فرانسيس فوكوياما

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
فرانسيس فوكوياما
Francis Fukuyama 2005.jpg
فوكوياما في عام 2005
ولد في 27 أكتوبر 1952(1952-10-27)
شيكاغو، إلينوي الولايات المتحدة
جنسية أميركي
مجال البحث علوم سياسية
الدول النامية
الحوكمة
الدمقرطة
المؤسسات جامعة جورج ميسن
جامعة جون هوبكنز
جامعة ستانفورد
خريج جامعة كورنيل
جامعة هارفارد
اشتهر بـ نهاية التاريخ والإنسان الأخير
تأثر صامويل هنتنجتون
الكسندر كوجيف
هارفي مانسفيلد
آلن بلوم
جورج فيلهلم فريدريش هيغل.

يوشّيرو فرانسيس فوكاياما (إنجليزية : Yoshihiro Francis Fukuyama) (ولد 27 أكتوبر 1952) هو عالم سياسة واقتصاد سياسي ومؤلف وأستاذ جامعي أميركي. أُشتهر عن فوكوياما كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير الصادر عام 1992، والذي جادل فيه بأن انتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية والسوق الحرة في أنحاء العالم قد يشير إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان. ارتبط اسم فوكوياما بالمحافظين الجدد، ولكنه أبعد نفسه عنهم في فترات لاحقة.[1]

يعمل فوكوياما في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون بجامعة ستانفورد منذ 2010. قبل ذلك، عمل أستاذا و مدير برنامج التنمية الدولية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز وأستاذ السياسة العامة بجامعة جورج ميسن. تتمحور أطروحات ومؤلفات فوكوياما حول قضايا التنمية والسياسة الدولية. نشر كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير عام 1992 ومن مؤلفاته كذلك النظام السياسي والاضمحلال: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية (2014أمريكا على مفترق طرق: الديمقراطية، السلطة، وميراث المحافظين الجدد (2006مستقبلنا بعد البشري: عواقب ثورة التقنية الحيوية (2002الثقة: الفضائل الاجتماعية و تحقيق الازدهار (1995والخلل الكبير: الطبيعة البشرية وإعادة بناء النظام الاجتماعي (1999).

بالإضافة لعمله الجامعي، عمل فوكوياما في قسم العلوم السياسية بمؤسسة راند ولا يزال عضواً في مجلس أمنائها، مجلس إدارة الصندوق الوطني للديمقراطية، ومؤسسة أمريكا الجديدة. كما عمل في هيئة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية في الثمانينيات. شارك في تأسيس مجلة آميركان إنترست عام 2005 وهو رئيس هيئة التحرير. فوكوياما زميل في معهد السياسة الخارجية بجامعة جونز هوبكنز، وزميل غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومركز التنمية العالمية، عضو في مجلس الرئيس الأميركي للأخلاقيات البيولوجية، جمعية العلوم السياسية الأمريكية، ومجلس العلاقات الخارجية، والمجلس الباسيفيكي للسياسة الدولية.

خلفية[عدل]

ولد يوشيرو فرانسيس فوكوياما في حي هايد بارك بمدينة شيكاغو في 27 أكتوبر 1952 لكل من يوشيو فوكوياما وتوشيكو كواتا. هرب جد فوكوياما من الحرب الروسية اليابانية عام 1905 وافتتح متجراً في لوس أنجلوس كاليفورنيا قبل الاعتقال الادراي للأميركيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية. والده كان أوفر حظاً من جده وتفادى الاعتقال لأنه حصل على بعثة دراسية في جامعة نبراسكا. هذه التجربة التي مرت بها عائلة فوكوياما جعلته ناقداً للإسلاموفوبيا.[2]

والده يوشيو فوكوياما كان أميركيا يابانيا من الجيل الثاني، حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة شيكاغو حيث قام بتدريس الدراسات الدينية.[3] والدته توشيكو كواتا ولدت في كيوتو باليابان وهي إبنه شيرو كواتا، مؤسس قسم الاقتصاد بجامعة كيوتو وأول رئيس لجامعة مدينة أوساكا. قدمت إلى الولايات المتحدة حيث التقت زوجها للدراسة الجامعية. انتقلت عائلة فرانسيس إلى مانهاتن بمدينة نيويورك حيث عاش سنينه الأولى قبل الانتقال إلى بنسلفانيا عام 1967.

حصل فوكوياما على درجة البكالوريوس في الكلاسيكيات من جامعة كورنيل، حيث درس الفلسفة السياسية على يد آلان بلوم.[4] ذهب إلى جامعة ييل لاستكمال دراساته العليا في الأدب المقارن، لكنه غير تخصصه وقرر دراسة العلوم السياسية في جامعة هارفارد.[5] في هارفارد، تتلمذ على يد صموئيل هنتنغتون وهارفي مانسفيلد من بين آخرين. حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد لأطروحته عن التهديدات السوفيتية الناتجة عن التدخل في الشرق الأوسط.[6] كان فوكوياما مرتبطا بجمعية تيلوريد منذ سنوات دراسته في جامعة كورنيل. في عام 1979، انضم إلى مؤسسة راند ومهمته عندما كان في الـ 27 من عمره الخروج باستراتيجية لمواجهة التوسع السوفييتي في جنوب آسيا.[7] عمل أستاذاً للسياسة العامة بجامعة جورج ميسن في الفترة من 1996 إلى 2000. وحتى 2010، عمل أستاذاً للاقتصاد السياسي ومدير برنامج التنمية الدولية بجامعة جونز هوبكنز، يعمل حالياً في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون بجامعة ستانفورد.

الابن الوحيد لأبويه، يقول فرانسيس أن اللغة اليابانية كانت متسخدمة داخل المنزل لكنه لم يتعلمها.[8] والده كان من الأبرشانيين، خط بروتستانتي قديم يميل إلى اليسار، يقول فوكوياما أن الدين بالنسبة لوالده كان نشاطاً وسياسة.[9] متزوج من لورا هولمغرن التي التقاها عندما كان يعمل في مؤسسة راند وكانت هي طالبة دراسات عليا في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس. انضم وزوجته إلى كنيسة مشيخية ولكنه ليس عضواً فاعلاً فيها ويقول أنه يواجه صعوبة في إعتبار نفسه مؤمناً.[10] لديه إهتمام بالتصوير والأثاث الأميركي القديم الذي يقوم باعادة إنتاجه بنفسه. يعيش في كاليفورنيا مع زوجته وأبنائه الثلاث جون وجوليا وديفيد.

أطروحاته[عدل]

نهاية التاريخ[عدل]

تعد أطروحة نهاية التاريخ والإنسان الأخير التي نشرها في مجلة ناشيونال آفيرز عام 1989 قبل أن يتوسع فيها ويؤلف الكتاب، من أشهر أطروحات فوكوياما والتي جادل فيها بأن تطور التاريخ البشري كصراع بين الأيديولوجيات إنتهى إلى حد كبير، مع إستقرار العالم على الديمقراطية الليبرالية بعد الحرب الباردة وسقوط جدار برلين عام 1989، وتوقع فوكوياما انتصار الليبرالية السياسية والاقتصادية في نهاية المطاف :

   
فرانسيس فوكوياما
ما نشهده ليس مجرد نهاية الحرب الباردة، أو مرور فترة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، ولكنها نهاية التاريخ على هذا النحو ... هذه نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وبداية عولمة الديمقراطية الليبرالية كشكل النهائي للحكومة الإنسانية
   
فرانسيس فوكوياما

فوكوياما يقصد نهاية التاريخ كاتجاه وليس كأحداث، الديمقراطية الليبرالية هي تتويج التطور الأيديولوجي للإنسان، وعدم وجود بديل غير بربري وخطير يعني أن الحجج الآيديولوجية للآخرين لا ترقى لمقارعة الديمقراطية الليبرالية.[11] أليكس كالينيكوس، بروفسور الدراسات الأوروبية بجامعة يورك وكتب عن فوكوياما من منظور ماركسي، يشكوا على سبيل المثال من تبسيط فوكوياما للاشتراكية على أنها ما حدث في الاتحاد السوفيتي فحسب، ولكنه يعترف بأن نظرية فوكوياما صعبة التفنيد.[12] تعرضت الأطروحة لانتقادات أبرزها موقف فوكوياما الحاد إتجاه ما بعد الحداثة.

في رأي فوكوياما، فلسفة ما بعد الحداثة قوضت الأيديولوجية المؤسسة للديمقراطية الليبرالية، وتركت العالم الغربي في موقف أضعف. حقيقة إنعدام عملية الماركسية والفاشية أمام الديمقراطية الليبرالية كانت سبباً كافياً للإحتفاء بالسلوك التفاؤلي في العصر التقدمي، لأن هذا الأمل في المستقبل هو ما جعل المجتمعات الغربية تكافح من أجل الحفاظ على القيم التقدمية.[13] فلسفة ما بعد الحداثة من ناحية أخرى، أصبحت جزئاً لا يتجزأ من الوعي الثقافي، لا تقدم أملاً ولا شيء يدعو للحفاظ على الشعور الضروري واللازم بهذا المجتمع والحفاظ على قيمه.[14] رالف داندروف، عالم سياسة وعلم اجتماع ألماني قال عام 1990 أن فوكوياما حصل على 15 دقيقة من الشهرة بعد مقاله المثير للجدل،[15] ولكن فوكوياما تجاوز الـ"15 دقيقة من الشهرة" وأصبح يسمى بالـ"فيلسوف الملكي للرأسمالية المظفرة" وقال عنه عالم الاجتماع الإسرائيلي أميتاي إتزيوني [16]:

   
فرانسيس فوكوياما
هو من بين قلائل من المثقفين المستمرين، هم في كثير من الأحيان مجرد نجوم إعلام يلتهمهم ويبصقهم بعد 15 دقيقة من الشهرة، لكنه استمر
   
فرانسيس فوكوياما

ولكن أحداث 11 سبتمبر رفعت من رصيد أستاذه الأسبق صامويل هنتجتون الذي ألف كتاباً يرد فيها على أطروحة تغلب الديمقراطية الليبرالية ويقدم نظرية جديد لصراعات عالم ما بعد الحرب الباردة. أحداث 11 سبتمبر جعلت فرانسيس فوكوياما يتراجع قليلاً ويصف ما يحدث بالـ"تحدي التحليلي"، مضيفاً بأنه لم يعرف ماهو هذا الذي يواجهونه بالضبط، "هذه مجموعة بيانات جديدة" على حد تعبيره.[17] قال لاحقاً بأن التطرف الإسلامي هو سلوك اللحظات الأخيرة لثقافة ستتطور مع مرور الوقت، لأن منفذي أحداث 11 سبتمبر لا يمثلون توجها غالباً وسيواجهون التحديث في النهاية، و"التحديث سينتصر".[18] الحداثة بالنسبة لفوكوياما قطار سريع لن يخرج عن مساره، الديمقراطية والأسواق الحرة تستمر في التوسع لتصبح المبادئ المنظمة والمسيطرة على الكثير من دول العالم. عدد المسلمين الذين يريدون الهجرة إلى الغرب والمشاركة في إنتخابات، يفوق عدد الذين يريدون تفجير كل شيئ فيه.[19] يضيف مقدراً موقف معارضيه [20]:

   
فرانسيس فوكوياما
هناك شيئ بخصوص الإسلام، أو النسخ المتطرفة منه على الأقل التي أصبحت مهيمنة في السنوات الأخيرة، ما يجعل المجتمعات المسلمة مقاومة للتحديث. من بين جميع النظم الثقافية المعاصرة، الإسلام لديه أقل عدد من الديمقراطيات باستثناء تركيا، ولا يحتوي دولاً حققت انتقالاً من حالة الدول النامية إلى دول متقدمة مثلما فعلت كوريا الجنوبية وسنغافورة. الإسلام هو النظام الثقافي الوحيد الذي ينتج أشخاص يرفضون الحداثة بانتظام مثل أسامة بن لادن أو طالبان. وهو ما يثير التساؤل حول مدى تمثيل هؤلاء في المجتمع الإسلامي الأكبر، وما إذا كان هذا الرفض للحداثة متأصل في الدين الإسلامي بطريقة أو بأخرى. إذا كان الرافضين للحداثة أكثر من مجرد جماعات هامشية متطرفة، يمكن القول أن هنتنغتون محق وأننا في صراع طويل أصبح خطيراً بحكم التمكين التكنولوجي.
   
فرانسيس فوكوياما

ثم يعقب بالقول [21]:

   
فرانسيس فوكوياما
من المنطقي أن نسأل ما إذا كان الإسلام السياسي يشكل بديلا موضوعيا للديمقراطية الليبرالية، الإسلام الراديكالي ليس لديه أي شعبية في العالم المعاصر بصرف النظر عن أولئك الذين هم مسلمون ثقافياً من البداية. بالنسبة للمسلمين أنفسهم ، أثبت الإسلام السياسي أنه أكثر جاذبية من الناحية النظرية مما هو عليه في الواقع. بعد 23 عاما من حكم رجال الدين الأصوليين، معظم الإيرانيين وخاصة الشباب، يودون العيش في مجتمع أكثر تحرراً بكثير. الأفغان الذين عانوا من حكم طالبان يشعرون بالأمر نفسه. الكراهية المعادية للولايات المتحدة لا تُترجم إلى برنامج سياسي قابل للحياة. نحن في نهاية التاريخ بسبب وجود نظام واحد سيستمر بالهيمنة على السياسة الدولية وهذا النظام هو الديمقراطية الليبرالية، الصراع الذي نواجهه هو ليس صراع بين ثقافات متساوية بين بعضها البعض مثل القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، الصراع الحالي هو سلسلة من اجرائات آخر نفس لمجتمعات تعتبر وجودها التقليدي مهدد بالفعل بسبب التحديث
   
فرانسيس فوكوياما

يرفض فوكوياما موقف بعض معارضيه بأن الراديكالية الإسلامية الرافضة للتحديث متجذرة في المعتقد الإسلامي نفسه، ويسمي هذا الموقف بالـ"هنتجتوني" نسبة لصامويل هنتجتون.[22] فوكوياما لا يؤمن بوجود "الإستثناء الإسلامي" أمام منطق التحديث ويرى أنه وبرغم الاتحاد القديم بين الدولة والمسجد، ستكون هناك قوى دائمة تدعو لعدم تسييس الدين مثلما حدث في الغرب.[23] يؤيده في موقفه سعد الدين إبراهيم، الذي قال بأن المسلمين وعبر أربعة عشر قرناً، شهدوا ظهور عدة حركات سواء كانت متطرفة أو إصلاحية أو متمردة أو روحانية، أو تبشيرية فهم في هذه المسألة ليسوا مختلفين عن المسيحيين. ألمانيا مثلاً، شهدت العديد من الحركات المماثلة في القرنين السادس والسابع عشر، وهي فترة تحول اجتماعي واقتصادي عميق في التاريخ الألماني والأوروبي بشكل عام. في ذلك الوقت، عملية التحديث قد بدأت لتوها مع كل ما يصاحب ذلك من الاضطرابات الواسعة النطاق.[24] يضيف سعد الدين إبراهيم أنه معجب بحساسية وذكاء تفنيد فوكوياما لأطروحة صامويل هنتجتون المعنونة صراع الحضارات.[25]

مستقبلنا بعد البشري: عواقب ثورة التقنية الحيوية[عدل]

صدر هذا الكتاب عام 2002 وفيه يجادل فوكوياما بأن التكنولوجيا الحيوية تسمح للبشر بسيطرة مباشرة على تطورها الطبيعي، وقد تسمح بتعديل طبيعة الإنسان وهو ما يعرض الديمقراطية الليبرالية للخطر. وصف فوكوياما البعد إنسانية بأنها من أخطر الأفكار في العالم.[26] نمت حركات تحررية كثيرة في العالم المتقدم، من المدافعين عن الحقوق المدنية والحركات النسوية إلى المدافعين عن حقوق مثليي الجنس. ولكن هناك حركات "غريبة" كما يصفهم فوكوياما، لا يريدون أقل من تحرير الجنس البشري من قيوده البيولوجية.[27] البعد إنسانية موجودة ضمناً في كثير من جداول أعمال البحوث البيولوجية المعاصرة. التكنولوجيات الجديدة الناشئة من مختبرات الأبحاث والمستشفيات سواء عقاقير تغيير المزاج، مواد زيادة كتلة العضلات، عقاقير محو الذاكرة الانتقائية، الفحص الجيني قبل الولادة، يمكن بسهولة أن تستخدم لتعزيز القدرات البيولوجية للبشر وتخفيف حدة الأمراض.[28] الجنس البشري هو جنس ضعيف في نهاية المطاف، أمراضه تتطور باستمرار، يعاني من القيود المادية، ويعيش حياة قصيرة والمحظوظ من يعيش إلى سن الـ 100. بالإضافة إلى الغيرة، العنف، والقلق المستمر، تبدو مشاريع البعد إنسانية منطقية وجذابة. ولكن فوكوياما لديه نظرة مختلفة ويجادل بأن المجتمعات قد لا تقع فريسة سهلة لنظرة دعاة بعد الإنسانية ولكنهم قد يقعون في شراكها دون إدراك، نظرا للمغريات البيولوجية التي يقدمونها بثمن أخلاقي فادح.[29]

أول ضحايا البعد إنسانية هي المساواة. يقول فوكوياما بأن الولايات المتحدة شقت طريقاً صعباً في هذا الجانب فأكثر الصراعات السياسية جدية في تاريخ أميركا كانت تتمحور حول من هو الذي يمكن إعتباره إنساناًً. إعلان الاستقلال الأمريكي شدد أن "كل الناس خلقوا سواسية" ولكن مع ذلك، السود والنساء لم يعتبروا كذلك وفق تفسيرات معظم الأميركيين عام 1776.[30] الفكرة الكامنة وراء المساواة في الحقوق هو الاعتقاد بأن جميع البشر يمتلكون جوهر الإنسان الذي يقزم ويقلل من قيمة الاختلافات السطحية مثل لون البشرة، الجمال، وحتى مستوى الذكاء. هذا الجوهر الذي يفيد بأن لكل البشر قيمة متأصلة، هو قلب الليبرالية السياسية ولكن تعديل هذا الجوهر هو أساس مشروع بعد الإنسانية. إذا ما حاول الإنسان أن يجعل من نفسه أكثر تفوقاً بيولوجياً، تتراود أسئلة عن نوعية الحقوق التي سيطالب بها هولاء البشر المتحولون مقارنة بالذين لم يحظوا بنفس الفرص ليجعلوا من أنفسهم بشراً خارقين. إضافة إلى الآثار المترتبة على المواطنين في دول فقيرة حيث عجائب التكنولوجيا الحيوية على الأرجح ستكون بعيداً عن متناول الناس، تهديد فكرة المساواة يصبح أكثر إزعاجاً من الدول المتقدمة.[31] فالفكرة هي أن تكنولوجيا كهذه ستجعل من الأقوياء حالياً أقوى وتخلق طبقة اجتماعية تدعي لها حقوقاً أكثر إستناداً على تفوقها الجسماني أو الجيني.

يجادل فوكوياما بأن البشر هم أعجوبة منتجات معقدة لعملية تطورية طويلة، خصائصهم الجيدة مرتبطة ارتباطا وثيقا بتلك السيئة. العنف والعدوانية هما السبب وراء قدرة الإنسان على الدفاع عن نفسه. مشاعر الاحساس بالتفرد والتميز، هي الدافع وراء الاخلاص للمقربين. الغيرة هي الدافع الحقيقي خلف الحب. حتى الوفاة تلعب وظيفة هامة في السماح للجنس البشري ككل في البقاء والتكيف، فآخر ما يريده الناس هو دكتاتور يعيش طويلاً ولا يموت. تعديل أي من الخصائص الرئيسية لدى البشر يستلزم لا محالة تعديل حزمة معقدة ومترابطة من الصفات الانسانية، ولا يوجد أحد قادر على التنبؤ بالنتيجة النهائية لهكذا تعديلات.[32] بالنسبة لفوكوياما، لا يمكن الوثوق بعلماء البيولوجيا لأن هدفهم الرئيسي هو التغلب على الطبيعة وغالبهم لا يهتم لأي إعتبارات أخلاقية، وهناك الأخلاقيون البيولوجيين وهدفهم الأساسي هو تبرير وتقديم المسوغات لكل ما يريد أن يقوم به العلماء.[33]

الجدال حول هذه القضية ليس حكرا على الجانب الذي تحدث عنه فوكوياما وهو الجانب السياسي فهناك جوانب أخرى ولكن هناك من رد على الجانب الذي أشار إليه فوكوياما. الانتقادات لنظرة فوكوياماتجادل بأن الليبرالية السياسية هي ما سينظم الحياة في مجتمع ما بعد الإنسانية، لأن البيولوجيا لم تكن العامل المحدد أو المحرك للحقوق السياسية والمدنية. الليبرالية لم توجد على أساس المساواة الفعلية بين البشر، بل بالمساواة في الحقوق وأمام القانون. كما أن الهندسة الوراثية قد تخفف من الفوارق بين البشر بدلا من تفاقمها، فهي تتيح لكثيرين إمتيازات كانت في السابق حكراً على قلة. الليبرالية السياسية ليست في خطر بل هي من سيضمن حقوق الأفراد في مجتمع ما بعد الإنسانية لجوهرها القائم على تطبيق القانون على الجميع مهما كانوا أغنياء أو فقراء، جهلة أو متعلمين، أقوياء أو عاجزين، معززون بيولوجياً بفضل الأبحاث أو غير معززين.[34] والجدل لا يزال مستمراً.

الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار[عدل]

صدر كتاب الثقة : الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار عام 1995. تشرح نظرية الاقتصادات التقليدية الحديثة 80% من الأحداث الاقتصادية، والباقي يعتمد على دور الدولة والتنظيم الاجتماعي للمجتمع. مالت البنية الفكرية والاجتماعية في غالب المجتمعات الغربية لتهميش المجالات الاجتماعية والأنثروبولوجية للاقتصاد، ولكن الاقتصاد بحد ذاته لا يمكنه تفسير لماذا بعض المجتمعات أكثر إزدهاراً من غيرها. يقول فوكوياما أن البلدان المزدهرة تميل إلى أن تكون تلك التي يمكن أن تتم فيها العلاقات التجارية بين الناس بشكل غير رسمي ومرن على أساس الثقة، مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة. في مجتمعات أخرى، مثل فرنسا وإيطاليا وكوريا، تخضع السندات الاجتماعية للعلاقات الأسرية وغيرها من وجوه الولائات المختلة، وهو ما يخلق الجمود ويستفز الدولة للتدخل بما يثبط النمو الاقتصادي. الفكرة الرئيسية للكتاب هو الأداء الاقتصادي للمجتمعات متعلق بشكل كبير بوجود درجة عالية من الثقة في المجتمع المدني، في العلاقات الغير العائلية والغير الحكومية. جميع أشكال الجماعات الثقافية الاجتماعية التقليدية مثل القبائل والجمعيات القروية، والطوائف الدينية وما إلى ذلك، تقوم على أساس تقاليد مشتركة وتستخدام هذه المعايير لتحقيق غايات تعاونية. الأدبيات حول التنمية لم تعتبر هذه العلاقات مفيدة لرأس المال الاجتماعي.

القدرة الثقافية على تشكيل منظمات وشركات غير أسرية وغير حكومية هي المفتاح لتشكيل منظمات تجارية كبيرة، ناجحة وحديثة. في المجتمعات ذات الروابط الأسرية القوية أكثر من اللازم أو حيث كانت الكاثوليكية أو الشيوعية قوية، يجد الأفراد صعوبة في تشكيل روابط إجتماعية يمكن أن تؤدي إلى علاقات فعالة على صعيد الاقتصاد الجزئي. المجتمعات ذات الثقة المنخفضة تقلل قدرة أعضائها على التضامن وتقلل من فعالية التعاون مع الغرباء. في الأجزاء الصينية من شرق آسيا والعديد من بلدان أميركا اللاتينية على سبيل المثال، رأس المال الاجتماعي يتواجد داخل دائرة ضيقة من الأسر، فتلك المجتمعات لا تثق بالغرباء من خارج دوائرهم الضيقة غالباً لأن الغرباء يصنفون ضمن فئة مختلفة عن الأقارب في ثقافة العمل وهو ما يؤدي إلى انخفاض مستوى السلوك الأخلاقي للمواطنين وتبرير المعايير المزودجة. في مثل هذه المجتمعات، يشعر الموظف العمومي أن من حقه السرقة أو الاختلاس طالما أنها تصرفات ستصب في مصلحة عائلته أو عشيرته، فحسن السيرة والسلوك محفوظ للعائلة والمعارف فقط.[35]

تعاني المجتمعات التقليدية من عدم وجود أفراد على أطراف الشبكات الاجتماعية، أفراد قادرين على التنقل بين المجموعات المختلفة وبالتالي يصبحون حملة لأفكار ومعلومات جديدة. المجتمعات التقليدية غالباً ما تكون قطعية، أي أنها تتألف من عدد كبير من الوحدات الاجتماعية المتطابقة والقائمة بذاتها مثل القرويين أو القبائل. المجتمعات الحديثة على النقيض من ذلك، فهي تتألف من عدد كبير من الفئات الاجتماعية المتداخلة التي تسمح بعضويات وهويات متعددة ولذلك يكون تبادل المعلومات والابداع والابتكار أصعب وإستغلال الموارد البشرية أسوأ في المجتمعات التقليدية مقارنة بالحديثة.[36] لا يقترح فوكوياما بأن المنظمات أو الشركات العائلية غير منتجة فمن الواضح أنها ليست كذلك، ولكن نمو وتطور الشركات الأكبر حجماً لا يحدث في المجتمعات "العائلية" دون تدخل مكثف من جانب الدولة، وهو ما يعرقل قدرة القطاع الخاص على إيجاد شركات ضخمة وقوية وديناميكية مثل المجتمعات ذات الثقة العالية، فالملاحظ بشأن المجتمعات التقليدية أن الشركات الكبرى في الغالب ما تكون ضمن القطاع الحكومي مع كل ما يصاحب ذلك من لا فعالية وإنعدام في الكفاءة.

لافتقارها القدرة على إيجاد علاقات إجتماعية عفوية، تقع هذه المجتمعات فريسة عدم الكفاءة أو المحسوبية أو تكلفة العقود الرسمية وتدخل الدولة. عندما توجد الثقة بين العمال ورؤسائهم، وبين الموظفين ومدرائهم من خارج العائلة، وبين الموردين والمنتجين، تزدهر الترتيبات الغير الرسمية منخفضة التكلفة. من المصادر الأساسية لرأس المال الاجتماعي وجود مجتمع مدني، فوجود المجتمع المدني شرط ضروري للديمقراطية الليبرالية كما قال إرنست غيلنر :" بدون مجتمع مدني لا توجد ديمقراطية". المصلحة الذاتية والعقود وأتعاب المحامين كلها مصادر مهمة للارتباط الاقتصادي، ولكن أكثر المنظمات فعالية هي تلك القائمة على مجتمعات تمتلك قيماً أخلاقية مشتركة. الديمقراطية الليبرالية تعني وجود مجال لحماية الحرية الفردية بتقييد الدولة عن التدخل، ولكن يجب على المجتمع أن يكون قادراً على تنظيم نفسه حتى لا يتحول النظام السياسي إلى أناركية. بغياب المجتمع المدني، تتدخل الدولة لتنظيم الأفراد الذين لا يستطيعون تنظيم أنفسهم والنتيجة غياب الحرية بتصرف الدولة كأب للمواطنين مسؤول عن تلبية كافة إحتياجاتهم. إنخفاض رأس المال الاجتماعي يؤدي إلى العديد من الاختلالات السياسية مثل ما حدث في فرنسا وإيطاليا حيث تشكلت أنظمة مركزية صارمة بشكل مفرط وغير قادرة على الاستجابة الشعبية، وهو ما جعلها أنظمة غير قابلة للتغيير والاصلاح إلا من خلال الثورات والانتفاضات الشعبية أو الاضرابات العامة بصورة أدق كما حدث أحداث مايو 1968 في فرنسا.

فوكوياما قدم نظريته بشكل جيد لدرجة أن النقاد كانوا على إستعداد لتجاوز تعميمه للمجتمعات التي درسها بالتفصيل في كتابه وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا (مجتمعات ثقة عالية)، وكوريا الجنوبية وفرنسا وإيطاليا والصين (مجتمعات ثقة منخفضة).[37] ويؤكد فوكوياما ويشدد أن كتابه لا يتبنى دعوة رومانسية للـ"عودة إلى الأيام الذهبية" ما قبل المجتمعات والتقاليد الرأسمالية، فالديمقراطية الليبرالية والرأسمالية يظلان الجوهر، والتنظيم والإطار السياسي والاقتصادي الوحيد للمجتمعات الحديثة.[38] الانتقاد يركز على الاستثنائات والشذوذ التاريخي، وهي تحديات للهيكل الاساسي للكتاب. ما افتقده فوكوياما وفقا لنقاد كان ربط جداله الرئيسي بحالات تاريخية سابقة من النهوض والصعود الاقتصادي، بما في ذلك الثورة الصناعية في أوروبا الغربية وبريطانيا والولايات المتحدة. التدابير والاختبارات التي أجراها فوكوياما لقياس دور الثقافة والثقة المجتمعية في التنمية الاقتصادية شابتها المراوغة.[39] الأزمة الاقتصادية الآسيوية انتهكت جداله عن أقوى نماذج المجتمعات ذات الثقة العالية، كما أنه لم يقم بالتمييز بين أشكال مختلفة من الثقة، فحقيقة أن أعضاء العصابات يثقون ببعضهم البعض ليس مثالاً جيداً على رأس المال الاجتماعي كما يقترح بعض نقاد، ولكن معظم عصابات الجريمة المنظمة هي منظمات عائلية في نهاية المطاف لأن منظمات الجريمة الغير عائلية تخاطر بسهولة اختراق قواعدها وفرص تنامي صراع سلطة بين فصائلها المختلفة أعلى. في كل الأحوال، هذا الكتاب وفقا لفورين آفريز سيثري ويزيد من تعقيد الجدل السياسي حول التنمية الاقتصادية لأنه يتحدى كافة النظريات التقليدية الحديثة وغيرها من النظريات التي تركز على دور الدولة. هو صوت ونداء إلى المجتمع المدني للاضطلاع بدور أكبر في صياغة شروط الحياة السياسية والاقتصادية الحديثة.[40]

الطبيعة البشرية وإعادة بناء النظام الاجتماعي[عدل]

صدر هذا الكتاب عام 1999 ويجادل فيه أنه منذ الستينات وحتى التسعينات، معظم الدول الغربية شهدت خللا في نظامها الاجتماعي. يظهر هذا الخلل في ثلاث محاور :

  • زيادة معدلات الجريمة.
  • تراجع الثقة في الآخرين.
  • انهيار منظومة الأسرة نتيجة إرتفاع معدلات الطلاق.

على مدى نصف القرن الماضي، تحولت الولايات المتحدة وغيرها من البلدان المتقدمة اقتصاديا إلى ما يسمى "مجتمع المعلومات" أو عصر المعلومات، أو العصر ما بعد الصناعي. هذه المرحلة الانتقالية تسمى بـ"الموجة الثالثة "، يعني أنها ستكون في نهاية المطاف تتبع موجتي سابقة في التاريخ البشري : من البدائية إلى المجتمعات الزراعية ومنها إلى الصناعية. المجتمع المتمحور حول المعلومات يميل إلى إنتاج أكثر شيئين قيمة للناس في معظم الدول الديمقراطية الحديثة، وهي الحرية والمساواة. انفجرت حرية الاختيار في كل شيء من قنوات التلفزيون إلى مجمعات التسوق منخفضة التكلفة والتقاء الأصدقاء على شبكة الإنترنت. الهرمية بجميع أنواعها والسياسية والمؤسسية، أصبحت تحت ضغط متزايد وبدأت في الانهيار.

الناس يربطون عصر المعلومات بظهور شبكة الإنترنت في التسعينات ولكن التحول من العصر الصناعي بدأ في وقت أقدم من ذلك، تميزت الفترة منذ ما يقرب من منتصف الستينات إلى التسعينات بتدهور خطير في الأوضاع الاجتماعية في معظم دول العالم الصناعي. بداية بالجريمة وتزايد الفوضى الاجتماعية بشكل جعل وسط المدينة في أغنى المجتمعات على الأرض غير صالح للسكن تقريبا. تراجع الأسرة كمؤسسة اجتماعية والتي ظلت مستمرة لأكثر من 200 سنة بشكل متسارع في النصف الثاني من القرن العشرين. تراجع الزيجات والولادات وارتفاع معدلات الطلاق. واحد من كل ثلاثة أطفال في الولايات المتحدة وأكثر من نصف الأطفال في الدول الاسكندنافية ولدوا خارج إطار الزواج. وأخيرا انخفاض الثقة في المؤسسات الحكومية فبرغم أن الغالبية العظمى من المواطنين في الولايات المتحدة وأوروبا أعربوا عن ثقتهم في حكوماتهم ومواطنيهم في الخمسينيات، أقلية صغيرة بقت على موقفها بحلول التسعينات. برغم عدم وجود ما يثبت أن العلاقات الانسانية أصبحت أقل، إلا أنها لم تعد بذات الديمومة والمرونة وتقتصر على مجموعة أقل من الأصدقاء والمعارف. اليابان وبعض الدول ذات الأغلبية الكاثوليكية استمرت بالتمسك بالقيم العائلية التقليدية بشكل أوضح من الدول الاسكندنافية أو العالم الناطق باللغة الإنجليزية، وهو ما وفر عليهم الكثير من التكاليف الاجتماعية السلبية. ولكن من الصعب تصور أنها ستكون قادرة على الصمود على مدى أجيال قادمة، ناهيك عن إعادة تأسيس أي شيء مثل الأسرة النواة في العصر الصناعي.[41]

هذه التغييرات كانت دراماتيكية ووقعت على نطاق واسع في بلدان متشابهة؛ وكلها ظهرت في نفس الفترة من التاريخ تقريبا. هذه التغيرات أحدثت اضطراباً كبيراً في القيم الاجتماعية التي كانت سائدة في مجتمع العصر الصناعي خلال القرن العشرين. وبرغم الانتقادات الموجهة للمحافظين لتركيزهم على فرضية الانحطاط الأخلاقي، يقول فوكوياما بأن المحافظين محقون مبدئياً. يشدد فوكوياما أن جداله ليس من الحنين إلى الماضي، ولا هو نتاج ضعف في الذاكرة، أو محاولة للتقليل من آثار الجهل والنفاق الاجتماعي في العصور السابقة، بقدر ماهو تراجع إجتماعي حقيقي قابل للقياس بسهولة بالنظر إلى إحصائيات الجريمة، والأطفال الغير شرعيين واليتامى، وانخفاض فرص التعليم وتحقيق النتائج المرجوة منه وما شابه ذلك أشكال الاضطراب.[42]

هذا الاضطراب يفسره فوكوياما بترادف إنتقال تلك المجتمعات من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات، كثيرة هي الايجابيات التي يصدرها الاقتصاد القائم على المعلومات، ولكن هناك تأثيرات سيئة أيضا على الحياة الاجتماعية والأخلاقية.[43] الطبيعة المتغيرة أدت إلى إستبدال عقلية العمل البدني ودفعت الملايين من النساء إلى أماكن العمل، الابتكارات في مجال التكنولوجيا الطبية مثل حبوب منع الحمل وزيادة طول العمر أدت إلى تراجع دور الأسرة، تنامي الثقافة الفردية يؤدي إلى الابتكار والنمو وهو ما امتد إلى المعايير الاجتماعية حيث تآكلت تقريبا جميع أشكال السلطة الاجتماعية، كل هذه العوامل المذكورة آنفاً ساهمت في هذا "الاختلال الاجتماعي".[44]

ولكن هناك جانب مشرق، فتعطل أو إختلال النظام الاجتماعي يعني العمل على تجديده.[45] البشر بطبيعتهم حيوانات اجتماعية، وغرائزهم الأساسية تدفعهم إلى إنشاء قواعد أخلاقية متجددة تربطهم ببعضهم البعض كمجتمعات، فهم حيوانات عقلانية وهذه العقلانية تدفعهم إلى إيجاد سبل عفوية للتعاون مع بعضهم البعض. الدين برغم أنه قد يكون مفيداً في هذه العملية، لكنه ليس شرطاً أساسياً لا غنى عنه كما يروج المحافظون، ولا الدولة القوية والتوسعية ضرورية كما يعتقد بعض اليساريين.[46] الحالة الطبيعية للإنسان ليست "كل رجل ضد رجل آخر" كما تصور توماس هوبز بل هي في مجتمع مدني منظم تحكمه قواعد أخلاقية.[47] حقيقة تؤكدها الأبحاث الجديدة في علم وظائف الأعصاب، وعلم الوراثة السلوكي وعلم الأحياء التطوري، والأنثروبولوجي.[48]

إذا كانت التكنولوجيا تصعب من عملية الحفاظ على تقاليد مجتمعية قديمة للمجتمع، سيسعى الجنس البشري تلقائياً للخروج بمنظومة أعراف وتقاليد جديدة لتتناسب مع مصالحهم الأساسية. العديد من المناقشات حول مفهوم الثقافة تعامل النظام الاجتماعي كما لو كان مجموعة ثابتة من القواعد المتوارثة عن الأجيال السابقة. السياسة العامة محدودة نسبيا في قدرتها على التلاعب بالثقافة، فأفضل السياسات العامة هي تلك التي تتشكل عبر الوعي المجتمعي الواسع بقيوده الثقافية المعرقلة. الثقافة قوة ديناميكية متجددة باستمرار، إن لم يكن التجديد عن طريق الحكومات فهو عن طريق تفاعلات الآلاف من الأفراد الذين يشكلون المجتمع. على الرغم من أن الثقافة تميل إلى التطور ببطء مقارنة بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية الرسمية، إلا أنها تتكيف مع الظروف المتغيرة.[49] دراسة كيفية نشوء االنظام الاجتماعي ليس نتيجة وجود وصاية سلطة هرمية من أعلى إلى أسفل سواء كانت سياسية أو دينية قدر ماهو نتيجة للتنظيم الذاتي من جانب الأفراد، يعد أحد أكثر التحولات الثقافية إثارة للاهتمام في العصر الحديث وفقا لفوكوياما.[50]

مال فوكوياما إلى تعميم التاريخ بأسلوب هيغلي فوفقا لنقاد، هو يميل إلى إعتبار كل تطور في فترة تاريخية متقاربة نتيجة لظاهرة واحدة.[51] اذا كانت اليابان وكوريا الجنوبية نجت من ما يسميه بالـ"خلل الاجتماعي" برغم أنها مرت بنفس التغيرات الاقتصادية التي يقول فوكوياما أنها تسببت بهذا "الخلل" في أمكنة أخرى، فهو يخلق معضلة غير مريحة للهيكل الأساسي لنظريته.[52] يعترف فوكوياما في نهاية كتابه بأن هذا "الخلل الكبير" في طريقه نحو الزوال، بدلالة إنخفاض معدلات الجريمة والطلاق ومشاكل شرعية الأطفال منذ التسعينات، تزايدت معدلات الثقة والآثار السلبية للفردية تقترب من نهايتها وهو ما يطرح السؤال عن فائدة أول مئة صفحة من الكتاب.[53] ومع ذلك، فإن الكتاب قيم لدارسي تقلبات النظام الاجتماعي وبرغم أن القضايا والحلول التي قدمها أميركية خالصة، من السهل رسم أوجه التشابه مع مجتمعات أخرى،[54][55] تواجه نفس المشاكل أو قد تواجهها في المستقبل.

أميركا على مفترق طرق[عدل]

صدر كتاب أمريكا على مفترق طرق: الديمقراطية، السلطة، وميراث المحافظين الجدد عام 2006 ويتمحور حول سياسة الولايات المتحدة الخارجية منذ أحداث 11 سبتمبر. يعد هذا الكتاب أحد أكثر كتب فوكوياما شخصنةً بسبب إرثه الشخصي كأحد المحافظين الجدد سابقاً.[56] شارك فوكوياما العديد من العاملين في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش نظرتهم للعالم، عمل مع بول ولفويتس في أكثر من مناسبة وكان مسؤولاً عن توظيف فوكوياما في جامعة جون هوبكنز عندما كان عميداً فيها، عمل مع ألبرت ولستيتر ومثله تماماً كان محللاً لمؤسسة راند لعدة سنوات، كان فوكوياما تلميذاً لآلن بلوم الذي كان بدوره تلميذاً لليو شتراوس، فكان من السهل على فوكوياما أن يشعر بالراحة كما لو كان في منزله خلال أي مؤتمر أو ندوة يقيمها المحافظين الجدد ولكنه مع كل هذا، لم يشاركهم رؤيتهم حول حرب العراق.[57] عام 1998، اقترح فوكوياما على الرئيس بيل كلينتون تبني إجرائات أكثر حدة وصرامة إتجاه صدام حسين لعرقلته عمل مفتشي الأمم المتحدة، ولكن ورقة الحرب لم تكن موضوعة على الطاولة، وبعد أحداث 11 سبتمبر طُلب من فوكوياما أن يشارك في وضع إستراتيجية طويلة المدى للحرب على الإرهاب فقرر حينها أن الحرب ليست جواباً منطقياً.[58]

بحلول 2004 بدأ يتسائل ما إذا كان قد غير قناعاته بشكل يمنعه من أن يكون من المحافظين الجدد، أو أن مؤيدي غزو العراق أساءوا تطبيق المبادئ التي يؤمنون بها. في مقال له عام 2004 بمجلة "ناشيونال إنترست"، كتب فوكوياما أن المحافظة الجديدة تحولت إلى شيئ لا يمكنه تأييده.[59] بالنسبة لفوكوياما، استندت المحافظة الجديدة على مجموعة من المبادئ المتماسكة خلال الحرب الباردة التي ولدت سياسات حكيمة سواء في الداخل الأميركي أو الخارج. يمكن تفسير هذه المبادئ بعدة طرق، فخلال التسعينات كانت تستخدم لتبرير سياسة خارجية أميركية أكثر إستخداما للقوة وهو ما أدى منطقياً لتبرير حرب العراق في نظر المحافظين الجدد.[60] أصبحت المحافظة الجديدة مرتبطة بشكل لا رجعة فيه مع سياسات إدارة جورج دبليو بوش، وأي محاولة لاعادة تعريفها بشكل مخالف من المحتمل أن يكون غير مجدياَ.[61] لذلك، هدف فوكوياما من الكتاب كان إعادة تعريف وتوجيه السياسة الخارجية الأميركية بطريقة تتجاوز إرث جورج دبليو بوش ومؤيديه من المحافظين الجدد.[62]

خلال الفترة الأولى من رئاسة جورج دبليو بوش، هوجمت الولايات المتحدة على أراضيها من قبل جماعة إسلامية متشددة تسمى بتنظيم القاعدة، وهو عمل إرهابي يعد الأكثر تدميرا في تاريخ أميركا.[63] ردت إدارة الرئيس بوش بأربعة إجرائات :

المبادرتين الأولى، كانت ردوداً حتمية لأحداث 11 سبتمبر، وحصلت تأييد الأغلبية الساحقة من السياسيين والشعب الأميركي. المبادرتين الثانية، لم تكن ردوداً واضحة لأحداث 11 سبتمبر. ما جعلها مثيرة للجدل، كان التركيز لحد الهوس تقريبا على تغيير النظام في العراق وتأكيد الاستثنائية الأمريكية التي أعطت واشنطن ليس فقط الحق، بل واجب رعاية هذه المسألة.[66]

ينتقد فوكوياما جذور وفروع سياسة بوش الخارجية. ويرى أن صعود المحافظين الجدد استجابة مفرطة لهزيمة الاتحاد السوفيتي، بالاعتقاد أن مثل هذا الحدث الذي أدى إلى تغيير أنظمة أوروبا الشرقية بالجملة، يمكن أن يحدث في أماكن أخرى. رافق ذلك اعتقاد مبالغ فيه عن فعالية العمل العسكري خصوصا مع فكرة أن الخسائر الأمريكية في حقبة الأسلحة ذات التقنية العالية يمكن أن تبقى في أدنى حد ممكن، كما كانت في حرب الخليج الأولى وكوسوفو. يشرح فوكوياما كيف فشلت إدارة الرئيس بوش في توقع ردود فعل بقية العالم عقب غزو العراق. يعتقد فوكوياما أنه لن يكون من السهل على الولايات المتحدة إستعادة الأرض التي فقدتها، فقد تغيرت المواقف الأوروبية بشكل دائم، في حين أن أمريكا اللاتينية انحرفت إلى اليسار بشكل كبير، جزئياً كرد فعل على الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، هاجس الأحداث في الشرق الأوسط، شغل الأميركيين بعيداً عن الشؤون الآسيوية، وهي ستشكل تحديات إستراتيجية أكبر على المدى البعيد.[67]

هدف هذا الكتاب تسليط الضوء على إرث المحافظين الجدد، أخطاء الرئيس بوش، وتحديد وسيلة بديلة للولايات المتحدة لربطها ببقية العالم. يقدم فوكوياما نموذجاً غير معروف في أي من مدارس السياسة الخارجية الأميركية ويسميها بالـ"واقعية الويلسونية" نسبة لوودرو ويلسن، الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة.[68] الواقعية الويلسونية تختلف عن الواقعية الكلاسيكية من خلال أخذ ما يدور داخل الدول المتسهدفة بالاعتبار عوضا عن التركيز عما تنتجه أو تصدره للخارج. القول بأن بناء الدولة والانتقال الديمقراطي عمليات صعبة لا يعني أنها مستحيلة كما تقترح الواقعية الكلاسيكية بالنسبة للشرق الأوسط. الدول الضعيفة والفاشلة هي أكبر مصادر التهديد في العالم اليوم، ولا يمكن للقوة العظمى الوحيدة في العالم أن تتجاهلها لأسباب متعلقة بالأمن والأخلاقيات، ولكن الواقعيين الكلاسيكيين والمحافظين الجدد لا يبدون اهتماما كبيراً بقضية التنمية داخل تلك الدول والمجتمعات، حيث التطور المؤسسي والسياسي والاقتصادي مشكلة حقيقية.[69]

تختلف الواقعية الويلسونية عن المحافظين الجدد و"القومية الجاكسونية" نسبة لآندرو جاكسون، الرئيس السابع للولايات المتحدة الذي أصبح مضرباً للمثل لأي سياسة تتبنى الانعزال خارجياً والأهلانية داخلياً، فالواقعية الويلسونية تأخذ المؤسسات الدولية على محمل الجد.[70] لا يريد فوكوياما إستبدال السيادة القومية بمنظمات دولية غير خاضعة للمسائلة مثل الأمم المتحدة لأنها ليست ولن تصبح أبداً فعالة وشرعية كمقر للحكم العالمي. ولكن العالم يفتقر لآليات المسائلة بين الدول، تناسب التداخل الاجتماعي والاقتصادي المكثف الذي يسمى بالعولمة.[71] تحتفظ الدولة القومية بميزة لا يمكن إستبدالها بأي جهة دولية عابرة للقوميات، لأنها المصدر الوحيد لسيادة القانون. ولكن هذه الدولة لن تكون فعالة بدون شرعية مستدامة تتطلب طابعاً مؤسسيا أعلى بكثير مما هو موجود حالياً. عالم متعدد المؤسسات من شأنه تلبية هذه الاحتياجات بصورة تدريجية، ولكن العالم لم يصل إلى هذ المرحلة بعد، ولا توجد مدرسة من مدارس السياسة الخارجية الحالية يمكن لها أن تقدم إرشادات كافية وترسم طريقاً واضحة للوصول بالعالم إلى تلك النقطة.[72] الواقعية الويلسونية هي طريقة أو وسيلة مختلفة للولايات المتحدة لترتبط ببقية العالم، طريقة ليست مستوحاة من قومية آندرو جاكسون ولا المحافظين الجدد ولا الليبراليين العالميين، طريقة أكثر واقعية للولايات المتحدة لتعزيز التنمية السياسية والاقتصادية للدول الفاشلة أو الضعيفة دون شن حروب وقائية وتفتح الأبواب أمام مؤسسات دولية متعددة مناسبة لواقع العالم الحقيقي المتمثل بالعولمة.[73]

هذا الكتاب يعد من أهم الكتب حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة وعن المحافظين الجدد كذلك، لأنه يوفر أحد أفضل التاريخيات الموجودة حالياً عن هذه الحركة. فرانسيس فوكوياما أثبت أنه أقدر من يستطيع رسم الخطوط الأساسية لقطب جديد في الخطاب السياسي الأميركي.[74]

النظام السياسي والاضمحلال[عدل]

طالع أيضا[عدل]

روابط خارجية[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ Robert Boynton (2005). "Francis Fukuyama: The Neocon Who Isn't". Robert Boynton. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  2. ^ Stephen Moss (2011). "Francis Fukuyama: 'Americans are not very good at nation-building'". The Guardian. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  3. ^ Wade، Nicholas (Apr 2, 2002). "A Dim View of a 'Posthuman Future'". The New York Times. اطلع عليه بتاريخ Mar 17, 2011. 
  4. ^ "Francis Fukuyama". The Freeman Spogli Institute for International Studies at Stanford University. Stanford University. اطلع عليه بتاريخ March 9, 2011. 
  5. ^ "Francis Fukuyama". The Freeman Spogli Institute for International Studies at Stanford University. Stanford University. اطلع عليه بتاريخ March 9, 2011. 
  6. ^ "Francis Fukuyama". The Freeman Spogli Institute for International Studies at Stanford University. Stanford University. اطلع عليه بتاريخ March 9, 2011. 
  7. ^ Andrew Bast (2011). "Francis Fukuyama Book: Origins of Political Order". Newsweek. اطلع عليه بتاريخ May 24 2015. 
  8. ^ Stephen Moss (2011). "Francis Fukuyama: 'Americans are not very good at nation-building'". The Guardian. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  9. ^ Nicholas Wroe (2011). "History's pallbearer". The Guardian. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  10. ^ Nicholas Wroe (2011). "History's pallbearer". The Guardian. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  11. ^ Wroe، Nicholas (May 10, 2002). "History's Pallbearer". The Guardian. Guardian Media Group. 
  12. ^ Wroe، Nicholas (May 10, 2002). "History's Pallbearer". The Guardian. Guardian Media Group. 
  13. ^ Francis Fukuyama, "Reflections on the End of History, Five Years Later", History and Theory 34, 2: World Historians and Their Critics (May 1995): 36
  14. ^ Francis Fukuyama, "Reflections on the End of History, Five Years Later", History and Theory 34, 2: World Historians and Their Critics (May 1995): 36
  15. ^ Dahrendorf (1990) Reflections on the revolution in Europe p. 37
  16. ^ Wroe، Nicholas (May 10, 2002). "History's Pallbearer". The Guardian. Guardian Media Group. 
  17. ^ Wroe، Nicholas (May 10, 2002). "History's Pallbearer". The Guardian. Guardian Media Group. 
  18. ^ Wroe، Nicholas (May 10, 2002). "History's Pallbearer". The Guardian. Guardian Media Group. 
  19. ^ Francis Fukuyama (2011). "The West Has Won". The Guardian. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  20. ^ Francis Fukuyama (2011). "The West Has Won". The Guardian. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  21. ^ Francis Fukuyama (2011). "The West Has Won". The Guardian. اطلع عليه بتاريخ May 16 2015. 
  22. ^ Francis Fukuyama (2006). "The 'end of history' symposium: a response". Open Democracy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  23. ^ Francis Fukuyama (2006). "The 'end of history' symposium: a response". Open Democracy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  24. ^ Saad Eddin Ibrahim (2006). "Politico-religious cults and the 'end of history'". Open Democracy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  25. ^ Saad Eddin Ibrahim (2006). "Politico-religious cults and the 'end of history'". Open Democracy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  26. ^ Francis Fukuyama (2004). "Transhumanism". Foreign Policy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  27. ^ Francis Fukuyama (2004). "Transhumanism". Foreign Policy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  28. ^ Francis Fukuyama (2004). "Transhumanism". Foreign Policy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  29. ^ Francis Fukuyama (2004). "Transhumanism". Foreign Policy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  30. ^ Francis Fukuyama (2004). "Transhumanism". Foreign Policy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  31. ^ Francis Fukuyama (2004). "Transhumanism". Foreign Policy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  32. ^ Francis Fukuyama (2004). "Transhumanism". Foreign Policy. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  33. ^ Nicholas Wade (2002). "A Dim View of a 'Posthuman Future'". New York Times. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  34. ^ Ronald Bailey (2004). "Transhumanism: The Most Dangerous Idea?". Reason. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  35. ^ Francis Fukuyama (1999). "Social Capital and Civil Society". IMF. اطلع عليه بتاريخ May 24 2015. 
  36. ^ Francis Fukuyama (1999). "Social Capital and Civil Society". IMF. اطلع عليه بتاريخ May 24 2015. 
  37. ^ Peter Lindsay (2014). "Trust and the Bottom Line". Jstor. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  38. ^ Peter Lindsay (2014). "Trust and the Bottom Line". Jstor. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  39. ^ G. John Ikenberry (1996). "Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity". Foreign Affairs. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  40. ^ G. John Ikenberry (1996). "Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity". Foreign Affairs. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  41. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  42. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  43. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  44. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  45. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  46. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  47. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  48. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  49. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  50. ^ Francis Fukuyama (1999). "The Great Disruption". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ May 17 2015. 
  51. ^ "Anthony Gottlieb". New York Times. 1999. اطلع عليه بتاريخ May 19 2015. 
  52. ^ "Anthony Gottlieb". New York Times. 1999. اطلع عليه بتاريخ May 19 2015. 
  53. ^ "Anthony Gottlieb". New York Times. 1999. اطلع عليه بتاريخ May 19 2015. 
  54. ^ G. John Ikenberry (1999). "The Great Disruption: Human Nature and the Reconstitution of the Social Order". Foreign Affairs. اطلع عليه بتاريخ May 19 2015. 
  55. ^ Andrew Leigh (2000). "Review of Francis Fukuyama, “The Great Disruption: Human Nature and the Reconstitution of Social Order”". Australian Journal of Political Science. اطلع عليه بتاريخ May 19 2015. 
  56. ^ Paul Berman (2006). "Neo No More". New York Times. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  57. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  58. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  59. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  60. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  61. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  62. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  63. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  64. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  65. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  66. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  67. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  68. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  69. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  70. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  71. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  72. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  73. ^ Francis Fukuyama (2006). "America at the Crossroads". Yale University Press. اطلع عليه بتاريخ May 18 2015. 
  74. ^ Walter Russell Mead (2006). "America at the Crossroads: Democracy, Power, and the Neoconservative Legacy". Foreign Affairs. اطلع عليه بتاريخ May 20 2015.