محمود الثاني
محمود خان الثاني بن عبد الحميد خان الأول بن أحمد خان الثالث (20 يوليو 1785 – 1 يوليو 1839) كان السلطان الثلاثون للدولة العثمانية ، وهو ابن السلطان عبد الحميد الأول ووالد السلطانين عبد المجيد الأول و مراد الخامس شهد عصرة خطوات إصلاح واسعة، وحاول أن يوقظ الدولة العثمانية، وأن يدفعها إلى ما تستحقه من مكانة وتقدير.
محتويات |
[عدل] ولاية السلطان محمود الثاني
تقلد السلطان محمود الثاني مقاليد الخلافة العثمانية سنة 1808م وهو في الرابعة والعشرين من عمره، واستقر عزمه على أن يمضي في طريق الإصلاح الذي سلكه بعض أسلافه من الخلفاء العثمانيين، ورأى أن يبدأ بالإصلاح الحربي، فكلف الصدر الأعظم "مصطفى البيرقدار" بتنظيم الإنكشارية وإصلاح أحوالهم، وإجبارهم على اتباع التنظيمات القديمة الموضوعة منذ عهد السلطان سليمان القانوني وأُهملت شيئا فشيئا.
[عدل] القضاء على الإنكشارية
حاول الصدر الأعظم أن يقوم بالمهمة التي كلفه بها السلطان محمود الثاني؛ فقوبل باعتراض من الإنكشارية، وثاروا في العاصمة ثورة عارمة في (رمضان 1223 هـ = 1808م) وحاولوا إرجاع السلطان السابق "مصطفى الرابع" ليكون ألعوبة في أيديهم، وأضرموا النيران في السرايا الحكومية، ومات الصدر الأعظم في هذه الفتنة محترقا وهو يحاول أن يقضي على تلك الفتنة، واضطر السلطان أن يخضع لهم بعد أن أضرموا النار في العاصمة، وكادت النيران تقضي عليها، مؤجلا فكرة التخلّص منهم إلى وقت آخر.
وكان السلطان يرى أن اشتداد نفوذ الإنكشارية قد حطم جهود كل من يحاول الإصلاح من السلاطين السابقين، وأن سرّ نجاح محمد علي باشا في حركته الإصلاحية أنه بدأ بإزالة عقبة مشابهة وهي المماليك فتخلص منهم في الحادثة المعروفة باسم "مذبحة القلعة"، وقد تخلص السلطان محمود الثاني من الإنكشارية تماما في سنة (1240 هـ = 1826م).
[عدل] الأخذ بالنظم العسكرية الحديثة
وجّه السلطان محمود الثاني عنايته إلى بناء فرق عسكرية تأخذ بالنظم الحديثة؛ فأنشأ قوة من سلاح المدفعية على يد ضباط أوروبيين، وكان نجاح هذه القوة في تعلم الفنون العسكرية الحديثة حافزا له في تنظيم قوة أخرى من المشاة على نفس الطريقة. بدأ السلطان يعمل على إيجاد رأي عام يؤيد ما يتجه إليه من إصلاحات، بإقامة الحفلات الكبرى لأي إنجاز تقوم به قواته، وباستصدار فتوى من كبار مشايخ الدولة بوجوب تعليم فنون الحرب، وضرورة إصلاح الجندية، وإدخال النظام العسكري الحديث في فرق الإنكشارية التي لا يمكنها بما هي عليه الآن الوقوف أمام الجيوش الأوروبية، وأحيا السلطان محمود الثاني ما أقامه مصطفى الثالث من مدارس للطوبجية والبحرية والهندسة، وأنشأ مدرسة حربية لتخريج الضباط على غرار المدارس الحربية الأوروبية، ومدارس لتعليم الجند وتدريبهم على نَسَق مدارس الجيش في إنجلترا.
أخذ السلطان بنظام التجنيد الإجباري لأبناء المسلمين، وجعل مدة التجنيد عشر سنوات، وأرسل الضباط في بعثات للخارج على نطاق واسع، واستدعى عددا من الضباط من بروسيا لتدريب القوات الجديدة. اتجه السلطان إلى إصلاح البحرية، فأعاد فتح مدرسة البحرية التي كان قد أنشأها السلطان مصطفى الثالث، وشرع في بناء ثكنات خاصة لرجال البحرية الذين سُموا أحيانا بـ"جنود البحر"، وبنى دارا جديدة للمدرسة البحرية عُنِي بتلاميذها ومدرسيها، وزودها بالأدوات والمكتبة والأجهزة، ثم بنى مدرسة بحرية أخرى قصرها على الطلاب المتفوقين من المدرسة القديمة.
من أهم إصلاحات محمود الثاني كان العناية بالبحرية العثمانية و إعادة بنائها لا سيما بعد الهزيمة القاسية للأسطول العثماني في معركة نافارين أمام الأساطيل الأوروبية المتحالفة ، حيث أدخل أول سفينة حربية تعمل بالبخار في عام 1828م كما أمر نخبة مهندسيه ببناء سفينة المحمودية Mahmudiye ذات الـ128 مدفع و بقيت هذه السفينة الأضخم في العالم لسنوات عديدة ، كماأعاد فتح المدرسة الهندسية البحرية التي كانت قد أنشئت في قبل في سنة (1208 هـ = 1793م)، وكلما انتهى العمل في بناء قطعة بحرية أُنزلت للبحر في احتفال عظيم ، وكان السلطان يُسرّ لإنشاء السفن الجديدة سرورا عظيما ويخلع على طاقمها هباته وهداياه.
[عدل] إصلاح التعليم
عُنِي محمود الثاني بتنظيم التعليم حيث أنشأ المدارس الابتدائية المسماة "صبيان مكتبي" لتعليم الهجاء التركي وقراءة القرآن، ومبادئ اللغة العربية، والمدارس الثانوية "مكتب رشدية" لتعليم الرياضيات والتاريخ والجغرافيا، إلى جانب المدارس الملحقة بالمساجد، كما أنشئت مدارس تُعِدّ طلابها للالتحاق بمدارس البحرية والطب والزراعة والهندسة والمدفعية، وكانت المدرسة الإعدادية لمدرسة الطب ملحقة بها.
اعتنى محمود الثاني بمدرسة تعليم اللغات التي أنشئت في عصر السلطان مصطفى الرابع لتخريج المترجمين، وكان يلتحق خريجو هذه المدارس بالسفارات المختلفة. أكثر محمود الثاني من إرسال البعثات العلمية إلى لندن وباريس لتحصيل الفنون والعلوم الحديثة، وكلف سفيره في باريس "أحمد باشا" بمرافقتهم وكتابة تقارير عنهم.
ومنها أيضا اهتمامه بالمكتبات حيث قام بتجديد المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة.
[عدل] إصلاحات أخرى
حاول السلطان إصلاح أجهزة الدولة المركزية بالطريقة الأوروبية ، فوضع الأوقاف تحت إشرافه وألغى الأوقاف الصغيرة وضمها إلى أملاك السلطان، وأجرى أول إحصاء للأراضي الزراعية التركية في العصر الحديث، وأدخل تحسينات على شبكة المواصلات، وأنشأ طرقا جديدة وأدخل البرق، وخطوط السكك الحديدية، كما أنشأ جريدة رسمية للدولة.
شهد عصر السلطان محمود نشاطا في حركة التعمير، وصيانة المرافق القديمة التي أصابها الإهمال، فأنشأ في سنة (1241 هـ = 1825م) "جامع نصرت" أي جامع النصر في إستانبول، وأعاد تعمير مسجد "آيا صوفيا" وغيره من مساجد العاصمة.
عمل حتى على إصلاح الملابس ، حيث استحدث لباسا يشبه اللباس الأوروبي و استبدل العمامة بالطربوش الذي كان يرتديه الرعايا العثمانيون في ولايات الأفلاق و البغدان ( قبعة رومانية) ، وأجبر موظفي الحكومة المدنيين و العسكريين على ارتداء اللباس الجديد في أماكن عملهم.
قام بزيارة الولايات الأوروبية للوقوف على حالها و أخذ على عاتقه تحديث الدولة العلية لتجاري الدول الكبرى من جديد.
[عدل] حرب الاستقلال اليونانية
استغل اليوناييون انشغال الدولة العثمانية في إخماد إحدى الثورات حتى يهبوا معلنين بداية حرب الاستقلال اليونانية والتي كان أمراؤهم و أغنياؤهم قد أعدوا لها منذ مدة ليس قصيرة ، و حظيت بدعم أوروبا التي أرسلت إليهم المال والعتاد و الرجال . أراد السلطان محمود أن يخفف عن جيوشه العبء من جهة و أن يضعف قوة محمد علي باشا (الوالي العثماني في مصر أنذاك) ، فأصدر أمرا لمحمد علي بالتوجه فورا لدعم الحامية العثمانية المتمركزة في اليونان.
اضطر محمد علي للانصياع لأوامر خليفته ، فسير 17 ألف عسكري مصري إلى بلاد اليونان ، بالإضافة إلى الأسطول البحري المصري. اجتمع الأسطولان المصري والعثماني عند السواحل اليونانية ، وقاد إبراهيم باشا جنوده عبر ميناء مودون إلى البر اليوناني و بدا باسترجاع كل المدن المفقودة حتى حرر أثينا.
بعد مشاورات و مناوشات سياسية طويلة بين الدولة العلية و الدول العالمية ، رفضت الدولة العثمانية تدخل أي دولة في شأن اليونان ، كما رفضت أي اقتراح لحل الأزمة ، مما سبب ظهور حلف روسي فرنسي إنجليزي كان هدفه فصل اليونان عن جسد الدولة العلية ، فتجمعت أساطيل الدول الثلاثة في ميناء نافارين وقامت بتدمير الأسطولين المصري والعثماني فجأة وبدون إنذار مسبق في معركة نافارين ، كما جهزت فرنسا جيشا بريا كبيرا عمل على إعادة احتلال اليونان من قوات محمد علي باشا، والتي تقهقرت بناء على أوامر والي مصر ، و انتهى الأمر باستقلال اليونان.
[عدل] اتفاق الدول الكبرى على العثمانيين
كان من نتائج حرب الاستقلال اليونانية وقوع الحرب بين روسيا و الدولة العلية ، فحدثت مناوشات كبيرة بين الطرفين انتهت بتقدم الروس ببطء في الأراضي العثمانية ، و كان سبب ذلك استخدام العثمانيين للتنظيمات العسكرية الجديدة بدلا من الإنكشارية ، لكن هذه الحرب لم تكن قد أمهلت العثمانيين الوقت الكافي لإعداد عدد أكبر من الجيوش النظامية الحديثة وانتهت القصة بهزيمة العثمانيين و سيطرة الروس على مدن عديدة في بلغاريا و رومانيا.
تدخلت الدول الكبرى من جديد ، و جرت المناقشات السياسية التي انتهت بانسحاب روسيا من المناطق التي احتلتها مقابل دفع الدولة العثمانية لغرامة حربية كبيرة على ثلاثة دفعات ، بالإضافة إلى استقلال اليونان وإضعاف سلطة الدولة على ولاياتها الأوروبية ، و كان الهدف من هذا كله إثقال كاهل الدولة العثمانية فلا تستطيع توفير المال لتحديث جيشها و إعادة بناء أساطيلها البحرية ، والتأكد من حدوث القلاقل في البلقان حتى تبقي الدولة العثمانية مستنزفة ماليا و عسكريا ، و لإبقاء نافذة للدول الكبرى للتدخل في شؤون الدولة العثمانية مستقبلا.
[عدل] احتلال فرنسا للجزائر و ثورة محمد علي
استغل الفرنسيون ضعف الدولة العثمانية ، و لا سيما في الجانب البحري بعد تدمير جزء كبير من أسطولها البحري في معركة نافارين ، فقاموا باحتلال ولاية الجزائر التابعة اسميا للدولة العثمانية . حدث ذلك في عام 1830م ولم تقوى الدولة العلية على فعل شيء فبدأت المقاومة الجزائرية بقيادةعبد القادر الجزائري.
كان محمد علي باشا ذا طموح كبير و أراد أن يستبدل السلطنة العثمانية الضعيفة بدولة علوية (نسبة لمحمد علي) حديثة تحقق طموحه الكبير . لم يأبه محمد علي لما كان يدور بين الفرنسيين و جيرانه الجزائريين واستغل ضعف الدولة العثمانية ليباشر في عام 1831 بمحاولة السيطرة على الشام ، و بالفعل تمكن من هزيمة الحامية العثمانية و التقدم إلى مابعد جبال طوروس و أنزل الهزائم المتوالية في الجيش العثماني حتى وصل إلى مدينة قونية.
أوقف محمد علي باشا زحفه بسبب إبرام روسيا و الدولة العلية معاهدة عسكرية تقضي بدقاع الجيش الروس عن إسطنبول في حالة تقدم قوات محمد علي صوبها ، وأرادت روسيا بهذا الحفاظ على السلطنة العثمانية الضعيفة من أن ترثها دولة قوية تقف بوجه تحقيق وصية بطرس الأكبر ، وتدخلت القوى الأوروبية مجددا و تم ترسيم الحدود بين الطرفين و إنهاء الصراع مؤقتا حيث خافت تلك الدول من تنامي قوى محمد علي و روسيا على حساب الدولة العثمانية ، لكن حرب عادت للاشتعال عام 1839م في معركة نصيبين و التي انتهت بانتصار محمد علي مجددا.
[عدل] وفاة السلطان
امتاز السلطان محمود الثاني بالتوجه للغرب العلماني ، أنهكته الحروب مع روسيا، وشغلته حروبه مع محمد علي والي مصر الطموح الذي تطلع إلى ضم بلاد الشام إلى ولايته في مصر، ووقعت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي في سنة (1245 هـ = 1830م).
تعرض السلطان للإصابة بعدوى السل، ولما اشتد به المرض نُقل إلى إحدى ضواحي إستانبول للاستشفاء بهوائها النقي، ثم لم يلبث أن عاجلته المنية في (19 ربيع الآخر 1255 هـ = 2 يوليو 1839م) وخلفه السلطان عبد المجيد.
[عدل] من مصادر الدراسة
- محمد عبد اللطيف البحراوي: حركة الإصلاح العثماني- دار التراث- القاهرة 1398هـ=1978م.
- محمد فريد بك: تاريخ الدولة العلية العثمانية- دار النفائس- بيروت 1403هـ=1983م.
- علي محمد الصلابي : الدولة العثمانية:عوامل النهوض وأسباب السقوط
- علي حسون: تاريخ الدولة العثمانية- المكتب الإسلامي- بيروت 1415هـ=1994م.
- محمد حرب: الدولة العثمانية- سفير للطباعة والنشر- القاهرة 1996م.
- Maurizio Costanza: La Mezzaluna sul filo - La riforma ottomana di Mahmud II - Marcianum Press - Venezia 2010
| → سبقه مصطفى الرابع |
سلاطين عثمانيون |
خلفه ← عبد المجيد الأول |

