ما بعد الاستعمارية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من ما بعد الكولونيالية)
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

ما بعد الاستعمارية هو خطاب نقدي يتناول الآثار الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الاستعمارية على الشعوب والدول التي خضعت للاستعمار. دراسات ما بعد الاستعمارية تشمل مجالات عدة من الأبحاث أبرزها: الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية. كما يرتكز هذا الخطاب على فكر ما بعد الحداثة الذي يربط ما بين نظرية المعرفة وعلاقات القوة في المجتمعات.

تاريخ[عدل]

بدأ فكر ما بعد الاستعمارية بالتبلور مع نهاية السبعينيات من القرن الماضي ولعل أبرز المثقفين الذين وضعوا إطاره النظري هو الأكاديمي الأميركي من أصل فلسطيني إدوارد سعيد من خلال كتابه الاستشراق الصادر عام 1978. غير أن نقد الكونيالية وآثارها ظهر قبل ذلك في الأعمال الأدبية لعدد من الكتاب لعل أبرزهم الكاتب الفرنسي المولود في مستعمرة المارتينيك فرانز فانون. فانون انتقد في أعماله الاستعمار الفرنسي للجزائر وكان ناشطا ً في جبهة التحرير الوطني الجزائرية كما أن عدداً ملحوظأ من المفاهيم المستخدمة في الخطاب ما بعد الاستعماري تعود إلى كتابات المفكر والناشط السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي كالهيمنة Hegemony ودور المثقف العضوي مقابل دور المثقف الشمولي وعملية إخضاع الطبقة العاملة للسلطة من خلال نظام التعليم وسن القوانين وإلى ما هنالك. غير أن أهمية سعيد والدور المحوري الذي لعبه في هذا الإطار كان تأريخ عملية تشكيل وتبرير الاستعمارية من خلال دراسة نقدية لتكوين النظرية المعرفية في الغرب عن الشرق أي في الدول الاستعمارية تجاه الدول المستعمرة.

الركائز النظرية[عدل]

يعتمد الخطاب ما بعد الاستعماري بشكل رئيسي على وحدة المعرفة وعلاقات القوة وترابط الاثنين بشكل وثيق. الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ميشال فوكو كان من أوائل المفكرين الذين وضعوا بشكل متكامل ومترابط أسس هذه النظرية المعرفية، رغم أن بذورها كانت موجودة في طروحات مفكرين سابقين، وهي تنفي ثنائية المعرفة والسلطة وتربطهما معاً في مفهوم واحد. إذا ً يعتبر مفكرو الخطاب ما بعد الاستعماري أن تشكيل المنظومة المعرفية الغربية حول المستَعمَر أساسه علاقات القوة داخل مجتمع الدول الاستعمارية. ومن هذا المنطلق يقوم هذا الخطاب على فكرة أن القوى الاستعمارية قامت بتعريف وتحديد ماهية الدول المستعمرة أي "الآخر" وفقا ً لمنظومتها المعرفية وخدمة لاهدافها الاستعمارية. وبهذا فإن المستعمر عرّف "الآخر" على أنه غير حداثي، غير ديموقراطي، بربري، وإلى ما هنالك من صفات مناقضة لقيمه المجتمعية بغية تبرير الاستعمار، أي اعتباره عملاً تنويريا ً تجاه السكان الأصليين لكن يهدف في صميمه إلى تبرير الاستعمار وإستغلال موارد وثروات الدول المستعمرة.
كما يعتمد خطاب ما بعد الاستعمارية على التفكيكية في قراءة النصوص التي تشكل الركن الأساس في تعريف "الآخر" بغية التمهيد لإخضاعه للسيطرة. وفي هذا الإطار يبرز عمل سعيد الاستشراق في أنه يقوم بدراسة جنيولوجية للمؤلفات الغربية حول الشرق منذ القرن الثامن عشر والتي أدت بحسب سعيد إلى وضع الإطار النظري للاستعمار.

ما بعد الاستعمارية اليوم وأثرها[عدل]

يعتبر معظم مفكري الخطاب ما بعد الاستعماري أن الأسس المعرفية للفكر الاستعماري ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، لذا يسعون إلى تقديم خطاب جديد يعيد صياغة الإطار المعرفي الغربي حول الشرق. كما يبحث مفكرو ما بعد الكونيالية أيضا ً عن سبل تخطي الآثار التي خلفها الاستعمار على الشعوب التي عانت منه لا سيما على الصعيد الثقافي، ويسعون إلى ذلك من خلال إبراز صوت الفئات المهمشة في المجتمعات التي خضعت للاستعمار. وفي هذا الإطار تفرّع خلال العقدين الأخيرين من دراسات ما بعد الاستعمارية عدد من التخصصات لعل أبرزها دراسات التابع Subaltern Studies.
كما ترك الخطاب ما بعد الاستعماري أثراً كبيراً في مؤلفات عدد لا يحصى من الروائيين كتشينوا إتشيبي،وولي سوينكا الحائز على جائزة نوبل للآداب، ديريك وولكوت، ايميه سيزار، وآخرين.

الانتقادات[عدل]

يرى بعض المفكرين الغربيين أن خطاب ما بعد الاستعمارية يفتقد إلى مشروع محدد ويكتفي بتحميل الاستعمار مسؤولية الأوضاع المزرية التي تعيشها الدول التي عانت في السابق من الاستعمارية. وتبرز في هذا السياق رواية الكاتب ف. س. نايبول الحائز على جائزة نوبل للآداب منعطف النهر والتي رأى فيها بعض الباحثين تحميله الشعوب المستَعمرَة مسؤولية العنف والفساد المتفشي في مجتمعاتها. ويقول سعيد في هذا السياق إن نايبول يعتق الجلاد ويحمل الضحية مسؤولية ما آلت إليه الأمور معتبرا ً أنه تحول بإرادته إلى شاهد على الإضهاد الذي يمارسه الغرب. كما أثار كتاب الاستشراق استياء عدد من الباحثيين الغربيين أو المستشرقين كأرنست غيلنر، برنارد لويس،، روبرت إيروين، إيان بوروما، وأفيشاي مارغليت. وذهب هذان الأخيران إلى اعتبار أن دوافع سعيد محض قومية تهدف إلى الدفاع عن هويته القومية في مواجهة الليبرالية والعلمنة واتهماه بتنميط صورة الغرب في كتاباته. كما رأى بعض المنتقدين أن سعيد لا يأخذ بعين الاعتبار وجود أصوات مضادة ومناهضة للاستعمار في المجتمعات الغربية.

أبرز المفكرين[عدل]

فرانز فانون : طبيب ومفكر فرنسي من جزر المارتينيك كان ناشطاً سياسياً ومناصراً لثورة التحرير الجزائرية. يعتبر أحد آباء الفكر المناهض للاستعمار في القرن العشرين. فانون يرى أن الاستعمار لا يقتصر على حكم عسكري بالقوة بل هو أيضا ً هيمنة ثقافية. ويدعو فانون إلى مقاومة الاستعمار بالعنف ويشدد على ضرورة خلق هوية وطنية مضادة تؤسس للتخلص من ذيول الاستعمار الثقافي. من أعماله: بشرة سوداء وقناع أبيض (1952) - معذبو الأرض (1961).

إدوارد سعيد : ناقد أدبي وأكاديمي في جامعة كولومبيا الأميركية فلسطيني الأصل ولد في مدينة القدس وتوفي في نيويورك عام 2003. أحد أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة وسعى من خلال كتاباته إلى تفكيك الأسس المعرفية للخطاب الكونيالي وعلاقته بالسلطة. يعتبر كتابه الاستشراق من دعائم دراسات ما بعد الاستعمارية، والذي كما سبق وأن ورد، رسم فيه التطور التاريخي لمفهوم الشرق في كتابات الروائيين والمفكرين والرحّآلة الغربيين وعلاقة هذا المفهوم بتعريف الغرب لنفسه كمفهوم مناقض للشرق واستخدامه من قبل القوى الامبريالية لتبرير الاستعمار. كما برز سعيد سياسيا ً كمناهض لإتفاقية أوسلو وهو من الداعين إلى حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي مبني على حل الدولة الواحدة. من أبرز أعماله: الاستشراق (1978) - مسألة فلسطين (1979) - العالم، النص، والناقد (1983) - الثقافة والإمبريالية (1993)- خارج المكان (1999) - تأملات حول المنفى (2000) - الفكر الأنسنية والنقد الديموقراطي (2003).

غياتري سبيفاك: باحثة وناقدة أدبية هندية وهي أكاديمية في جامعة كولومبيا الأميركية. تصنف نفسها على أنها "ماركسية نسوية تفكيكية عملية" وشكلت مقالتها "هل يمكن للتابع أن يتكلم؟" محطة مهمة في خطاب ما بعد الاستعمارية بشكل عام ودراسات التابع بشكل خاص. أبرز مؤلفاتها: في عوالم أخرى: مقالات في السياسية الثقافية (1987) - دراسات مختارة عن التابع (1988) - ناقد ما بعد الاستعمارية (1990) - نقد العقل ما بعد الاستعماري (1999).

هومي بابا: أكاديمي هندي أستاذ الأدب الأميركي والبريطاني في جامعة هارفرد حيث يرأس مركز الدراسات الإنسانية هناك. برز اسم هومي بابا من خلال طرحه مفهوم "التهجين" لتفسير نشوء أشكال ثقافية جديدة في عالم التعدد الثقافي. أبرز أعماله : أمم ومرويات (1990) - موقع الثقافة (1994) - حول الخيار الثقافي (2000) - حياة جامدة (2004).

مراجع[عدل]

  1. بيل أشكروفت. "الأمبراطورية ترد بالكتابة" 1989
  2. بيل أشكروفت، غاريث غريفيث، هيلين تيفين. "مفاهيم أساسية في دراسات ما بعد الاستعمارية" 1998
  3. هومي بابا. "أمم ومرويات" 1990
  4. هومي بابا. "وقع الثقافة" 1994
  5. هومي بابا. "حول الخيار الثقافي" 2000
  6. هومي بابا. "حياة جامدة" 2004
  7. غياتري سبيفاك. "مقالات في السياسية الثقافية" 1987
  8. غياتري سبيفاك.دراسات مختارة عن التابع" 1988
  9. غياتري سبيفاك. ناقد ما بعد الاستعمارية" 1990
  10. غياتري سبيفاك. "نقد العقل ما بعد الاستعماري" 1999
  11. إدوارد سعيد. "الاستشراق" 1978
  12. إدوارد سعيد. "مسألة فلسطين" 1979
  13. إدوارد سعيد. "العالم، النص، والناقد" 1983
  14. إدوارد سعيد. "الثقافة والإمبريالية" 1993
  15. إدوارد سعيد. "خارج المكان" 1999
  16. إدوارد سعيد. "تأملات حول المنفى" 2000
  17. إدوارد سعيد. "الفكر الأنسنية والنقد الديموقراطي" 2003
  18. فرانز فانون. "بشرة سوداء وقناع أبيض" 1952
  19. فرانز فانون. "معذبو الأرض" 1961
  20. روبرت يونغ. "ميثولوجيا بيضاء: كتابة التاريخ والغرب" 1990
  21. روبرت يونغ. رغبات استعمارية: التهجين في النظرية، الثقافة، والعرق 1995