هذه المقالة يتيمة. ساعد بإضافة وصلة إليها في مقالة متعلقة بها

محمود الرنكوسي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
Commons-emblem-copyedit.svg هذه المقالة بها ألفاظ تفخيم تمدح بموضوع المقالة، مما يتعارض مع أسلوب الكتابة الموسوعية. يرجى حذف ألفاظ لتفخيم والاكتفاء بالحقائق لإبراز الأهمية.

الشيخ محمود بن قاسم بعيون الرنكوسي شيخ العلم والعلماء الحنفي مذهبا ًا لنقشبندي مشرباً (ترجم له تلميذه وخليفته الشيخ حسين صعبية شيخ دار الحديث الأشرفية بدمشق)

  • نشأته:

نشأ في بلدة رنكوس، وهي من قرى الشام، تبعد عن دمشق حوالي خمسة وأربعين كيلو مترا ً من الشمال الشرقي، من أب اسمه قاسم وأم اسمها فاطمة. وقد اشتهر بالرنكوسيِّ نسبة إلى بلدهِ التي منها أصل أجداده. فمنذ ولادته سنة (1329 هـ ـ 1910 م) غمره والده بعنايته، حيث تفتحت عيناهُ على بيتٍ مليءَ صفاءً، وإيماناً ودينا وما إن أبصر نور الحياة، وبسقت أزاهيره، حتى توفيت أمه وله من العمر سنتان. وكان في مقتبل صباه ذكياً، فطناً ذو انتباه، بقلب بالصفاء مشيد، ورأي سديدٍ، ومسلك رشيدٍ، إذ كان ينمو نمواً وئيداً، لا يحمل في قلبه غلاً ولا بغضاً فلم يكب كبوة على عادة الشبان، ولم يخطُ خطوة زلة كعادة الركبان، بل كان حفظ الله يحوطه كالسوار بالمعصم، يسير بروعة ملحوظة فيها التوفيق والصفاء، كأنه ملهم وقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو ابن ست سنوات، وكان يختم القرآن الكريم في كل يوم، يبدأ بالقراءة من بعد صلاة الفجر، ويختم بعد صلاة العصر.

ـ وقد حضر إلى رنكوس الأستاذ الفاضل الشيخ (غنام الرنكوسي) وكان تلميذاً للشيخ (عبد القادر القصاب)، وكان يحث والد الشيخ (محمود) الشيخ (قاسم) على أن يذهب إلى دمشق ويطلب العلم على يد الشيخ المحدث الأكبر (بدر الدين الحسني)، فطلب الشيخ (محمود) من والده أن يرسله مكانه، لأنه صغير السن، ويستوعب أكثر من والده، وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة. ووالده (الشيخ قاسم بعيون) ـ ـ يحب العلم وأهله ويحمل في طيات قلبه لهفاً فيه سر من الله بأن يكون ولده (محمود) من العلماء العاملين ومن الأولياء العارفين، وكان يتوقع له ذلك في المستقبل القريب لما رأى منه من هالة ٍ رائعة مضيئة في حال صغره، ولما رأى بين عينيه الوقادتين ذكاءً وفهْماً لا مثيلَ لهما فكان أن حمله على مركب الصدق والأمل إلى دار الحديث الأشرفية في دمشق العصرونية سنة (1920 م تقريباً) ووقف بين يدي الولي العارف بالله محدث الدنيا الشيخ (بدر الدين الحسني) ، وهناك المفاجأة الكبرى والكرامة العظمى، والتخصص الإلهي، والإكرام الرباني، حيث نطق والده الشيخ قائلاً : يا شيخ بدر الدين لقد أتيت بولدي (محمود) خادماً وتلميذاً لك

فقال الشيخ: (بدر الدين): تريد أن تعرفني على (محمود) وأنا كنت أربيه وهو في صلب جده. ما شاء الله، لله درك يا شيخ (بدر الدين) فأنت صاحب السر القوي المتين. فهنا امتلأت مآقي والد الشيخ بدموع باردة دلالة على الفرح والسرور، وتدحرجت على خديه حتى اخضلت لحيته بالدموع البراقة الفرحة.

وبدأ شيخنا من نعومة أظفاره وفي زهرة ربيعه يتلقى العلوم ويرتشفها ووعاؤه طاهر طيب، ومعينه عذب لم تكدره الدلاء، فكان كما قال : كنت أشعر يوم ذاك وكأن العلوم أرتشفها ارتشافاً، وأستوعبها استيعاباً ،وقد رزقني المولى قوة على المطالعة، وبديهية على فهم المسائل، وقدرة على الحفظ والإتقان. ولما سألناه مرة عن طريقة سليمة لحفظ المتون حيث كنا نجد مشقة في حفظ ألفية ابن مالك، فأرشدنا يومها إلى طريقة سلسة رائعة للحفظ فقلنا بأدب مسترشدين ومستوضحين : كيف حفظت الألفية يا مولانا ؟ فقال : لقد حفظتها في عشرة أيام على التمام والكمال، حيث كنت احفظ كل يوم مائة بيت منها، وكان هذا كله درساًعملياً وتوجيهياً لنا لشد الهمة على الحفظ والدرس.

وبعد أن مضى على الشيخ (محمود) في دار الحديث سنتان، جاء رجل من بلدة حمص اسمه أبو النصر خلف ابن الشيخ سليم خلف ـ وكان الشيخ (محمود) يحفظ ألفية ابن مالك فسأل الرجل الشيخ (محمود) : ماذا تحفظ ؟ فأجابه : ألفية ابن مالك. فقال له سأدلك على أستاذ ليس له نظير على وجه الأرض في تعليم اللغة العربية ! اسمه الشيخ (أبو الخير الميداني) وهو يدرّس في جامع التوبة، اذهب إليه والتزم درسه. فأجابه الشيخ (محمود) : أنا لا التزم عند أحد حتى أستأذن أستاذي الشيخ (بدر الدين). فيقول الشيخ (محمود) : صعدت إلى غرفة أستاذي المحدث الأكبر، وذكرت له ذلك، فأطرق الشيخ (بدر الدين) رأسه وهو يراقب على قلبه فترة من الوقت ربع ساعة تقريباً، ثم رفع رأسه وقال للشيخ (محمود) : اذهب إلى الشيخ (أبي الخير) وقل له : أرسلني إليك (بدر الدين) وهو يسلم عليك. فذهب الشيخ (محمود) يسأل عن جامع التوبة وهو لا يعرف أين يقع الجامع ـ حتى دخل الجامع فوجد الشيخ (أبا الخير الميداني) وحوله حلقة تنوف عن أربعين طالباً، فسلّم عليه بصوت مرتفع ـ وكان الشيخ (أبو الخير) لا يحب أن يسلم عليه أحد أثناء الدرس، فيقول : إن الملك يقذف الكلام على لساني، فإذا تكلم أحد أثناء الدرس فإن هذا التجلي يذهب ـ فعندما شعر الشيخ (محمود) عدم رضى الشيخ (أبي الخير) بالكلام أثناء الدرس، استدرك قائلاً : إن مولانا الشيخ(بدر الدين) أرسلني إليك وأمرني أن أقرأ عليك اللغة العربية وهو يسلم عليك، فما كان من الشيخ (أبي الخير الميداني) إلا أن رد السلام واقفاً عند سماع الشيخ محمود قوله يسلم عليك الشيخ (بدر الدين)، وقال للشيخ (محمود) أدن مني واجلس بجانبي.

  • هيئته الخَلقيّة:

كان الشيخ تعالى ذا شيبة نيرة يخالطها سواد، وكأنه نور مقتبس ومهابة لا تلتبس يحوطه الوقار طويل القامة ممشوقها، مستدير الوجه جميله، رأسه ذو شعر كثيف، يحلقه على السنة دوماً، قدوة بصاحب السنة، ومشايخه الأخيار الناظر إليه يحكم أن بين الشعرة والأخرى نوراً حاجباه كهلال قد انتصف كثير شعرهما بدقة ربانية عيناه تقدحان ذكاءً بلونهما العجيب يعلوهما نظارة سميكة تحكي قراءة للدهر طويلة، ذو جبهة عريضة وواضحة كأنه كتب عليها علوم الأرض والسماء، ذو لحية معتدلة الكثافة جمعت الكثير من الشيب كلما تقدم به السن أجمل ما رأت العين منظمة هيابة كثر فيها منذ عرفناه شيب الوقار والأخلاق، مكونة بشكل خنجري على نسق شيوخه حباً وكرامة بهم، تزيد عن قبضه أنفه دقيق مستوي غير أقنى، ذو خلقة ندية وطلة بهية شارباه عريضان يحفهما على السنة النبوية واسع الفم ضليعه، تتناسق الكلمات فيه وتخرج كسبيكة ذهبية، إذا تكلم تكلم بكل فمه، مستوعباً قلب مخاطبه وجاذباً، لم تتساقط أسنانه رغم كبر سنه، بل ترى اللوامع منبثقة من بين ثناياه إذا نطق، خداه أثيلة يكسوهما لون يميل إلى الزهرة يبدو ظاهرهما أحسن ما رأت العيون، من الرمان الملوح والتفاح الندي مشرق الصورة واضحها جليها، مفسرة على أكمل خلقة، كتفاه عأديان كقلعة تماسكت أطرافها، مستوي البطن، أما راحتاه فقد صفتا ملمساً ونعومة ورقة من أجمل ما لمست يداك فهما أشد ليونة من القطن، وأرق من الحرير، وكم من مرة لمسنا راحتيه وكأن الدنيا حيزت لنا بحذافيرها حيث كانت تعبق رائحتهما مسكاً إذفراً من غير مس طيب، أصابعه دقيقة إلى الطول أقرب بتناسق تام. يمشي مشي الوئيد الهادئ مشياً مترسلاً تطوى الأرض تحتهما طياً من غير خبب ولا تعجل. أما سمعه ونظره فقد كان صحيح السمع مضيئه يستعين بالنظارة على بصره، متوسط البنية إلى الدقة أقرب فصيح اللسان بالنطق واضحاً وبالبيان مفصحاً، شجي الصوت قويه، حاد الذكاء وقاداً جليلاً ذو مهابة زاده كبر السن لينأً وتؤدة ووقاراً صافياً هادئاً براً صبوراً ذكاراً

  • هيئته الخُلُفيّة:

لا أحنث إن حلفت أن الشيخ تعالى قد وهبه الله عقلاً وحلماً وسكوناً لا يبارى ولا يضاهى، وزاده المولى أن ألقى محبته في قلوب الناس ونال القبول عندهم حتى إن الناظر إليه لأول وهلة يغدق حبه في قلبه ويرنو نظر المودة إلى سره فيعشقه عشقاً لا يوصف، بيد أن المستمع إليه الواعي لا يتمالك نفسه إلا ويراها تنجذب إليه محبة وإكراماً واحتراماً. ومرد هذا كله أنه قد خبر الناس وحاكاهم محاكاة الخبير العالم العارف، حيث اكتملت فيه معاني الإرشاد والتوجيه

ومن أرقى صفاته وأكمل سماته أنه كان من طبعه أن يحسن لمن يسئ إليه، ويتجاوز عمن بلغه عنه مقولة أو كلام. كاظماً للغيظ كاتمه، لا يظهر علامات الغضب اعتباطاً، بل من النوادر القليلة أن تراه غاضباً حيث أوتي قدرة على استيعاب الأعطاف كرماً من خفي الألطاف. يظهر البشاشة والفرح، وتعلوه بسمة رقيقة ناعمة من غير صوت وربما أظهر السرور عند الشدائد تعليماً لنا وتوجيهاً. ويستعين على النوائب والصروف وما أكثرها بالصبر والسلوان والذكر والصلاة والإيمان الراسخ بقضاء الرب الجليل، من رآه يحكم أنه يزداد تواضعاً مع عزة مستمرة ولم يزدد ناظره منه إلا مهابة وتقديراً واحتراماً، كأنه درة ينعكس نورها وبهاؤها على من التقاه أول مرة. كل هذا مع تواضع ملموس، وأخلاق رضية طيبة، قد سلكه المولى عز وجل الفطنة وصفاءالقريحة