عبد الله بن الزبير

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
عبد الله بن الزبير
أمير المؤمنين
الفترة 64 هـ / 683 م - 73 هـ / 692 م
تتويج 64 هـ / 683 م
الاسم الكامل عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
ألقاب أمير المؤمنين، العائذ، فارس الخلفاء،
أبو بكر، أبو خبيب
ولادة 2 هـ / 624م
مكان الولادة المدينة المنورة، الحجاز، شبة الجزيرة العربية
توفي 73 هـ / 692م
مكان الوفاة مكة المكرمة، تهامة، شبة الجزيرة العربية
السلف يزيد بن معاوية
الخلف عبد الملك بن مروان
اعتقاد ديني مسلم

عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي (2 هـ - 73هـصحابي جليل وابن الصحابي الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وكنيته أبو بكر وأبو خبيب. استخلفه الخليفة عثمان بن عفان على داره فكان يقاتل الجند الذين دخلوا يقتلون عثمان حتى أصيب، وهو خليفة من خلفاء المسلمين ولي الخلافة بعد يزيد بن معاوية تسع سنين حتى قُتل في الحرم المكي سنة 73 هـ. وآلت إلى ذريته بعد ذلك سقاية زمزم نيابة عن خلفاء بني العباس واستمرت فيهم إلى اليوم [1] ولم تقم لهم بعد ذلك دولة كغيرهم من البيوت القرشية - الأمويين والعباسيين والعلويين.

نسبه[عدل]

زوجاته وذريته[عدل]

تزوج عبد الله بن الزبير:

  1. تماضر بنت منظور بن زبان بن سيار الفزارية الغطفانية، وولدت له: خبيب وهو أكبر ولده، حمزة، عباد و ثابت.
  2. أم هاشم زُجْلَة بنت منظور بن زبان بن سيار الفزارية الغطفانية، وولدت له: هاشم، قيس و عروة.
  3. حنتمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية القرشية، وولدت له: عامر، موسى، أم حكيم، فاطمة و فاختة.
  4. ريطة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية القرشية، وولدت له: أبو بكر.
  5. عائشة بنت عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموية القرشية، وولدت له: بكر و رقية.
  6. نفيسة أم الحسن بنت الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمية القرشية، وولدت له: بكر.
  7. أم ولد، وولدت له: عبد الله.

ولادته[عدل]

حملت به أمه في مكة وهاجرت وهي حامل متم فلما وصلت إلى قباء ولدته وذلك في شهر شوال سنة الهجرة وقيل في السنة الثانية من الهجرة وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة في المدينة. [3] وكان المهاجرون بقوا فترة لا يولد لهم مولود حتى قالوا: "سحرتنا يهود"، فلما ولد كبر المسلمون تكبيرة واحدة ارتجت منها المدينة وفرحوا بمولده. فحملته أمه في خرقة إلى رسول الله محمد فحنكه بتمرة وبارك عليه وسماه عبد الله باسم جده أبي بكر وأمر أبا بكر أن يؤذن في أذنيه. وكانت خالته أم المؤمنين عائشة تكنى به فيقال لها: أم عبد الله [4] وكلم الناس النبي في غلمان من المهاجرين والأنصار ترعروا فقالوا له: "لو بايعتهم فتصيبهم برَكَتك، ويكون لهم ذكر" فأتوا بالغلمان منهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرو بن أبي سلمة فتكعكعوا ثم اقتحم عبد الله بن الزبير أولهم فتبسم النبي وقال: « إن ابن أبيه». [3]

صفاته[عدل]

كان شديد الشبه بجده أبي بكر الصديق، وكان أطلس لا لحية ولاشعر له في وجهه. [3] و كان أحد شجعان الصحابة شهما ذكرا شرسا ذا أنفة، وكانت له لَسانة وفصاحة. قال علي بن زيد:‏ "كان عبد الله بن الزِّبير كثير الصّلاة، كثير الصِّيام، شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات.

وقال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الزبير رداءً عدنيًا وهو يصلي فيه يوم الجمعة يخرج فيه، وكانت لحيته صفراء، وكان إذا خطب صَيّتا يجاوب الجبلين، وكانت له جُمّة إلى العنق، وكان يَفْرُق. وقال عروة بن الزبير: كان لعائشة كِسَاء خَزّ تَلْبَسه، فكسته عبد الله بن الزبير. وقال هشام بن عروة: رأيت على عبد الله بن الزبير كساء خَزّ. وقال عبد الله بن قيس العبدي: رأيت عبد الله بن الزبير يطوف بالبيت وعليه مُمَصّرتان. وقال رِشْدِين: رأيت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة سوداء خَرقانِية، ويرخيها شِبْرًا أو أقلّ من شبر.

شربه دم النبي[عدل]

أتى عبد الله إلى النبيّ وهو يحتجم، فلما فرغ النبي قال: « يا عبد الله، ذاهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد». فَلَمَّا برز عن رسول الله عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال له النبي: « يا عبد الله، ما صنعت بالدم» فقال: "جعلته في أخفى مكان علمت أنه يَخْفَى عن الناس". قال: « لعلك شربته!» فقال: "نعم". فقال النبي: « ولم شربت الدم؟ ويل للناس منك! وويل لك من الناس». فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم.

جهاده[عدل]

شهد معركة اليرموك مع أبيه، وشهد فتح إفريقية مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح وقتل ملكها جرجير، وكان البَشِير بالفتح إلى عثمان. [3]

قتاله في حصار عثمان بن عفان[عدل]

كان عبد الله بن الزبير يقول على منبر مكة: "والله لقد استخلفني أمير المؤمنين عثمان على الدار، فلقد كنت أنا الذي أُقَاتِلُ بِهِم، ولقد كنت أخرج في الكتيبة فأباشر القتال بنفسي، فجرحت بضعة عشر جرحًا، فإني لأضع اليوم يدي على بعض تلك الجراحة التي جُرحتُ مع عثمان رحمه الله، فأرجو أن يكون خير أعمالي". وكان عثمان قد أمر عبد الله بن الزبير أن يصلي بأهل داره ما كان محصورًا، وكان يصلي بهم في صحن الدار. [5]

قتاله في معركة الجمل[عدل]

كان عبد الله بن الزبير قد شهد يوم الجمل مع أبيه الزبير بن العوام وخالته عائشة، وكان لا يأخذ بِخِطام الجمل أحد إلا قُتِل، فجاء عبد الله بن الزبير بخطامه، فقالت عائشة: "من أنت؟" قال: "عبد الله بن الزبير". فقالت: "وَاثُكْلَ أسماء!" فأقبل الأشتر فعرفني وعرفته ثم اعتنقني واعتنقته فقلت: اقتلوني ومالكا. وقال الأشتر: اقتلوني وعبد الله، ولو قلت: الأشتر لقتلنا جميعًا.

وخرج رجل من أصحاب علي بن أبي طالب فقال: يا معشر شباب قريش أكفونا أنفسكم، فإن لم تفعلوا فإني أحذركم رجلين؛ أما أحدهما فجندب بن زهير الأزدي، وسأصفه لكم هو رجل طويل، طويل الرمح يحتزم على درعه حتى يقلّص عن ساقيه، وأما الآخر: فالأشتر مالك بن الحارث، وسأصفه لكم هو رجل طويل، طويل الرمح يسحب درعه سحبًا يَخُبّ عند النِّزال. قال ابن الزبير: "فبينا أنا أقاتل إذ أقبل جندب فعرفته بصفته فأردت أن أحيد عنه، فقلت: والله ما حدت عن قِرْن قَط فانتهى إليّ فطعنني في وَجْهِ حَدِيد كان عَليَّ فزلق الرمح، فقال: أولى لك، قد عرفتك، لولا خالتك لقتلتك، ثم دُفِع إلى عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فطعنه فأذراه كالنّخْلَة السحوق معْتصِبًا بِبُردَة حِبَرَة. ثم قاتلت ساعة فإذا أنا بمالك قد أقبل فعرفته بصفته فأردت أن أحيد عنه فقلت: والله ما حدت عن قِرْن قط، فدفع إلي فتطاعنّا برمحينا حتى كأنهما قضيبان، ثم اضطربنا بسيفينا حتى كأنهما مِخْراقان، ثم احتملني فضرب بي الأرض وقال: لولا خالتك ما شربتَ الماء البارد". وأصيب عبد الله بن الزبير يوم الجمل، فلما كان عند غروب الشمس قيل له: الصلاة. فقال: أما الصلاة فإني لا أستطيعها ولكن أكبر. [5]

عبادته[عدل]

قسم عبد اللّه بن الزبير الدهر على ثلاث ليال: فليلة هو قائم حتى الصباح، وليلة هو راكع حتى الصباح، وليلة هو ساجد حتى الصباح. وقال مسلم بن يناق: "ركع ابن الزبير يومًا ركعة، فقرأت البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وما رفع رأسه". وقال عمرو بن دينار: "ما رأيت مصلِّيًا أحسن صلاةً من ابْنِ الزّبير". وقال مجاهد: "كان ابنُ الزبير إذا قام للصلاة كأنه عَمُود وهو الخشوع في الصلاة" وقال أيضا: "ما كان بابٌ من العبادة إلا تكلفّه ابن الزُّبَيْر ولقد جاء سَيْل بالبيت، فرأيت ابْنَ الزبير يطوف سِبَاحَة". وقال ابن أبي مليكة: "كان ابن الزبير يواصل سبعة أَيام، ثم يصبح اليوم الثامن وهو إلينا". وقال ميمون بن مهران: "رأيت بن الزبير واصل من الجمعة إلى الجمعة".

وقال عنه هشام بن عروة: "أقام بمكة تسع سنين، يهل بالحج لهلال ذي الحجة". وقال ميمون بن مهران، "شهدت الموسم مع عبد الله بن الزبير، فعلّم الناسَ مناسكهم، ثم قال: إذا انصرفتم إن شاء الله إلى أهليكم، فاذكروا الله وكبروه عند هبوط وصعود. وقال محمد بن المرتفع، قال"سمعت ابن الزبير يقول: يا معشر الحاج، سلوني فعلينا كان التنزيل، ونحن حضرنا التأويل، فقال له رجل من أهل العراق: دَخَلَتْ في جرابي فأرة أيحل لي قتلها وأنا محرم؟ قال: اقتل الفُوَيْسِقَة. قال: أخبرنا بالشفع والوتر، والليالي العشر؟ قال: العشر: الثمان وعرفة والنحر، والشفع: من تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه وهو اليوم". وقال محمد بن المنكدر القرشي: "رأيت ابن الزبير يأتي الجِمَار ماشيا". وقال أبو بشر، "حدثني من رأى ابن الزبير صائما يوم عرفة". وقال زيد بن جبير الجشمي أنه رأى عبد الله بن الزبير يطوف بالبيت وعليه بُرطُلّة. وقال عروة بن عبد الله بن قُشَير: "مارأيت إنسانًا أسرع مشيًا حول البيت من ابن الزبير وكان يؤمنا عند المقام، فإذا فرغ من المكتوبة صلى تحت الميزاب قائما ما يحرك منه شيء". وقال ثابت البُناني: "كنا نمرّ به خلف المقام يصلي كأنه شيء منصوب موضوع". وقال موسى بن أبي عائشة: "كان ابن الزبير يصفُّ قدميه في الصلاة". وقال إبراهيم بن مرزوق أبو إسماعيل الثقفي مولى الحجاج بن يوسف: "حدثنا أبي وكان خادمًا لعبد الله بن الزبير قال: كان عبد الله بن الزبير إذا سمع أذان المغرب، قام فصلى ركعتين بين الأذان والإقامة، فإذا انصرف من الصلاة انصرف عن يمينه". وقال عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: "إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد". وقال عمرو بن دينار: "كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه". وقال عطاء بن أبي رباح: "صليت مع ابن الزبير المغرب فسلم في ركعتين، ثم قام إلى الركن ليمسحه فسبح القوم، فرجع فصلى بهم الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، فأتيت ابن عباس من فوري فأخبرته، فقال: لله أبوك، فكيف صنع فأخبرته. فقال: ما ماط عن سنة نبيه". وقال عمرو بن دينار: "صلى بنا ابن الزبير في جمعة، ويوم فطر، فخطبنا في ظل الحِجر بعدما ارتفع النهار، وأخر الصلاة بعض التأخير، فجئت إلى الجمعة فلم يخرج إلينا إلى صلاة العصر". وقال عبد الله بن الزبير: "والله ما كنت أُمَكّن من التمر كما أريد، وما هي إلا قبضة تقبض لي من أول النهار وقبضة من آخر النهار". وقال وقال أبو نوفل بن أبي عقرب الكناني: "دخلت على عبد الله بن الزبير صبيحة خامسة من العشر الأواخر من رمضان وهو يواصل". وقال عمار ابن أبي عمار: " عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة أيام، فإذا كانت ليلة السابعة، دعا بإناء من سمن فشربه، ثم أتي بثريدة في صحْفة عليها عَرْقَان، ويؤتي الناس بالجفان فتوضع بين أيديهم فيقول: يا أيها الناس هذا من خالص مالي وهذا من بيت مالكم". وروى ميمون أن ابن الزبير كان يواصل الصيام من الجمعة إلى الجمعة، فإذا أفطر، استغاث بالسمن يحسوه يُلَيّن أمعاءه. وقال هشام بن حسان: "كان عبد الله بن الزبير يصوم عشرة أيام لا يفطر فيها، فكان إذا دخل رمضان، أكل أكلة في نصف الشهر. وروى هشام بن عروة، أن عمه ابن الزبير كان يغتسل كل ليلة مرة وكل يوم مرة. وقال عبد الله بن عبيد بن عمير الكناني : "كان ابن الزبير إذا كان في أهله جنازة، كان كأنه قائم على رِجْل حتى يخرجها". وقال محمد: دخل ابن عمر على امرأة ابن الزبير فقالت: إنما بي أنك ترى أنه يقاتل على الدنيا قال: هو في نفسي ولو شاء الله لم يجعله. [5].

روايته للحديث[عدل]

روى عنه أخوه عروة؛ وابناه: عامر، وعباد؛ وابن أخيه محمدٍ بن عروة؛ وأبو ذُبيان خليفة بن كعب، وعبيدة بن عمرو السماني، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، ووهب بن كَيْسان، وابن أبي مُليكة، وسماك بن حرب، وأبو الزبير، وثابت البُنَاني وآخرون؛ وحَفِظ عن النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم وهو صغير، وحدّث عنه بجملةٍ من الحديث، وعن أبيه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالته عائشة، وسفيان بن أبي زهير وغيرهم. [3]

خلافه مع يزيد بن معاوية[عدل]

بقي ابن الزبير مقيمًا بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان حتى توفي معاوية، فبعث يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو يومئذ والي المدينة ينْعي معاوية، ويأمره أن يبايع مَنْ قِبَلَه من الناس، فجاءه الرسول ليلًا فأرسل إلى ابن الزبير فدعاه إلى البيعة فقال: حتى نُصبح، ثم تركه. وخرج وهو يقول: "هو يزيد الذي نعرف، والله ما أحدث خيرًا ولا مروءة"، وخرج من ليلته إلى مكة، فلم يزل مقيمًا بها حتى خرج الحسين بن علي منها إلى العراق، ولزم ابن الزبير الحِجْر ولبس المُعَافِري وجعل يُحرِّض الناس على بني أمية، وبلغ يزيد ذلك، فوجد عليه. فقال ابن الزبير: "أنا على السمع والطاعة لا أبدل ولا أغير"، ومشى إلى يحيى بن حكيم الجمحي القرشي وهو والي مكة، فبايعه له على الخلافة. فكتب بذلك يحيى إلى يزيد فقال: "لا أقبل هذا منه حتى يؤتى به في جَامِعَة". فقال له ابنه معاوية بن يزيد: "يا أمير المؤمنين ادفع الشر عنك ما اندفع، فإن ابن الزبير رجل لَحِز لجوج، ولا يطيع بهذا أبدا، وإن تُكَفّر عن يمينك وتلْهى منه حتى تنظر ما يصير إليه أمره أفضل"، فغضب يزيد وقال: إن في أمرك لعجب. قال: فادع عبد الله بن جعفر فسله عَمّا أقول وتقول، فدعى عبد الله بن جعفر فذكر له قولهما، فقال عبد الله: "أصاب أبو ليلى ووفِّقَ"، فأبى يزيد أن يقبل ذلك، وعزل الوليد بن عتبة عن المدينة، وولاها عمرو بن سعيد بن العاص، وأرسل إليه: "إنّ أمير المؤمنين يقسم بالله لا يقبل من ابن الزبير شيئا حتى يؤتى به في جامعَةٍ"، فعرضوا ذلك على ابن الزبير فأبى، فبعث يزيدُ الحصيَن بن نمير الكندي وعبد الله بن عضاه الأشعري بجامِعَة إلى ابن الزبير يقسم له بالله لا يقبل منه إلا أن يؤتى به فيها، فَمرّا بالمدينة، فبعث إليه مروان بن الحكم معهما عبد العزيز بن مروان، يكلمه في ذلك ويهون عليه الأمر. فقدموا عليه مكة فأبلغوه يمين يزيد بن معاوية ورسالته، وقال له عبد العزيز بن مروان: "إن أبي أرسلني إليه عناية بأمرك وحفظًا لحرمتك، فأبْرِر يمينَ أمير المؤمنين، فإنما تجعل عليك جامِعَة فضةٍ أو ذهبٍ وتلبس عليها بُرْنُسا فلا تبدو إلا أن يُسْمع صَوْتها". فكتب ابن الزبير إلى مروان يجزيه خيرًا ويقول: "قد عرفت عنايتك ورأيك، فأما هذا فإني لا أفعله أبدًا، فليكفِّر يزيد عن يمينه أو يدع". وقال ابن الزبير: "اللهم إني عائذ ببيتك الحرام، وقد عرضت عليهم السمع والطاعة فأبوا إلا أن يُخلّوا بي ويستحلوا مني ما حرّمتَ". فمِنْ يومئذ سمي العائذ، وأقام بمكة لا يعرض لأحد، ولا يعرض له أحد، فكتب يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد أن يوجّه إليه جندًا، فسأل عمرو بن سعيد: "مَنْ أعدى لناس لعبد الله بن الزبير؟" فقيل: أخوه عمرو بن الزبير، فولاه شُرَطَهُ بالمدينة فضرب ناسًا كثيرًا من قريش والأنصار بالسياط، وقال: "هؤلاء شيعة عبد الله بن الزبير"، وَفَرّ منه قوم كثير في نواحي المدينة.

ثم وجه يزيد عمرو بن الزبير إلى عبد الله بن الزبير في جيش من أهل الشام ألف رجل، وأَمَرَهُ بقتاله. فمضى عمرو بن الزبير حتى قدم مكة فنزل بذي طُوَى، وأتى الناسُ عَمْرَو بن الزبير يُسَلّمون عليه، وقال: "جئت لأن يعْطِي عبد الله الطاعة ليزيد ويبِرّ قسمه، فإن أبى قاتلته". فقال له جبير بن شيبة: "كان غيرك أولى بهذا منك، تسير إلى حرم الله وأمْنه، وإلى أخيك في سِنّه وفَضْله، تجعله في جامِعَةٍ؟! ما أرى الناس يَدَعُونك وما تريد". قال: "أرى أن أقاتل من حال دون ما خرجتُ له". ثم أقبل عمرو، فنزل داره عند الصفا، وجعل يرسل إلى أخيه، ويرسل إليه أخوه، فما قدم له، وكان عمرو يخرج فيصلي بالناس ـ وعسكره بذي طوى ـ وابن الزبير معه يُشَبِّك أصابعه في أصابعه، ويكلمه في الطاعة، ويلين له الكلام، فقال عبد الله بن الزبير: "ما بَعْدَ هذا شيء، إني لسامع مطيع، أنت عامل يزيد وأنا أصلي خلفك، ما عندي خلاف، فأما أن تجعل في عنقي جامِعَة، ثم أقاد إلى الشام، فإني نظرت في ذلك فرأيته لا يحل لي أن أحل بنفسي، فراجع صاحبك واكتب إليه"، قال: "لا والله ما أقدر على ذلك". فهيّأ عبد الله بن صفوان قومًا كان مُعَدِّين مع عبد الله بن الزبير من أهل السَّراة وغيرهم، فعقد لهم لواءً، وخرج عبد الله بن صفوان من أسفل مكة من اللِّيْط فلم يشعر أُنَيْس بن عمرو الأسلمي وهو على عسكر عمرو بن الزبير، إلا بالقوم، فصاح بأصحابه وهم قريب على عُدّة فتصافّوا، فقتل أنيس بن عمرو في المعركة، ووجّه عبد الله بن الزبير مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي في جمع إلى عمرو بن الزبير، فَلَقوه فتفرق أصحابه عنه وانهزم عسكره من ذي طوى، وجاء عُبَيدة بن الزبير إلى عمرو بن الزبير فقال: "أنا أُجيرك من عبد الله"، فجاء به إلى عبد الله أسيرًا والدم يقطر على قدميه، فقال: ما هذا الدم، فقال:

لَسْنا على الأعْقَابِ تَدْمَى كُلُومنا ولكن عَلَى أقدمنا يَقْطُرُ الدَّمُ

فقال: "تكلم، أي عدو الله، المستحل لحرمة الله"، فقال عبيدة: "إني قد أجرته فلا تخْفر جِوَاري"، فقال: "أنا أجير جوارك لهذا الظالم الذي فعل ما فعل؟! فأما حقُّ الناس فإني أقتص لهم منه". فضربه بكل سوط ضرب به أحدًا من الذين بالمدينة وغيرهم، إلا محمد بن المنذر بن الزبير فإنه أبى أن يقتص، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فإنه أبى أيضا. وأمر به فحبس في حبس زيد عارم. وكان زيد عارم، مع عمرو بن الزبير فأخذه فحبسه مع عمرو بن الزبير، فسمي ذلك الحبس سجن عارم، وبنى لزيد عارم ذراعين في ذراعين، وأدخله، وأطبق عليه بالجص والآجرِّ. وقال عبد الله بن الزبير: "من كان يطلب عَمْرو بن الزبير بشيء فليأتنا نقصّه منه"، فجعل الرجل يأتي فيقول: نتف أشفاري، فيقول: انتف أشفاره، وجعل يقول الآخر: نَتَفَ حَلَمَتِي، فيقول: انتف حَلَمَتَهُ، وجعل الرجل يأتي فيقول: لَهَزني فيقول: الْهَزْه، وجعل الرجل يجيء فيقول: نتف لحيتي فيقول: انتف لحيته. وكان يقيمه كل يوم، ويدعو الناس إلى القصاص منه سَنَة، فقام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقال: "جلدني مائة جلدة بالسياط، وليس بوالٍ، ولم آت قبيحًا، ولم أركب منكرًا، ولم أخلع يدًا من طاعة"، فأمر بِعَمْرٍو أن يقام، وَدَفَع إلى مصعب سوطًا، وقال له عبد الله بن الزبير: اضرب. فجلده مصعب مائة جلدة بيده،فنغل جسد عَمرٍو فمات، فأمر به عبد الله فصلب.

ونحّى عبد الله بن الزبير، الحارث بن خالد القرشي عن الصلاة بمكة، وكان عاملًا ليزيد بن معاوية عليها وأمر مصعب بن عبد الرحمن أن يصلي بالناس، فكان يصلي بهم، وكان لا يقطع أمرًا دون المِسْور بن مَخْرَمة القرشي، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، وجبير بن شيبة القرشي، وعبد الله بن صفوان بن أمية القرشي، يشاورهم في أمره كله، ويريهم أن الأمر شورى بينهم لا يستبدُّ بشيء منه دونهم، ويصلي بهم الصلوات والجمع ويحج بهم، وكانت الخوارج قد أتته، وأهل الأهواء كلهم، وقالوا: عائذ الله، وكان شعاره، لا حكم إلا لله، فلم يزل على ذلك بمكة، وحج بالناس عشر سنين وِلَاءً، أولها سنة 62 هـ، وآخرها سنة 71 هـ. وقال البريد الذي جاء برأس المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى عبد الله بن الزبير: لما وضعْتُه بين يديه قال: "ما حدثني كعب بشيء أصبته في سلطاني، إلا قد رأيته غير هذا، فإنه حدثني أنه يقتلني رجل من ثقيف فأراني الذي قتلته". وكان مصعب بن الزبير هو الذي قتل المختار وبعث برأسه إلى عبد الله بن الزبير، وَتَخَلّف على العراق وَوَجّه إلى خراسان. ولما بلغ يزيدَ بن معاوية وثوبُ أهل المدينة وإخراجهم عامله وأهل بيته عنها، وجّه إليهم مسلم بن عقبة المري، وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، كانت به النّوْطة، فوجهه في جيش كثيف، فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة، وقال: إنما تقتل بهم نفسك. فقال: "أجل أقتل بهم نفسي، وأشفي نفسي، ولك عندي واحدة، آمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقا، فإن هم تركوه، ولم يعرضوا له، ولم ينصبوا الحرب، تركهم، ومضى إلى ابن الزبير فقاتله، وإن هم منعوه أن يدخلها ونصبوا له الحرب، بدأ بهم، فناجزهم القتال، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له، وأنهبها ثلاثًا ثم مضى إلى عبد الله بن الزبير". فرأى عبد الله بن جعفر، في هذا فرج كبير، وكتب بذلك إليهم، وأمرهم أن لا يعرضوا لجيشه إذا مَرّ بهم، حتى يمضي عنهم إلى حيث أرادوا، وأمر يزيدُ مسلمَ بن عقبةَ بذلك، وقال: "إن حدث بك حدث، فحُصَين بن نمير على الناس"، فورد مسلم بن عقبة المدينة، فمنعوه أن يدخلها، ونصبوا له الحرب، ونالوا من يزيد، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثا. ثم خرج يريد ابن الزبير، وقال: "اللهم إنه لم يكن قوم أحب إليّ أن أقاتلهم من قوم خلعوا أمير المؤمنين، ونصبوا لنا الحرب، اللهم فكما أقررت عيني من أهل المدينة، فأبقني حتى تقر عيني من ابن الزبير"، ومضى فلما كان بالمشلل نزل به الموت، فدعا حصين بن نمير فقال له: "يابرذعة الحمار، لولا عهد أمير المؤمنين إليّ فيك ما عهدت إليك، اسمع عهدي، لا تمكن قريشًا من أذنك، ولا تزدهم على ثلاث؛ الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف". وأعلم الناسَ أن الحصين واليهم، ومات مكانه. فدفن على ظهر المشلل لسبع ليالٍ بقين من المحرم سنة أربع وستين. ومضى حصين بن نمير الكندي في أصحابه حتى قدم مكة فنزل بالحجون إلى بئر ميمون وعسكر هناك. فحاصر ابن الزبير قبل سلخ المحرم بأربع ليال وصفرَ وشهر ربيع الأول، فكان الحصر أربعة وستين يومًا، يتقاتلون فيها أشد القتال، ونصب الحصين المنجنيق على ابن الزبير وأصحابه ورمى الكعبة، وقتل من الفريقين بشر كثير، وأصاب المسور بن مخرمة القرشي فلْقة من حجر المنجنيق فمات ليلة جاء نَعِيُّ يزيد بن معاوية، أول شهر ربيع الآخر سنة 64 هـ.

خلافته[عدل]

كلم حصين بن نمير الكندي ومن معه من أهل الشام عبد الله بن الزبير أن يدعهم يطوفوا بالبيت وينصرفوا عنه، فشاور في ذلك أصحابه ثم أذن لهم فطافوا، وكلم ابن الزبير الحصين وقال له: "قد مات يزيد وأنا أحق الناس بهذا الأمر، لأن عثمان عهد إليّ في ذلك عهدًا، صلى به خلفي طلحة والزبير، وَعَرَفته أم المؤمنين، فبايِعْني، وادخل فيما دخل فيه الناس معي، يكن لك مالهم، وعليك ما عليهم". قال له الحصين بن نمير: "إني والله يا أبا بكر لا أتقرب إليك بغير ما في نفسي، أَقْدُم الشام فإن وجدتهم مجتمعين لك أطعْتُكَ، وقاتلتُ من عصاك، وإن وجدتهم مجتمعين على غيرك أطعته وقاتلتك ولكن سر أنت معي إلى الشام أملّكُك رقاب العرب". فقال ابن الزبير: "أو أبعث رسولًا". فقال الحصين: "تَبًّا لك سائر اليوم، إن رسولك لا يكون مثلك". وافترقا وأمِنَ الناسُ ووضعت الحرب أوزارها، وأقام أهل الشام أياما يبتاعون حوائجهم، ويتجهزون، ثم انصرفوا راجعين إلى الشام. فدعا ابن الزبير من يومئذ إلى نفسه، فبايع الناس له على الخلافة، وسُمي أمير المؤمنين، وذلك سنة 64 هـ وترك الشعار الذي كان عليه، ويدعى به، عائذ الله، ولا حكم إلا لله، وفارقته الخوارج وتركوه. وبابع له أهل تهامة و الحجاز. وولّى العمال، فولّى المدينة: مصعب بن الزبير بن العوام القرشي فبايع له الناس، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة القرشي إلى البصرة فبايعوه، وبعث عبد الله بن مطيع القرشي إلى الكوفة فبايعوه، وبعث عبد الرحمن بن عتبة بن جَحْدَم الفهري القرشي إلى مصر أميرًا فبايعوه، وبعث واليه إلى اليمن فبايعوه، وبعث واليه إلى خراسان فبايعوه، وبعث الضحاك بن قيس الفهري القرشي إلى الشام واليًا فبايع له عامة أهل الشام، واستوسقت له البلاد كلها، ما خلا طائفة من أهل الشام، كان بها مروان بن الحكم وأهل بيته.

ثم بايع أهل الشام مروان بن الحكم، فسار إلى الضحاك بن قيس الفهري وهو في طاعة ابن الزبير يدعو له، فلقيه في معركة مرج راهط، فقتله وفَضّ جمعه. ثم رجع فوجه حُبَيش بن دَلَجة القيني القضاعي في ستة آلاف وأربعمائة إلى ابن الزبير، فسار حتى نزل بالجرف في عسكره، ودخل المدينة فنزل في دار مروان واستعمل على سوق المدينة رجلًا من قومه يدعى مالكا، أخاف أهل المدينة خوفًا شديدًا وآذاهم، وجعل يخطبهم فيشتمهم ويتوعدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغش لأمير المؤمنين فكتب عبد الله بن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة واليه على البصرة، أن يوجه إلى المدينة جيشًا، فبعث الحنتف بن السجف التميمي في ثلاثة آلاف. فخرجوا معهم ألف وخمسمائة فرس وبغال وحمولة، وبلغ الخبر حبيش بن دلجة، فقال: نخرج من المدينة فنلقاهم، فإنا لا نأمن أهل المدينة أن يعينوهم علينا، فخرج وخَلّف على المدينة ثعلبة الشامي. فالتقوا بالرّبذة عند الظُّهْر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل حبيش بن دلجة، وقتل من أصحابه خمسمائة، وأسر منهم خمسمائة، وانهزم الباقون، ففرح أهل المدينة بذلك، وقُدم بالأسارى فحبسوا في قصر خَلّ، فوجه إليهم عبد الله بن الزبير مصعب بن الزبير فضرب أعناقهم جميعًا.

فلما بويع عبد الملك بن مروان، بعث عروة بن أنيف في ستة آلاف إلى المدينة، وأمرهم أن لا ينزلوا على أحدٍ، ولا يدخلوا المدينة إلا لحاجة لابدّ منها، وأن يعسكروا بالعرصة، فنزل عروة بجيشه العرصة، وهرب الحارث بن حاطب القرشي عامل ابن الزبير على المدينة فكان عروة ينزل فيصلي بالناس الجمعة، ثم يرجع إلى معسكره، فلم يبعث إليهم ابن الزبير أحدًا ولم يلقوا قتالًا، فكتب إليهم عبد الملك، أن يقبلوا إلى الشام ففعلوا، ولم يتخلف منهم أحد، ورجع الحارث بن حاطب إلى المدينة عاملًا لابن الزبير، ثم بعث عبد الملك ابن مروان، عبد الملك بن الحارث بن الحكم في أربعة آلاف إلى المدينة فما دونها، يَلْقون جموع ابن الزبير ومن أشرف لهم من عُمّاله. وكان سليمان بن خالد بن أبي خالد الزرقي عابدًا له فضل، فولاه ابن الزبير خيبر وفدك، فخرج فنزل في عمله، فبعث عبدُ الملك بنُ الحارث، أبا القمقام في خمسمائة إلى سليمان بن خالد، فقتله، وقتل من كان معه، فلما انتهى خبره إلى عبد الملك بن مروان أغاظه وكره قتله. ووجه عبد الملك بن مروان طارق بن عمرو في ستة آلاف وأمره أن يكون فيما بين أيلة ووادي القرى مددًا لمن يحتاج إليه من عمال عبد الملك بن مروان أو من كان يريد قتلاه من أصحاب ابن الزبير، وكان أبو بكر بن أبي قيس في طاعة ابن الزبير قد ولاه جابر بن الأسود خيبر، فقصد له طارق فقتله في ستمائة من أصحابه، وهرب من بقي منهم في كل وجه، فكتب الحارث بن حاطب إلى عبد الله بن الزبير أن عبد الملك بن مروان بعث طارق بن عمرو في جمع كثير، فَهُمْ فيما بين أيلة إلى ذي خُشُب، يَجُدّوا في أموال الناس ويقتطعونها ويظلمونهم، فلو بعثت إلى المدينة رابطة لَا تُدْخَل. فكتب ابن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، أن يوجه إلى المدينة ألفين، ويستعمل عليهم رجلًا فاضلًا، فوجه إليهم ابن روّاس في ألفين، فقدموا المدينة فمنعوها من جيوش أهل الشام، وكانوا قومًا لا بأس بهم. وكانت المدينة مَرّة في يد ابن الزبير، ومرّة في يد عبد الملك بن مروان، وكانت أكثر ذلك تكون في يد ابن الزبير. فلما بلغ ابن الزبير مقتَلُ أبي بكر بن أبي قيس، كتب إلى ابن روّاس أن يخرج في أصحابه إلى طارق بن عمرو، فشق ذلك على أهل المدينة، وخرج ابن روّاس وبلغ ذلك طارقًا فندب أصحابه، ثم التقوا بشبكة الدوم على تعبية، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم كانت الدولة لطارقٍ وأصحابه، فقُتل ابن روّاس وأصحابه قتلًا ذريعًا، ونجا رجل منهم، فقدم المدينة فأخبر بمقتل ابن رواس وأصحابه، فسيئ بذلك أهل المدينة، ثم خرج ذلك الرجل إلى عبد الله بن الزبير، فأخبره الخبر، ورجع طارق إلى وادي القرى، وكتب ابن الزبير إلى واليه بالمدينة أن يفرض لألفين من أهل المدينة يكونوا رِدْءًا للمدينة ممن يدهمها، ففرض الفرض ولم يأت المال، فبطل ذلك الفرض وسُمّي فرض الريح.

يعتبر بعض المورخين من أهل السنة كابن كثير وابن الاثير والطبري أن خلافة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير شرعية باعتبار أن معظم الأمصار الإسلامية خضعت له ولذلك يذكر اسمه مع الخلفاء.

بناؤه الكعبة كما كانت في عهد إبراهيم[عدل]

كان الحصين بن نمير الكندي محاصرا مكة فلما توفي يزيد بن معاوية ارتحل عنها، فأمر عبد الله بن الزبير بهدم الخِصَاص التي كانت حول الكعبة وكنس مافيها من الحجارة والدماء، فبدت الكعبة مُتَوَهِّنَةً فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق وقد أسودّ واحترق الركن، فشاور عبد الله بن الزبير الناس أياما في هدمها وبنائها فلما عزم غدا عليها يوم السبت من منتصف شهر جمادى الآخرة سنة 64 هـ، فهدمها حتى وضعها كلها بالأرض، ثم حفر الأساس فوُجِدَ واصلًا بالحِجْر مُشَبِّكًا، فدعا خمسين رجلًا من قريش، وأشهدهم على ذلك، وجعل الحَجَر عنده في تابوت في سَرقة من حرير، ثم بنى البيت وأدخل الحِجر فيه، وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض، باب يُدخل منه، وباب يُخرج منه بإزائَه من خلفه، وقال: "إن عائشة حدثتني أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال لها: « إن أراد قومك يبنون البيت على ما كان على عهد إبراهيم فليفعلوا ذلك». فأرتني عائشة الذي أراها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فكان عندي مذروعًا حتى وَليْت هذا الأمر، فلم أعْدُ به ما قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فرأى الناس يومئذ أنه قد أصاب. وبنى البيت حتى بلغ موضع الركن الأسود فوضعه، وكان الذي وضعه حمزة بن عبد الله بن الزبير، وشده بالفضة لأنه كان انصدع، ثم ردّ الكعبة على بنائها، وزاد في طولها فجعله سبعًا وعشرين ذراعًا، وخلّق جوفها، ولطّخ جدرَها بالمسك حتى فرغ منها من خارج، وسترها بالديباج، وهو أول من كساها الديباج. فلما فرغ من بناء الكعبة اعتمر من خيمة جُمانة عند مسجد عائشة ماشيًا معه رجال من قريش كابن صفوان وعبيد بن عمير الكناني وغيرهما. [5]

قتله المختار بن أبي عبيد الثقفي[عدل]

قدم أبو عبيد الثقفي من الطائف ــ وكان رجلًا صالحًا ــ وندب عمر بن الخطاب الناسَ إلى أرض العراق، فخرج أبو عبيد إليها فقُتل وبقي ولده بالمدينة، وكان المختار يومئذ غلامًا يُعرف بالانقطاع إلى بني هاشم، ثم خرج في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد إلى البصرة، فأقام بها يُظهر ذكر الحسين بن عليّ، فأُخبِر بذلك عبيد الله بن زياد، فأخذه فجلده مائة جلدة ودرّعه عباءة، وبعث به إلى الطائف. فلم يزل بها حتى قام عبد الله بن الزبير ودعا إلى ما دعا إليه، فقدم عليه، فأقام معه من أشد الناس قتالًا وأحسنه نِيّة ومناصحة فيما يرون، وكان يختلف إلى محمد بن الحنفية، ويسمعون منه كلامًا ينكرونه، فلما مات يزيد، ومات المسور بن مخرمة، ومصعب بن عبد الرحمن، استأذن المختار ابن الزبير في الخروج إلى العراق، فأذن له، وهو لا يشك في مناصحته وهو مصرٌّ على الغش له، فكتب ابن الزبير إلى عبد الله بن مطيع، وهو عامله على الكوفة، يذكر له حالة عنده ويوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ويظهر مناصحة ابن الزبير ويعيبه في السر، ويذكر محمد بن الحنفية فيمدحه، ويصف حاله ويدعو إليه وحرّض الناسَ على ابن مطيع واتخذ شيعة يركبُ في جماعةٍ وخيلٍ، فعدت خيله على خيل ابن مطيع فأصابوهم، وخافه ابن مطيع فهرب، فلم يطلبه المختار، وقال: أنا على طاعة ابن الزبير، فلأي شيء خرج ابن مطيع؟. وكتب إلى ابن الزبير يقع بابن مطيع ويجبّنه، ويقول: رأيته مداهنًا لبني أمية فلم يسعني أن أقره على ذلك، لما حملت في عنقي من بيعتك، فخرج من الكوفة وأنا ومَنْ قِبَلِي على طاعتك. فقبل منه ابن الزبير وصدّقه، وأقره واليا على الناس. فلما اطمأن ورأى أن ابن الزبير قد قبل منه، سار إلى منزل عمر بن سعد بن أبي وقاص فقتله في داره، وقتل ابنه حفصًا أسوأ قِتْلة، وجعل يتتبع قتلة الحسين من الديوان الذين خرجوا إليه، فيقتل كل من قدر عليه، وتغيّب كل من خالفه من أهل الكوفة، ثم بعث مسالحه إلى السواد، والمدائن، وعمال الخراج، فجبيت إليه الأموال. فبعث إليه عبد الملك بن مروان، عبيد الله بن زياد، في ستين ألفًا من أهل الشام، فأخذ على الموصل، فبعث المختارُ، إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفًا من أصحابه، لقتال عبيد الله بن زياد، فلقيه بأرض الموصل، على نهر يدعى الخازِر فتراشقوا بالنبل ساعة، وتشاولوا بالرماح، ثم صاروا إلى السيوف، فاقتتلوا أشد القتال، إلى أن ذهب ثلث الليل، وقُتل أهل الشام تحت كل حجر، وهرب من هرب منهم، وقتل عبيد الله بن زياد، والحصينُ بن نمير في المعركة، وبعث بالرءوس إلى المختار، فبعث برأس عبيد الله بن زياد، وبرأس الحصين بن نمير وستة نفر من رؤسائهم مع خلّاد بن السائب الخزرجَي، فقدم بها المدينة يومًا إلى الليل، ثم خرج بها إلى ابن الزبير، فنَصَبها على ثنية الحجون. وجعل ابن الزبير يسأل خلاد بن السائب عن التقائهم وقتالهم، فيخبره، فقال: فكيف رأيت مناصحة المختار؟ فقال: رأيتُه على ما يحبُّ أميرُ المؤمنين، يدعو له على منبره، ويذكر طاعَتَك ومُفَارَقَةَ بني مروان. ورجع المختار ومن معه إلى الكوفة، وكتب إلى ابن الزبير يخدعه ويُخبره أنه إنما يقوم بأمره، ويسكّنه حتى يمكنه ما يريد. فأبصر ابن الزبير أمره، وكلمه فيه عروة بن الزبير، وعبد الله بن صفوان، وغيرهما وأعلموه غِشّه وسوء مذهبه، وأنه ليس له بصاحب، قال: فمن أُوَلِّي؟ أحتاج إلى رجل جَلْد مجزئ مِقْدَام، فقال له مُصعب بن الزبير: لا تولِّ أحدًا أقومَ بأمرك مِنِّي، قال: فقد وليتك العراق، فَسِرْ إلى الكوفة، قال: ليس هذا برأي، أَقْدمُ على رجل قد عَرَفْتَه، إنما هواه ورأيه في غيرنا، وإنما يستتر بنا، وقد اجتمع معه من الشيعة بَشَر كثير، ولكني أقدم البصرةَ وأهلها سامعون مطيعون، ثم أزحف إليه بالجنود إن شاء الله، فقال ابن الزبير: هذا الرأي. فسار مصعب إلى البصرة واليًا عليها، وبلغ المختارَ، فعرف أنه الشر والسيف، فكتب إلى ابن الزبير يشتمه ويعيبه ويقول: إنه لا طاعة لك على أحد ممن قِبَلي، فأجْلِب بخيْلك وَرَجِلِكِ، وخَطَب المختار الناس بالكوفة، وأظهر عيْب ابن الزبير، وخلعه، ودعا إلى الرضَا من آل محمد صَلَّى الله عليه وسلم، وذكر محمد بن الحنفية فقرّظه وسماه المهدي، وكتب ابن الزبير إلى مُصعب يأمره بالمسير إلى المختار في أهل البصرة، فأمر مصعب بالتهيؤ ثم عسكر، واستعمل على مَيْمَنَته الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى مَيْسَرته عبد الله بن مطيع، واستخلف علي البصرة عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن مَغْمر. وبلغ المختارَ مَسِيرُ مصعب بالجنود، فبعث إليه أحمر بن شميط البجلي، وأمره أن يواقعهم بالمَذار، فبيّتهم أصحاب مصعب فقتلوا ذلك الجيش، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل تلك الليلة عبيد الله بن علي بن أبي طالب، وكان في عسكر مصعب مع أخواله بني نهشل بن دارم، وخرج المختار في عشرين ألفًا حتى وقف بإزائهم، وهم فيما بين الجسر إلى نهر البصريين، وزحف مصعب ومَن معه فوافوهم مع الليل، ولم يكن بينهم حرب، فأرسل المختار إلى أصحابه حين أمسى، أن لا يبرحن أحدٌ منكم موقفه حتى تسمعوا مناديًا ينادي: يا محمد، فإذا سمعتم، فاحملوا على القوم، واقتلوا مَن لم تسمعوه ينادي يا محمد، ثم أمهل، حتى إذا حلّق القمر واتسق أمر مناديًا فنادى: يا محمد. ثم حملوا على مصعب وأصحابه فهزموهم، ودخلوا عسكرهم، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا، وأصبح المختار وليس عنده أحد له ذكر غير عشرة فوارس، وإذا أصحابه قد وَغَلوا جميعًا في أصحاب مصعب، فانصرف المختار منهزمًا فأغذّ السير حتى أتى الكوفة، فدخل القصر ورجع أصحاب المختار حين أصبحوا حتى وقفوا موقفهم فلم يروا المختار، وقالوا: قد قُتل. فهرب منهم مَن أطاق الهرب، واختفى الباقون، وتوجه منهم ثمانية آلاف إلى الكوفة، فوجدوا المختار في القصر فدخلوا معه. وأقبل مصعب حتى خَنْدَق على سُدّة القصر والمسجد، وحصرهم أشدّ الحصار، فخرج المختار يومًا على بغلة شَهْباء، فقاتَلَهم في الزّيّاتين، فقتلوه، وطلب أهل القصر الأمان من مصعب فأمنهم، وفيهم سبعمائة من العرب وسائرهم من الموالي والعجم، فأراد قتل هؤلاء، وتَرْك العرب فقيل له: ما هذا بدين، ذنبهم واحد، تقتل العجم وتترك العرب، فقدمهم جميعا فَضَرَبَ أعناقهم صَبْرا، وبعثَ برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع رجل من الشرط، فقدم الرسول فانتهى إلى ابن الزبير وهو في المسجد الحرام قد صلى عشاء الآخرة، ثم قام يتنفل، قال: فوالله ما التفت إليه ولا انصرف حتى أسحر فأوتر، ثم جلس، فدنا الرسول فدفع إليه الكتاب، فقرأه، ثم دفعه إلى غلام له، فقال الرسول: يا أمير المؤمنين هذا الرأس معي، فقال: ألقه فألقاه على باب المسجد. ثم أتاه فقال: جائزتي قال: خذ الرأس الذي جئتَ به.

مقتل مصعب بن الزبير[عدل]

كان ابن الزبير يكتب إلى مصعب في عبد الملك: لا تغفله واغزه قبل أن يغزوك، فإنك في عين المال والرجال. ففرض مصعب الفروض، وأخذ في التهيئة للخروج، وقسم أموالًا وأخرج العطاء، وبلغ ذلك عبد الملك، فجمع جنوده، وسار بنفسه يؤم العراق لقتال مصعب، وقال لروح بن زنباع وهو يتجهز: والله إنّ في أمر هذه الدنيا لعجب لقد رأيتني ومصعب بن الزبير أفقده الليلة الواحدة من الموضع الذي نجتمع فيه فكأني والِهٌ، ويفقدني فيفعل مثل ذلك، ولقد كنت أُوتَى باللّطَف، فما أراه يجوز لي أن آكله حتى أبعث به إليه أو ببعضه، وكان يفعل مثل ذلك، ثم صرنا إلى السيف! ولكن هذا الملك عقيم. فلما أجمع مصعب الخروج من الكوفة يريد عبد الملك خرج وقد اصطف له الناس بالكوفة صفين، وقد اعْتَمَّ عِمَّتَه القَفْدَاء، وهو مقبل على مَعْرَفة دابته، ثم نظر في وجوه القوم يمينًا وشمالًا، فوقعت عينه على عروة بن المغيرة بن شعبة، فقال: يا عروة.؟ قال: لبيك. قال: ادنُ. فدنا، فسار معه، فقال: أخبرني عن الحسين بن علي كيف صنع حيث نُزِلَ به؟ قال: فأنشأت أُحدّثه عن صَبره وإبائه ما عُرض عليه، وكراهته أن يدخل في طاعة عبيد الله بن زياد حتى قُتل. قال: فضرب بسوطه على مَعْرَفة برذونه، ثم تمثل:

إِنَّ الأُلَي بالطَّف من آلِ هاشمٍ تأسَّوْا فسَنّوا للكِرَام التأَسِّيَا

قال: فعرفت والله أنه لن يَفِرّ وأنه سيصبر حتى يقتل. ثم سار عبد الملك، وسار مصعب، حتى الْتَقيا بمن معهما بَمسْكِن، فقال عبد الملك: ويلكم ما أصبهان هذه؟ قيل: سُرّة العراق. قال: فقد والله كتب إليّ أكثر من ثلاثين رجلًا من أشراف أهل العراق، وكلهم يقولون: إن خِسْتُ بمصعبٍ فلي أصبهان؟ قال: فكتبت إليهم جميعًا: أَنْ نعم. فلما التقوا، قال مصعب لربيعة: تقدموا للقتال. فقالوا: هذه مخروءة بين أيدينا. فقال: ما تأتون أنتن من المخروءة وقد كانت ربيعة مجمعة على خذلانه، فأظهرت ذلك، فخذله الناس ولم يتقدم أحد يقاتل دونه. فلما رأى مصعب ما صنع الناس وخذلانهم إياه، قال: المرء ميت على كل حال، فوالله لئن يموت كريمًا أحسن به من أن يَضْرَع إلى مَنْ قَد وتَرَه، لا أستعين بربيعة أبدًا ولا بأحدٍ من أهل العراق، ما وجدنا لهم وفاء، انطلق يا بني لابنه عيسى وهو معه فاركب إلى عمك بمكة فأخبره بما صنع أهل العراق، ودعني فإني مقتول. فقال له ابنه: والله لا أخبر نساء قريش بشرّ عنك أبدا. قال: فإن أردتَ أن تُقَاتِلَ، فتقدّم فَقَاتِل حتى أحْتَسبك. فدنا ابنه عيسى فقاتل قتالًا شديدًا حتى أخذته الرماح من كل ناحية، وكثره القوم فقُتِل، ومُصعب جالسٌ على سريره، فأقبلَ إليه نَفَر ليقتلوه فقاتَلَهم أشد القتال حتى قُتل، وجاء عبيد الله بن ظبيان فاحتزّ رأسه فأتَى به عبد الملك بن مَروان، فأعطاه ألف دينار، فأبى أن يأخذها، وكان مُصعب قُتل على نهر يقال له: دُجَيْل، عند دَيْر الجَاثَلِيق، فأمر به عبد الملك وبابنه عيسى فدفنا، ثم سار عبد الملك حتى نزل النُّخَيلة، ودعا أهل العراق إلى البيعة فبايعوه، واستخلف على الكوفة بشر بن مروان أخاه، ثم رجع إلى الشام. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عثمان بن محمد العُمَرِي، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أنه قيل له: أي ابنَي الزبير كان أشجع؟ قال: ما منهما إلّا شُجَاع، كلاهما مَشَى إلى الموت وهو يراه.

مقتله[عدل]

ولما قَتَل عبدُ الملك بن مروان مصعبَ بن الزبير، بعث الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير بمكة في ألفين من جند أهل الشام، فأقبل حتى نزل الطائف، فكان يبعث البعوث إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير بعثا، فيلتقون فَتُهْزم خيل ابن الزبير، وترجع خيل الحجاج إلى الطائف، فكتب الحجاج إلى عبد الملك في دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير، وأن يمده برجال، فأجابه عبد الملك إلى ذلك، وكتب إلى طارق بن عمرو، يأمره أن يلحق بالحجاج، فسار طارق في أصحابه وهم خمسة آلاف فلحق بالحجاج، فنزل الحجاج من الطائف، فحصر ابن الزبير في المسجد، وحج بالناس الحجاج سنة اثنتين وسبعين، وابن الزبير محصور، ونصب الحجّاجُ المنجنيق يرمي بها أحثَّ الرمي، وألحّ عليهم بالقتال من كل وجه، وحبس عنهم المِيرَة، وحصرهم أشدّ الحصار، حتى جُهدَ أصحابُ ابن الزبير، وأصابتهم مجاعة شديدة. وكان ابن الزبير قد وضع في كل موضع يخاف منه مَسْلحة، فكانت مسالحه كثيرة يطوف عليها أهل الثبات من أصحابه، وهم على ذلك مبلوغون من الجوع ما يقدر الرجل يقاتل ولا يحمل السلاح كما يريد من الضعف، وكانوا يستغيثون بزمزم فيشربون منها، فتعصمهم، وجعلت الحجارة من المنجنيق يُرْمى بها الكعبة، حتى يؤثر فيها كأنها جيوب النساء، ويُرْمَى بالمنجنيق من أبي قبيس فتمرّ الحجارة وابن الزبير يصلي عند المقام كأنه شجرة قائمة ما ينثني، تهوي الحجارة مُلَمْلَمَة ملس كأنها خُرِطَت وما يصيبه منها شيء ولا يتنحى عنها ولا يفزع لها، وحَشَر الحجاج أهل الشام يومًا وخطبهم، وأمرهم بالطاعة وأن يَرَى أثرهم اليوم، فإن الأمر قد اقترب، فأقبلوا ولهم زَجَل وَفَرَح، وسمعت بذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله بن الزبير، فقالت لعبد الله مولاها: اذهب فانظر ما فعل الناس، إن هذا اليوم يوم عصيب، اللهم أَمْضِ ابني عَلَى بَيِّنَة، فذهب عبد الله ثم رجع فقال: رأيت أهل الشام قد أخذوا بأبواب المسجد، وهم من الأبواب إلى الحجون.

ودخل عبد الله بن الزبير قبل مقتله بعشرة أيّام على أمّه أسماء، وهي شاكيةٌ، فقال لها: "كيف تجدِينك يا أُمَّه؟" قالت:‏ "ما أجِدني إلاّ شَاكِية".‏ فقال لها:‏ "إن في الموت لراحةً‏."‏ فقالت له: "لعلك تمنَّيْتَه لي‏.‏ ما أُحِبّ أن أموتَ حتى يأتي على أحد طرفيك؛ إما إنْ قُتِلت فأَحْتسِبك، وإما ظفرت بعدوّك فتقَرّ عيني".‏ ‏قال عروة‏: فالتفت إليّ عبد الله فضحك، فلما كان في اليوم الذي قتِل فيه دخل عليها في المسجد فقالت له:‏ "يا بنيّ، لا تقبلنَّ منهم خطة تخاف فيها على نفسك الذّلّ مخافة القتل، فوالله لضَرْبةُ سيف في عِزٍّ خيرٌ من ضربة سَوْطٍ في المذلّة". قال:‏ فخرج، وقد جُعل له مصراع عند الكعبة، فكان تحته، فأتاه رجل من قريش، فقال له:‏ "ألا نفتح لك باب الكعبة فتدخلها!" فقال عبد الله‏:‏ "من كل شيء تحفظ أخاك إلا من نفسه، والله لو وجدوكم تحت أستارِ الكعبة لقتلوكم، وهل حرمةُ المسجد إلاّ كحرمة البيت"، ثم تمثل‏:

وَلَسْـتُ بِمُبْتَاعِ الحَيَاةِ بِسُبَّةٍ وَلاَ مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ المَوْتِ سُلَّمَا

وقيل أن أسماء قامت تصلي وتدعو وتقول: اللهم إنّ عبد الله بن الزبير كان معظّما لحرمتك، كَرِيْهٌ إليه أن تُعْصَى، وقد جاهد فيك أعداءك، وبذل مهجة نفسه لرجاء ثوابك، اللهم فلا تخيبه، اللهم ارحم ذلك السجود والنّحيب والظمأ في تلك الهواجر، اللهم لا أقوله تزكية، ولكن الذي أعلم، وأنت أعلم به، اللهم وكان برا بالوالدين. قال: ثم جاء عبد الله بن الزبير، فدخل على أمه وعليه الدرع والمِغْفَر، فوقف عليها، فسلم، ثم دنا فتناول يدها فقبَّلها وَوَدعها، فقالت: هذا ودَاع فلا تَبْعَدْ إلا من النار. فقال ابن الزبير: نعم جئتُ مودعًا لك، إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يَمُرُّ بي، واعلمي يا أمّه أني إن قُتلتُ؛ فإنما أنا لحم ودم لا يضرني ما صُنع بي. قالت: صدقت، فامض عَلَى بَصِيرَتك، ولا تمكِّن ابن أبي عقيل منك، وادْنُ مني أودعك، فدنا منها فعانقها، فمسّت الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد! فقال: ما لبست الدرع إلا لأشُدّ منك. قالت: فإنه لا يشدّ منّي بل يخالفني، فنزعها، ثم أدرج كُمّه وشدّ أسفلَ قميصِه، وجُبّةَ خَزّ تحت القميص وأدخل أسفلها في المِنْطَقة، وأمّه تقول: أليس ثيابك مُشَمّرة؟ قال: بَلَى هي على عَهدك. قالت: ثبّتك الله، فانصرف من عندها وهو يقول: إِنّي إذا أعرفُ يومي أصْبِرْ إذْ بعضهم يعرفُ ثم ينْكرْ. فَفَهِمَتْ قولَه، فقالت: تَصْبِر والله إن شاء الله، أليس أبوك الزبير؟ وجاء عمارة بن عمرو بن حزم إلى ابن الزبير فقال: لو رَكِبتَ رواحلك فنزلتَ برَمْل الجَزْل. فقال: ابن الزبير: فما فَعَلَتِ القَتْلى بالحرم؟ والله لئن كنتُ أوردتهم ثم فررتُ عنهم، لبئس الشيخ أنا في الإسلام. وقال الحجّاج لأصحابه: والله إني لأخاف أن يهربَ ابن الزبير، فإن هربَ فما عُذرنا عند خليفتنا؟ فبلغَ ابن الزبير قوله فَتَضَاحَكَ، وقال: إنه والله ظَنّ بي ظنه بنفسه، إنه فَرّار في المواطن وأبوه قبله. ثم شدَّ عليه أَصحابُ الحجاج، فقال:‏ "أين أهلُ مصر؟" فقالوا‏:‏ هم هؤلاء من هذا الباب، فقال لأصحابه‏:‏ "كَسِّرُوا أغمادَ سيوفكم، ولا تميلوا عنّي، فإني في الرّعيل الأوّل".‏ ففعلوا، ثم حمل عليهم، وحملوا معه، وكان يضرب بسيفين، فلحق رجلًا فضربه، فقطع يدَه، وانهزموا، فجعل يضربهم حتى أخرجَهم من باب المسجد، فجعل رجلٌ أسود يسُّبه.‏ فقال له:‏ "اصبر يا بن حام"، ثم حمل عليه فصرعه‏. قال:‏ ثم دخل عليه أَهْلُ حمص من باب بني شيبة‏.‏ فقال:‏ "مَنْ هؤلاء؟" فقالوا: أهل حمص، فشدَّ عليهم، وجعل يضربهم حتى أخرجَهم من باب المسجد، ثم انصرف، وهو يقول:

لَوْ كَانَ قَرْنِي وَاحِدًا لَكَفَيْتُهُ أَوْرَدْْتُـهُ المَـوْتَ وَذَكَّيْتُـهُ

ثم دخل عليه أهلُ الأردن من باب آخر، فقال:‏ "مِنْ هؤلاء؟" فقيل:‏ أهل الأردن، فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ثم انصرف، وهو يقول‏:

لاَ عَهْدَ لِي بِغَارَةٍ مِثْلِ السَّيْلْ لاَ يَنْجَلِي قَتَامُهَا حَتَّى اللَّيْـلْ

وقال:

قد سَنّ أصحابُك ضَرْبَ الأعناقْ وقامت الحربُ بنا عَلَى سَاقْ
صَبْرًا عقاق إنّه شَرٌّ باقْ صَبْرًا بُنَيّ إنه العَتاقْ

فأقبل عليه حجَر من ناحية الصَّفا، فضربه بين عينيه، فنكس رأسه، وهو يقول:

وَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تُدْمَى كُلُومُنَا وَلَكِـنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ الـدَّمُ

‏وقال علي بن مجاهد:‏ قُتل مع ابن الزّبير مائتان وأربعون رجلًا إنَّ منهم لمَنْ سال دَمُه في جوف الكعبة.‏ لماء جاء يوم الثلاثاء شحنت الأبواب من أهل الشام، وأسلَمَ أصحاب ابن الزبير المحارس، وكَثَرَهم القوم، وأقاموا على كل باب قائدًا ورجالًا وأهل بلد؛ فكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصَّفا، ولأهل فلسطين باب بني جُمحَ، ولأهل قِنَّسرين باب بني سَهْم، وكان الحجّاج وطارق جميعًا في ناحية الأبطح إلى المروة فمَرّة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية، ومَرّة في هذه الناحية، ولكأنه أسدٌ في أَجْمَة ما يقدم عليه الرجال، يعدو في آثارهم حتى يخرجهم وهو يرتجز:

إني إذا أعرف يومي أصْبَرْ وإنما يعرف يَوْمَيْهِ الحُرْ

وقال سهل بن سعد: سمعت ابن الزبير يوم الثلاثاء يقول: ما أَرَاني اليوم إلا مقتولًا، ولقد رأيت في ليلتي هذه كأن السماء فُرِجَت لي فدخلتها، فقد والله مَللتُ الحياة وما فيها، ولقد قرأ في الصبح يومئذ متمكنًا نون والقلم حرفًا حرفًا، وإن سيفه لمسلول إلى جنبه، وإنه ليتم الركوع والسجود كهيئته قبل ذلك. وقال شيخ من أسْلَم، قال: سمعتُ ابن الزبير يقول يوم قُتل: والله لقد مللتُ الحياة، ولقد جاوزتُ سِنّ أبي، هذه لي ثنتان وسبعون سَنَة. اللهم إني قد أحببتُ لقاءك فأحبب لقائي، وجاهدتُ فيك عدوك فأثبني ثَوابَ المجاهدين. وقال هشام بن عروة: جلس ابن الزبير يوم الثلاثاء فَخَفَقَ خَفْقَة، فتغامزَ به بعض مَن كان عنده بنعسته تلك، ففتح عينيه فقال: شيخٌ كبير عَلّ، قد عاش حتى مَلّ، اللهم إذا قبضتُ رِجلي فلا أبسطها، وإذا بسطتها فلا أقبضها. وقال المنذر بن جهم الأسلمي: رأيتُ ابن الزبير يوم قُتل، وقد خَذَلَه مَنْ معه خُذْلانًا شديدًا، وجعلوا يَخْرجون إلى الحَجاج، وجعل الحَجاج يصيح: "أيها الناس علامَ تقتلون أنفسكم؟ مَن خرج إلينا فهو آمن، لَكُمْ عَهْدُ الله وميثاقه، وفي حَرَم الله وأمنه، وربّ هذه البَنِيّة لا أغدرُ بكم، ولا حاجةَ لنا في دمائكم". فجعل الناس يتسللون حتى خَرج إلى الحجّاج من أصحاب ابن الزبير نحو من عشرة آلاف، وقال ابن الزبير لأصحابه: "انظروا كيف تضربون بسيوفكم، ولْيَصُن الرجلُ سيفَه كما يصونُ وجهه، فإنه قبيحٌ بالرجل أن يخطئ مضرب سيفه لا أعلمن امْرأً كسَرَ سيفه واستبقى نفسه، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل، غُضّوا أبصاركم عن البارقة، وليَشْغَلْ كل امرئ منكم قِرْنَه، ولا يُهليّنّكم السؤال عني، ولا تقولُونَ: أين عبد الله بن الزبير؟ أَلَا وَمَنْ كان سائلًا فإني في الرعيل الأول. احملوا على بركة الله". وما كان يخطئ مضربًا واحدًا شبرًا من ذُبَاب السيف أو نحوه، وضرب رجلًا من أهل الشام ضربة أبدى سَحْرَهُ وهو يقول: خذها وأنا ابن الحَوَارِي، فلما كان يوم الثلاثاء، قام بين الركن والمقام، فقاتلهم أشد القتال، وجعل الحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام يا أهل الشام: الله الله في إمَامِكم، فَلَيَشُدُّون الشَّدّة الواحدة جميعًا حتى يقال: قد اشتملوا عليه، فيشدَّّ عليهم حتى يَفْرُجُهم ويبلغ بهم باب بني شَيْبَةَ، ثم يَكِرّ وَيَكِرّون عليه، ليس معه أعوان، فعل ذلك مرارًا، حتى جاء حَجَرٌ عائر، مِنْ ورائه فأصابه، فوقع في قَفَاه فَوَقذه، فارتعشَ ساعة، ثم وقعَ لوجهه، ثم انتهض فلم يَقْدِر على القيام، وابتدره الناس، وشَدّ عليه رجلٌ من أهل الشام، وقد ارتعشَ ابن الزبير فهو متكِئ على مِرْفَقِهِ الأيسر، فضرَبَ الرّجُلَ فَقَطَعَ رجليه بالسيف، وجعل يضربه ولا يقدر ينهض حتى كَثُروه فَذَفَّفوا عليه ولقد كان يقاتل، وإنه لمطروح يَخْذِمُ بالسيف كُلّ من دنا منه، فصاحت امرأة من الدار: "واأمير المُؤْمِنِيْنَاه"، فابتدره الناس فَكَثَرُوه، فقتلوه. وجاء الخبر الحجاج، فسجد، وسار حتى وقف عليه هو وطارق بن عمرو، وقال طارق: ما ولدت النّساء أذْكَر من هذا، فقال الحجاج: تمدح مَنْ خالَفَ أمير المؤمنين؟ قال طارق: نعم هو أعْذَرُ لنا، ولولا هذا ما كان لنا عذر، إنّا محاصروه وهو في غير خندق ولا حصن ولا مَنَعَة منذ سبعة أشهر ينتصف منا، بل يفضل علينا، في كل ما التقينا نحن وهو، فبلَغ كلامهما عبد الملك بن مروان، فَصَوّب طارقًا.

وقال أبي سلمة الحضرمي: دخلت على أسماء بنت أبي بكر يوم الثلاثاء وبين يديها كفن قد أعدّته وَنَشَرته وأجْمَرته، وأمرت جواري لها يقمن على أبواب المسجد، فإذا قُتل عبد الله صِحْنَ، فرأيتهنّ حين قُتل عبد الله صَيّحْن، وأرسلت ليحمل عبد الله. فأُتِيَ الحجّاج به فحزَّ رأسه، وبعثَ به إلى عبد الملك بن مَروان، وَصَلَب جُثّته فقالت أسماء: قاتَلَ الله المُبِير، يَحُولُ بيني وبين جثّته أَنْ أُواريها، ثم ركِبت دابتها حتى وقَفَت عليه وهو مصلوب، فدعَت له طويلًا وما تقطر من عينها قَطْرة، ثم انصرفت وهي تقول: مَنْ قُتل على باطل فقد قُتِلْتَ على حق، وعلى أكرم قِتْلة ممتنع بسيفك فلا تَبْعَد. فأقبل الحجاج في أصحابه، فسأل عنها، فأُخْبِر بها، فأقبل حتى وقف عليها، فقال: كيف رأيتِ؟ نَصَر الله الحقَّ وأَظهرَه. قالت: ربما أُدِيل الباطلُ على الحق، وإنّك بين فَرْثِها والجِيّة، قال: إن ابنك ألْحَد في هذا البيت، وقال الله تبارك وتعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} . وقد أذاقه الله ذلك. فقالت: كذبتَ، كان أول مولود في الإسلام بالمدينة، وَسُرّ به رسول الله صَلَّى الله وعليه وسلم، وحَنَّكَه بيده، فَكَبّر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحًا به، وقد فرحتَ أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فَرِحَ يومئذ به خَيْرٌ مِنْكَ ومن أصحابك، وكان مع ذلك برًّا بالوالدين، صَوّامًا قَوّامًا بكتاب الله، معظِّمًا لحرم الله، يُبْغِضُ أن يُعْصَى الله، أشهد على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لسمعته يقول: "سيخرج من ثقيف كذابان الآخِرُ منهما شَرّ من الأول وهو مُبِير" وهو أنت. فانكَسَر الحجاج، وانصرف، وبلغ ذلك عبد الملك، فكتب إليه يلومه في مخاطبة أسماء، وقال: مالَكَ ولابنة الرجل الصالح! وسمع ابن عمر التكبير فيما بين المسجد إلى الحجون حين قُتل ابن الزبير، فقال: لَمَنْ كَبّرَ حين ولد ابن الزبير، أكْثَر وخَيْر ممّن كَبّر على قتله.

وقال هشام بن عُروة، يقول: رَماه رجلٌ من السّكون بآجُرَّة فأثبته وَوَقَع، وكان الذي قَتله رجلٌ من مُراد، وحمل رأسه إلى الحجّاج. فجاءا به إلى الحجاج فَوَفّدَهما إلى عبد الملك، فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار، وفرض لكل واحد منهما في مائتي دينار. وكان ابن عمر جالسًا، فأتاه آتٍ فقال: قُتِلَ ابن الزبير. فقال: يرحمه الله. فقيل: يا أبا عبد الرحمن صُلِبَ؟ فقال ابن عمر: قَاتَلَ اللهُ الحَجّاج، ما من خصلة شَرّ إلا هي فيه، وقال أبو نوفل بن أبي عقرب الكناني أن الحجاج بن يوسف لما قَتل عبد الله بن الزبير صلبه على عقبة المدينة، ليرى ذلك قريش المدينة، فلما نفروا، جعلت قريش تمر به، والناس لا يقفون عليه، حتى مَرّ به عبد الله بن عمر، فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، قد كنتَ عن هذا غَنيّا. وقيل قال عبد الله بن عمر لخادمه: انظر المكان الذي به ابن الزبير مصلوبٌ فلا تمرر بي عليه، فَسَهَا الغلامُ، فإذا ابن عمر ينظر إلى ابن الزبير مَصلوبًا، فقال: يغفرُ اللهُ لكَ، يغفرُ الله لك، ثلاثًا، أما والله ما علمتك إلا كنْتَ صَوّامًا قوامًا، وصَولًا للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوئ ما أصبت أن لا يعذّبك الله بَعْدَها أبدًا. وقيل قال: يرحمك الله فوالله إنّ قومًا كنتَ أخسّهم لقومُ صدقٍ. وربطوا هِرّة مَيّتة إلى جنبه، فكان ريح المسك يغلب على ريحها. وصلبه الحجاج على الثنية التي بالحجون يقال لها: كَدَاء. فأرسلت أسماء إليه، قاتلك الله، وعلام تصلبه؟ فقال: إني استبَقْتُ أنا وابنك إلى هذه الخشبة فكانت اللَّبْجَةُ به، فأرسلَتْ إليه تستأذنه في أن تكفنَه، فأبى، وكتَبَ إلى عبد الملك يخبره بما صَنَع، فكتَبَ إليه عبد الملك يَلُومُه فيما صنع ويقول: ألا خَلّيت أمه فَوَارَته، فأَذِنَ لها الحجَّاج، فوارته بالمقبرة بالحجون. ثم نَفَذَ فبلغ الحجاج موقف عبد الله بن عمر، فاستنزله فرمى به في مقابر اليهود. ثم بعث إلى أمه أسماء بنت أبي بكر وقد ذهب بصرها، أن تأتيه فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها لتأْتِيِنِي أو لأبعثنّ إليك مَن يسحبك بقرونك حتى يأتيني بك، فأرسلت إليه إني والله لا آتيك حتى تبعث إليَّ مَن يَسحبني بقروني فيأتيك بي، فأتاه رسوله فأخبره. فلما رأى ذلك قال يا غلام: ناولني سِبْتيّتي. فناوله نَعْلَيه، فأخذ نَعْلَيه فانتعلَ، ثم خَرَج يَتَوَذَّف يعني مشية له حتى أتاها فدخل عليها، قال: فقال: كيف رأيْتِنِي صنعتُ بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدتَ عليه دنياه وأفسدَ عليك آخرتك، وقد بلغني أنك تُعيّره تقول: يا بن ذات النطاقين، وقد كنتُ والله ذات نطاقين، أما أحدهما فَنِطاق المرأة الذي لا تستغنى عنه، وأما النِّطاق الآخر فإني كنتُ أرفع فيه طعام رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وطعام أبي من النَّمل وغيره، فأي ذلك ــ وَيْلَ أمك ــ عَيّرته به؟! أما إني سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيخرجُ من ثَقِيف رجلان؛ كذَّابٌ ومُبِير" فأما الكذّاب، فقد رأيناه ابن أبي عُبيد، وأما المُبِير، فأنت ذاك. قال: فوثَبَ فانصرفَ عنها ولم يُراجعها.

وصلى عليه عروة بن الزبير، ودفنه بالحجون، وأمه يؤمئذ حَيّة، ثم توفيت بعد ذلك بأشهر بالمدينة. وقتل عبد الله بن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وهو يؤمئذ ابن اثنتين وسبعين سنة.

المراجع[عدل]

  1. ^ تاريخ مكة للإمام الأزرقي تحقيق رشدي ملحس. ومرآة جزيرة العرب للمؤرخ العثماني أيوب صبري
  2. ^ سيرة ابن هشام.
  3. ^ أ ب ت ث ج الإصابة في تمييز الصحابة
  4. ^ الاستيعاب في معرفة الأصحاب
  5. ^ أ ب ت ث الطبقات الكبير
قبلــه:
يزيد بن معاوية
الخلافة الإسلامية
683-692
بعــده:
عبد الملك بن مروان