب ألا نخفي أن جونسن، كغيره من الرجال الطيبين الأتقياء الكثيرين (أكان بوزويل ذاكراً بنفسه وهو يقول هذا؟)... لم يكن خلواً من النوازع التي كانت على الدوام "تشن حرباً على ناموس عقله"-وأنه في معاركه معها كان يهزم أحياناً"(16).

وقد رحل سافدج عن لندن في يوليو 1739 ومات في سجن للمدنيين عام 1743. وبعد ذلك بعام أصدر جونسن "سيرة رتشارد سافدج"، وهو كتاب وصفه فيلدنج بأنه "قطعة من الأدب لا تقل أنصافاً وإجادة عن أي قطعة قرأتها من نوعها"(17). وكانت هذه السيرة إرهاصاً بكتاب جونسن "سير الشعراء" (وقد ضمنت فيه). ونشرت السيرة غفلاً من اسم الكاتب، ولكن سرعان ما اكتشف أدباء لندن أن جونسن كاتبها. وبدأ الكتابيون يرون فيه الرجل المؤهل لتصنيف قاموس للغة الإنجليزية.

القاموس 1746-1755[عدل]

قاموس جونسون الجزء 1 (1755) صفحة الغلاف

كتب هيوم قبل ذلك في 1741 يقول "إنا لا نملك قاموساً للغتنا، ولا نكاد نملك أجرومية متوسطة الجودة"(18). وكان في هذا مخطئاً، لأن نثانائيل بيلي كان قد أصدر في 1721 "قاموساً إنجليزياً ايتمولوجياً جامعاً"، وكان لهذا القاموس أسلاف قريبة الشبه بالمعاجم. ويبدو أن اقتراح تصنيف قاموس جديد جاء من روبرت ددسلي في حضور جونسن، الذي قال أعتقد أنني لن أضطلع به"(19). ولكن حين انضم كتابيون آخرون إلى ددسلي وعرضوا 1.575 جنيهاً على جونسن أن التزم المهمة، وقع العقد في 18 يونيو 1746. وبعد إطالة الفكر وضع في أربع وثلاثين صحيفة "خطة لقاموس للغة الإنجليزية" وطبعها. ثم أرسلها إلى عدة أشخاص منهم اللورد تشسترفيلد، الذي كان يومها وزيراً للدولة، ومعها ثناء مشرب بالأمل على نبوغ هذا الأيرل في الإنجليزية وغيرها من ضروب المعرفة. ودعاه تشسترفيلد للحضور، فذهب جونسن، ونفحه الأيرل بعشرة جنيهات وكلمة تشجيع. ثم قصده جونسن ثانية بعد حين، فأبقاه منظراً ساعة، غادر بعدها المكان غاضباً، وطلق فكرة إهداء قاموسه إلى تشسترفيلد.

وشر ع في مهمته على هون، ثم ازداد همة ونشاطاً، لأنه كان ينقد أجره منجماً. وحين وصل إلى كلمة Lexicographer (المعجمي) عرفها بهذه العبارة "كاتب للقواميس، كادح لا يؤذي أحداً" وكان الرجاء يحدوه بإنجاز العمل في ثلاث سنوات، فاستغرق منها تسعاً. وفي 1749 انتقل إلى جف سكوير، المقابل لفليت ستريت، واستأجر خمسة سكرتيرين أو ستة دفع من جيبه أجرهم، وأقامهم بالعمل في غرفة بالطابق الثالث. وقرأ أعلام كتاب القرن الواقع بين عامي 1558 و1660-ابتداء من ارتقاء إليزابث الأولى العرش إلى ارتقاء تشارلز الثاني، فقد كان يعتقد أن اللغة الإنجليزية بلغت في تلك الحقبة أبعد شأو لها، وقصد أن يتخذ لغة الحديث الإليزابيثي-الاستيوارتي معياراً يرسي عليه قواعد الاستعمال الجيد للغة. وكان يضع خطاً تحت كل جملة يريد اقتباسها لإيضاح استعمال كلمة ما، ودون في لهامش الحرف الأول من الكلمة المراد تعريفها. وأصدر تعليماته لمعاونيه بأن ينسخوا كل جملة مخططة على جزازة منفصلة، ويدخلوا هذه في مكانها الأبجدي من قاموس بيلي، الذي استعان به منطلقاً ومرشداً.

وخلال هذه السنين التسع اقتنص اجازات كثيرة من تعاريف قاموسه. وكان أحياناً يستسهل نظم قصيدة عن تعريف لفظ. ففي 9 يناير 1749 نشر قصيدة من اثنتي عشرة صفحة عنوانها "بطلان الرغبات البشرية"، وكانت كسابقتها "لندن" التي نظمها قبل عشر سنين تقليداً لجوفينال من حيث الشكل، ولكنها عبرت بقوة هي قوته هو دون غيره. وقد ظل ساخطاً على فقره وعلى إهمال تشسترفيلد له:

قاموس جونسون الجزء 2 (1755) صفحة الغلاف
د. صمويل جونسون - مؤلف جيمس بوزويل - كاتب تراجم سير جوشوا رينولدز - مضيف ديڤيد گاريك - ممثل إدموند بـِرك- رجل دولة پاسكواله پاولي - إستقلالي كورسيكي تشارلز برني - مؤرخ موسيقي توماس وارتون - شاعر أوليفر جولدسميث - كاتب غالباً ''The Infant Academy'' (1782) صورة زيتية غير معروفة پورتريه غير معروف خادم - غالباً وريث د. جونسون استعمل الأزرار للتكبير أو استعمل الوصلات على أجزاء الصورة
حفل أدبي في منزل السير جوشوا رينولدز، 1781, يظهر في الصورة صمويل جونسون وأعضاء "النادي" – استخدم الفأرة للتعرف عليهم.

فانظروا أي شرور تعدو على حياة الأديب

الكدح، والحسد، والفقر، والراعي المتفضل، والسجن.

ثم ما أشد بطلان انتصارات المحارب!

تأمل تشارلز الثاني ملك السويد:

ترك الاسم، الذي كان يصفر لذكره وجه الدنيا،

ليدل الناس على عبرة أو ليجمل قصة(20).

إذن فما أغبى الأمل في طول العمر بينما نرى بطلان الشيخوخة وخديعتها وآلامها: كالعقل يشرد في حكايات مكررة، والحظ يهتز مع أحداث كل يوم، والأبناء يتآمرون على الميراث ويتحسرون على تباطؤ الموت، بينما "تغير أوصاب لا حصر لها على المفاصل، وتضرب نطاقاً على الحياة، وتضيق الخناق على هذا الحصار الرهيب"(21). وما من سبيل للفرار من الآمال الباطلة والفناء المحقق إلا سبيل واحدة: هي الصلاة، والإيمان بإله عنده الخلاص والثواب.

ومع ذلك كان لهذا المتشائم لحظات استمتع فيها بالسعادة. ففي 6 فبراير 1749 أخرج جاريك مسرحيته "ايريني". وكان حدثاً خطيراً في نظر جونسن، فاغتسل، وشد على كرشه بصدرية قرمزية موشاة بمخرمات ذهبية، وازدهى بقبعة لها ذات الحلية، وراح يرقب صديقه وهو يلعب دور محمد الثاني أمام السيدة كيبر التي لعبت دور أيريني، واستمر عرض المأساة تسع ليال، وأتت لجونسن بحصيلة قدرها مائتا جنيه، ولم تبعث بعدها قط، ولكن ددسلي نقده مائة أخرى لقاء حق التأليف. وحقق الآن (1749) من الشهرة والثراء ما أتاح له تأسيس ناد، وليس هو "النادي" (Club) "الذي جاء بعد خمسة عشر عاماً، بل " نادي آيفي لين"، وهو اسم منقول عن الشارع الذي اعتاد فيه جونسن أن يلتقي في حانة كنجز هد بهوكنز وسبعة أصحاب آخرين كل مساء ثلاثاء يأكلون البفتيك ويتبادلون الآراء المتحيزة. ويقول جونسن "إلى هناك كنت أختلف دائماً"(22).

وكان في كل ثلاثاء وجمعة، من 21 مارس 1750 إلى 14 مارس 1752، يكتب مقالاً صغيراً ينشره كيف تحت عنوان "الجوال" (رامبلر)، ويتقاضى على ذلك أربعة جنيهات في الأسبوع. وكان المبيع من المقالات يقل عن الخمسمائة نسخة، وخسر كيف في هذه المغامرة، ولكنها حين جمعت في كتاب طبع منه اثنا عشرة طبعة قبل وفاة جونسن. فهل نعترف بأننا لم نجد طرافة إلا في عددين هما 170 و171(23)، وفيهما جعل جونسن مومساً تدل الناس على عبرة وتجمل قصة؟ وقد شكا النقاد من إسراف الأسلوب والألفاظ في الطول على الطريقة اللاتينية، ولكن بوزويل، فيما بين أوزاره، وجد عزاء وراحة في حض جونسن قراءه على التقوى(24).

وكان جونسن يعاني توتراً غير عادي في تلك السنوات، لأن ذهنه أرهقته التعاريف، ومعنويته هبط بها تدهور حال زوجته. ذلك أن "تتي" راحت تهدئ آلام الشيخوخة والوحدة بالخمر والأفيون. وكثيراً ما كانت تقصي جونسن عن فراشها)(25). ونادراً ما كان يصطحبها حين يتناول طعامه خارج الدار. ويقول الدكتور تيلر، كان يعرفهما معرفة وثيقة، إنها "كانت البلاء الذي نكبت به حياة جونسن، وكانت ثملة إلى درجة بشعة، حقيرة من جميع الوجوه، وكان جونسن يشكو مراراً... من وضعه مع زوجة كهذه"(26)، غير أن موتها (28 مارس 1752) أنساه عيوبها، فبات مفتوناً بها بعد موتها فتنة أضحكت أصحابه. وأطرى فضائلها، ورثى لوحدته، ورجا أن تشفع له عند المسيح(27). ويقول بوزويل وهو يستحضر تلك الحقبة "لقد أخبرني أنه كان عادة يخرج من داره في الرابعة مساء، وقل أن يعود إلا في الثانية صباحاً... وكان منجعه هو حانة ميتر بفليت ستريت، حيث كان يحب أن يطيل السهر"(28).

جيمس بوزيل في عمر 25

على ان جونسن كان يرهب الوحدة. ومن ثم فقد أتى بآنا وليمز إلى بيته في جف سكوبر (1752)، وكانت شاعرة ولزية تكاد تفقد بصرها. ثم فشلت جراحة أجريت لعلاجها، فطف بصرها تماماً. وقد مكثت مع جونسن حتى وفاتها (1783) باستثناء فترات قصيرة تخللت هذه الفترة، تشرف على إدارة البيت والمطبخ، وتقطع شرائح الشواء-وتحكم على امتلاء الأقداح دون مرشد غير أصابعها. أما احتياجات جونسن الأخص فقد اتخذ لقضائها (1753) خادماً زنجياً يدعى فرانك باربر، ظل يلازمه تسعة وعشرين عاماً. وقد أدخله جونسن المدرسة، وجهد ليجعله يتعلم اللاتينية واليونانية، وخلف له تركة لا يستهان بها. واستكمالاً لمقومات هذه المنشأة دعا جونسن طبيباً مهجوراً منبوذاً يدعى روبرت لفيت ليسكن معه (1760). وقد ألف ثلاثتهم بيتاً كثير الشجار، ولكن جونسن كان شاكراً لصحبتهم.

وفي يناير 1755 دفع بآخر فروخ "القاموس" إلى الطابع، الذي حمد الله على قرب خلاصه من هذا العمل وهذا الرجل. ونمى إلى تسشترفيلد نبأ القاموس الوشيك الظهور، وكان يأمل أن يصدره صاحبه بعبارة إهداء له. وحاول أن يكفر عن قصر نظره في الماضي بمقالين كتبهما لإحدى المجلات يرحب فيهما بالأثر الأدبي المرتقب، ويطري جونسن أديباً يسره أن يرتضيه حكماً لا يرد في استعمال الإنجليزية الفصحى. غير أن المؤلف المعتز بكرامته أرسل إلى الأيرل (7 فبراير 1755) رسالة وصفها كارلايل بأنها "نفخة بوق الحشر الذائعة الصيت التي أعلنت أن نظام رعاية الأدب يجب ألا تقوم له قائمة":

سيدي اللورد:

أبلغني صاحب مجلة "ورلد" مؤخراً أن فخامتكم كاتب المقالين الذين زكيا قاموسي لجمهور القراء... وإن تنويهكم بفضلي لشرف لا أدري كيف أستقبله أو بأي عبارات أعرب عن اعترافي به لقلة تعودي على أفضال العظماء. سيدي اللورد، لقد انقضت اليوم سبع سنوات منذ انتظرت في حجرتك الخارجية أو رددت عن بابك، ورحت خلال هذه الحقبة أدفع عملي خلال مصاعب من العبث أن أشكو منها، حتى بلغت به آخر الأمر حافة النشر، دون أن تسدي إلي يد واحدة، أو كلمة تشجيع واحدة، أو ابتسامة عطف واحدة. ومثل هذه المعاملة لم أتوقعها، لأنه لم يكن لي راع بتاتاً قبل ذلك. أليس راعي الأدب يا سيدي اللورد ذلك الذي ينظر في غير اكتراث إلى رجل يصارع من أجل الحياة في الماء، حتى إذا بلغ اليابسة أثقله بمساعدته؟

إن الاهتمام الذي طاب لك أن تبديه نحو جهودي كان كريماً لو أنه جاء مبكراً، ولكنه تأخر حتى أمسيت عديم الاكتراث له، عاجزاً عن الاستمتاع به، وحتى بت وحيداً لا أستطيع إشراك غيري فيه، معروفاً لا حاجة بي إليه. وأرجو ألا يعد من القسوة البالغة السخرية ألا أعترف بأفضال لم أتلق منها نفعاً، أو أن أكره أن يعدني الجمهور مديناً لراع بما مكنتني العناية الإلهية من أن أؤديه لنفسي. وإنني إذ مضيت بعملي هذا الشوط بقدر ضئيل جداً من الدين لأي راع للأدب، فلن يفت في عضدي أن أنهي العمل بقدر أضأل إن كان هذا القدر متاحاً، ذلك أنني أفقت منذ أمد بعيد من حلم الأمل الذي كنت يوماً ما أعتز به في اغتباط شديد:

وإنني يا سيدي اللورد

خادمكم المتواضع المطيع

صمويل جونسن.

 – Boswell's Life of Samuel Johnson

أما تعليق تشسترفيلد الوحيد على الرسالة فهو أنها "كتبت كتابة جيدة جداً"، وهي في الحق آية من آيات نثر القرن الثامن عشر، بريئة تماماً من المشتقات اللاتينية التي كانت أحياناً تعوق أسلوب جونسن وتثقله. ولا بد أن كاتبها كان عميق الإحساس بها والتفكير فيها، لأنه تلاها على مسامع بوزويل من الذاكرة بعد ست وعشرين سنة(30)، ولم تنشر الرسالة في لابد بعد موت جونسن. ولعل غيظه شوه حكمه على "رسائل تشسترفيلد لولده" بأنها-"تعلم أخلاقيات بغي، وعادات معلم رقص"(31).

وذهب جونسن إلى أكسفورد في مطالع 1755، ومن جهة ليرجع إلى المكتبات، ومن جهة أخرى ليقترح على صديقه توماس وارتن أنه مما يعين على رواج القاموس أن يستطيع مؤلفه إضافة درجة جامعية إلى اسمه. ودبر وارتن الأمر، وفي مارس خلعت على جونسن درجة أستاذ آداب فخرية. وهكذا صدر القاموس آخر الأمر، في مجلدين من القطع الكبيرة بلغا قرابة 2.300 صفحة، وحدد له ثمناً أربعة جنيهات وعشرة بنسات. وفي ختام المقدمة أعلن جونسن أن " القاموس الإنجليزي ألف بمساعدة ضئيلة من المثقفين، ودون أي رعاية من العظماء، ولم يؤلف في هدوء العزلة الناعم، ولا تحت الظلال الجامعية الوارفة، بل في غمار العناء والحيرة، وفي جو المرض والحزن، ولعله مما يكبح انتصار أصحاب النقد الخبيث أن يلاحظوا أنه إذا كانت لغتنا الإنجليزية لم تحظ هنا بعرض كامل، فعذري أنني إنما فشلت في محاولة لم تنجزها كمدرات البشر إلى الآن... لقد أطلت عملي حتى طوى القبر أكثر من كنت أبغي إدخال السرور إلى أفئدتهم، وبات النجاح والإخفاق أصواتاً فارغة، ومن ثم فإني أطلقه في هدوء لا يبالي، إذ ليس هناك ما أخشاه أو أرجوه من اللوم أو المديح".

وما كان في الإمكان أن يتوقع من النقاد أن يدركوا أن قاموس جونسن عين قمة، وخطاً فاصلاً في أدب القرن الثامن عشر الإنجليزي، كما عينت موسوعة ديدرود الأمبير (1751-72) قمة ونقطة تحول في أدب فرنسا. ولقد كان هناك ضحك كثير على عيوب عارضة في عمل جونسن. فبين المواد التي بلغت أربعين ألفاً ألفاظ غريبة مثل Gentilitious وSygilates (وهما لفظتان يحتفظ بهما قاموس وبستر باحترام). وحوى القاموس تعريفات غاضبة كتعريف كلمة "معاش" Pension "مكافأة تمنح لإنسان بدو مقابل. والكلمة في إنجلترا تفهم عموماً على أنها تعني راتباً يدفع لأجير للدولة نظير خيانته لوطنه". أو كلمة Excise (ضريب الإنتاج) "ضريبة بغيضة على السلع". ثم هناك نكت شخصية كما في تعريف كلمة Oats (الشوفان) "غلة تطعم بها الخيول في إنجلترا عادة، ولكنها في إسكتلندة يقتات بها الآدميون"-وكان هذا صحيحاً لا غبار عليه. وسأل بوزويل جونسن إن كانت المدنية Civilization كلمة: فقال لا، ولكن Civility (الكياسة)(32). كلمة.. وكثير من "أتمولوجيات" جونسن (تتبع أصول الكلمات وتاريخها) يرفض اليوم، فقد كان يعرف الكثير من اللاتينية، وأقل منه من اليونانية، ولكنه كان ضئيل العلم باللغات الحديثة، وقد اعترف صراحة أن "الإتيمولوجيا" نقطة الضعف فيه(33). وقد عرف كلمة Pastern بأنها "ركبة الحصان" (وصحتها جزء من قدم الحصان). وحين سألته سيدة كيف حدث أنه وقع في خطأ كهذا. فأجاب "الجهل يا سيدتي، والجهل المطبق"(34)، ولم يكن في استطاعته تجنب العثرات في قاموس بهذه الضخامة كل صفحة فيه تفتح أبواباً كثيرة للزلل.

ولقد لقي إنجاز جونسن العظيم التقدير خارج وطنه. فأهدته الأكاديمية الفرنسية نسخة من قاموسها، وأهدته أكاديمية ديللاكروسكا الفلورنسية قاموسها(35). وراج القاموس رواجاً أرضى الكتابيين، فنقدوا جونسن أجر تجهيز طبعة مختصرة. وظل القاموس المطول قياسياً حتى حل محله "نوح ويستر" في 1828. وقد وضع القاموس جونسن في قمة المؤلفين الإنجليز في عصره؛ والواقع أن جونسن اكتسب سلطان الحكم الذي لا يرد له حكم في الأدب الإنجليزي، إذا استثنينا أدباء أرستقراطيين مثل هوراس ولبول. وهكذا بدأ حكم "خان الأدب الأكبر".

الحلقة المسحورة[عدل]

على أنه لم يكن فوق الاعتقال بسبب الدين. ذلك أنه أنفق أجره الذي تقاضاه عن القاموس بالسرعة التي أتاه بها. ففي 16 مارس 1756 كتب إلى صموئيل رتشاردسن يقول: "سيدي، أنني مضطر إلى طلب معونتك. فأنا الآن مقبوض علي لأنني مدين بخمسة جنيهات وثمانية عشر شلناً... فإذا تفضل بموافقتي بهذا المبلغ رددته لك شاكراً، مضيفاً إياه إلى كل أفضالك السابقة"(36). وأرسل إليه رتشاردسن ستة جنيهات. وكان يكسب قوته في تلك الحقبة بتحرير المقالات للمجلات، وبتأليف المواعظ بجنيهين للعظة لرجال الدين الذين لم يوهبوا القدرة الكبيرة على البيان، وبجمع الاكتتابات مقدماً عن طبعة من مؤلفات شكسبير وعد بتحقيقها، وبكتابة مقال أسبوعي لليونفرسل كرونكل (15 أبريل 1758 إلى 5 أبريل 1760) باسم "العاطل" وكانت هذه المقالات أخف روحاً من "الرمبلر"، ولكنها مع ذلك أشد جداً وثقلاً مما يحتمله القراء الذين يتحرون الجري في القراءة. وقد ندد مقال منها بتشريح الحيوان الحي، وشهر آخر بسجون المدينين. ورثى المقال رقم 5 لانفصال الجند عن زوجاتهم، واقترح تأليف فرق من " الفارسات الخفاف" يقمن بأعمال التموين والتمريض، ويرحن أزواجهن فيما عدا هذا.

وفي يناير 1759 بلغه أن أمه ذات التسعين، التي لم يرها منذ اثنين وعشرين عاماً، مشرفة على الموت. فاقترض نقوداً من طابع، وبعث إليها بستة جنيهات في رسالة رقيقة. ووافاها الأجل في 23 يناير. ولكي يغطي نفقات جنازتها وديونها كتب في أمسيات أسبوع واحد (في رواية رينولدز) "تاريخ راسيلاس أمير الحبشة" وأرسله إلى الطابع جزءاً فجزءاً، ونقد عنه مائة جنيه. فلما نشر في أبريل رحب به النقاد أثراً من عيون الأدب، وقارنوا بينه وبين قصة فولتير "كانديد" التي صدرت في الوقت نفسه تقريباً وعالجت المشكلة ذاتها: أيمكن أن تأتي الحياة بالسعادة؟ أما جونسن فلم يؤخر الجواب، "يا من تستمعون وأحلام الأمل تراودكم، وتتوقعون أن تحقق الشيخوخة وعود الشباب، وأن الغد سيعوض عن نقائص اليوم، انتبهوا لتاريخ راسيلاس"(37). يقول جونسن أنه كان من عادة الملوك الأحباش أن يلزموا وريث العرش وادياً طيباً خصباً يأتي الوقت لاعتلائه العرش. وكان يزود بكل شيء: بقصر، وطعام طيب، وحيوانات مدلله، ورفاق أذكياء. ولكن راسيلاس يزهد في هذه المباهج حين بلغ السادسة والعشرين. فهو لا يفتقد الحرية فحسب بل الكفاح أيضاً. "سأكون سعيداً لو كان أمامي هدف أسعى نحوه". فيطيل الفكر في كيفية الهروب من هذا الوادي المطمئن ليرى كيف يسعى غيره من الرجال إلى السعادة وكيف يجدونها.

ويقترح ميكانيكي حاذق أن يبني آلة طائرة تحلق بهما فوق الجبال المحيط إلى الحرية. ويشرح فكرته هكذا: "أن الذي يستطيع السباحة يجب ألا ييأس من إمكان الطيران، فالسباحة طيران في سائل أكثف، والطيران سباحة في عنصر أخف. وما علينا إلا أن نحقق التناسب بين قوة مقاومتنا وكثافة المادة المختلفة التي نخترقها. فسيحملك الهواء بالضرورة إذا استطعت تحديد أي دفع يدفعه بأسرع مما يستطيع الهواء أن يتراجع من الضغط.. وسيكون جهد الارتفاع عن الأرض شديداً.. ولكننا كلما ارتفعنا قلت جاذبية الأرض وثقل الجسم تدريجياً حتى نبلغ منطقة يطفو فيها الإنسان في الهواء دون أي ميل للسقوط".

ويشجع راسيلاس الميكانيكي، فيوافق على صنع طائرة، "ولكن بشرط، وهو ألا يفشي سر هذه الصنعة، وألا تلزمني بأن أصنع أجنحة لسوانا". ويسأله الأمير "ولم تضمن على غيرك بمثل هذه الفائدة الكبرى؟" ويجب الميكانيكي "لو كان الناس كلهم لعلمتهم بغاية الخفة أن يطيروا. ولكن أي ضمان للأخيار إذا كان في استطاعة الأشرار إن شاءوا أن يغزوهم من الجو؟" ثم يصنع طائرة، ويحاول الطيران، فيسقط في بحيرة ينقذه منها الأمير(38).

ويؤثر راسيلاس التحدث إلى الفيلسوف إيملاك، الذي شهد كثيراً من الأقطار والناس. ويجدان كهفاً يفضي إلى ممر يؤدي إلى العالم الخارجي، ويهربان من فردوسهما مع أخت الأمير نكاياه وخادمتها. ثم يزورون القاهرة وقد تزودوا بالحلي عملة عالمية، ويشاركون في ملاهيها ثم يملونها. ويستمعون إلى فيلسوف رواقي يتحدث عن قهر الشهوات، وبعد أيام يعثرون عليه وقد برح به الحزن على موت أبنته. وإذ كانوا قد قرءوا الشعر الرعوي فقد افترضوا أن رعاة الغنم لا بد سعداء، ولكنهم اكتشفوا أن هؤلاء الرجال "تقرحت سخطاً" و"حقداً وضغينة على من هم أعلى منهم مكانة"(39). ثم يقعون على ناسك، فيتبينون أنه يتوق سراً إلى مباهج المدينة. ويستفسرون عن سعادة الحياة البيتية، فيجدون كل بيت قد خيم عليه الظلام الشقاق و"الصدام القاسي بين الرغبات المتعارضة"(40). ويرتادون الأهرام ويحكمون عليها بأنها قمة الحماقة. ويسمعون عن الحياة السعيدة التي يحياها الدارسون والعلماء، فيلتقون بفلكي مشهور، يخبرهم أن "الأمانة بغير المعرفة ضعيفة عديمة الجدوى، والمعرفة بغير الأمانة خطرة رهيبة"(41)، ولكن الفلكي يجن. وينتهون إلى أنه ما من طريق من طرق الحياة على الأرض يقضي إلى السعادة، ثم يعزيهم إيملاك بحديث عن خلود النفس، ويعتزمون العودة إلى الحبشة والرضى بتقلبات الحياة في هدوء تحدوهم الثقة في قيامة سعيدة.

وهي قصة قديمة تجسدت في صورة من أبدع صورها. ويدهشنا ذلك التدفق الجميل والوضوح الذي يتميز به الأسلوب، الذي بعد كل البعد عن الألفاظ الثقيلة التي نجدها في مقالات جونسن بل حتى في حديثه. وبدا مستحيلاً أن يكون المعجمي المتفقه هو كاتب هذه القصة البسيطة، وانه مما لا يصدق أن يكون قد كتب هذه الصفحات التي بلغت 141 في سبعة أيام.

وكان أثناء ذلك قد انتقل من جف سكوير إلى ستيبل إن (23 مارس 1759)؛ وستراه بعد قليل وقد انتقل إلى جرييز إن، ثم إلى الأنر تمبل لين. والراجح أن هذه التنقلات كان دافعها الاقتصاد في النفقة. ولكن في يوليو 1762 رفع جونسن فجأة إلى حالة من الثراء النسبي بفضل معاش سنوي قدره 300 جنيه نفحه به جورج الثالث بناء على نصيحة اللورد بيوت. أما السبب في أن هذه المنحة كانت من نصيب رجل كان قد عارض الأسرة الهانوفرية في إصرر، وسخر من الإسكتلنديين في كل مناسبة، ووصف المعاش بأنه "أجر يدفع لأجير للدولة نظير خيانته لوطنه"،-هذا السبب دار حوله الكثير من قصص الأسرار. فاتهمه أعداؤه بأنه يؤثر المال على المبدأ، وزعموا أن بيوت كان يبحث عن قلم جبار يرد على ولكس، وتشرشل، وغيرهما ممن كانوا يشوهون سمعته بكتاباتهم. وزعم جونسن أنه قبل المعاش على أساس صريح أكده بيوت مرتين، هو ألا يطلب إليه أن يؤيد الحكومة بقلمه(42). وقد أسر إلى بوزويل بأن "لذة لعن بيت هانوفر، وشرب نخب الملك جيمس، ترجحها المئات الثلاث من الجنيهات في العام رجحاناً كبيراً"(43). على أي حال فقد استحق المعاش أضعافاً مضاعفة، لا عن الكراسات السياسية التي كتبها في السنين اللاحقة، بقدر استحقاقه إياه عن إثرائه الأدب الإنجليزي بالقلم والحديث وبالحكمة والنكتة المطهرة.

وكان له من الأصدقاء عدد يكفي لتشتيت الأعداء. يقول "أن الصداقة هي الشراب المنعش الذي يعين على ابتلاع جرعة الحياة المقززة"(44). وكان في كل محفل تقريباً من المحافل التي يختلف إليها يصبح محور الحديث، لا لأنه شق طريقه بالقوة إليه، بل لسبب أهم هو أنه كان أعظم شخصية متفردة في حلقات لندن الأدبية، وكان في استطاعة سامعيه أن يثقوا بأنه سيقول شيئاً كلما تكلم. ورينولدز هو الذي اقترح تأليف "النادي" الذي سماه بوزويل فيما بعد "النادي الأدبي"، وأيد جونسن الاقتراح، وفي 16 أبريل 1764 بدأت الجماعة الجديدة لقاءاتها في أمسيات الإثنين بحانة "تيركس هد" في شارع جرارد بحي سوهو، أما الأعضاء الأصليون فهم رينولدز، وجونسن، وبيرك، وجولدسمث، وكرستوفر نجنت، وتبهام بوكلرك، وبنيت لانتجن، وانتوني كامين، والسر جون هوكنز. وأضيف إلى هؤلاء فيما بعد آخرون بتصويت الأعضاء: جبون، وجاريك، وشريدان، وفوكس، وآدم سمث، ودكتور بيرني...

ولم يظفر بوزويل بالعضوية إلا في 1773، وقد يكون بعض السبب أنه لم يكن يفد على لندن إلا لماماً. ولم ينفق خلال السنين الإحدى والعشرين. بين التقائه بجونسن ووفاة جونسن، أكثر من عامين وبضعة أسابيع على قرب من معبوده. وكان في حرارة إعجابه التي لم يخفها، وفي علم جونسن بأن بوزويل يخطط لكتابة سيرته، ما جعل أكبر الرجلين يغفر ما أبداه الاسكتلندي من مسلك يقرب من العبادة المتملقة. والمتكلم المجيد للكلام، والمستمع المجيد للاستماع، يؤلفان صاحبين سعيدين. ولم يكن جونسن شديد الاحترام لعقلية بوزويل. فحين قال "بوزي"، كما كان يلقبه، أن النبيذ الذي شربه أثناء حديثهما أصابه بالصداع، وقال جونسن مصححاً: لا يا سيدي، ليس النبيذ هو الذي صدع رأسك، بل المعنى الذي وضعته أنا فيه". وقال بوزويل متعجباً "ماذا يا سيدي! وهل يصدع المعنى الرأس؟" "نعم يا سيدي، إذا لم يكن معتاداً عليه"(45). (وفي "السيرة" فقرات يبدو فيها بوزويل يتكلم كلاماً معقولاً عن كلام جونسن). وفي معرض الثناء على ملحمة بوب عن المغفلين (الدنسياده) لا حظ جونسن أنها خلعت على بعض المغفلين ذكراً خالداً، ثم واصل نكتته: "لقد كانت الغفلة يومها أمراً جديراً بالاهتمام.. آه، يا سيدي، لو إنك عشت في تلك الأيام!"(46). ولكن الدب الشائخ لم يلبث أن تعلم أن يحب شبله، فقال له في 1763(47) "قليل من الناس من آنس إليه أنسى إليك". وقال بوزويل لم يغادر قط بيتاً دون أن يترك فيه رغبة في عودته"(48). وفي 1775 أعطى بوزويل حجرة في مسكن جونسن لينام فيها حين يمتد بهما الحديث إلى ساعة متأخرة من الليل(49).

وفي 31 مارس 1772 كتب في يوميته: "إني مصمم على كتابة سيرة المستر جونسن. وأنا لم أخبره بنيتي بعد، ولا أدري إن كان من واجبي أن أفعل". ولكن جونسن علم بالأمر في أبريل 1773 إن لم يكن قبله(50). وعلم غيره به. وغاظتهم طريقة بوزويل في إثارة مسائل جدلية بقصد واضح هو جر رجل الأديب العجوز والظفر بدرة جديدة للسيرة. وافتخر الاسكتلندي الفضولي بأن "النبع كان أحياناً يسد حتى أفتح صنبوره"(51)ولعل جونسن الذي نعرفه ونستطيبه ما كان ليتجلى قط لولا أن حفزته إثارة بوزويل المفرطة ومطاردته التي لا يعتريها الكلل. وشتان بين جونسن هذا وجونسن الذي نجده في "السيرة" التي ألفها هوكنز، أو حتى في "النوادر" الرشيقة التي كتبتها مسز ثريل!.

ويناير 1765 هو تاريخ بداية صله جونسن بأسرة ثريل، وهي صلة لعبت في حياته دوراً أكبر من صداقته لبوزويل. وكان هنري ثريل صانع جعة، وإبناً لصانع جعة، أصاب حظاً طيباً من التعليم وجاب الأقطار، ولم يكن يؤمن أن يشرف وضعه الاجتماعي بانتخابه عضواً في البرلمان. وفي 1763 تزوج هستر لنسن سولزبري، وكانت فتاة ولزية لا يتجاوز طولها خمسة أقدام ولكنه مريحة ذكية. واستغرق هنري في عمله وهو يكبرها بأثني عشر عاماً، ولكنه بذل لها من الاهتمام ما كفى لجعلها تحبل كل سنة بين 1764 و1778، ولنقل عدوى مرضه السري إليها(52). وولدت له اثني عشر طفلاً مات منهم ثمانية في طفولتهم وراحت تسري عن نفسها بالأدب، فلما جاء زوجها إلى البيت بصموئيل جونسن الذائع الصيت، سخرت كل فنون الأنثى وملاطفاتها لتربطه بالأسرة. وسرعان ما اعتاد أن يتعشى مع آل ثريل كل خميس في منزلهما بسوثوراك، وكان منذ 1766 ينفق معهما الصيف عادة في فلتهم الريفية في ستريتهام بمقاطعة صري. وجعلت السيدة ثريل من بيتها صالوناً كان يقطبه جونسن، وراوده رينولدز وجولدسمث وجاريك وبيرك، وآل بيرني، وأخيراً-بوزويل-مدفوعاً بالغيرة لأنه علم أن السيدة ثريل تجمع البيانات عن نظرات بطلها وعاداته وألفاظه. وهكذا قدر لـ "السيرة" أن يكون لها منافس.

الدب الأكبر[عدل]

كيف كان "الدب الأكبر" يبدو؟ كتب بوزويل عقب لقائهما الأول (1763) يقول: "أن مستر جونسن رجل رهيب المنظر للغاية... رجل كبير الحجم جداً، يشكو التهاب العينين، والشلل الارتجافي (تقلص عصبي لا إرادي) والداء الخنازيري وهو رث الهندام جداً، ويتحدث بصوت غاية في الخشونة"(53). ووصفته السيدة ثريل حين تقدم به العمر فقالت: "كانت قامته فارعة إلى حد ملحوظ، وأطرافه غاية في الكبر.. أما قسماته فمحددة تحديداً قوياً، ووجهه مشرس جداً.. وكان في إبصاره قصر، وفيه غير ذلك قصور، ومع ذلك كانت عيناه شديدتي الجموح، والنفوذ، والضراوة أحياناً، حتى أن الخوف منه كان في اعتقادي أول انفعال يبدو في عيون ناظريه"(54).

وكان جونسن يأسف على الساعات التي يجلس فيها إلى مصور يصوره باعتبارها "وقتاً مضيعاً"، ومع ذلك فعل هذا عشر مرات حين رسمه رينولدز، ومرة حين صنع نولكنز له تمثالاً نصفياً. وفي 1756 أبرزه السر جوشوا بديناً ثقيل الحركة(55)، وفي 1770 رسم له صورة جانبية وجعله يبدو شبيهاً بجولد سمث(56). وفي 1772 أسلمته أشهر صورة للأجيال اللاحقة رجلاً ضخماً صعب المراس، له شعر مستعار هائل، ووجه ممتلئ كبير، وحاجبان هابطان فوق عينين حائرتين، وأنف ضخم وشفتان غليظتان، وذقن ملغد.. وكان شعره المستعار تزيحه غير مرة الحركات التشنجية التي تند عن رأسه وكتفيه ويديه(57). وكان مهمل الهندام.

وقد قال لبوزويل "إن الملابس الجميلة لا قيمة لها إلا من حيث سدها النقص في غيرها من وسائل جلب الاحترام للابسها"(58). ولم يكن يعبأ كثيراً بالنظافة الشخصية إلى أن نزل ضيفاً على آل ثريل.

وكان يأكل بشراهة ليملأ فراغ جوفه الكبير، وربما لأنه لم ينس سنوات الجوع. وقال بوزويل:

"لم أعرف قط رجلاً أكثر منه تلذذاً بالأكل الطيب. كان إذا جلس إلى المائدة استغرقته مهمة اللحظة استغراقاً تاماً، فبدت نظراته وكأنها سمرت على طبقه. وما كان ليفوه بكلمة واحدة، ولا ليبدي أقل انتباه لما يقوله غيره-إلا أن يكون في صحبة قوم رفيعي المقام جداً-حتى يشبع شهيته التي كانت شديدة الضراوة حتى... لتنتفخ لها عروق جبينه عادة ويتفصد عرقاً غزيراً ملحوظاً للناظرين(59).

وكان يأكل السمك بأصابعه، "لأنني أشكو قصر النظر، وأخشى شوك السمك"(60). ولم يكن يطيق منظر الخضر. وكان في الأيام التي تتعاظم فيها شهيته للطعام "يحب أن ينعش نفسه بالخمر، ولكنه لم يسكر قط غير مرة واحدة"(61). وحين نددت المسز وليمز بالسكر قائلة "إني لأعجب أي لذة يمكن أن يحس بها الرجال في أن يجعلوا من أنفسهم حيوانات؟" أجاب على الفور "إني لأعجب يا سيدتي أنك لا تملكين من نفاذ البصيرة ما ترين به الإغراء القوي لهذا الإفراط في الشراب، ولأن من يجعل نفسه حيواناً يتخلص من الألم الذي يصيبه من كونه إنساناً"(62). ولكن السكر في رأيه "لا يعين على الارتقاء بالحديث مع الناس، فهو يغير العقل حتى ليسر المخمور بأي حديث"(63). ثم تجنب كل ألوان المسكر في أخرىات حياته، وقنع بالكاكاو، وعصير الليمون، وأقداح الشاي التي لا حصر لها. ولم يدخن قط، "إنه لأمر رهيب أن ننفث الدخان من أفواهنا في أفواه غيرنا من الناس وفي عيونهم وأنوفهم، وأن يفعل الناس بنا هذا الشيء ذاته". وعلل عادة التدخين بأنها "تحفظ العقل من الخواء التام"(64).

وكانت عادته الفظة من جهة أثراً خلفته الأيام والليالي التي قضاها في قاع المجتمع، ومن جهة نتيجة للمثيرات البدنية والمخاوف العقلية. لقد كان قوياً، فخوراً بقوته، استطاع أن يصرع كتيباً دون أن يخشى رده للثأر لنفسه، وأن ينتزع من مكانه رجلاً جرؤ على احتلال كرسي أخلاه جونسن مؤقتاً ويطرحه جانباً؛ وقد امتطى جواداً وصاحب ثريل في رحلة صيد للثعالب عبر الريف امتدت خمسين ميلاً. ولكنه وجد مشقة في حمل بدنه الثقيل. "حين كان يسير في الشوارع، كان يبدو لدوران رأسه المتصل وما رافقه من حركة بدنه كأنه يشق طريقه بتلك الحركة مستقلاً عن قدميه"(65). فإذا ركب "لم يملك زمام جواده ولا توجيهه حيث يشاء، بل كان يحمل وكأنه في بللون"(66).

وبعد 1776 كان يعاني من الربو والنقرس والاستسقاء. ولا بد أن هذه الأمراض وغيرها من أوصاب البدن زادت مزاجه السوداوي حدة، وكان أحياناً يصيبه بغم شديد حتى "أنني لأرضى بأن يبتر مني عضو استرد بعدها مرحي"(67) ولم يكن ليؤمن بأن بين الناس إنساناً سعيداً، ومرة قال عن رجل زعم أنه سعيد "هذا كله هراء، أن الكلب يعرف أنه تعس طوال الوقت"(68).

وبعد أن أخبره طبيب بأن الوهم المرضي يفضي أحياناً إلى الجنون، خاف أن يلتاث عقله يوماً ما(69). وقد أجرى هذه العبارة على لسان إيملاك في قصة "راسيلاس"، "أن أبشع الشكوك وأكثرها إزعاجاً في حالتنا الراهنة هو الشك في احتفاظنا بسلامة عقولنا"(70). وإذا كان يشكو قصراً في بصره فإنه لم يجد لذة تذكر في تأمل جمال النساء أو الطبيعة أو الفن(71). وكان رأيه في النحت أن الناس غالوا في تقديره، "أن قيمة النحت ترجع إلى صعوبته. فأنت لا تقدر أبدع رأس نحت فوق جزره."(72). وقد حاول أن يتعلم العزف "ولكنني لم أفلح قط في إخراج نغمة". وسأل مرة "قل لي بربك يا سيدي من يكون باخ هذا؟ أزمار هو؟"(73)-مشيراً إلى يوهان كرستيان باخ، وكان يومها (1771) أشهر عازف على البيان في إنجلترا. وأحس أن الموسيقى تفسدها الحركات البهلوانية على الأصابع. ومرة سمع بأن عازف كمان نال ثناء الناس لأن القطع التي عزفها عسيرة جداً، فقال مندهشاً "عسيرة-ليتها كانت مستحيلة"(74).

ولابد ان رجلاً أوتى هذه القوة والعافية لقي عنتاً في التعامل مع أحلام الجنس التي تهيج حتى العقل السوي. وحين حضر حفلة الافتتاح لتمثيلية "أيريني" وقاده جاريك إلى "الحجرة الخضراء" التي ينتظر فيها الممثلون بين المشهد والمشهد، ورفض اقتراحاً بأن يكرر هذه الزيارة. "لا يا ديفد، لن أعود للمكان أبداً. لأن ثياب ممثلاتك البيضاء وجواربهن الحريرية تثير أعضائي التناسلية"(75). وقد أدهش بوزويل أن يسمعه يقول يوماً وهو في جزائر الهبريد "كثيراً ما خطر لي أنه لو كنت أقتني حريماً..."(76).

ويمكن القول عموماً أن نقائصه كانت اظهر من فضائله، التي لا تقل عن النقائص وجوداً حقيقياً. وفي وسعنا لأن نعكس ملاحظة هوراس ولبول الذي قال "مع أنه كان طيب الطبع في أعماقه فإنه كان سيئ الطبع جداً في قمته"(77). وقد أعرب جولد سمث عن هذا المعنى ذاته بعبارات ألطف: "إن في سلوك جونسن خشونة، ولكن ليس هناك إنسان حي له قلب أرق. فليس فيه من الدب إلا جلده"(78). فهذا الرجل الذي كان رث الهندام، بليداً مؤمناً بالخرافة، فظاً، مستبد الرأي، متكبراً، كان أيضاً رحيماً، عطوفاً، كريماً، يبادر بطلب الصفح وبالنسيان. وقد قدرت مسز ثريل أن جونسن كان يبذل 200 جنيه من معاشه البالغ 300 جنيه(79)، وأظافت: "كان يرعى مجاميع بأسرها من الناس في بيته... وكان وهو ينفق نصف الأسبوع في بيتنا عادة، يحتفظ بأسرته الكبيرة العدد في فليت ستريت تخصصاً لأفرادها نفقة ثابتة، ولكنه يعود إليهم كل سبت ليقدم لهم ثلاث وجبات طيبة بالإضافة إلى صحبته، قبل أن يعود إلينا في ليلة الإثنين-باذلاً لهم ذات الحفاوة والمجاملة التي كان يبذلها لمثلهم من أفراد المجتمع الراقي أو ربما أكثر منها"(80).

وكان يكتب لغير المقدمات والإهداءات والعظات وحتى الآراء القانونية، مجاناً في حالات كثيرة. وقد جاهد بلسانه وقلمه لينقذ الدكتور وليم دد من حبل المشنقة. وحين رأى مومساً راقدة في الطريق (وكان في عامه الخامس والسبعين) وضعها على ظهره، وحملها إلى مسكنه، واعتنى بها حتى استعادت صحتها، ثم "حاول أن يعينها على كسب رزق حلال"(81). وقد قال جورج ستيفنز الذي تعاون معه في التعليق على مسرحيات شكسبير "لو أن الحسنات الكثيرة التي أخفاها عمداً، والأفعال الإنسانية التي أسداها سراً، أعلن عنها بذات التفصيل الدقيق (كزلاته)، لتاهت عيوبه في وهج فضائله فلم يبق أمام الناس غير الفضائل"(82).

ولم يؤلف خلال العوام التسعة عشر الباقية من عمره سوى كتاب هام واحد هو "سيرة الشعراء"، وفيما عدا ذلك أحل لسانه محل قلمه. وقد وصف نفسه بأنه "رجل يحب أن يلف ساقيه ويطلق حديثه"(83). ولو غضضنا النظر عن تلذذه بالطعام، لوجدناه أسعد ما يكون حياة حين يتحدث إلى جماعة ذكية. وكان قد اجتمع له بالملاحظة والقراءة ذخيرة خارقة وتنوع مدهش من المعرفة بشئون البشر، وقد حمل الكثير من هذه المعرفة في مخزن ذاكرته وكان يرحب بفرصة التخفف منها. ومع ذلك فقلما كان البادئ بأي نقاش جاد، وما كان يفصح عن رأيه إلا حين يثير بعضهم موضوعاً أو تحدياً. وكان يجد دائماً إغراء بأن يعارض رأي غيره، وكان على استعداد للدفاع عن أي قضية أو عكسها، يلتذ بالجدل لعلمه بأنه لا يقهر، ويصمم أنه ألذها. وكان على علم بأن هذا لم يكن أرقى ضروب الحديث، ولكنه كان واثقاً أنه ألذها, وكان إذا حمى وطيس المعركة واشتد استمتاعه بها لا يعرف المجاملة. يقول بوزويل "لم يكن يرحم أحداً منا. مرة قال لأحد مجادليه: لقد عثرت لك على حجة، ولكني لست ملزماً بالعثور لك على فهم(85). يقول جولدسمث "لا سبيل للجدل مع جونسن، فهو إن أخطأك رصاص طبنجته صرعك بمقبضها"(86) ويروي بوزويل هذه القصة عنه، "حين ألممت بالدكتور جونسن صبيحة الغد وجدته راضياً كل الرضى عن قدراته الكلامية في البارحة. فقد قال :حسناً، لقد استمتعنا بحديث طيب". بوزوبل "أجل يا سيدي، لقد قذفت بالكثيرين واثخنتهم بالجراح"(87). وقد وصفه توماس شريدان بأنه "بلطجي"(88). وجبون بأنه متعصب تعصباً أعمى(89). وقال عنه اللورد مونبودو أنه "أشر وأخبث رجل عرفته في حياتي، لا يثني على كاتب أو كتاب أثنى عليه غيره (ولكنه أثنى على قصة فاني بيرني "أفلينا")... ولا طاقة له على سماع أي شخص غيره يشد انتباه الجماعة، ولو لوقت قصير جداً"(90) أما هوراس ولبول، الآمن في وظائفه الشرفية، فكان يرتعد حين يخطر جونسن بباله، وقد أجمل وصفه على النحو الذي يراه ابن رئيس وزراء من حزب الأحرار.

"كان جونسن بما ملك من سقط الثقافة وبعض الجوانب القوية شخصية كريهة خسيسة. فهو من حيث المبدأ استيوارتي، مزهو، مكتف بذاته، متغطرس... ولقد ابتذل قلمه وسخره للحزبية حتى في معجمه، ثم ناقض تعريفاته بعد ذلك لقاء معاش يتلقاه. وكانت عاداته قذرة متعالية وحشية، وأسلوبه خبيثاً طناناً إلى حد مضحك، وباختصار كان فيه رغم كل حذلقته وتنطعه تلك التفاهة الهائلة التي تجدها في المعلم الريفي.. فليت شعري ماذا يحسبنا الخلف حين يقرءون أي صنم عبدنا؟"(91).

وخير الحديث من الوجهة المثالية بالطبع هو ذلك الذي يجري في جماعة صغيرة مستأنية كل أفرادها مثقفون مهذبون، أو كما أعرب جونسن في فاصل لطيف: "أن خير الحديث ما خلا من المنافسة أو الغرور، وكان تبادلاً هادئاً مطمئناً للعواطف"(92)، ولكن متى كانت له هذه التجربة؟ لقد قال لبوزويل وعيناه على الأرجح تومضان، "إن معاملة خصمك بالاحترام معناها إعطاؤه ميزة لا حق له فيها"(93)، ونحن الذين لم نحس قط ضرباته نغتفر له كل تلك اللطمات والإهانات والأحكام المتحيفة لأن ذكاءه وفكاهته ونظره الثاقب، وإيثاره الواقعية على الإدعاءات الكاذبة، والصراحة على الرياء، وقدرته على حشد الحكمة في عبارة،-كل هذا يجعله شخصية من أشد الشخصيات سيطرة في التاريخ الإنجليزي.

الفكر المحافظ[عدل]

أترانا نستمع إليه يتكلم؟ لقد كان لديه الطريف الذي يقوله في كل شيء تقريباً تحت الشمس. لقد رأى الحياة خطباً لا رغبة لإنسان في تكراره، أكثر الناس "يطيقونه بصبر نافد ويرحلون عنه كارهين"(94). وحين سألته الليدي مكليود "أليس هناك إنسان صالح بطبعه؟" أجاب "بلى يا سيدتي، ليس أكثر صلاحاً من الذئب"(95). "واضح أن الناس... فاسدون فساداً لا تكفي معه كل قوانين السماء والأرض لكفهم عن الجرائم...(96)والناس يكرهون بأقوى مما يحبون، وإذا كنت قد قلت شيئاً لأوجع إنساناً مرة، فلن أفسد هذا بقول أشياء كثيرة لأسرة"(97). وقلما كان يناقش الاقتصاد. وقد ندد باستغلال شعوب المستعمرات(98)، وأدان الرق بشدة؛ ومرة أذهل بعض الأساتذة باقتراحه شرب نخب في صحة "ثورة الزنوج في جزر الهند الغربية"(99). ولكنه ذهب إلى أن "زيادة أجور العمال اليوميين خطأ، لأنها لا تعينهم على عيش أفضل، إنما (في رأي "المتبطل") تجعلهم أكثر كسلاً، والكسل مفسدة للطبيعة البشرية"(100). وكان كبلاكستون يؤمن بقداسة حقوق الملكية، وكنقيضه فولتير يدافع عن الترف لأنه يتيح عملاً للفقراء بدلاً من إفسادهم بالصدقات(101). وقد سبق آدم سمث في الدعوة للمشروعات الحرة(102)، ولكن تكاثر التجار كان يثيره. "أخشى ألا تتيح زيادة التجارة، والصراع المتصل على الثروة الذي تثيره التجارة، أي أمل في نهاية نتوقعها سريعاً للخداع والغش... أن العنف يخلي مكانه للمكر"(103). ولم يتظاهر قط باحتقار المال بعد أن عانى من الفاقة، وقال "إن أحداً من الناس لم يكتب قط إلا طلباً للمال، اللهم إلا إذا كان أحمق"(104)- وفي هذا الرأي بخس لغرور الإنسان.

وقد أحس أننا نغالي في أهمية السياسة (ولنذكر الأبيات التي أضافها لقصيدة جولد سمث "الرحالة") لست أبالي مثقال ذرة أن أعيش في ظل شكل دون آخر من أشكال الحكومة"(105)، وإذن "فمعظم خطط الإصلاح السياسي أشياء مضحكة جداً"(106)، ومع ذلك سخط على "كلاب الهويجز"، واقتضى رضاه عن الهانوفريين منحه معاشاً. ووصف الوطنية بأنها "آخر ملاذ يحتمي به الأوغاد"(107). ولكنه دافع بحرارة الوطنيين الغيورين عن حق بريطانيا في جزر فوكلند (1771). وكان يحس باحتقار للاسكتلنديين والفرنسيين يكاد يكون شوفينياً.

وكان السباق، في 1763، في الدفاع عن النزعة المحافظة قبل بيرك "أن التجربة البشرية، التي تناقض النظرية باستمرار، هي المحك الأعظم للحقيقة. وإن نظاماً قام على كشوف عدد كبير من العقول لهو دائماً أقوى مما يتمحض عنه تفكير عقل واحد"(108). وبعد عام 1762 كان قانعاً تماماً بالوضع الراهن، وأثنى على الحكومة البريطانية لأنها "أدنى إلى الكمال من أي شيء عرفناه بالتجربة أو وعاه التاريخ"(109). وأعجب بالأرستقراطية والفوارق والامتيازات الطبقية باعتبارها ضرورية للنظام الاجتماعي والتشريع الحصيف(110). "إنني صديق للطاعة، فهي جد مفضية إلى سعادة المجتمع... والخضوع واجب الجهال، والقناعة فضيلة للفقراء"(111). وأحزنه كما يحزن كل جيل:

"أن الطاعة إنهارت بشكل مؤسف في هذا العصر. فما من رجل له اليوم السلطة التي كانت لأبيه-إلا السجان. وما من سيد يملكها على خدمه؛ وقد تقلصت في كلياتنا، أجل، بل في مدارسنا الثانوية. ولهذا أسباب كثيرة، أهمها في رأيي تكاثر المال تكاثراً شديداً.. فالذهب والفضة يدمران الطاعة الاقتصادية. ولكن هناك إلى هذا تراخ عام في الاحترام. فلم يعد ابن يعتمد على أبيه الآن كما كانت الحال فيما مضى... وأملي أن يتمخض هذا التراخي الشديد عن إحكام الزمام كما تتمخض الفوضى عن الطغيان"(112).

وحكم جونسن من واقع تأمله لجماهير لندن بأن الديموقراطية ستكون وبالاً. وسخر من الحرية والمساواة باعتبارهما شعارات غير عملية(113). "ليس صحيحاً على الإطلاق أن الناس متساوون بالطبيعة، فما من شخصين يجتمعان معاً نصف ساعة إلا اكتسب أحدهما تفوقاً واضحاً على الآخر"(114). وفي 1770 كتب كراسة عنوانها "الإنذار الكاذب"، أدان فيها الراديكالية وبرر إقصاء ولكس عن البرلمان. وفي كراسة أخرى عنوانها "الوطني" (1774) جدد جونسن هجومه على ولكس، وانتقل إلى ما وصفه بوزويل بأنه "محاولة التسليم غير المشروط على إخواننا الرعايا في أمريكا"(115). وكان جونسن قد تحدث في كتابات سابقة عن المستعمرات الأمريكية بحياد عرضي، فرأى أنها "اختطفت دون استناد إلى مبادئ سياسية عادلة جداً"، وذلك إلى حد كبير راجع إلى أن دولاً أوربية أخرى كانت تختطف المستعمرات بإفراط(116)، ولأن إنجلترا أرادت حماية نفسها من بلدين-فرنسا وأسبانيا-أصبحتا قوتين إلى حد يهدد بالخطر بسبب التهامهما لأمريكا. وكان قد امتدح المستعمرين الفرنسيين على معاملتهم الهنود معاملة رحيمة وعلى التزاوج منهم، وأدان المستعمرين البريطانيين لغشهم للهنود وظلمهم للزنوج(117). ولكن حين راح المستعمرون يتحدثون عن الحرية، والعدالة، والحقوق الطبيعة، احتقر جونسن دعاواهم لأنها رياء خداع، وتساءل "ما بالنا نسمع أعلى نباح عن الحرية بين جلابي العبيد الزنوج؟"(118). ثم بسط الرأي المعارض لتحرير المستعمرات في كراسة قوية عنوانها "فرض الضرائب ليس طغياناً" (1775)، والظاهر أنها كتبت بناء على طلب الوزارة، لأن جونسن اشتكى (فيما يروي بوزويل) من أن معاشه منح له "بوصفه شخصية أدبية"، وها هو الآن "تطلب إليه الحكومة أن يكتب كراسات سياسية"(119).

وكانت حجة جونسن أن المستعمرين بقبولهم حماية بريطانيا العظمى قد أقروا ضمناً بحق الحكومة البريطانية في فرض الضرائب عليهم. وفرض الضرائب، إذا توخينا الإنصاف، لا يقتضي تمثيل الأشخاص المفروضة عليهم تمثيلاً مباشراً في الحكومة؛ ونصف سكان إنجلترا لا ممثلون لهم في البرلمان، ومع ذلك قبلوا فرض الضرائب عليهم مقابلاً عادلاً لما توفره الحكومة من نظام اجتماعي وحماية قانونية. وقد ذهب هوكنز-وهو الذي أمد جونسن بحججه(120)-إلى أن هذه الكراسة "فرض الضرائب ليس طغياناً" "لم تتلق رداً"(121)، أما بوزويل، الذي تذكر كورسيكا، فقد إنحاز إلى وصف الأمريكيين، وأسف على ما في قلم جونسن من "عنف بالغ"، وقال "لست أشك في أن هذه الكراسة كتبت بناء على رغبة أولئك الذين كانوا يومها يتقلدون زمام الحكم، والحق أنه اعتراف لي بأن بعض هؤلاء راجعها واختصرها"(122). وقد تنبأت فقرة حذفتها الوزارة بأن الأمريكان "سوف يمونون بعد قرن وربع أكثر من أنداد لسكان أوروبا (الغربية)"(123).

وكان في فلسفته السياسية بعض العناصر اللبرالية. وقد آثر فوكس على بت الثاني، وأقنعه بعضهم بتناول العشاء مع ولكس، الذي تغلب على مبادئ جونسن السياسية بإعطائه قدراً من لحم العجل الذيذ(124). وداعب المحافظ العجوز الثورة في إحدى فقراته فقال: "إذا تأملنا بالنظرة المجردة التوزيع غير المتكافئ لمباهج الحياة... وإذا وضح لنا أن الكثيرين تعوزهم ضروريات الطبيعة، وأكثر منهم ما تتيحه الحياة من أسباب الراحة والدعة، ورأينا الكسالى يعيشون في رغد على متاعب الكادحين، والمترفين ينعمون بأطايب لا يذوقها من يوفرونها، وإذا كان السواد الأعظم لا بد مفتقر دائماً إلى ما تستمع به القلة وتبدده دون نفع، بدا لنا من المستحيل أن نتصور أن سلام المجتمع يمكن أن يطول أمده، وأدنى إلى الطبيعة أن نتوقع ألا يدرك إنسان طويلاً وفي حوزته مباهج فائضة عن حاجته بينما يفتقر هؤلاء الكثيرون إلى الضروريات الحقيقية"(125).

على أن نزعته المحافظة كانت ترتد بكل عنفوانها حين يتكلم على الدين. فبعد أن أنفق سنة من التشكك في شبابه(126)، راح يؤيد عقائد الكنيسة الرسمية وامتيازاتها تأييداً متزايد الحرارة؛ وكان أحياناً يميل نحو الكاثوليكية: فقد أعجبته فكرة المطهر، وحين سمع أن قسيساً أنجليكانياً تحول إلى كنيسة روما قال "ليباركه الله"(127). ويقول بوزويل إنه "دافع عن ديوان التفتيش، وذهب إلى أن العقيدة الزائفة يجب أن توقف بمجرد ظهورها، وأن على السلطة الدينية أن تتحد مع الكنيسة في عقاب من يجرءون على مهاجمة الدين المقرر، وأن أمثال هؤلاء دون غيرهم هم الذين كان ديوان التفتيش يعاقبهم"(128). وكان يكره المنشقين على الكنيسة الأنجليكانية، ورحب بطرد المثوديين من أكسفورد(129). وقد رفض أن يتحدث إلى سيدة هجرت الكنيسة الرسمية لتنضم إلى طائفة الكويكر(130). ووبخ بوزويل على صداقته المعتدلة لهيوم "الملحد". وحين أخبره آدم سمث أن هيوم يحيا حياة يضرب بها المثل، صاح به جونسن "أنت تكذب:" ورد عليه سمث فوراً "أنت أبن قحبة"(131). وقد أحس جونسن أن الدين أمر لا غنى عنه للنظام الاجتماعي والأخلاق، وأن الرجاء المنعقد على خلود سعيد هو وحده الذي يستطيع حمل الإنسان على تقبل شدائد الحياة الدنيوية. وقد آمن بالملائكة والشياطين، وذهب إلى "أننا جميعاً كتب لنا أن نسكن في الآخرة أما في مواطن الهول أو السعادة"(132). ثم قبل الوجود الحقيقي للساحرات والعفاريت، وأعتقد أن زوجته المتوفاة قد ظهرت له في المنام(133).

ولم يكن يهتم بالعلم، وقد امتدح سقراط على محاولته نقل البحث من النجوم إلى الإنسان(134). وكان يستفظع تشريح الحيوان الحي. ولم يثر الارتياد الجغرافي اهتماه، فاكتشاف الأراضي المجهولة لن يفضي إلا إلى الغزو واللصوصية"(135). وذهب إلى أن الفلسفة متاهة عقلية تؤدي إما إلى الشك الديني أو إلى الهراء الميتافيزيقي. ومن ثم فند مثالية باركلي برفس حجر، ودافع عن حرية الإرادة بقوله لبوزويل "نحن عليمون بأن إرادتنا حرة، وهذا يكفي لإنهاء المسألة... أن النظرية كلها ضد حرية الإرادة، والتجربة كلها معها"(136).

وقد رفض باشمئزاز فلسفته التنوير الفرنسي بأسرها. وأنكر حق العقل الفرد مهما عظم ذكاؤه في أن ينصب نفسه حكماً على أنظمة أنشأتها شيئاً فشيئاً تجربة المحاولة والخطأ التي خاضها النوع الإنساني حماية للنظام الاجتماعي من دوافع البشر غير الاجتماعية. وأحس أن الكنيسة الكاثوليكية مع كل مآخذها تؤدي وظيفة حيوية في صيانة الحضارة الفرنسية، وحكم بالغفلة والضحل على جماعة الفلاسفة الفرنسيين الذين يوهنون الركائز الدينية للناموس الأخلاقي. وقد بدا له فولتير وروسو نوعين من البلهاء: ففولتير مغفل عقلي، وروسو مغفل عاطفي، غير أن الفرق بينهما من الضآلة بحيث "يعسر تقرير نسبة الإثم فيما بينهما"(137). وقد وبخ بوزويل على تودده لروسو في سويسرا، وأسف لكرم الضيافة الذي بذلته إنجلترا لمؤلف "إميل" (1766). "إن روسو يا سيدي رجل شرير جداً. وإني لن أتردد في أن أوقع على حكم بنفيه بأسرع مما أوقعه على أي جان أدانته محكمة الجنايات على مدى هذه السنين الكثيرة. أجل يا سيدي، أود لو أكره على الشغل في المزارع الكبيرة"(138). على أن جونسن لم يكن محافظاً في حياته بقدر ما كان في آرائه. فكان يخرج في مرح على عشرات التقاليد في السلوك، والحديث، واللباس. ولم يكن متزمتاً؛ ضحك على البيورتان، وحبذ الرقص؛ ولعب الورق، والمسرح. ولكنه أدان قصة فيلدنج "توم جونسن، وصدمه أن يسمع أن حنه مور المحتشمة قرأتها(139). وكان يخشى النزعة الحسية في الأدب لأنه وجد مشقة في كبت خياله ودوافعه الحسية. وربما كان يخيل للناس من واقع عقائده أنه لم يستمتع بالحياة، ولكن في استطاعتنا أن نرى في بوزويل أنه استمتع بـ "ملء الوجود البشري". لقد حكم على الحياة بأنها مؤلمة حقيرة، ولكنه كمعظمنا طاولها ما استطاع، وواجه سنيه الأخيرة في كره غاضب.

الخريف[عدل]

وفي عام 1756 انتقل من الأنر تمبل إلى بيت ذي طوابق ثلاثة في رقم 7 بجونسنز كورت بفليت ستريت، وكان قد أطلق عليه اسم ساكن قبله هناك وجده بوزويل بعد أن عاد من أوروبا. وفي يوليو منحته جامعة دبلن درجة الدكتوراه الفخرية في القانون، فأصبح الآن لأول مرة "الدكتور جونسن"، ولكنه لم يلحق هذا اللقب باسمه قط(140).

وفي أكتوبر 1765 أصدر، في مجلدات ثمانية، مسرحيات شكسبير التي تحمل تحقيقاته وتعليقاته، بعد أن انقضت ثمانية أعوام على الموعد الذي وعد به المكتتبين فيها. وقد جرؤ على بيان ما في مسرحيات الشاعر من أخطاء وسخافات وآراء طنانة صبيانية، ولامه لافتقاره إلى الهدف الأخلاقي، وذهب إلى أن شكسبير "ربما لم يخلف مسرحية واحدة لو عرضت الآن على أنها من تأليف معاصر لما استمع إليها جمهور النظارة إلى نهايتها"(141). ولكنه امتدح الشاعر على تحكمه في عنصر الحب المشوق في الدرامات الكبرى، وعلى جعله كبار شخوصه ناساً لا أبطالاً، ودافع في قوة عن إهمال شكسبير لوحدتي الزمان والمكان، وذلك الإهمال الذي أخذه فولتير على شكسبير(142). وقد تحدى النقاد الكثير من تعليقاته وتصويباته، وحل محل هذه طبعة أصدرها إدموند مالون في 1790؛ ولكن مالون اعترف بأن طبعته مبنية على طبعة جونسن، وغالى في تقدير مقدمة جونسن فقال إنها "ربما كانت أروع التآليف في لغتنا"(143).

وفي 1767، بينما كان جونسن يزور قصر بكنجهام، التقى مصادفة بجورج الثالث، فتبادل الرجلان عبارات المجاملة. ثم أصبحت صداقته ببوزويل أثناء ذلك حميمة، فقبل جونسن في 1773 دعوة الرجل المعجب ليصحبه في رحلة إلى جزر الهبريد. وكانت مغامرة شجاعة لرجل في الرابعة والستين. وبدأت بسفرة طويلة شاقة في مركبة بريد من لندن إلى إدنبرة. وهناك التقى بروبرتسن، ولكنه أبى أن يقابل هيوم.. وفي 18 أغسطس بدأ هو وبوزويل وخادم لهما الرحلة شمالاً في مركبة أجرة على الساحل الشرقي إلى أبردين، ومن هناك شقوا طريقهم عبر إقليم المرتفعات الوعر مخترقين بأنف إلى انفرنس، ثم على ظهور الخيل أكثر الرحلة مروراً بآنوخ إلى جلينيلج على الساحل الغربي. وهناك استقلا قارباً إلى جزيرة سكاي، التي جابا أرجاءها كلها تقريباً من 2 سبتمبر إلى 3 أكتوبر. وقد كابدا مشاق كثيرة تقبلها جونسن في شجاعة صارمة، فنام فوق الريس في الأجران، ودب عنه الهوام، وتسلق فوق الصخور، وركب في وقار قلق أفراساً لا تكاد تفوقه حجماً. وفي إحدى وقفاتهما جلست سيدة من قبيلة مكدونلد على ركبته وقبلته فقال لها "أعيدي، ولنرى من منا يتعب قبل الآخر"(144). وفي 3 أكتوبر ركب كلاهما قارباً مكشوفاً مسافة أربعين ميلاً إلى جزيرة كول، ومنها إلى جزيرة مل. ثم عبرا رجوعاً إلى البر الأم في 22 أكتوبر، ثم سافرا مخترقين أرجلشير بطريق دمبرتن وجلاسجو إلى أوخنلك (2 نوفمبر). هناك التقى جونسن بوالد بوزويل، الذي احتفى به احتفاء كبيراً، وإن أسف لتحامله على الاسكتلنديين، وخاضا في جدل بلغ من العنف حداً رفض معه بوزويل أن يسجله. وبعدها لقب بوزويل الأب جونسن "الدب الأكبر" وهو لقب فسره الابن في لياقة بأنه لا يعني الدب الأكبر بل "برجاً للعبقرية والعلم"(145). ووصل المسافران إلى إدنبرة في 9 نوفمبر، وبعد أن رحلا عنها بثلاثة وثمانين يوماً. فلما تذاكرا المشاق التي لقياها، "ضحكا من قلبيهما على هذيان أولئك الحالمين السخفاء الذين حاولوا إقناعنا بما تتيحه الحالة الطبيعية من منافع خداعة". "وغادر جونسن إدنبرة في 22 نوفمبر، فبلغ لندن في السادسة والعشرين. وفي 1775 نشر كتاب "رحلة إلى جزر إسكتلندة الغربية"، ولم يكن بالكتاب النابض بالحياة، حتى إذا قورن بالوصف المهذب، الذي أصدره بوزويل في 1785 بعنوان "يوميات جولة في الهيبريد مع صموئيل جونسن"، وذلك لأن الفلسفة أقل امتاعاً من الترجمة، ولكن في بعض الفقرات(146) جمالاً هادئاً يبدي لنا جونسن مرة أخرى رباً للنثر الإنجليزي.

وفي أبريل 1775 اقتنعت أكسفورد أخيراً بمنح جونسن درجة الدكتوراه الفخرية في القانون المدني. وفي مارس 1776 غير مسكنه لآخر مرة، فانتقل إلى المنزل رقم 8 ببولت كورت مصطحباً معه أسرته المختلطة. ثم كتب إلى كبير أمناء الملك (11 أبريل 1776) في حالة نفسية غريبة من المرح يطلب شقة في قصر هامتن كورت فقال "أرجو ألا يكون الاعتكاف في أحد بيوت جلالته تجاوزاً في غير موضعه أو دون استحقاق لرجل شرف بالدفاع عن حكومة جلالته"(147). ورد كبير الأمناء آسفاً لكثرة عدد الطلاب.

وبقي إنجاز أخير للأديب. ذلك أن أربعين كتيباً لندنياً اشتركوا في إعداد طبعة متعددة الأجزاء موضوعها الشعراء الإنجليز، وطلبوا إلى جونسن أن يقدم لكل شاعر بترجمة له. وتركوا له تحديد شروطه، فطلب مائتي جنيه. قال مالون طلو أنه طلب ألفا أو حتى ألفا وخمسمائة من الجنيهات لما تردد الكتابيون في العطاء وهم العليمون بقيمة اسمه"(148). وكان جونسن قد فكر في كتابه "سير قصيرة"، وفاته أن من أصول الكتبة أن القلم الجاري، كالمادة في قانون نيوتن الأول، يواصل جريانه ما لم تكرهه على تغيير تلك الحالة قوى مفروضة عليه من الخارج. ولقد كتب عن صغار الشعراء بإيجاز محمود، أما عن ملتن، وأديسن، وبوب، فقد أطلق لقلمه العنان، وأنشأ مقالات-من ستين صفحة واثنتين وأربعين ومائة واثنتين-تعد من اروع نماذج النقد الأدبي في الإنجليزية.

وقد تلون حكمه على ملتن بكراهيته للبيورتان وسياستهم وقتلهم للملك. وقرأ نثر ملتن كما قرأ شعره، ووصفه بأنه "جمهوري قاس فظ"(149). أما مقاله عن بوب (الذي بلغ في الطبعة الأصلية 373 صفحة) فكان آخر، ضربة في الدفاع عن الأسلوب الكلاسيكي في الشعر الإنجليزي يضربها أعظم وريث لذلك الأسلوب في النثر الإنجليزي. لقد رأى، وهو الملك لناصية اليونانية أن ترجمة للألياذة تفضل هومر. وامتدح مرثية جراي، ولكنه رفض قصائده الغنائية لاكتظاظها في غير نظام بالأرباب الأسطوريين. وحين نشرت المجلدات العشر من "حياة الشعراء" (1779-81)، صدمت بعض القراء أحكام جونسن التي كانت غير تقليدية ولكنها متعالية قاطعة، وعدم إحساسه بلطائف الشعر الرهيفة، وميله لتقدير الشعراء أو الحط من أقدارهم تبعاً للاتجاه الأخلاقي الذي تنحو إليه قصائدهم وحياتهم. وقد صرح ولبول بأن "الدكتور جونسن لا يملك ولا ريب من الذوق ولا السمع ولا معيار النقد إلا ميوله المغرضة العجائزية"(150). وسخر من "هذا الهيكل الثقيل القائم على طوالتين"، والذي يبدو أنه قرأ القدامى دون هدف إلا سرقة الألفاظ المتعدد المقاطع(151). فلم إذن فاقت هذه "السير" في ذيوعها وشغف القراء بها أي ثمرة أخرى من ثمرات قلم جونسن؟ ربما السبب تلك الميول المغرضة والصراحة في الإعراب عنها. فلقد جعل النقد الأدبي قوة نابضة بالحياة، وأوشك أن يبعث الموتى من قبورهم بضرباته القاسية.

الإفراج[عدل]

نحن نحس بالفخر بيننا وبين أنفسنا حين يمتد بنا العمر بعد موت معاصرينا، ولكنا نعاقب بشعور الوحدة، وهكذا كان موت هنري ثريل (4 أبريل 1781) البداية لنهاية جونسن. وقد قام بمهمته بصفته أحد أربعة كانوا منفذين لوصية صانع الجعة. ولكن زياراته لأسرة ثريل قلت بعد ذلك.

وكانت السيدة ثريل قد بدأت قبل موت زوجها بأمد طويل تضيق بالضغوط التي تفرضها عليها حاجة جونسن للرعاية والآذان الصاغية. وكان ثريل قد أفلح في جعل دبه الأسير يسلك سلوكاً مهذباً إلى حد معقول، ولكن (وهذه شكوى الأرملة) "إذا لم يوجد من يردعه (أي جونسن) عن التمادي في إبداء مكارهه أصبح عسيراً جداً أن تجد إنساناً يستطيع التحدث إليه دون العيش دائماً على شفا الشجار... وقد وقعت أمثال هذه الحوادث مراراً وتكراراً، فاضطررت... إلى الاعتكاف في بات، حيث كنت أعلم أن المستر جونسن لن يتبعني"(152).

وزادت صحيفة المورننج بوست الطين بلة بإعلانها أن معاهدة زواج بين جونسن والمسز ثريل "جاهزة"(153). وكتب بروزويل نشيداً هزلياً (برلسك) عنوانه "نشيد بقلم جونسن إلى مسز ثريل بمناسبة زفافهما القريب المزعوم"(154). ولكن في 1782 كان جونسن في الثالثة والسبعين والمسز ثريل في الحادية والأربعين. ولم تكن قد تزوجت ثريل بإرادتها هي، وكثيراً ما كان يهملها، ولم تتعلم قط أنها تحبه. ومن ثم فقد طالبت الآن بحقها في أن تحب وأن تحب، وفي أن تجد زوجاً في نصف عمرها الأخير، وكانت في تلك السن التي يشتد فيه الشوق المرأة لنوع من الصحبة البدنية المتفهمة. وكانت حتى قبل موت زوجها قد تعلقت بجابرييل بيوتزي الذي كان يعطي بنتها دروساً في الموسيقى. وكان وهو الإيطالي مولداً قد اتخذ إنجلترا له مقاماً في 1776، وناهز الآن الثانية والأربعين. ويوم لقيته أول مرة في حفلة أقامها الدكتور بيرني، راحت نقلد لأزماته تقليداً ساخراً وهو يعزف على البيان. بيد أن سلوكه الأنيق، وطبعه اللطيف، ومهارته الموسيقية، جعلت منه نقيضاً مريحاً للدكتور جونسن. وأرخت الآن العنان لغرامها بعد أن تحررت. واعترفت لبناتها الأربع الباقيات على قيد الحياة برغبتها في الزواج. فهالهن النبأ، ذلك أن هذا الزواج الثاني سيؤثر في مستقبلهن المالي، والزواج من موسيقي-وأسوأ من ذلك كاثوليكي روماني-سينال من مكانتهن في المجتمع. لذلك توسلن إلى أمهن أن تتروى في الأمر، فحاولت ولكنها فشلت. وسلك بيوتزي مسلك الرجل المهذب، فرحل إلى إيطاليا (أبريل 1783) وغاب قرابة عام. فلما عاد (مارس 1784) ووجد أن المسز ثريل ما زالت تواقة للزواج منه استسلم للأمر. ورفض البنات الموافقة، وانتقلن إلى برايتن.

وفي 30 يونيو أرسلت مسز ثريل إلى جونسن إعلاناً ينبئه بأنها وبيوتزي قررا الزواج. فأرسل إليها هذا الرد (2 يوليو 1784).

سيدتي:

لو أنني أصبت في تفسير رسالتك لقلت إنك تتزوجين زواجاً شائناً، فإذا كان لم يعقد بعد، فدعينا نقلب الأمور معاً مرة أخرى. ولو كنت قد تخليت عن بناتك وعن دينك، فليغفر الله لك شرك؛ ولو كنت قد خسرت سمعتك ووطنك، فأرجو ألا تأتي حماقتك مزيداً من الشر. وإذا كنت لم تتخذي بعد آخر خطوة، فإنني-أنا الذي أحببتك، وقدرتك، واحترمتك، وخدمتك، أنا الذي طالما رأيتك الأولى بين جنس النساء-أتوسل إليك أن أراك مرة أخرى قبل أن يصبح مصيرك لا رجعة فيه.

لقد كنت، ذات مرة يا سيدتي، المخلص لك جداً
صموئيل جونسن

وساءت المسز ثريل كلمة "شائن" لأنها رأتها وصمة لخطيبها، فردت على جونسن في 4 يوليو تقول: "لنكف عن التحادث حتى تغير رأيك في مستر بيوتزي" ثم تزوجت بيوتزي في 23 يوليو. ووافقت لندن كلها جونسن على إدانتها. وفي 11 نوفمبر قال جونسن لفاني بيرني، "أنني لا أتحدث عنها أبداً، ولا رغبة لي مطلقاً في سماع المزيد عنها"(156).

ولا بد أن هذه الأحداث هدت من حيوية جونسن المتهافتة. فاشتد أرقه، ولجأ إلى الأفيون ليخفف آلامه ويهدئ أعصابه. وفي 16 يناير 1782 مات طبيبه روبرت ليفت. وتساءل جونسن: على من يكون الدور بعده؟ لقد كان يرهب الموت دائماً، ومن ثم أحال هذا الخوف وإيمانه بالجحيم سنيه الأخيرة خليطاً من وجبات العشاء الثقيلة والمخاوف اللاهوتية. وقال للدكتور وليم آدمز عميد كليو بمبورك "أخاف أن أكون واحداً من الهالكين". فلما سأله آدمز ماذا يعني بكلمة "الهالكين" صاح "الذين مآلهم إلى النار والعقاب لأبدي يا سيدي"(157). ولم يملك بوزويل إلا المقارنة بين هذه الحال وبين السكينة التي كان هيوم الملحد قد دنا بها من منيته(158).

وفي 17 يونيو 1783 أصيب جونسن بنقطة خفيفة "تشوش وخلط، في رأسي أظنه دام نصف دقيقة.. وقد احتبس لساني. ولم أشعر بألم"(159). وبعد أسبوع تماثل للشفاء تماثلاً أتاح له تناول العشاء في النادي، ولفي يوليو أذهل أخصاءه بالقيام برحلات إلى روتشستر وسلزيري. قال لهوكنز "أي رجل أنا، رجل قهر ثلاثة أمراض-الشلل، والنقرس، والربو-ويستطيع الآن الاستمتاع بحديث الأصدقاء!"(160)ولكن في 6 سبتمبر ماتت مسز وليمز، وباتت وحدته لا تطاق. فلما وجد "النادي" غير كاف-لأن العديد من أعضائه القدامى (جولدسمث، وجاريك، وبوكلارك) ماتوا، ولأن بعض أعضائه الجدد كانونا كريهين في نظره، أنشأ (ديسمبر 1783)، "نادي المساء" الذي كان يعقد اجتماعاته في مشرب للجعة بشارع أسكس. هناك في وسع أي شخص مهذب، إذا دفع ثلاثة بنسات، أن يدخل ويستمع إليه يتحدث ثلاث ليال كل أسبوع. ودعا رينولدز للانضمام، ولكن السر جوشوا رفض. ورأى هوكنز وغيره في النادي الجديد "تدهوراً في تلك القدرات التي كانت تبهج "أشخاصاً أكثر مهابة"(161).

وفي 3 يونيو 1784 كان في عافية أتاحت له الرحلة مع بوزويل إلى لتشفيلد وأكسفورد. فلما عاد بوزويل إلى لندن أقنع رينولدز وأصدقاء آخرين بأن يطلبوا إلى وزير الخزانة توفير مبلغ من المال يمكن جونسن من القيام برحلة إلى إيطاليا ليسترد صحته، وقال جونسن إنه يفضل مضاعفة معاشه. ولكن وزير الخزانة رفض. وفي 2 يوليو رحل بوزويل إلى إسكتلندة. ولم ير جونسن بعدها قط.

ذلك أن الربو الذي كان قد تغلب عليه عاوده وزاد عليه الاستسقاء. كتب إلى بوزويل في نوفمبر 1784 "إن نفسي قصير جداً، والماء يتزايد الآن علي"(162). وتوافد عليه رينولدز، وبيرك، ولانجتن، وفاني بيرني وغيرهم ليلقوا عليه تحية وداع أخيرة. ثم كتب وصيته، وقد خلف 2.000 جنيه، أوصى منها بمبلغ 1.500 لخادمه الزنجي(163). وعالجه عدة أطباء، ورفضوا تقاضي أي أجر. وتوسل إليهم أن يشقوا ساقيه شقاً أعمق، فأبوا، فلما انصرفوا دفع مبضعاً أو مقصاً في عمق ربلتيه أملاً في فراغ مزيد من الماء والتخفيف من الورم المؤلم، وانطلق بعض الماء، ولكن انطلقت معه أيضاً عشر أوقيات من الدم. وفي تلك الليلة، ليلو 13 ديسمبر 1784، قضى نحبه. وبعد أسبوع دفن في كنيسة وستمنستر. لقد كان أغرب شخصية في تاريخ الأدب، أغرب حتى من سكارون أو بوب. ومن العسير أن نحبه لأول وهلة، فقد ستر رقته خلف ستار من الوحشية، ونافست خشونة عاداته لياقة كتبه. ولم ينل أحد قط مثل هذا الإعجاب الكثير ولا بذل مثل هذا الثناء الضنين. ولكنه كلما تقدم به العمر ازدادت الحكمة في كلامه. وقد أحاط حكمته بالتفاهات، ولكنه رفع هذه التفاهات إلى مستوى جوامع الكلم بقوة حديثه أو تلوينه. ولنا أن نشبهه بسقراط، الذي كان يتكلم أيضاً لأقل إثارة أو استفزاز، والذي يذكره الناس بكلامه المنطوق. وكان كلاهما أشبه بذباب الخيل المنبه، ولكن سقراط كان يلقي أسئلة ولا يعطي جواباً، أما جونسن فلم يلق سؤالاً وقد أجاب عن كل الأسئلة. ولم يكن سقراط على يقين من شيء، أما جونسن فكان على يقين من كل شيء. وقد ناشد كلاهما العلم أن يدع النجوم وشأنها ويدرس الإنسان. وواجه سقراط الموت مواجهة فيلسوف وبابتسامة، أما جونسن فواجهه بارتجافات دينية تنافس أوجاعه الموهنة.

ولن تجد إنساناً يراه في صورة الكمال. وفي وسعنا أن نعرف لم تجتنبه الطبقة الأرستقراطية الإنجليزية وتجاهلت إماراته-خلا لانجتن وبوكلارك. ونحن ندرك أي "جون بول" كان يمكن لأن يكون لو جال في "متحف خزف" النبلاء، أو وسط تحف قصر "ستروبري هل" النفسية، إنه لم يخلق للحال، ولكنه أدى مهمة، هي تخويف البعض ليكفوا عن الرياء والكذب والنفاق والمبالغة في إظهار العاطفة، وليجعلنا ننظر إلى أنفسنا بأوهام أقل عن طبيعة البشر أو نشوات الحرية. ولا بد إن كان هناك شيء محبب في رجل استطاع رينولدز وبيرك وجولدسمث الاستماع إليه ألف ليلو وليلة، شيء ساحر في إنسان استطاع أن يوحي بكتابة سيرة عظيمة، ويملأ صفحاتها الألف والمائتين بحياة لا يبليها الزمن.

بوزويل في أيامه الأخيرة[عدل]

لما مات الدب الكبر حام حوله قطيع الأدباء ليلتقطوا من جثمانه بعض قوتهم. أما بوزويل نفسه فلم يتعجل، فقد عكف على "السيرة" سبعة أعوام، ولكنه أصدر في 1785 "يومية جولة في جزر الهبريد مع صموئيل جونسن"، وقد طبعت ثلاث طبعات في سنة واحدة. وكانت هستر ثريل بيوتزي قد جمعت مادة عن أحاديث جونسن وعاداته، فصنفت الآن من هذه "الثريليات" "نوادر عن المرجوم الدكتور صموئيل جونسن، خلال سنيه العشرين الأخيرة" (1786). وقد عرض الكتيب صورة لضيفها أقل إشراقاً مما سجلته في يوميتها يوماً بيوم، ولا ريب في أن رسائل جونسن الأخيرة لها قد خلفت فيها جرحاً لا يندمل.

ويلي ذلك في الحلبة-إذا خلينا أكثر من عشرة أسماء طواها النسيان الآن-"سيرة صموئيل جونسن" التي نشرها في خمسة مجلدات فاخرة السر جون هوكنز عام 1787. وكان هوكنز قد لقي من التوفيق في عمله محامياً عاماً ما برز منحه لقب الفروسية (1772) وحصل من الثقافة ما أتاح له تأليف كتاب جيد في "تاريخ الموسيقى" (1776). وقد شارك جونسن في تنظيم نادي "آيفي لين" (1749)، وكان أحد الأعضاء الأصليين في "النادي". ولكنه تركه عقب جدال مع بيرك فلقبه جونسن بـ "الرجل الذي لا يصلح للأندية"، ولكن جونسن ظل صديقه، وكثيراً ما التمس مشورته، وقد عينه واحداً من منفذي وصيته. وبعد وفاة جونسن بقليل طلب جماعة من الكتبية إلى هوكنز أن يعلق على طبعة تضم آثار الدكتور ويقدم لها بترجمة للأديب. وقد أخذ على هذه الترجمة أنها كشفت عن عيوب جونسن في غير رحمة، وتشكك بوزويل في دقتها فيما بعد، ولكن "التهم الموجهة للترجمة لا يمكن إثباتها في تحقيق منصف"(164). ومعظم العيوب التي أخذها هوكنز على جونسن لاحظها غيره من معاصريه.

ثم عادت المسز بيوتزي إلى المأدبة بكتاب عنوانه "رسائل متبادلة مع المغفور له صموئيل جونسن" (1788)، وكلها ساحر، لأن رسائل جونسن (فيما خلا الأخيرة التي كتبها لسيدته الضالة) كانت تفوق حديثه كثيراً في إنسانيتها. وكان بوزويل خلال ذلك عاكفاً بصير فيما بين قضاياه ومجالس خمره على تأليف سيرة عقد العزم على أن يجعلها نسيج وحدها. وكان قد بدد في التسجيل مذكرات بأحاديث جونسن عقب لقائهما الأول (1763)، ثم خطط للسيرة في تاريخ مبكر (1772). غير أن الحبل بهذا الجنين كان غاية في الطول والمشقة. ذلك أنه قلما كان يدون الملاحظات من فوره، ولم يكن يعرف الاختزال، ولكنه اتخذ مبدأ هو أن يدون على عجل وباختصار بمجرد عودته إلى حجرته ما يذكره عما حدث أو قيل. وبدأ كتابة "سيرة صموئيل جونسن" بلندن في 9 يوليو 1786 وتنقل بين أرجاء المدينة باحثاً عن المعلومات يستقيها ممن بقي على قيد الحياة من أصحاب جونسن. وأعانه إدموند مالون، الأديب المتخصص في شكسبير، على فرز وتصنيف ذلك الحشد الضخم المضطرب من المذكرات، وشد أزره ودعم شجاعته حين بدا أنه يوشك أن يستسلم للنساء والشراب بعد أن هده الفجور والحزن وموت زوجته. كتب بوزويل في 1789-"لن تستطيع أن تتصور أي عناء، وأي حيرة، وأي غيظ تحملته في ترتيب عدد هائل من المواد، وفي ملء الفراغات، وفي البحث عن اوراق مدفونة بين أشتات من الأكداس، وكل هذا بالإضافة إلى عناء التأليف والتهذيب. وكثيراً ما فكرت في التخلي عن هذه المهمة"(165). وقد اقتبس من كتاب وليم ميسن "سيرة جراي ورسائله" (1774) فكرة بث رسائل بطله في ثنايا القصة. وقد كدس التفاصيل عمداً، لشعوره بأنها تضيف إلى الصورة الكاملة الحية. ثم نسجت من هذه الأشتات مسلسلة التواريخ وكل متكامل.

فهل كان دقيقاً؟ هذا ما زعمه. "لقد توخيت الدقة البالغة في التسجيل بحيث لا بد أن تكون كل صغيرة أو تافهة صادقة"(166). وأينما استطعنا مقارنة روايته عن كلام جونسن بغيره من الروايات بدا أنها صحيحة من حيث الوقائع، وأن لم تكن كذلك من حيث حرفيتها. والمقارنة بين كتابي بوزويل "المذكرات" و"السيرة" تدل على أنه حول تلخيصه لأحاديث جونسن إلى اقتباسات مباشرة، قد يطيلها أحياناً، أو يقصرها، أو يحسنها(167)، أو ينقيها، مع تمديد الألفاظ الصغيرة (الرباعية الحروف) إلى أطوال محترمة، وكان أحياناً يحذف الوقائع التي لا تخدم مصلحته(168). ولم يدع أنه قال كل الحقيقة عن جونسن(169)، ولكن حين توسلت إليه حنه مور "أن يلطف من بعض خشونة جونسن وغلظته"، رد بأنه "لن يقلم أظافر جونسن، أو يحيل البيرقطا ليسر أي إنسان"(170). والواقع أنه كشف عن عيوب أستاذه كاملاً كما فعل غيره، ولكن في منظور أوسع خفف من بروزها. وقد حاول أن يظهر من الرجل في صورته الكاملة ذلك القدر الذي تسمح به المحبة واللياقة. قال "إنني على يقين تام أن النهج الذي انتهجته في كتابة السيرة، والذي لا يكتفي بسرد تاريخ لـ "مسيرة" جونسن في الحياة، ولمؤلفاته، بل يضيف نظرة إلى فكره المتمثل في رسائله وأحاديثه، هذا المنهج هو اكمل منهج يمكن تصوره، وسيكون أقرب إلى تصوير "حياة" جونسن من أي كتاب ظهر إلى الآن"(171).

وأخيراً خرجت السيرة من المطبعة إلى النور في مجلدين كبيرين في مايو 1791 ولم يقدره القراء لتوهم كنزاً فريداً في بابه. وساء كثيرين أن يقص بوزويل وأحاديثهم الخاصة، ولم تكن دائماً مما يستحق الإعجاب، فقد كان في وسع الليدي ديانا بوكلارك مثلاً أن تقرأ كيف نعتها جونسن بأنها عاهر، ورأى رينولدز أين وبخه جونسن على الإفراط في الشراب، وعرف بيرك أن جونسن يتشكك في نزاهته السياسية ويرى أنه لا يتورع عن التقاط مومس من عرض الطريق، وجفلت المسز بيوتزي والمسز اليزابث مونتجيو مما قرأتا. وكتب هوراس ولبول يقول "أن الدكتور بلاجدن يقول بحق إن هذا ضرب جديد من القذف، تستطيع به أن تسب أي إنسان بقولك أن ميتاً ما قال كذا وكذا عن شخص حي"(172). ووجد آخرون أن التفاصيل مسرفة، وأن كثيراً من الرسائل تافهة، وأن بعض الصفحات مملة. ولم تدرك إنجلترا إلا شيئاً فشيئاً أن بوزويل قد أبدع رائعة من الروائع، وأنه أسبغ على حياته شيئاً من النبل والسمو.

وكان أبوه قد مات في 1782 مخلفاً إياه سيداً على أوخنلك بدخل بلغ 1.600 جنيه في العام وقد أثبت أنه سيد عطوف رقيق الفؤاد، ولكنه كان قد ألف حياة الحضر إلفاً إطالته المكث في أوخنلك. وفي 1786 صرح له باحتراف المحاماة في إنجلترا، وبعدها أنفق معظم وقته في لندن. وقد صوره رينولدز في ذلك العام-رجلاً واثقاً من نفسه، متغطرساً، له أنف كفيل بأن يستل أي سر من صاحبه. وكانت زوجته تصحبه أحياناً إلى لندن، ولكنها كانت تقيم في أوخنلك عادة. وفيها ماتت عام 1789 بالغة الحادية والخمسين، بعد أن أضنتها العناية التي بذلها لبوزويل وأبنائه. وقد عمر بعدها ست سنين-كانت سني انحلال متعاظم. فلقد حاول مراراً وتكراراً أن يقهر حاجته إلى الشراب ولكنه أخفق. ومات بلندن في 19 مايو 1795، بالغاً السادسة والخمسين، ونقل جثمانه إلى أوخنلك ليدفن فيها. وأوزاره ماثلة اليوم في أذهان جماهير الناس. ولكننا سننساها حين نقرأ مرة أخرى السيرة التي هي أعظم السير طراً.

هذا لول رجعنا البصر إلى هذا القرن الثامن عشر في الأدب الإنجليزي، لأدركنا أنه قبل كل شيء قرن النثر، من أديسن، وسويفت، وديفو، إلى ستيرن، وجبون، وجونسن، تماماً كما كان القرن السابع عشر قرن الشعر، من "هاملت" ودن إلى درادين والفردوس المفقود. وكان صعود العلم والفلسفة، وهبوط الذين والغيبيات، وإحياء الوحدات والقيود الكلاسيكية، كل هذا برد من حرارة الخيال والآمال، وعطل من تدفقهما، وكان انتصار العقل هزيمة للشعر، في فرنسا وفي إنجلترا على حد سواء. بيد أن ما اتسم به أدب إنجلترا النثري في القرن الثامن عشر من حيوية وتنوع عوض تعويضاً وافياً عن الشكلية الجامدة التي سادت شعره. وبفضل رتشاردسن وفيلدنج أصبحت الرواية، التي كانت قبلهما سلسلة إبيزودية من مغامرات المتشردين والشطار، وصفاً للحياة ونقداً لها، ودراسة للعادات، والأخلاق، والشخصيات، هي أكثر إثارة من سجلات المؤرخين، الذين تاه منهم الناس وسط الدولة. ثم أي تأثير أدبي يمكن أن يضارع في ذلك الأثر تأثير رتشاردسن على بريفو، وروسو، وديدرو، وجوته؟ وإذا كان أدب إنجلترا في القرن الثامن عشر لم يستطع مطاولة أدب القرن السابع عشر، أو منافسة الخيال الأليزابيثي المحلق، فإن حياة إنجلترا بجملتها استعادت حركتها صعداً بعد إخفاق الشجاعة والسياسة القوميتيين في عهد عودة الملكية. فلم تشعر إنجلترا منذ هزيمة الأرمادا بمثل هذا التدفق في المغامرة السياسية، وقد شهدت الأعوام الواقعة بين صعود شاتام ومت ابنه الثورة الصناعية تحل إنجلترا مكاناً أسبق كثيراً من منافسيها في روح الابتكار والقوة الاقتصاديين، وشهدت البرلمان الإنجليزي يغزو القارات وهو يكبح أثناء ذلك جماح ملوكه. فالآن بنيت الإمبراطورية البريطانية المترامية، والآن تجاوبت قاعات مجلس العموم بالخطب البليغة التي لم تسمعها أوروبا منذ أيام شيشرون. وبينها كانت فرنسا تنزح خزائنها لتحرر أمريكا، وتضرب عنقها لتحقق أحلامها، وشحذت إنجلترا كل مواردها من فكر وإرادة لتتطور دون ثورة، ولتلج أبواب القرن التاسع عشر في الاقتصاد والحكم مكللة بالنصر متبوئة أسمى مكان.

أعماله الرئيسية[عدل]

Essays, pamphlets, periodicals, sermons
1732–1733   Birmingham Journal
1741 The Doctrine of the Holy Eucharist (a sermon)
1742 An Explanation of Scripture Prophecies Both Typical and Literature
1747 Plan for a Dictionary of the English Language
1750–1752   The Rambler
1753–1754 The Adventurer
1756 Universal Visitor
1756- The Literary Magazine, or Universal Review
1758–1760 The Idler (1758-1760)
1770 The False Alarm
1771 Thoughts on the Late Transactions Respecting Falkland's Islands
1774 The Patriot
1775 A Journey to the Western Islands of Scotland
Taxation No Tyranny
1781 The Beauties Johnson
Poetry
1738 London
1747 Prologue at the Opening of the Theatre in Drury Lane
1749 The Vanity of Human Wishes
Irene, a Tragedy
Biographies, criticism
1744 Life of Mr Richard Savage
1756 "Life of Browne" in Thomas Browne's Christan Morals
1765 Preface to the Plays of William Shakespeare
1765 The Plays of William Shakespeare
1779–1781 Lives of the Poets
Dictionary
1755 Preface to a Dictionary of the English Language
A Dictionary of the English Language
الروايات القصيرة
1759 The History of Rasselas, Prince of Abissinia

أنظر أيضا[عدل]