علاء الدين الكاساني

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
Commons-emblem-copyedit.svg هذه المقالة بها ألفاظ تفخيم تمدح بموضوع المقالة، مما يتعارض مع أسلوب الكتابة الموسوعية. يرجى حذف ألفاظ لتفخيم والاكتفاء بالحقائق لإبراز الأهمية. (أكتوبر 2010
Arwikify.svg يرجى إعادة صياغة هذه المقالة باستخدام التنسيق العام لويكيبيديا، مثل إضافة الوصلات والتقسيم إلى الفقرات وأقسام بعناوين. (مايو_2010)

ملك العلماء الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاسانيالمتوفى 10 رجب 587 هـ = 9 أغسطس 1191. كانت حلب الشهباء خلال تاريخها المديد بلداً ينجب العلماء من أبنائه، وموئلاً للعلماء من أقطار العالم الإسلامي الذين قصدوه زواراً يطلبون العلم والمعرفة، أو للإقامة والاستيطان، يحلون على الرحب والسعة، فقد كان أهل حلب منذ القديم يكرمون الضيف ويحلونه مكانة أعز من أنفسهم، ويحبون العلماء ويحرصون على مجالسهم والاتصال بهم والانتفاع منهم بالعمل والتوجيه والقدوة، وكان علماء حلب يتمتعون بسمعة متميزة بين علماء المسلمين لدأبهم على الدراسة وتمكنهم من ناصية العلم ومتانة إنتاجهم العلمي، ولذا كانت حلب بحق من عواصم الثقافة الإسلامية العريقة في علمائها وشعرائها وكتابها وأدبائها، وتتبين عاصمية حلب جلياً في المؤلفات التي أرخت لحلب ولأعلامها مثل تاريخ حلب للصاحب العلامة كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد الهواري العُقَيلي الحلبي، المعروف بابن العديم المتوفى سنة 660 هـ= 1258،‏ الذي استقيت منه معظم هذه السيرة، أو في كتب تاريخ العلماء التي رجعت إليها مثل الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية لعبد القادر بن محمد القرشي المتوفى سنة 775 هـ = 1373م، ومثل تاج التراجم في طبقات الحنفية لزين الدين قاسم بن قطلوبغا المتوفى 879 هـ = 1474م.

وسيرة الإمام الكاساني،العلامة والفقيه الكبير الذي عاش في القرن السادس الهجري أو الثاني عشر الميلادي من خير الأمثلة على مكانة حلب من الثقافة الإسلامية وكيف وردها العلماء وطلبة العلم من البلاد الإسلامية البعيدة والقريبة، فهذا الأمام الكبير ولد بكاسان وكانت أسرته تنتمي لدار الإمارة فيها، وكاسان تلفظ كما قال السمعاني في الأنساب بفتح الكاف والسين بينهما الألف والنون في آخرها، وقد يقال لها قاشان أحياناً، وهي بلدة حدد جغرافيو المسلمين موقعها بوراء الشاش أو وراء النهر من بلاد الترك، ووصفوها بأنها قلعة حصينة، وهي اليوم مدينة قازان Kazan في جنوبي شرق أوزبكستان، ولا تبعد كثيراً عن مدينة بخارى التي تقع في شمالها الشرقي والتي أقام بها عالمنا واشتغل فيها بطلب بالعلم على شيخه الإمام علاء الدين محمد بن أبي أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم تصانيفه مثل: التحفة في الفقه الحنفي، وشرح التأويلات في تفسير القرآن العظيم، وغيرهما من كتب الأصول، وسمع منه الحديث، ومن غيره وبرع في علمي الأصول والفروع، وزوّجه شيخه السمرقندي بابنته فاطمة بنت محمد السمرقندي الفقيهة العالمة، وقيل إن سبب تزويجه بابنة شيخه أنها كانت من حسان النساء وتفقهت على أبيها وحفظت كتاب التحفة الذي ألفه والدها، وطلب الزواج بها جماعة من ملوك بلاد الروم فامتنع والدها، ولما جاء الكاساني ولزم والدها ودرس على يديه وبرع في علم الأصول والفروع وصنف كتاب البدائع في شرح كتاب شيخه "التحفة"، وعرضه على شيخه فازداد فرحا به وزوجه ابنته وجعل مهرها منه ذلك، فقال الفقهاء في عصره: شرح تحفته وزوجه ابنته، وكان زوجها الكاساني ربما يعرض له شيء من الوهم في الفتيا فترده إلى الصواب وتعرفه وجه الخطأ فيرجع إلى قولها، وكانت تفتي وكان زوجها يحترمها ويكرمها وكانت الفتوى أولا يخرج عليها خطها وخط أبيها فلما تزوجت الكاساني صارت الفتوى تخرج وعليها خط الثلاثة خطها وخط والدها وخط زوجها.

تقول كتب التاريخ أنه بعد أن أصبح عالماً يشار إليه بالبنان غادر بخارى مع زوجته إلى "بلاد الروم" وهو اللفظ الذي يطلقه مؤرخو الحقبة المسلمون على مملكة السلاجقة التي بسطت نفوذها على جزء كبير مما يعرف اليوم بتركيا، ويمت ملوكها بوشائج القربى لقبائل وسط شرق آسيا، وكان ملكها السلطان مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي وعاصمته قونية، وكانت بينه وبين نور الدين زنكي في حلب علاقات وثيقة وتعاون مضطرد لطرد الصليبيين من هذه البقاع، ولقي الكاساني من لدنه كل احترام وتقدير لا سيما وهو سليل الإمارة ولا تزال لديه كما يقول ابن العديم نخوة الإمارة وعزة النفس وكان ـ خلافاً لعادة الفقهاء في ذلك الوقت ـ يركب الحصان إلى أن مات، وله رمح يصحبه في الحضر والسفر.

كان الكاساني متمكناً من علمه معتداً بنفسه وفي أوج شبابه، وقد جرت بينه وبين فقيه من كبار فقهاء الدولة السلجوقية يعرف بالشعراني مناظرة في مسألة المجتهدين هل هما مصيبان أم أحدهما مخطئ، فقال الشعراني: المنقول عن أبي حنيفة أن كل مجتهد مصيب، فقال الكاساني: لا بل الصحيح عن أبي حنيفة: إن المجتهدين مصيب ومخطئ، والحق في جهة واحدة، وهذا الذي تقوله مذهب المعتزلة، واشتد بينهما الكلام في ذلك، وانتهت إلى أن احتد الكاساني ورفع عصاه فأشار بها إلى ذلك الفقيه، وقد وصل خبر ما حدث إلى السلطان مسعود فانزعج من هذا التصرف المخالف للعادة والعرف في احترام قواعد المناظرة مع فقيه من فقهاء دولته وفي سلطانه، لكنه مع ذلك لم يقل للكاساني ما يكرهه تقديراً لغزارة علمه وتمكنه، ولكن الملك قال لوزيره: لقد افتأت الكاساني على الرجل فاصرفه عنا، فقال الوزير: هذا شيخ جليل وله حرمة ولا ينبغي أن يصرف بل ننفذه رسولا إلى نور الدين محمود بن زنكي ونتخلص منه بهذا الطريق، فأرسله بعد فترة رسولاً إلى نور الدين محمود بن زنكي الشهيد في حلب.

كان نور الدين يبحث عن عالم ليوليه أمر المدرسة الحلاوية، وكان قد ولاها من قبل الإمام رضي الدين محمد بن محمد السرخسي صاحب كتاب المحيط الرضوي في الفقه والذي بلغ أربعين مجلداً عندما جاء إلى حلب، وكان السرخسي إماماً جليلاً كما تشهد تآليفه، ولكن كانت في لسانه لكنة، فتعصب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية بحلب، وصغروا أمره عند نور الدين إلى أن عزله عن التدريس بها فتوجه إلى دمشق، وكتب نور الدين إلى تاج الشريعة عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي وكان بالموصل ليقدم حلب ويتولى تدريس المدرسة. ونقف هنا لنتأمل كيف اجتذبت عاصمة الثقافة الإسلامية في هذه الحقبة عالماً من كاسان في أوزبكستان كان في قونية، وعالماً من مدينة سرخس في شمالي شرقي إيران اليوم قرب حدود تركمانستان، وعالماً من غزنة في شرقي أفغانستان كان في الموصل، وهذا كله أنموذج بسيط للتبادل العلمي والثقافي الذي نعمت به مدينة حلب في تاريخها العريق، والذي يعرفه تمام المعرفة من قرأ التاريخ واستوعب دروسه.

لما وصل الكاساني رسولا من السلطان مسعود إلى نور الدين لقي في نفسه قبولاً واحترمه وأكرمه، أعجب فقهاء حلب بالكاساني وسعة علمه، واجتمع فقهاء المدرسة الحلاوية وطلبوا من نور الدين أن يوليه التدريس بالمدرسة، فعرض نور الدين عليه ذلك، فدخل المدرسة ورآها فأعجبته وأجاب نور الدين إلى ما عرضه عليه، ولكن الشيخ قال لنور الدين الشهيد: هذه الرسالة أمانة معي فإذا أعدت الجواب إليهم عدت بعد ذلك، وقدمت حلب، وصدر أمر نور الدين بتعيين الكاساني في المدرسة، وبسطت له سجادة التدريس بالمدرسة وكانت تبسط كل يوم وهو غائب ويجتمع الفقهاء حولها في لفتة رمزية تعبر عن الحب والتقدير، وعاد الكاساني بجواب الرسالة إلى السلطان السلجوقي، ولكن ليس قبل أن يحضه نقيب الأشراف فيها الشريف أبو طالب أحمد بن محمد على سرعة العودة إلى حلب.

عندما عاد الكاساني إلى حلب واقترب منها وصل الخبر بوصوله إليها فخرجت جماعة عظيمة من الفقهاء إلى لقائه إلى باب بزاعا (أي مدينة الباب)، ويبدو أن استقبال القادم خارج المدينة عادة حلبية عريقة، ويروي خليفة بن سليمان أحد مشايخ حلب قصة وصول الكاساني وكيف تضافرت جهود العلماء ليسبق الغزنوي ويحل بالمدرسة الحلاوية فيقول: كنت إذ ذاك صبيا صغيرا، فخرجت مع والدي فيمن خرج، فعهدي بالشيخ الكاساني والفقهاء مجتمعون حوله، وأقام ذلك اليوم بباب بزاعا على عزم الدخول صبيحة تلك الليلة، فجاءه في أثناء النهار رجل من الفقهاء وقال له: عبر ها هنا رجل شيخ فقيه ومعه جماعة من الفقهاء، وقالوا: هذا عالي الغزنوي وقد جاء إلى حلب لأخذ المدرسة، فقال النجيب محمد بن سعد الله بن الوزان وجماعة غيره من الفقهاء للكاساني: المصلحة أن نقوم وندخل إلى حلب، فقام وسار فوصل حلب بكرة، وكان عالي قد وصلها عصر اليوم السابق، ونزل بالحجرة، فوصل الكاساني ودخل المدرسة والفقهاء حوله، فأرسل الفقهاء إلى عالي وقالوا له: تقوم وتخرج لأجل الشيخ، فامتنع فأعادوا له القول ثانيا، وقالوا: المصلحة أنك تخرج بحرمتك وإلا يدخل من يخرجك قسراً بغير اختيارك، فلما رأى الجد في ذلك خرج من الحجرة ومضى إلى حجرة صغيرة كانت في جانب المدرسة فنزلها. جرى كل هذا ونور الدين إذ ذاك غائب عن حلب فكوتب في ذلك فولى الكاساني المدرسة الحلاوية، وولى عالي الغزنوي مدرسة الحدادين في دمشق.

أكرم نور الدين الشهيد الإمام الكاساني وولاه التدريس بالمدرسة الحلاوية المعروفة بمسجد السراجين، وفوض إليه نظرها، وزاوية الحديث بالشرقية بالمسجد الجامع، فحدث بالزاوية المذكورة عند خزانة الكتب، ودرس بالمدرسة الحلاوية وبالجاولية. كان الكاساني حريصاً على تعليم العلم ونفع الطلبة، وكان فقيهاً عالماً صحيح الاعتقاد، كثير الذم للمعتزلة وأهل البدع يصرح بشتمهم ولعنهم في دروسه، وصنف كتباً في الفقه والأصول منها كتابه في الفقه الحنفي الذي وسمه ببدائع الصنائع في ترتيب الشرائع رتبه أحسن ترتيب وأوضح مشكلاته بذكر الدلائل في جميع المسائل، ومنها كتابه الذي وسمه بالسلطان المبين في أصول الدين وكان مواظباً على ذكر الدرس ونشر العلم، وكان الكاساني مريضاً بالتهاب المفاصل النقرس وكثيراً ما يعرض له ألم النقرس في رجليه والمفاصل، فكان يحمل في محفة من منزله بالمدرسة، ويخرج إلى الفقهاء بالمدرسة ويقدم درسه ولا تمنعه آلامه من أداء واجبه التعليمي والتربوي، فما يذكر عنه أنه أخل بدرسه. وكعادة علماء ذلك الزمان كان الكاساني يقرض الشعر، وقد وجدت هذه الأبيات له على ظهر نسخة من كتاب البدائع مؤرخة بمنتصف شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة:

سبقنا العالمين إلى المعالـي بصائب فكرة وعلو همّه

ولاح لحكمتي نور الهدى في ليال بالضلالة مدلهمّه

يريد الحاسدون ليطفئوه ويأبى الله إلا أن يتمَّه

بقي الكاساني في حلب سنوات مديدة فقد قدمها وهو قوي البنية متماسك الجسم وتوفي فيها وقد أقعده المرض، يقول عنه النقيب السديد داود بن علي البصراوي: كان الشيخ علاء الدين الكاساني لا يركب إلا الحصان ويقول: لا يركب الفحل إلا الفحل، وكان له رمح لا يفارقه وكان شجاعاً، وكان لا يأكل عمره إلا اللحم المطبوخ بالماء والحمص. وكان هذا مستغرباً من الشيخ العلامة لأن المتعارف عليه آنذاك أن يركب الفقهاء البغال أو الحمير تواضعاً، وكانت الخيول من مركوب الأمراء والجنود.

تمتع الكاساني بحب نور الدين الشهيد وتقديره فقد ذكر الراوي أن الإمام الكاساني كان أقعد من رجليه لنقرس عرض له فيها، فنزل إليه نور الدين ودخل إليه يعوده، فتحرك علاء الدين الكاساني له فظن نور الدين أنه يحاول القيام له، فقال له بالفارسية: بنشي بنشي أي اقعد لا تقم، فقال له: يا مولانا بنشي من الله، أي أن هذه الحركة بسبب المرض والحاجة للتقلب. ولم تزل حرمة الكاساني تعظم وتزيد، ويرتفع أمره عند نور الدين ومن بعده من الملوك وكان يلزم المدرسة فلا يغادرها إن شعر بتغير في قلب السلطان عليه، ويذكر الصفدي في الوافي بالوفيات أنه لما اشتد مرض الملك الناصر إسماعيل بن محمود بن زنكي وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي، فاستفتى علاء الدين الكاساني وأفتاه بجواز شربها، فسأله الملك الناصر: إن كان الله قد قرب أجلي أيؤخره شرب الخمر؟ فقال: لا والله! فقال: والله لا لقيت الله وقد استعملت ما حرمه علي! ومات عن تسع عشرة سنة ولم يشربها.

استمر احترام وتقدير الإمام الكاساني في أيام الملك الظاهر إلى أن مات، ويروي النقيب داود البصراوي أن الكاساني كان: يصعد إلى قلعة حلب راكباً وينزل حيث ينزل الملك الظاهر، فاتفق أن صعد يوماً والفقهاء بأجمعهم بين يديه، فلما وصل إلى باب القلعة قام البواب وقال: يدخل الشيخ، ويرجع الفقهاء، فلوى الشيخ عنان حصانه وقال: يرجع الشيخ أيضاً، فبلغ الملك الظاهر، فأرسل في الحال من أدخل الشيخ والفقهاء معه إلى أن نزل الشيخ حيث ينزل، ودخل الشيخ والفقهاء معه إلى مجلسه، وبقي الوفاء والتقدير للكاساني حتى بعد وفاته حيث تولى الملك الظاهر تربية ولده الوحيد وأسكنه القلعة، واجتهد في إشغاله بالفقه فلم يفلح في السير على خطى والديه.

كان الإمام الكاساني من العلماء الذين جمعوا بين الحديث والفقه والتفسير، ولا عجب في ذلك في ذلك فبلاد وراء النهر كانت مجمع المحدثين وعلماء الحديث، وكان في تدريسه يبتغي وجه الله عز وجل وهداية الناس إلى الخير وما فيه صلاح دينهم ودنياهم، فقد ذكر الشريف أبو عبد الله محمد بن عمر البخاري الأصل الحلبي المولد والمربى، والشيخ نظام الدين محمد بن عتيق الديباجي الحنفي: قال الشيخ الإمام علاء الدين أبو بكر الكاساني في أول درسه عن العقيدة الصحيحة: لا شيء أرضى عند الله من هداية العباد إلى سبيل الرشاد، والإبانة لهم عن المرضي من الاعتقاد، وهو اعتقاد السنة والجماعة إذ به ينال خير الدارين وسعادة المحلين، فمن تمسك به فقد اتبع الهدى، ومن حاد عنه فقد ضل وغوى.

وكان الكاساني حاضر الحجة قوياً في المناظرة، يذكر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الخضر أن علاء الدين الكاساني قدم إلى دمشق فحضر إليه الفقهاء وسألوه عن فتاويه التي ظنوا أنها بخلاف المذهب الحنفي الذي ينتمي إليه، وهو أمر كان مستهجناً في ذلك العصر، فنفى الكاساني ذلك وقال: لم أقل مسألة خالفت فيها المذهب الحنفي، فاذكروا ما تدعون أني خالفت فيه المذهب، قال: فأوردوا مسائل كثيرة أفتى بها الكاساني، فجعل يقول: ذهب إليها من أصحابنا فلان، فلم يزل كذلك حتى أنهم لم يجدوا مسألة إلا وقد ذهب إليها واحد من أصحاب أبي حنيفة، فانفض المجلس.

من أهم مؤلفات الإمام الكاساني كتابه العظيم في الفقه (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) والذي يتميز باللغة السهلة الفهم وإيراد الشواهد الحديثية لما يورده من الأحكام الفقهية، وقد صدرت طبعته الأولى في سبع مجلدات كبار في القاهرة في عام 1327 هجرية بعناية اثنين من رجالات حلب من آل الجابري كانت مخطوطة الكتاب لدى أحدهما وهما "سعادة محمد أسعد باشا جابري زاده" صاحب المكتبة القيمة وفضيلة الحاج مراد أفندي جابري زاده ابن الحاج عبد القادر بن مراد الجابري الحلبي المشهور بحاجي أفندي، وقد قال عنه الأستاذ الشيخ راغب الطباخ: كان من فضلاء هذه الأسرة، وكان يحب اقتناء الكتب، فجمع لنفسه خزانة نفيسة فيها المطبوع، ووقف مكتبته عند ولده الحاج مراد أفندي إلى سنة 1343 هـ، فسَعيْتُ في نقلها إلى المدرسة الشرفية في منتصف جمادى الأول سنة 1345 هـ وهي ستمائة مجلد، ومن جملة نفائسها كتاب "بدائع الصنائع" في الفقه الحنفي الذي سعى ولده الحاج مراد ومحمد أسعد باشا الجابري في طبعه في مصر في سبع مجلدات "بتحسين بعض أهل العلم والفضل". ولعله الشيخ راغب الطباخ، رحمة الله على الجميع. وقد حاز إعجاب الفقهاء من قبل ومن بعد، ذكر ابن العديم في تاريخه أن الفقيه شمس الدين الخسروشاهي بالقاهرة قال له: لأصحابكم الأحناف في الفقه كتاب البدائع للكاساني وقفت عليه، ما صنف أحد من المصنفين من الحنفية ولا من الشافعية مثله، وجعل يعظمه تعظيماً، ثم قال: ورأيته عند الملك الناصر داود صاحب الكرك أهداه إليه بعض الفقهاء الحنفية، فعجبت ممن يكون عنده مثل ذلك الكتاب ويسمح بإخراجه من ملكه.

الكتاب في أصله شرح لكتاب تحفة الفقهاء الذي ألفه أستاذه علاء الدين السمرقندي المتوفى سنة 539، وهو والد زوجته فاطمة الفقيهة العالمة التي ذكرنا سبب زواجه منها، وكانت في أول قدومهما إلى حلب تحث الكاساني على مغادرتها والعود إلى بلادها، فلما علم الملك العادل نور الدين الشهيد برغبة الشيخ في المغادرة استدعاه وسأله عن جلية الأمر وأبدى له رغبته ورغبة العلماء أن يقيم بحلب، فعرفه السبب وأنه لا يقدر أن يخالف زوجته وابنة شيخه، فأرسل الملك رسالة إليها مع امرأة يرجوها البقاء بحلب فأجابته إلى ذلك وأقامت بحلب إلى أن توفيت رحمها الله قبل وفاة زوجها بست سنين في عام 581 ودفنت في مسجد إبراهيم الخليل ولم يقطع الكاساني زيارة قبرها كل ليلة جمعة إلى أن مات.

وقد بدأت هذه العالمة الجليلة والسيدة الفاضلة سنة حسنة بأن جعلت للفقهاء إفطاراً في رمضان بالمدرسة الحلاوية فقد ذكر داود بن علي أحد فقهاء الحلاوية بحلب إنها هي التي سنت الفطر في رمضان للفقهاء بالحلاوية، وأنه كان في يديها سواران فأخرجتهما وباعتهما وعملت بالثمن الفطور كل ليلة واستمر الأمر على ذلك. انتفع بعلم الإمام الكاساني أثناء وجوده في حلب علماء كثيرون من أبناء حلب ومن قاصديها من البلاد الإسلامية ذكرت كتب التاريخ بعضهم، فمنهم أحمد بن محمود الغزنوي ـ نسبة إلى غزنة في أفغانستان ـ الذي كان معيد درس الإمام الكاساني، ثم أصبح أستاذاً وانتفع به جماعة من الفقهاء وتفقهوا به، وصنف في الفقه والأصول كتبا حسنة مفيدة منها، توفي بحلب بعد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ودفن بمقابر الفقهاء الحنفية أمام مقام إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام رحمهم الله، ومنهم خليفة بن سليمان بن الخوارزمي الأصل الحلبي الدار والمولد الذي ولد بحلب سنة ست وستين وخمسمائة، وقرأ الفقه بحلب على الإمام الكاساني، ثم رحل إلى بلاد العجم وتفقه بها، ثم عاد إلى حلب وتوفي بها في ثالث عشرين شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ودفن بجبانة مقام إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله وسلم خارج باب العراق، ومنهم محمد بن أحمد الموصلي الحلبي الذي ولد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بالموصل، ودرس الفقه على مذهب أبي حنيفة بحلب على الإمام الكاساني، ومات بحلب سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ومنهم محمد بن سعيد الحلبي المعروف بابن الركابي، ولد سنة إحدى وستين وخمسمائة، تفقه بحلب على الكاساني وعلى الإمام علي الهاشمي، وكان فقيهاً أديباً صاهره الشيخ أبو حفص بن قسام واستنابه في التدريس بالمدرسة الجردكية التي أسسها الأمير عز الدين جرديك، ومات بحلب في شوال سنة سبع عشرة وستمائة، ومنهم محمد بن يوسف بن الخضر الحلبي ويعرف بقاضي العسكر، ولد في صفر سنة ستين وخمسمائة بحلب ونشأ بها وتفقه على والده يوسف وعلى العلامة الكاساني، ثم صار بدوره أستاذاً تفقه عليه الصاحب كمال الدين ابن العديم مؤرخ حلب، ومات في رمضان سنة أربع عشرة وستمائة بحلب تعالى، ومنهم شمس الدين نجا بن سعد الذي تفقه بحلب على الإمام الكاساني ودرس بمدرسة بصرى وكتب بخطه نسخة البدائع من خط شيخه بيضها في سبع مجلدات وهي وقف بالمدرسة الإشبيلية.

توفي الإمام علاء الدين الكاساني بعد ظهر يوم الأحد عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وذكر ضياء الدين محمد بن خميس الوكيل المعروف بابن المغربي أنه حضر الشيخ علاء الدين الكاساني عند موته، فشرع في قراءة سورة إبراهيم حتى انتهى إلى قول القرآن: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" فخرجت روحه عند فراغه من قوله: "في الآخرة". دفن في مقبرة يبدو أنها كانت مخصصة للحنفية، داخل مقام إبراهيم ظاهر حلب في قبة من شماليه إلى جانب زوجه فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي ويقول ابن العديم: وزرت قبريهما في هذه القبة المذكورة غير مرة رحمهما الله، ويقول الأستاذ الشيخ راغب الطباخ في ترجمته: وقبره في حجرة عن يمين الداخل إلى مقام إبراهيم الخليل ومحرر على بابها:

بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بعمارته مولانا الملك الظاهر غياث الدنيا والدين أبو الفتح غازي ابن الملك الناصر خلد الله ملكه في سنة أربع وتسعين وألف.

رحم الله الكاساني وزوجه، ورحم علماء المسلمين الأخيار، ورعا الله حلب وعلماءها وأهلها وأدامها عاصمة للثقافة الإسلامية في كل حين.

المصدر[عدل]

التصريح بالنقل[عدل]

  • أنظرصفحةالنقاش