مستخدم:Jobas/ملعب

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
Sandbox.svg هذه صفحة ملعب Jobas، وتصلح لتجربة التحرير في الموسوعة وهي ليست مقالة من مقالاتها. لإنشاء ملعبك المخصوص، اضغط هنا.
المسيحية؛ النَّصرانية[1]
صورة معبرة عن الموضوع Jobas/ملعب
الصليب: أبرز رموز الديانة المسيحية.

الزعيم
المؤسس يسوع المسيح.[2]
مَنشأ القدس،
Vexilloid of the Roman Empire.svg الإمبراطورية الرومانية
الأصل اليهودية
الفروع كاثوليكية، أرثوذكسية مشرقية، أرثوذكسية شرقية، بروتستانتية.
الأماكن المقدسة
العقائد الدينية القريبة الحنيفية، اليهودية، الإسلام، الصابئية المندائية، البهائية.
العائلة الدينية ديانات إبراهيمية.
عدد المعتنقين Geographylogo.png 2.3 مليار (2013).[3][4]

المسيحية أو النَّصرانية هي ديانة إبراهيمية، وتوحيدية؛ متمحورة في تعاليمها حول الكتاب المقدس، وبشكل خاص يسوع. الجذر اللغوي لكلمة مسيحية تأتي من كلمة مسيح[5] والتي تعني حرفيًا المختار أو المعين، وكذلك تعني الممسوح (الممسوح بالزيت) نسبة لملوك العهد القديم الذين كان الانبياء يمسحونهم بالزيت المقدس على رؤوسهم للدلالة على الاختيار والبركة والسلطان الالهي الممنوح لهم. 2 ويعرف أتباعها باسم المسيحيين؛ وقد جاءت التسمية نسبة إلى يسوع الذي هو بحسب العقيدة المسيحية المسيح، ابن الله، الله المتجسد، المخلص وغيرها من التسميات الأخرى؛[6] المسيحية تعتبر أكبر دين معتنق في الأرض [7] ويبلغ عدد أتباعها 2.2 مليار أي حوالي ثلث سكان الكوكب من البشر،[8] كذلك فالمسيحية دين الأغلبية السكانية في 126 بلدًا من أصل 197 بلدًا مستقلاً في العالم.[9]

نشأت المسيحية حوالي العام 27 من جذور مشتركة مع الديانة اليهودية ولا تزال آثار هذه الأصول المشتركة بادية إلى اليوم من خلال تقديس المسيحيين للتوارة والتناخ والتي يطلقون عليها إلى جانب عدد من الأسفار الأخرى اسم العهد القديم الذي يشكل القسم الأول من الكتاب المقدس لدى المسيحيين في حين يعتبر العهد الجديد القسم الثاني منه؛ يعتقد المسيحيون أن النبؤات التي دونها أنبياء العهد القديم قد تحققت في شخص المسيح،[10] وهذا السبب الرئيس لتبجيل التوراة أما العهد الجديد فهو بشكل عام قصة حياة المسيح وتعاليمه، التي تشكل أساس العقائد المسيحية.[11]

تؤمن أغلب الطوائف المسيحية أن يسوع هو المسيح والابن أي الأقنوم الثاني في الثالوث الأقدس، وبالتالي فهو إله كامل. وقد ولد من عذراء بطريقة إعجازية. وخلال حياته الأرضية اجترح العجائب والمعجزات، ثم صلب ومات تكفيرًا عن خطايا البشرية، وقام من الموت في اليوم الثالث وصعد إلى السماء متحدًا مع الله الآب، بيد أنه أرسل الروح القدس ثالث الأقانيم الإلهية، وسيعود في اليوم الأخير لإدانة البشرية ومنح الحياة الأبدية في ملكوت السموات للصالحين والمؤمنين.[12]

كان الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط الثقل الرئيسي للمسيحية في القرون الأولى وظلت القدس، أنطاكية، الرها، والإسكندرية عواصم الثقافة المسيحية قبل أنتقال النفوذ والتأثير إلى روما والقسطنطينية خلال القرون الوسطى.

عانت المسيحية في البدايات من اضطهاد الإمبراطورية الرومانية لكنها ومنذ القرن الرابع غدت دين الإمبراطورية واكتسبت ثقافة يونانية ورومانية أثرت عميق التأثير فيها؛ وكأي ديانة أخرى ظهرت في المسيحية عدة من الطوائف والكنائس تصنف في ستة عائلات كبيرة: تزامنت الانشقاقات الأولى مع القرن الرابع حين انفصلت الكنائس الأرثوذكسية المشرقية والأرثوذكسية القديمة، تلاها عام 1054 الانشقاق الكبير بين الكاثوليكية والأرثوذكسية الشرقية ثم البروتستانتية خلال القرن السادس عشر فيما عرف باسم عصر الإصلاح.[13] وإلى جانب الطوائف، فإنّ للمسيحية إرثًا ثقافيًا دينيًا واسعًا يدعى طقسًا، وأشهر التصنيفات، وأعرقها في هذا الخصوص المسيحية الشرقية، والمسيحية الغربية.

وكما تأثرت، فقد أثرت المسيحية في غيرها من الأديان، وتركت الثقافة المسيحية تأثيرًا كبيرًا في الحضارة الحديثة وتاريخ البشرية بصمة واضحة في الحضارة الحديثة وتاريخ البشرية على مختلف الأصعدة.[14]

محتويات

النشأة والتأسيس[عدل]

يسوع المسيح[عدل]

نسخة أثرية للعهد الجديد باللغة الأرمنية: يعرف الإنجيل ذاته بأنه "آيات قد دونت لكم لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح وأنه ابن الله ولكي تكون لكم حياة باسمه إذ تؤمنون".(يوحنا 31/20)

تعتبر الأناجيل الأربعة المصدر الرئيسي لتتبع حياة يسوع، هناك بضعة مؤلفات أخرى تذكره يطلق عليها عامة اسم الأناجيل المنتحلة وقد ورد ذكره أيضًا بشكل عرضي في بعض مؤلفات الخطباء الرومان كشيشرون.[15] بحسب الأناجيل ولد يسوع في بيت لحم خلال حكم هيرودس الكبير، ولا يمكن تحديد تاريخ ميلاده بدقة، بيد أن أغلب الباحثين يحددونه بين عامي 4 إلى 8 قبل الميلاد.[16] يتفق متى ولوقا أنه ينحدر من سبط يهوذا، السبط الرئيس من أسباط بني إسرائيل الإثني عشر 3.[17] كذلك يتفقان أن هذه الولادة قد تمت بشكل إعجازي دون تدخل رجل، ويعرف هذا الحدث في الكنيسة باسم "الولادة من عذراء".[18] ورغم أنه ولد في بيت لحم إلا أنه قد قضى أغلب سني حياته في الناصرة.[متى 23/2]

نشأ يسوع في بيئة يهودية مغلقة تنتظر قدوم الماشيح، وقبيل البدء بنشاطه اعتمد على يد يوحنا المعمدان،[متى 13/3] حوالي عام 27 وكان عمره ثلاثين عامًا تقريبًا؛[لوقا 23/3] وقد انطلق في تبشيره من دعوة المعمدان ذاتها الداعية إلى التوبة،[19] بيد أنه ترك مناطق نهر الأردن واتجه شمالاً حتى استقر في كفر ناحوم، ثم أخذ يطوف قرى الجليل، واليهودية، وجنوب لبنان، ومناطق من الجولان، وشمال الأردن التي كان تعرف باسم المدن العشر، والخليل إضافة إلى أورشليم ومناطق أخرى.[20]

تركزت تعاليم يسوع بشكل أساسي في أهمية ترك أمور الجسد والاهتمام بأمور الروح، وشجب بنوع خاص مظاهر الكبرياء والتفاخر البشري، وحلل بعض محرمات الشريعة اليهودية وجعل بعضها الآخر أكثر قساوة كالطلاق، وركز أيضًا على دور الإيمان في نيل الخلاص، وعلى أهمية المحبة.[متى 43/5] وتذكر الأناجيل، بشكل مفصل للروايات أو بشكل عام، عددًا كبيرًا من الأعاجيب والمعجزات التي اجترحها:

   
مستخدم:Jobas/ملعب
وكان يسوع ينادي ببشارة الملكوت، ويشفي كل ذي مرضٍ وعلّة في الشعب، فذاع صيته في سوريا كلها، وحمل إليه الناس مرضاهم المعانين من الأمراض والأوجاع على اختلافها والمسكونين بالشياطين والمصروعين والمشلولين فشافهم جميعًا، وتبعته جموع كبيرة من مناطق الجليل والمدن العشر وأورشليم اليهودية وما وراء الأردن.
   
مستخدم:Jobas/ملعب

إنجيل متى، 4/ 23-25

الموعظة على الجبل، بريشة كارل بلوش، القرن التاسع عشر: تشملها الفصول الخامس حتى السابع من إنجيل متى.

وكان يكلم الشعب عادة بالأمثال والقصص الرمزية مبسطًا لهم أفكارًا معقدة،[21] كذلك تزخر الأناجيل بالمواقف والأحداث التي واجهته في حياته، لتشكل مصدر عبرة وتعليم لأتباعه؛ وبشكل عام فإن المعجزات التي ذكرت قصصها بشكل مفصل في الإنجيل هي خمس وثلاثين معجزة،[22] أما عدد الأمثال والقصص فأربع وثلاثون مثلاً،[23] في حين يبلغ مجموعة الحوادث مائتان وخمس وخمسون حادثًا؛[24] ويعلن الإنجيل صراحة أن هذا جزء بسيط من أعمال يسوع لأنه "لو دونت جميع أعماله واحدة فواجدة لما كان العالم يتسع ما دوّن من كتب".[يوحنا 25/21]

وعيّن يسوع أيضًا اثني عشر تلميذًَا ليلازموه،[مرقس 13/3] وكان هؤلاء الاثني عشر مختارين من حلقة أكبر كانت تتبعه وتشمل نساءً والرسل السبعين،[لوقا 1/10] بحسب العقيدة المسيحية، فإن يسوع وإثر نشاط حافل دام ثلاث سنوات، وخلال تواجده في أورشليم ضمن احتفالات عيد الفصح، قرر مجلس اليهود قتله خوفًا من تحوّل حركته إلى ثورة سياسية تستفز السلطات الرومانية لتدمير الحكم الذاتي الذي يتمتعون به،[25] وتذكر الأناجيل بشيء من التفصيل أحداث محاكمة يسوع أمام مجلس اليهود ثم أمام بيلاطس البنطي ومنازعته على الصليب، حيث صلب المسيح خارج المدينة على تل الجلجثة وقد تبعه ليشهد عملية الصلب جمع كثيرا، وبعد نزاع دام ثلاث ساعات مات المسيح، وقد ترافق موته حوادث غير اعتيادية في الطبيعة.[لوقا 45/23] وقد ودفن على عجل لأن سبت الفصح كان قد اقترب، بحسب الأناجيل أيضًا، قامت بعض النساء من أتباعه فجر الأحد بزيارة القبر فوجدنه فارغًا،[لوقا 3/24] بيد أن ملاكًا من السماء أخبرهنّ أن يسوع قد قام من بين الأموات.[لوقا 6/24] فذهبن وأخبرن التلاميذ بذلك وما لبث أن ظهر لهم مرّات عدة واجترح عدة عجائب بعد قيامته أكد لهم خلالها قيامته.[يوحنا 25/20]

تعددت النظريات الأخرى حول يسوع، وطرق موته وأسبابها، لكن أغلبية الباحثين اعتقدوا فعلاً بتاريخية وجوده، والبعض أيضًا آمن بوقوع المعجزات ناسبًا إياها لطرق معينة من استخدام طاقات العقل البشري،[26] ويعتقد أن ليلة العشاء الأخير كانت ليلة 3 نيسان 30 وأن القيامة - بالتالي - تمت فجر 6 نيسان 30.

الكنيسة الأولى: بطرس وبولس[عدل]

كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان: بني هذا الصرح الديني والفني القيّم فوق المكان الذي شهد صلب بطرس الرسول ودفنه.

حياة التلاميذ الاثني عشر ومن معهم، أو حياة الكنيسة الأولى يمكن معرفة نشاطاتها عن طريق سفر أعمال الرسل، فبعد خمسين يومًا من قيامة يسوع حلّ الروح القدس على الكنيسة الأولى وفق السفر،[27] ويمثل الحدث للمسيحيين ميلاد الكنيسة في القدس. وكان أعضائها يداومون على تلقي المواعظ الدينية والصلاة وكسر الخبز4، والحضور إلى الهيكل[28][29] وتقاسم جميع ما يملكون:[30]

   
مستخدم:Jobas/ملعب
وكانت جماعة المؤمنين قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة ولم يكن أحد يقول إن شيءًا مما عنده هو له بل كان كل شيء عندهم مشتركًا، ولم يكن فيهم محتاج لأن جميع ما كان لهم من حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بثمنها فيضعونه عند أقدام الرسل وهم بدورهم يوزعونه على كل محتاج بقدر حاجته.[31]
   
مستخدم:Jobas/ملعب

بحسب سفر الأعمال أيضًا فإن الرسل استطاعوا اجتراح عدد من العجائب والمعجزات،[32] وكانت تعاليمهم وعظاتهم خصوصًا عظتي بطرس الأولى[33] والثانية،[34] سببًا في تذمر مجلس اليهود، ما أدى إلى توقيف بطرس ويوحنا عدة مرات في السجن[35] وكذلك بولس فيما بعد.[36]

القديس بولس يكتب رسائله، لوحة الفنان الهولندي رمبرانت.

أخذت الجماعة المسيحية بالنمو،[37] وبنتيجة هذا النمو أخذت تراتبية السلطة في الكنيسة بالظهور، فعيّن سبعة شمامسة كمساعدين للرسل؛[38] لكن حدة الاضطهادات أخذت بالزيادة أيضًا ما اضطرهم للجوء إلى الجليل والسامرة،[39] ما ساعد في توسع أعداد معتنقي المسيحية من خارج القدس، فأخذ فيلبس بنشر التعاليم المسيحية في السامرة،[40] وحنانيا في دمشق5؛[41] وبعيد ذلك تحوّل شاول الطرسوسي إلى المسيحية متخذًا اسم بولس ويعتقد المسيحيون أن ذلك قد تم بعد ظهور يسوع له على طريق دمشق.[42]

ساهم بولس بنشر المسيحية خصوصًا لدى غير اليهود، إلى جانب الرسل السبعون خصوصًا في لبنان وقبرص وأنطاكية،[43] حيث اكتسبوا قاعدة شعبية وأطلق عليهم لأول مرة مصطلح مسيحيين؛[44] لقد غدت أنطاكية قاعدة بولس الأساسية في رحلاته التبشيرية نحو اليونان وآسيا الصغرى،[45] لكن مشكلة كبيرة وقعت بين المسيحيين من أصل يهودي والمسيحيين من أصل غير يهودي فيما يخص الالتزام بشريعة موسى عمومًا والختان بنوع خاص، فعقد إذاك المجمع الأول في أورشليم حوالي العام 50[46] وحسمت نتائجه بعدم التزام غير اليهود بالختان أو الشريعة.[47] (انظر الختان في المسيحية للاستزادة)

تلا مجمع أورشليم[48] عدة أسفار لبولس نحو اليونان ومقدونيا، وأراد السفر إلى روما وهو ما تحقق له لاحقًا حوالي عام 59، لكن تاريخ وجود المسيحيين في روما يسبق ذلك إذ وجه بولس نفسه رسالة لهم سنة 57،[49] وينقل التقليد المسيحي أن بطرس هو من أسس كنيسة روما بعد أن أسس كنيسة أنطاكية، وقضى هناك سنواته الأخيرة حتى مقتله عام 64 أو 67 خلال حريق روما الكبير واضطهاد نيرون للمسيحيين.[50]

أما بولس غادر روما عام 62 متوجهًا إلى إسبانيا لكنه عاد إليها مجددًا حيث سجن وكتب من سجنه حوالي عام 66 أو 67 آخر رسائله وهي الرسالة الثانية إلى تيموثاوس قبل أن يقتل خلال اضطهاد نيرون للمسيحيين؛[51][52] أما مرقس وهو تلميذ بطرس فقد انتقل إلى الإسكندرية وأسس كنيسة مصر قرابة العام 45؛[53] في حين توجه توما إلى الهند، وبشكل عام فقد كان حركة نشر المسيحية الأولى نشيطة للغاية؛[54] أسوة بسائر التلاميذ الاثني عشر فقد بشّر أيضا الرسل السبعين.[55] وكان آخر من توفي من التلاميذ الاثني عشر يوحنا بن زبدي الذي استقر في تركيا قبل أن ينفى إلى بطمس حيث قضى هناك سني حياته الأخيرة، وكان الوحيد من الرسل الذي مات بشكل طبيعي - أي أنه لم يقتل خلال أحد الاضطهادات - قرابة العام 101.[56]

تاريخ المسيحية[عدل]

المسيحية المبكرة (101 إلى 312)[عدل]

الصلاة الأخيرة لمسيحين خلال أحد حفلات التعذيب في الكولسيوم، روما لوحة لجان ليون جيروم سنة 1834.

بداية القرن الثاني كانت المسيحية عبارة عن جماعات متفرقة صغيرة على هامش المجتمع ضمن الإمبراطورية الرومانية، وكانت قوة إيمان هذه الجماعات ونبذها الرسمي للثقافة الرومانية المتعارف عليها، فضلاً عن أصول المنتمين الأوائل إليها المتواضعة، مصدر إزعاج لدى مثقفي العالم الروماني كشيشرون وجالينوس،[57] بيد أن أعظم ما كان يقلق الإمبراطورية الرومانية رفض المسيحيين عبادة الإمبراطور عنصر تماسك الإمبراطورية؛ فضلاً عن رفضهم الكثير من الطقوس الرسمية، إلى جانب إعلانهم احتكار الحقيقة وتقبل الموت على الارتداد عن الدين، ما دفع الخطيب البليغ لوقيانوس للقول بأن بسطاء العقل هؤلاء لم يكونوا مجرمين لكن يسوع المنافق قد خدعهم وكهنتهم يتلاعبون بهم؛[57] سوى ذلك فقد كان المسيحيون الأوائل يرفضون بنوع خاص الاحتكاك بالعلوم الدنيوية لارتباطها بشكل وثيق بالأديان الوثنية،[58] ما دفع المؤرخ الروماني سلس حوالي العام 175 إلى لوم المسيحيين لأنهم يحرصون على جهلهم.[59]

أخذ الوضع بالتغير منذ النصف الثاني للقرن الثاني، فقد أدرك المسيحيون أن عودة يسوع المنتظرة ستأخذ وقتًا طويلاً وبالتالي فإن مكوثهم على الأرض سيطول، فأخذوا يحاولون تقديم إيمانهم بشكل له المزيد من النظام والعقلانية مستخدمين صفات ثقافة عصرهم؛ نبع ذلك من إدراك أنه إن لم ترد الكنيسة البقاء كشيعة على هامش المجتمع يترتب عليها التكلم بلغة معاصريها المثقفين؛[60] وكان أول المدافعين عن المسيحية هو جوستينوس الذي لقي مصرعه خلال الاضطهادات التي قامت سنة 156.[61] وتكاثرت من بعده مؤلفات الدفاع: هبرابوليس، أبوليناروس وميلتون وجهوا مؤلفاتهم للإمبراطور ماركوس أوريليوس، وأثيناغوراس ومليتاديس نشروا مؤلفات مشابهة حوالي العام 180؛[61] لقد ساهمت الشخصيات المثقفة التي اعتنقت المسيحية كجوليانوس وإغناطيوس في تسهيل دخول المسيحية ضمن المجتمع السائد، ومع نهاية القرن الثاني لم يكن هناك من مشكلة: فحتى الآباء المسيحيون كانوا يرسلون أولادهم إلى مدراس الوثنيين إذ لم تكن فكرة وجود تربية مسيحية خاصة تختلف سوى في مضمار المعتقدات الدينية والأخلاق،[62] ثم أخذت المدراس المسيحية بالنشوء والكتب المسيحية بالانتشار مع بداية القرن الثالث وتكاثر عدد المعلمين المسيحيين في المدراس اليونانية والرومانية؛ وأصبح سنة 264 أناكوليوس أسقف اللاذقية، أول عميد مسيحي لكلية الفلسفة في جامعة الإسكندرية، وأدار الكاهن مالخيون مدرسة الخطابة والبلاغة في أنطاكية.

المسيحية ابتدأت قبل ألفي عام في فلسطين بواسطة شخص،
فانتقلت لأثينا فأصبحت فلسفة،
ومن ثم لروما فأمست مؤسسة،
وبعدها لأوروبا فأصبحت حضارة،
من ثم عبرت المحيط الاطلسي الى أمريكا فأضحت بيزنس هناك.

—ريتشارد هالفيرسون

يرى عدد من الباحثين أن المسيحية بقيت قريبة جدًا من الديانة اليهودية من حيث العادات والتقاليد حتى نهاية القرن الثاني، ولكن انطلاقًا من هذا التاريخ انضمت المسيحية إلى الحضارة الهيلينية التي ستتيح لها انطلاقة جديدة مع بداية القرن الثالث؛[63] أما على الصعيد الاجتماعي، يعلن إريك كاوفمان أن المسيحيون طوروا نظامًا اجتماعيًا فعالاً على ضوء الإنجيل، فعلى عكس الوثنيين فإن المسيحيين كانوا يعتنون بمرضاهم خلال فترات انتشار الأوبئة إلى جانب عنايتهم بالمعاقين والعجزة، فضلاً عن التشديد على أهمية إخلاص الذكور في الزواج ووحدانية هذا الزواج، ما خلق نوعًا من العائلة المستقرة التي افتقدها المجتمع الروماني وجعل المؤمنات الجدد في ظل هذا الاستقرار يلدن ويربين عددًا أكبر من الأطفال،[64] إضافة إلى وجود حياة اجتماعية مميزة فيما بين أعضاء الجماعة الواحدة ومساعداتهم الدائمة لبعضهم البعض.[65]

إن المشكلة الأساسية التي عانت منه كنيسة القرنين الثاني والثالث تمثلت في الاضطهادات الرومانية؛ فمنذ صدور مرسوم طرد المسيحيين من روما حوالي العام 58 وحتى العام 312 عانى المسيحيون من شتى أنواع الاضطهاد كان أقساها اضطهاد نيرون الذي شمل حريق روما، دومتيانوس الذي استمر سبعة وثلاثين عامًا واتخذت بداية هذا الاضطهاد أصل التقويم المعروف باسم التقويم القبطي أو المصري، وحسب مراجع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فقد قتل مئات الآلاف خلال هذا الاضطهاد،[66] تراجان، ماركوس أوريليوس، سبتيموس سيفيروس، ماكسيمين، ديكيوس، جالينوس، أوريليان، دقلديانوس وهي ما تعرف عمومًا في التاريخ المسيحي باسم الاضطهادات العشر الكبرى؛[67] لكن الأمور أخذت بالتحسن مع منشور غاليريوس التسامحي وخطوات الإمبراطور قسطنطين التي توجت بمرسوم ميلانو سنة 312 والذي اعترف بالمسيحية دينًا من أديان الامبراطورية، فرغم جميع الاضطهادات، كانت قوة المسيحية الديموغرافية تتنامى مع العلم أنها وحتى عام 312 كانت أقلية داخل الإمبراطورية ككل، لكنها قد تحولت إلى قوة لا تستطيع جهات الإمبراطورية الرسمية طمسها أو التغاضي عنها.[68]

المجامع والانشقاقات (312 إلى 1054)[عدل]

أيقونة بيزنطية تظهر قسطنطين الأول محاطًا بالبطاركة والأساقفة في مجمع نيقية الأول ويمسكون قانون الإيمان الذي صاغة المجمع.

أصبحت المسيحية في عام 380 الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية وقد سبقها في ذلك كل من أرمينيا وجورجيا وأثيوبيا. في عام 330 قام الإمبراطور قسطنطين بنقل العاصمة من روما إلى القسطنطينية، والتي أصبحت مركز المسيحية الشرقية ومركز حضاري عالمي، فأضحت أعظم مدن العالم في ذلك العصر.[69]

لكون المسيحية قد انفتحت على مختلف الحضارات والثقافات، كان لا بدّ لها من الانقسام، ليس فقط من ناحية الطقوس إنما من ناحية العقائد أيضًا، بنتيجة تنوع البيئات والمشارب لمعتنقيها،[70] لقد وجدت كنيسة القرن الرابع نفسها تواجه سيلاً من هذه الحركات التي دعيت في لغة الكنيسة الرسمية هرطقات؛[71] أغلب هذه الحركات كانت محدودة التأثير واضمحلت دون بذل جهد كبير.[72] لكن بعضها الآخر شكل قوة كالآريوسية، ما دفع لعقد مجمع مسكوني في نيقية عام 325 برئاسة الإمبراطور قسطنطين الأول والأسقف أوسيوس القرطبي.[73]

لا يعتبر مجمع نيقية المجمع الأول، إذ عقد قبله عدد كبير من المجامع الإقليمية غالبًا ما كان يرأسها أسقف المنطقة،[74] لكن مجمع نيقية هو المجمع المسكوني الأول أي أن أساقفة من جميع أنحاء العالم شاركوا به: حكم المجمع بهرطقة آريوس وحَرَمه بعد أن اعتقد بأن الابن كائن مخلوق غير مساوٍ للآب،[75] ووضع المجمع قانون الإيمان الذي لا يزال مستعملاً حتى اليوم؛[76] تأتي أهمية مجمع نيقية أيضًا لأنه وللمرة الأولى في تاريخ المسيحية تستخدم مصطلحات غير توراتية بشكل رسمي أمثال: نور من نور، إله حق منبثق من إله حق، مولود غير مخلوق؛ وهذه المصطلحات القادمة من فلسفة الرومان منحت الإيمان المسيحي تحديدات جديدة ووهبته مزيدًا من الدقة؛[72] كذلك فقد أقر المجمع نظام البطريركيات الخمس الكبرى ونظّم قواعد تعاملها مع بعضها البعض؛ وفي أعقاب المجمع أخذت الأديان الوثنية بالتقهقر والتراجع أمام المسيحية؛ وقد طبعت تلك المرحلة بطابع دموي من الحروب الأهلية والانقلابات خصوصًا في الإمبراطورية الرومانية الغربية، وأدى انعدام الأمن إلى انتشار الاضطهادات الدينية:[77] مارست المسيحية الاضطهاد تجاه الوثنية ويمكن الأخذ بتجربة البطريرك أثناسيوس الاسكندري في مصر مثالاً على ذلك،[78] ومورست على المسيحية الاضطهادات كما فعل الإمبراطور جوليان من خلال مرسوم حظر التعليم على المسيحيين سنة 362 والذي افتتح معه موسمًا جديدًا من الاضطهاد؛[79] لكن وعلى صعيد آخر فإن العمارة المسيحية وفن رسم الأيقونات وكذلك الموسيقى قد بلغوا شأنًا في كنيسة القرن الرابع؛ إضافة إلى أن من يسميهم جورج مينوا أساطين الكنيسة ظهروا في تلك الفترة: باسيليوس الكبير،[80] جيروم،[81] إمبروسيوس،[82] يوحنا الذهبي الفم،[83] مارون الكبير،[84] سمعان العمودي،[85] أفرام السرياني،[86] أوغسطينوس،[87] وأغلب هذه الشخصيات حازت على لقب قديس في الكنيسة.

الطيف المسيحي بين القرنين الخامس والسابع، يظهر معتقدات كنيسة المشرق (أزرق فاتح) والكنائس الميافيزية (أحمر فاتح) والكنائس الغربية (بنفسجي فاتح.)

وفي سبيل استكمال تنظيم البنية الإدارية للكنيسة عقد مجمع القسطنطينية الأول سنة 381 والذي كان من أعماله أيضًا إدانة أبوليناروس أسقف اللاذقية الذي اعتقد بأن ألوهية المسيح قد حلت مكان روحه العاقلة،[88] وبعد أقل من نصف قرن انعقد مجمع مسكوني آخر في أفسس سنة 431 حرم نسطور الذي آمن بالثالوث الأقدس لكنه اعتقد أن الابن الموجود منذ الأزل هو غير يسوع، وأن هذا الابن الأزلي قد حلّ في شخص يسوع عند عماده وبالتالي فقد علّم نسطور وجود شخصين في المسيح ودعا العذراء والدة المسيح وليس والدة الله،[89] وقد تعرض أتباعه لاضطهادات شديدة؛ وبعد ثمان سنوات فقط في سنة 439 انعقد مجمع آخر في أفسس يدعوه الأرثوذكس المشرقيون مجمع أفسس الثاني في حين يرفض الكاثوليك والروم الأرثوذكس الاعتراف به،[90] انعقد هذا المجمع بشكل رئيسي لتحديد صيغة إيمان نهائية لطريقة اتحاد طبيعتي المسيح البشرية والإلهية في شخصه، وأقر نظرية البطريرك كيرلس الأول الاسكندري، التي وجدت أن النتيجة الطبيعية لاتحاد طبيعتين هي طبيعة واحدة دون الخلط بخصائص الطبيعتين.[91]

ولكن هذه العقيدة تمت معارضتها في روما والقسطنطينية، اللتين دعتا إلى مجمع آخر سنة 451 هو مجمع خلقيدونية الذي أعاد تنظيم علاقة البطريركيات ببعضها البعض وأقر صيغة البابا ليون الأول القائلة بأن طبيعتي المسيح رغم اتحداهما قد لبثتا طبيعتين بشكل يفوق الوصف كاتحاد النور والنار،[92] وألغى المجمع المذكور مقررات المجمع السابق وسحب شرعية الاعتراف به، فحصل الانقسام الثاني في الكنيسة وتشكلت عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية مع رفض أعضائها قبول مقررات المجمع الخلقيدوني، ورغم هذا فإن الانقسام النهائي الإدراي لم يتم حتى العام 518 عندما عزل بطريرك أنطاكية ساويريوس لكونه من أصحاب الطبيعة الواحدة،[93] في مجمع محلي عقد في القسطنطينية، أعقبه رفض البطريرك لهذا القرار وانتقاله إلى مصر حيث أدار جزءًا من الكنيسة في حين أدار بطريرك خليقدوني القسم الآخر منها، وما حصل في أنطاكية حصل أيضًا في الإسكندرية.[94]

شكّل أصحاب الطبيعة الواحدة أو المونوفيزيون قاعدة شعبية كبيرة في مصر، الحبشة، أرمينيا وبدرجة أقل في سوريا والهند، وعانوا من شتى أنواع الاضطهاد على يد الإمبراطورية البيزنطية لكن الاضطهاد لم يأت بالثمار المرجوة بل عمّق الشرخ الحاصل في الإمبراطورية بين الفئتين، ولم يحسم الأباطرة الرومان موقفهم من المجمع إذ توالى على العرش عدد من الأباطرة الذين وقفوا إلى جانب مجمع خلقيدونية وآخرون وقفوا ضده، وهؤلاء الأباطرة قادوا اضطهادات ضد الخليقدونيين في الإمبراطورية؛[95] حاول الامبراطور جستنيان الأول توحيد الطرفين وعقد مجمع القسطنطينية الثاني سنة 553 في سبيل ذلك،[96] لكنه فشل بل اتجهت الأمور نحو الأسوأ مع تدخل الإمبراطورية الفارسية التي استطاعت أوائل القرن السابع فتح سوريا والعراق،[97] وتبنت في مجمع قسطيفون الطبيعة الواحدة مذهبًا لها.[98]

البابا يتوج شارلمان، لوحة لرافائيل تعود للقرن السادس عشر.

استطاع الإمبراطور هرقل استعادة ما خسره سنة 622 وأقر عقيدة جديدة هي المونوثيلية: طبيعتين في مشيئة واحدة كحل وسط بين معتنقي عقيدة الطبيعتين ومعتنقي عقيدة الطبيعة؛[99] لكن أصحاب الطبيعة الواحدة رفضوا الصيغة الجديدة ما افتتح عهدًا جديدًا من الاضطهادات الشديدة، لكنها لم تطل بسبب دخول المنطقة بيد الجيوش الإسلامية القادمة من شبه الجزيرة العربية، ويرى عدد من الباحثين أن المسيحيون العرب دعموا عملية الفتح،[100] خصوصًا الغساسنة والمناذرة وكذلك فعل المسيحيون السريان، في حين أن سكان المدن السورية على نهر الفرات فتحوا أبواب المدن مهللين للفاتحين الجدد، وكذلك فعل مقاتلوا الجيش البيزنطي في معركة اليرموك.[101][102]

في العام 681 انعقد مجمع القسطنطينية الثالث الذي حكم بهرطقة صيغة هرقل المونوثيلية[103] مثبتًا صيغة الطبيعتين والمشيئتين في المسيح؛ أما في الغرب المسيحي فقد كان الوضع أكثر هدوءًا، مع فعالية حركات التبشير في نشر المسيحية شمال فرنسا وألمانيا؛ كذلك فقد وصلت المسيحية إلى إنكلترا وإيرلندا على يد القديس باتريك،[104] وأدخل الأخوين كيرلس وميثوديوس المسيحية بين الشعوب السلافية، ثم اعتنقت روسيا المسيحية في القرن التاسع؛ وطبعت تلك المرحلة بتأسيس الرهبنات الكبرى كالرهبنة البندكتية والرهبنة الأوغسطينية اللتين أثرتا عميق التأثير في المجتمع الغربي، ورعتا عملية التقدم العلمي إذ كانت الأديار جامعات ومدارس أوروبا الوحيدة،[105] كذلك برز دير كلوني في تنظيم السياسة الداخلية للكنيسة وتحديد دور العلمانيين فيها.[106]

شهد تنصّر ستيفين الأول ملك المجر مرحلة تاريخيَّة هامة لدول أوروبا الوسطى، حيث يعتبر أول ملك للمجر (1000-1038). وقد عمل على نشر وترسيخ المسيحية بشكل كبير في المجر، سلوفاكيا، ترانسيلفانيا، كرواتيا وشمال صربيا. في عام 988 دخلت المسيحية كييف روس وانتشرت وفق المذهب الأرثوذكسي، حيث أعتنق الأمير فلاديمير الأول المسيحية. وقد أصبح فلاديمير فيما بعد قديسًا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وأصبحت الأخيرة والدولة مرتبطة دائمًا ارتباطًا وثيقًا. وتعتبر فرنسا أول دولة حديثة تعترف بها الكنيسة، وأَطلقت الكنيسة عليها لقب "الإبنة الكبرى للكنيسة"؛ وقد تم الإعتراف بكلوفيس الأول ملك الفرنجة، من قبل البابوية باعتباره حامي مصالح روما. وتبعًا لذلك، حمل ملوك فرنسا لقب ملك المسيحية (باللاتينية: Rex Christianissimus).

إن مشاكل المسيحية الغربية في تلك الفترة تمثلت بالكوارث الطبيعية والفقر المدقع الذي كان يعيش به السكان في ظل نظام إقطاعي شديد، إلى جانب انتشار الأمية،[107] كذلك النزاعات المستمرة التي تحولت إلى حروب بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة والبابوات،[108] إلى جانب حرب الأيقونات التي اندلعت سنة 726 والتي انعقد في إثرها مجمع نيقية الثاني سنة 787،[109] بطلب من الإمبراطورة إيريني وأقر المجمع إعادة الأيقونات إلى الكنائس بعد أن كان الإمبراطور ليون الثالث قد أصدر مرسوم تحطيمها.[110]

أحد الأديار الأرمنية القديمة من القرن السابع مقابل جبل أرارات، تعتبر أرمينيا أول الممالك التي تحولت بالكامل إلى المسيحية.

عرفت الكنائس المسيحية الشرقية ازدهارًا سياسيًا فارتبطت بعض الكنائس المسيحية الشرقية في السياسية، فمثلًا حصلت كل من سلالة السليمانيين في أثيوبيا وأسرة بجرتيوني في جورجيا على الشرعية من كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية والكنيسة الجورجية الرسولية الأرثوذكسية، باعتبارهم من سلالة الملك داود وسليمان، وبالتالي عرفت الكنيسة والدولة ارتباطًا وثيقًا في كل من إثيوبيا وجورجيا. كما وعاشت إمبراطورية بيزنطية عصرها الذهبي خاصًة تحت حكم الأسرة المقدونية حيث دعي عصرهم بعصر النهضة المقدونية ففي عهدهم مرت الامبراطورية البيزنطية بنهضة ثقافية وعلمية وكانت القسطنطينية في عهدهم المدينة الرائدة في العالم المسيحي من حيث الحجم والثراء والثقافة. فقد كان هناك نمو كبير في مجال التعليم ممثلة بجامعة القسطنطينية ومكتبة القسطنطينية وجرى الحفاظ على النصوص القديمة وإعادة نسخها. كما ازدهر الفن البيزنطي وانتشرت الفسيفساء الرائعة في تزيين العديد من الكنائس الجديدة، وفي عصر الكومنينيون تجدد الإهتمام بالفلسفة الإغريقية الكلاسيكية، بالإضافة إلى تزايد الناتج الأدبي باليونانية العاميًّة. احتل الأدب والفن البيزنطيان مكانة بارزة في أوروبا، حيث كان التأثير الثقافي للفن البيزنطي على الغرب خلال هذه الفترة هائلًا وذو أهمية طويلة الأمد.

أيقونة مريم العذراء تتوسط يوحنا الثاني كومنين وإيريني؛ تعود لعصر النهضة المقدونية.

وقد تأسست في الشرق المسيحي العديد من المدارس التي علّمت اللاهوت والفلسفة والتي أضحت من أهم معاهد التعليم الديني في العالم المسيحي الشرقي. منها على سبيل المثال لا حصر مدرسة الإسكندرية التي أسسها مرقس، والتي أصبحت من أهم معاهد التعليم الديني في المسيحية. تعلّم في هذه المدرسة كثير من الأساقفة البارِزين من مختلف أنحاء العالم، كما درّس فيها العديد من العلماء المسيحيين وآباء الكنيسة؛ ومن المدارس اللاهوتية يُذكر أيضًا مدرسة مدرسة نصيبين (بالسريانية: ܐܣܟܘܠܐ ܕܢܨܝܒܝܢ)، وهي مدرسة لاهوتية مسيحية سريانية نشأت في مدينة نصيبين (حالياً في تركيا). وكانت للمدرسة حينئذ ثلاث أقسام تهتم باللاهوت والفلسفة والطب. في حين يرجع تاريخ تأسس مدرسة الرها (بالسريانية: ܐܣܟܘܠܐ ܕܐܘܪܗܝ)، وهي إحدى المدارس اللاهوتية ذات المكانة المرموقة في العلوم الدينية المسيحية، إلى القرن الثاني الميلادي من قبل سلالة الأباجرة الذين حكموا مدينة الرها (شانلورفا حاليًا)، وتعد بذلك أقدم مدرسة لاهوتية مسيحية. وكان أفرام السرياني من أبرز من علّموا فيها، حيث كانت له صومعة بمدينة الرها؛ غير أنه نزح عنها بعد سقوطها بيد الساسانيين سنة 363 إلى مدينة نصيبين فأسس فيها مدرسة نصيبين.[111] كُتبت في هذه المدرسة أطروحات أفراهاط (بالسريانية: ܐܦܪܗܛ) بأوائل القرن الرابع والتي تتميز بخلوها من التأثيرات اليونانية، والنسخة السريانية من إنجيل الدياسطرون.[112] ومن المدارس التي تركت تأثيراً على اللاهوت المسيحي الشرقي مدرسة جنديسابور التي أفتتحت لتدريس الطب، والفلسفة، واللاهوت والقانون الكنسي وعرفت بكثرة علماء الدين واللاهوتيين فيها، الذين تركوا مؤلفات هامة حول الدراسات المسيحية والليتورجيا.[113]

تلى ذلك في العام 800 تتويج البابا ليون الثالث بتتويج شارلمان إمبراطورًا للإمبراطورية الرومانية المقدسة مفتتحًا بذلك عهدًا جديدًا من العلاقات بين الإمبراطورية والكرسي الرسولي؛ ولم تنته مرحلة الانشقاقات الكنسية إذ وقع عام 1054 الانشقاق العظيم عندما أعلنت بطريركية القسطنطينية انفصالها عن روما في أعقاب وفاة البابا ليون التاسع،[114] إن هذه الانقسامات وإن كانت ذات بعد ديني لكن لا تغيب عنها الدوافع السياسية والاقتصادية:

   
مستخدم:Jobas/ملعب
إن الدعوات الفكرية التي انطلقت بدءًا من القرن الرابع، والتي اكتسبت طابعًا شعبيًا مريبًا، ليست مجرد أفكار مدرسية للترف الفكري، بل تحوي الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحركة لتلك الجماهير؛ لقد تفرد البيزنطيون بالسلطة وأرهقوا الشعب بالضرائب ولم يراعوا مشاعر سكان البلاد وتطلعاتهم، وكانوا أكثر تسامحًا مع الوثنيين من المسيحيين الآخرين، وفي جو كهذا يكون الجدل الديني هو المتنفس الوحيد والطبيعي للمثقفين في سبيل معارضة السلطة.

لقد كانت هذه الأفكار الفلسفية الماورائية حول طبيعة المسيح، وطرق تعامل الشعب معها، ردة فعل قومية ضد السيطرة البيزنطية وقد ارتدت قناعًا من أيدلوجية العصر أي الدين.[115]

   
مستخدم:Jobas/ملعب

عصر الإيمان وعصر النهضة (1054 إلى 1492)؛ (1492 إلى 1633)[عدل]

خلق آدم: أشهر أيقونات ميكيلانجيلو تزين سقف كنيسة سيستين في الفاتيكان.

رغم الانشقاق بين روما والقسطنطينية إلا أن زعامة العالم المسيحي استقرت بيد روما، فالإمبراطورية البيزنطية كانت تكفيها المشاكل الدائمة مع الدولة العباسية،[116] والمسيحيون في سوريا ومصر كانوا يعانون من اضطهادات بعض الخلفاء الشديدة أمثال المتوكل على الله العباسي والحاكم بأمر الله الفاطمي،[117] كذلك فإن الركود الفكري الذي ترافق مع تراجع الوضع الاقتصادي ونمو التعصب الديني عقب عهد المأمون جعل أي تجديد علمي في الدولة العباسية سواء للمسيحيين أم للمسلمين صعبًا،[118] ومع ذلك فقد برز السريان والنساطرة في الترجمة، العلوم، الفلك والطب فاعتمد عليهم الخلفاء.[119] ووصلت المسيحية بفضل جهود المبشرين من كنيسة المشرق إلى آسيا الوسطى والصين وكوريا وأقامت فيها أبرشيات.

ولم تكن سلطة كنيسة القرون الوسطى دينية فقط بل دنيوية أيضًا، تمثلت بالدولة البابوية التي ثبتت أركانها في القرن الحادي عشر؛ وتمثلت أيضًا بالدور القيادي في السياسة الذي لعبه البابا كوسيط بين مختلف ملوك أوروبا،[120] إن قوة الكنسية السياسية، فضلاً عن وضع المسيحيين المتردي في الشرق، ورغبة أمراء أوروبا توسيع أملاكهم وثراوتهم والكف عن الاقتتال الداخلي، جعل المناخ ملائمًا لنشوء الحملات الصليبية التي دعا إليها البابا أوربانوس الثاني سنة 1094 خلال مجمع كليرمونت جنوب فرنسا،[121] وانطلقت في إثره الحملة الصليبية الأولى التي استطاعت احتلال الساحل السوري إضافة إلى لبنان وفلسطين ومناطق من تركيا والأردن ومصر.

أما الحملة الصليبية الثانية كانت ردًا على سقوط الرها،[122] والحملة الصليبية الثالثة كانت ردًا على سقوط القدس،[123] أما الحملات التالية جميعًا فكانت ذات أثر محدود، فاحتلت الحملة الصليبية الرابعة القسطنطينية، واستطاعت الحملة الصليبية السادسة استعادة القدس زمنًا قليلاً،[124] في حين توجهت سائر الحملات إلى مصر، لكنها لم تستطع المكوث فيها طويلاً؛[125] ولم تكن الحقبة الصليبية حقبة صراع دائم، فقد كانت أيضًا مرحلة تمازج ثقافي وانفتاح حضاري بين الشرق والغرب.[126]

أيقونة التجلي لرافائيل: تعتبر منعطف في تاريخ الرسم في عصر النهضة.

سقطت آخر أملاك الصليبين في المشرق بسقوط عكا سنة 1291 وبدأت حروب استعادة الأندلس،[127] ولم تنته إلا بسقوط غرناطة سنة 1492،[128] ولم تكن العلاقات مع الأندلس أيضًا علاقة حروب بشكل دائم، إذ تعرفت أوروبا ومثقفيها وهم جميعًا من الرهبان على الفلسفة اليونانية والرومانية ومؤلفات ابن رشد وابن خلدون وغيرهما عن طريق الأندلس، ما أدى إلى حركة تطور علمي نشطة قادتها الكنيسة:

   
مستخدم:Jobas/ملعب
إن الأساقفة ورؤساء الأديرة والرهبان بل البابا عينه لم يتردووا في التماسهم من الإغريقيين الوثنيين، ومن اليهود الذين قتلوا الله، ومن المسلمين غير المؤمنين، قطعًا من العناصر المعقدة الهائلة للمعرفة؛ ويسعنا الحديث دون أن مبالغة عن ثورة عملية قادتها الذهنية الكاثوليكية في القرن الحادي عشر.[129]
   
مستخدم:Jobas/ملعب
مدخل إحدى الكاتدرائيات القوطية من عصر النهضة.

كما أن الثروات التي تدفقت على أوروبا من جراء نجاح الفتوح في إسبانيا ساهمت في تحسين الوضع الاقتصادي،[130] كذلك الحال بعيد اكتشاف العالم الجديد سنة 1492 الذي افتتح معه عصر النهضة في أوروبا وعصر التبشير في أمريكا؛ وغالبًا ما كانت الحملات الاستكشافية تتم بمباركة الفاتيكان ما أدى إلى تدفق الذهب نحو إيطاليا، وتحولت بالتالي روما، فلورنسا وجنوا إلى عواصم النهضة الأولى،[131] التي سرعان ما عمّت أوروبا، وأخذت بشكل خاص طابع الجامعات والمدارس والمستشفيات والنوادي الثقافية؛ وتطورت تحت قيادة الكنيسة مختلف أنواع العلوم خصوصًا، الفلك،[131] والرياضيات،[132] والتأثيل،[133] والفلسفة،[131] والبلاغة،[133] والطب،[134] والتشريح،[135] والفيزياء خصوصًا الأرسطوية (أي المنسوبة إلى أرسطو[136] والفيزياء المكيانيكية خصوصًا أدوات الحرب،[133] والكيمياء، والجغرافيا، والفلسفة، وعلوم النبات والحيوان،[133] إلى جانب فن العمارة الذي بلغ شأوًا في عصر النهضة وتبدو كاتدرائيات تلك الحقبة وعلى رأسها كاتدرائية القديس بطرس وسائر مباني الفاتيكان خير مثال على ذلك، وقد بدء ببناء الفاتيكان سنة 1513،[133] أيضًا نشط فن الرسم والنحت واحتكر الفاتيكان أغلب الفنانين: ليوناردو دافنشي، ميكيلانجيلو، رافائيل وغيرهم.[137]

افتتاح مجمع ترنت في كاتدرائية "ماريا ميجوري"، أي مريم الكبرى.

على صعيد الكنيسة العقائدي، تماشيًا مع التطور العلمي، تمت عقلنة الطقوس والعقائد المسيحية، وهكذا أصبحت نظرية أرسطو حول الجوهر والشكل أساس سر القربان الأقدس، وكان توما الإكويني، العالم اللاهوتي والفيلسوف، باب تنظيم العقائد المسيحية في ضوء الفلسفة، لذلك حتى المجمع الفاتيكاني الثاني في القرن العشرين قد استشهد به،[138] وعقدت في الكنيسة حتى القرن الخامس عشر خمسة مجامع، انعقد أربعة منها في لاتران ودعووا المجمع اللاتراني، في حين انعقد الخامس في كونستانس واضعًا نهاية للانشقاق البابوي،[139] وتابعت المنظمات الكبرى داخل الكنيسة في الظهور، فتأسست في القرن السادس عشر سائر الرهبنات الكبرى، الفرنسيسكانية والدومنيكانية،[140] واليسوعية[141] إضافة إلى رهبنة فرسان مالطة[142] والقديس يوحنا الأورشليمي؛ لقد سيطرت هذه الرهبنات على عملية التقدم والتطوير في الكنيسة كذلك سيطرت على النخبة في ذلك العصر.[136]

القاعة الرئيسية لمكتبة الفاتيكان، وهي إحدى أقدم وأكبر المكتبات في العالم وتحوي مجموعة مخطوطات تاريخية مهمة.

على الرغم من هذا الازدهار فلم يكن العصر خاليًا مما يؤرق أوروبا: استطاعت الدولة العثمانية فتح القسطنطينية سنة 1453 وسقطت الإمبراطورية البيزنطية،[143] وتحول ثقل الكنيسة الأرثوذكسية إلى روسيا؛ كذلك فإن الثروات المتدفقة على الغرب أدت إلى انتشار الرشوة والفساد الأخلاقي في الكنيسة وإلى سيطرة بعض العائلات مثل آل ميديشي على الكرسي الرسولي،[144] ما أدى إلى ظهور ما يشبه عوائل مالكة تحتفظ بالكرسي الرسولي، وغالبًا ما يشار إلى تلك الفترة بفساد ثلاثة بابوات: ألكسندر السادس وعشيقاته وفساد عائلته آل بورجيا،[145] يوليوس الثاني وشبقه للحروب وليون الخامس وولعه في البناء،[146] في سبيل ذلك استحدث صكوك الغفران6؛ ما أدى إلى نشوء، حركة مارتن لوثر في ألمانيا الذي إنشق عن الكنيسة الكاثوليكية مؤسسًا البروتستانتية،[147] في عام 1517 قام مارتن لوثر بوضع قائمة بالاعتراضات على ممارسات الكنيسة الكاثوليكية وقد شرحها في 95 بند، فكانت تلك نقطة انطلاق الإصلاح بروتستانتي في أوروبا فانتشرت البروتستانتية في أوروبا الشمالية ما أدى إلى ظهور عدد من المصلحين كان أبرزهم جان كالفن مؤسس الكالفينية، التي تعتمد النظام المشيخي، يان هوس وجون سميث مؤسس حركة المعمدانية التي ظهرت بتأثير حركة تجديدية العماد، [148] في عام 1534 أعلن هنري الثامن ملك إنجلترا نفسه رئيس كنيسة إنجلترا وذلك بعدما رفض البابا ترخيص طلاقه من كاثرين أراغون، ما أدى إلى تأسيس الكنيسة الأنجليكانية التي تعتمد النظام الأسقفي.[149] وأدى انتشار البروتستانتية إلى انعقاد مجمع ترنت سنة 1545، تلاه سيطرة المحافظين على الكرسي الرسولي منذ وفاة البابا جول الثالث سنة 1555،[150] ما أدى إلى تراجع دعم الكنيسة للعلوم، ومن ثم نشأت محاكم التفتيش(انظر الهامش)7 في إيطاليا وكانت قد سبقتها في إسبانيا؛ شملت أهدافها الموريسكيون واليهود والبروتستانت.[151][152][153] كما حاولت الكنيسة من خلالها فرض رقابة على الحركة العلمية، مما أدى إلى إدانة جاليليو جاليلي سنة 1633، الذي دافع عن نظرية مركزية الشمس، قائلاً أنها لا تعارض ما ورد في النصوص الدينية.[154] وهي قضية تصفها الكنيسة اليوم بالمؤسفة،[155] رغم أن الفكرة التي ادين جاليلي بسببها وهو مركزية الشمس كانت قد ظهرت أولاً على يد كوبرنيك واستقبلت بحفاوة في بلاط البابا بولس الثالث سنة 1543،[156] ما يعكس تأثير الوضع السياسي على الكنيسة.

الكنيسة حتى القرن العشرين (1633 إلى 1917)[عدل]

إحدى الكنائس الكاثوليكية في الصين: كان اليسوعيون أول من بشّر خلال العصور الحديثة في الصين بدءًا من أواخر القرن السادس عشر.

كان نشوء البروتستانتية السبب الرئيس لاندلاع عدة حروب أهلية في أوروبا: ففي إنجلترا اضطهد البروتستانت الكاثوليك، ولم يكن الحال بأحسن في فرنسا حين اندلعت حرب أهلية بين الطرفين سنة 1562 تلتها مذبحة البروتستانت عام 1572؛[157] وبصرف النظر عن العامل الديني، كانت هذه الحروب أيضًا صراع على السلطة بين بيت جيز الكاثوليكي وآل بوربون الداعمين للبروتستانت؛ ومع بداية القرن السابع عشر دمرت حرب الثلاثين عاما التي اندلعت سنة 1618 أوروبا وهي تنتقل من دولة إلى دولة حاملة أبعادها الدينية؛ وقد تحارب في ألمانيا الكالفينيون واللوثريون وكلاهما من البروتستانت بحرب طاحنة.[158]

في الوقت نفسه كانت الدولة العثمانية قد بلغت أوج قوتها بقيادة سليمان القانوني وأخذت أوروبا الشرقية بالتساقط بيد العثمانيين حتى توقف التمدد العثماني على أبواب فيينا سنة 1683؛[159] وبلغت حركات التبشير الكاثوليكية التي قادها يسوعيون أقاصي آسيا: فوصلت البعثات التبشيرية إلى الصين واليابان وأسست الكنيسة الكاثوليكية أولى معاقلها في الهند عام 1656،[160] كذلك فقد أخذت هذه البعثات تتجه نحو الإمبراطورية العثمانية في سبيل ضم الطوائف المسيحية الشرقية إلى الكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي مهد ظهور الكنائس الكاثوليكية الشرقية،[161] وأدت الحركة الديبلوماسية النشطة مع اسطنبول إلى نشوء نظام الامتيازات الأجنبية بدءًا من عام 1563 ثم ألحق به نظام حماية الأقليات الدينية بدءًا من عام 1649.[162]

كاتدرائية الوردية المقدسة في لورد، فرنسا حيث يعتقد الكاثوليك أن مريم العذراء ظهرت قائلة: أنا سيدة الحبل بلا دنس.[163]

أخذت النزعات القومية بالظهور في أوروبا خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، ممثلة باستقلالية الملوك الكاثوليك عن البابوية وترافقت هذه الحركات بظهور عدد من المفكرين الملحدين خصوصًا في إنجلترا[164] وهولندا التي تبنت إثر استقلالها عن إسبانيا، الكالفينية كمذهب رسمي وتبنت نظامًا ليبراليًا ما جعلها بنوع خاص موئلاً لمختلف الأقليات المضطهدة خصوصًا اليهود.[165]

خلال القرن الثامن عشر نضجت الأفكار القومية والإلحادية في أوروبا، وتزامنت مع تجربتين لهما عميق التأثير في المسيحية: التجربة الأولى ممثلة بقيام الولايات المتحدة الإمريكية سنة 1789: كانت الولايات المتحدة مزيجًا من طوائف بروتستانتية عديدة لا تنظمها سلطة مركزية، لذلك فقد كان اعتماد إحدى هذه الطوائف دينًا للدولة أو لإحدى الولايات سيؤدي إلى مشاكل عديدة تؤثر على حالة الاتحاد الفدرالي لذلك كان لا بدّ من فصل الدين عن الدولة، وبالتالي كان الدين السبب الرئيس في خلق أول جمهورية علمانية،[166] لقد وجد المسيحيون الأمريكيون، خصوصًا الواسب،[167] النظام الجديد بما يتيحه من حرية إنجاز الله تمامًا كما حصل مع موسى وداوود وفق الكتاب المقدس، فرغم علمانيتهم ظل الإمريكيون مخلصين لمسيحيتهم؛[168] التجربة الثانية كانت الثورة الفرنسية سنة 1789 والتي قامت تحت شعار حقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة، لكن التجربة الفرنسية وعلى عكس التجربة الإمريكية كانت هجومية ومضادة للكنيسة: احتلّ نابليون الأول إيطاليا وعامل الفاتيكان بقسوة، وثبتت الاتفاقية الموقعة بينه وبين الكرسي الرسولي سنة 1801 ما قامت به الجمهورية الفرنسية الأولى من مصادرة أملاك الأوقاف بما فيها الكنائس والأديرة وإخضاعها لسلطة الدولة الفرنسية، كذلك فقد أصبح تعيين الأساقفة والكهنة وإدارة شؤونهم بيد السلطات الفرنسية وليس بيد الفاتيكان، بمعنى آخر قطعت جميع أواصر العلاقة بين الكنيسة في فرنسا وبين الكرسي الرسولي.[169]

أخذت الأمور بالتحسن عقب سقوط نابليون الأول وعودة الملكية، لكن المسيحية لن تسترجع ما كانت عليه حتى عام 1905؛[170] وقد رافق القرن التاسع عشر، انتشار الحركات والفلسفات الإلحادية العديدة، فظهر هيغل وكانط وكارل ماركس ثم داروين وجان جاك روسو ونيتشه الذي أعلن موت الله،[171] فبدا أن المسيحية في أوروبا ستنهار، لكنها استطاعت الصمود، وشهدت بداية القرن العشرين أفولاً لهذه الفلسفات.[172] كما أن حركة التحديث المسيحية قد طفقت تنمو، وبرزت المسيحية الليبرالية في مقابل المسيحية الأصولية، والدراسات الكتابية الحديثة، وتطور العقيدة الاجتماعية ودور المجتمع في الحالات الخاصة، وتكاثر المنظمات العلمانية الكنسيّة وتقلص دور وحجم الإكليروس، إلى جانب حركة تحديث طقسي ومجمعي أيضًا عبر المجمع الفاتيكاني الأول.

في الشرق وخلال القرن التاسع عشر، كان لبنان ومسيحييه يقودون النهضة القومية العربية،[173][174] وقد انتقل بعض هؤلاء المفكرين ذوي الأغلبية المسيحية من سوريا ولبنان إلى القاهرة والإسكندرية التي كانت في ظل الخديوي إسماعيل المكان الأكثر انفتاحًا في الدولة العثمانية؛[175] كذلك فقد استقر بعض هؤلاء في المهجر،[176] لقد أطلق هؤلاء المسيحيون بصحفهم وجمعياتهم الأدبية والسياسية النهضة العربية في القرن التاسع عشر والتي سرعان ما اتسعت لتشمل أطياف المجتمع برمته.[177][178] وقد سطع أيضًا نجم عدد وافر من الشخصيات المسيحية العربية في الوطن العربي والمهجر في مناصب سياسية واقتصادية بارزة، كما ولا يزال للطوائف المسيحية، دور بارز في المجتمع العربي، لم ينقطع، لعلّ أبرز مراحله النهضة العربية في القرن التاسع عشر، كما لهم اليوم دور فاعل في مختلف النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.[179]

في روسيا كانت الكنيسة الأرثوذكسية مؤسسة قوية، فقد أعاد الأباطرة الروس من أسرة رومانوف، حماة المذهب الأرثوذكسي، الثنائية التقليدية في قيادة الكنيسة بينهم وبين البطاركة،[180] واستطاعت الإمبراطورية الروسية عن طريق تحالفاتها مع سائر الدول الأوروبية استعادة اليونان ومنحها الاستقلال عام 1838؛ ثم أخذت سائر الدول المسيحية في أوروبا الشرقية بنيل استقلالها عن الدولة العثمانية الواحدة تلو الأخرى بين عامي 1812 و1881؛[181] واستحدثت متصرفية جبل لبنان سنة 1861 بعيد المذابح بين الموارنة والدروز في الجبل والتي سرعان ما انتشرت حتى وصلت دمشق بين المسلمين والمسيحيين؛[182] وكان كاثوليك الدولة العثمانية قد وضعوا تحت حماية فرنسا والنمسا، إذ أعتبر آل هابسبورغ حكام الإمبراطورية النمساوية حماة الكاثوليكية، في حين وضع الأرثوذكس تحت حماية روسيا وقامت إنجلترا بحماية البروتستانت.[182]

تجمّع ديني لأتباع المذهب المثيودي خلال الصحوى الكبرى.

على الصعيد العقائدي، فقد أعلنت الكنيسة الكاثوليكية سنة 1856 عقيدة الحـُبل بها بلا دنس تلاها تثبيت ظهور مريم العذراء في بلدة لورد الفرنسية، حسب المعتقدات الكاثوليكية؛ ثم انعقد المجمع الفاتيكاني الأول سنة 1868 خلال حبرية البابا بيوس التاسع؛[183] والذي شهدت حبريته أيضًا زوال الدولة البابوية وانضمامها إلى مملكة إيطاليا سنة 1870.[184]

تميزت تلك الفترة أيضًا بميلاد الكنائس القومية المستقلة كما هو الحال في السويد والنرويج وهولندا وإنكلترا حيث يكون الملك رأس الكنيسة، وتسمى هذه الكنائس بالكنائس البروتستانتية الأسقفية:[185] إذ إنها تقر بالقداس الإلهي والأسرار السبعة المقدسة وسائر عقائد الكنيسة الكاثوليكية بوجه الخصوص، بيد أنها تجعل من الملك رئيسًا لهذه الكنيسة بدلاً من البابا، وغالبًا ما تكون سلطة الملك فخرية في حين يتولى رئيس أساقفة معين من قبل الملك شؤون الإدارة الفعلية.[186] كما عرفت هذه الفترة حركة صحوة دينية في الكنائس البروتستانتية بدأت في أوروبا ثم سرعان ما انتشرت في الولايات المتحدة الإمريكية وقد دعيت بالصحوة الكبرى. وقد دعت حركة الصحوة على أهمية الورع والتقوى الشخصية والأخلاق بوصفها تعبيرًا حقيقيا عن العقيدة،[187] ومن أبرز الحركات التي نشأت من الصحوة الميثودية التي تأسست على يد الأخوين تشارلز وجون ويزلي، المورمونية، الإنجيلية والخمسينية.[188] كما وظهرت حركة الإنجيل الشعبي والتي هدفت للقيام بأعمال خيريه لمساعدة الفقراء وكانت أبرز الحركات التي نشأت من حركة الإنجيل الشعبي كل من جيش الخلاص وجمعية الشبان المسيحيين.

حققت الإرساليات البروتستانتية انتشارًا واسعًا في أفريقيا وأوقيانوسيا وآسيا خاصًة الكنيسة المشيخية والأبرشانيَّة توّج ذلك في بتأسيس جمعية لندن التبشيرية التي كان لها أثر هام في وصول البروتستانية إلى الشرق الاقصى وأوقيانوسيا، وكان للإرساليات البروتستانتية الأثر الأكبر في ادخال الطب الحديث للصين خاصًة من خلال المبشرين أمثال الجراح روبرت موريسون والقس جون ليفينغستون.

واقع الكنيسة في عالم اليوم[عدل]

كاتدرائية أرثوذكسية في بلغاريا: عانى المسيحيون في أوروبا الشرقية من تعسف الاتحاد السوفيتي والشيوعية.

أثرّت الحرب العالمية الأولى وقيام الشيوعية سنة 1917 تأثيرًا سلبيًا على الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، وأدت إلى استقلال عدد من الكنائس التابعة لها،[189] ولم يكن تأثير الشيوعية السلبي منحصرًا عليها بل شمل الكنيسة الكاثوليكية أيضًا، بنتيجة تبني عدد من الدول ذات الغالبية الكاثوليكية للنظام الشيوعي ردحًا من الزمن. قادت الكنيسة الكاثوليكية، بنوع خاص خلال حبرية يوحنا بولس الثاني معارضة عالمية ضد الشيوعية انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي،[190] عانت الكنيسة الكاثوليكية أيضًا من مضايقات النظام الفاشي في إيطاليا، بيد أن توقيع اتفاقيات لاتران الثلاثة بين الكرسي الرسولي وإيطاليا الفاشية سنة 1929 خطوة هامة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، فقد أنهى المرحلة التي دعي خلالها البابوات سجناء روما وأوجدت الفاتيكان بالشكل المتعارف عليه اليوم.[191]

تبنت الكنيسة الكاثوليكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهورات العذراء في بلدة فاطمة البرتغالية،[192] وكانت الكنيسة قد أعلنت قبل ذلك عقيدة الوردية المقدسة[193] ومن ثم سنة 1950 عقيدة الانتقال،[194] ثم انعقد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1963 لمواكبة قضايا العالم المعاصر، وقد أصدر المجمع عدة دساتير تنظم دور البابا والأساقفة،[195] وتعيد رسم قواعد الحياة الرهبانية،[196] والحركات التبشيرية خصوصًا في آسيا وإفريقيا،[197] كذلك نظم المجمع مؤسسات العلمانيين الكنسيّة وسمح باستخدام اللغات المحلية بدلاً من اللغة اللاتينية في الطقوس، وأمر بإعادة دراسة هذه الطقوس وإجراء التعديلات اللازمة على بنيتها،[198] وأشار إلى أهمية الحوار مع الطوائف المسيحية الأخرى والأديان المختلفة.[199]

افتتاح أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1963.

على صعيد الكنائس الشرقية، فإنّ مذابحًا قد طالت الأرمن وسائر الطوائف المسيحية خصوصًا السريانية في شرق الأناضول وجنوبه وفي شمال العراق، وقد فاق عدد ضحاياها المليون ونصف مليون إنسان على يد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى،[200][201] بيد أن تركيا تنفي وقوع المجازر التي تؤكدها الأمم المتحدة؛[202] سوى ذلك فقد مرت الكنائس الشرقية بمرحلة مستقرة خلال القرن العشرين، مع الإشارة إلى مآسي الحرب الأهلية اللبنانية،[203] والخلاف بين الحكومة المصرية بقيادة السادات والكنيسة القبطية برئاسة البابا شنودة الثالث،[204] فضلاً عن ما يتعرض له المسيحيون في العراق[205] وإيران،[206][207] وهجرتهم من فلسطين،[208] ومنعهم من أداء طقوسهم في بعض الدول كالمملكة العربية السعودية إلى جانب المشاكل الثلاث التقليدية: قوانين منع تجنيس غير المسلمين في دول الخليج العربي،[209] حد الردة على من يتحول من الإسلام في جميع بلدان الشرق الأوسط العربية عدا لبنان، ومنع زواج المسيحي من مسلمة؛[210] لكن ومن ناحية ثانية فإن المسيحيون يحكمون وفق قوانين أحوال شخصية موافقة لشرائعهم في عديد من البلدان، كسوريا والعراق والأردن ولبنان، ولا يوجد مشاكل في استحداث كنائس جديدة أو جمعيات ومؤسسات مسيحية في عدد كبير من هذه الدول، وحتى الدول التي كان يمنع فيها سابقًا بناء كنائس كقطر؛ الإمارات أو الكويت؛[211] كما أن العلاقات بين مختلف القيادات الكنسية والحكومات تعتبر جيدة جدًا، ما يعكس بدوره العلاقات في القاعدة الشعبية.[210]

احتفالات يوم الشبيبة الكاثوليكية العالمي: لا تزال للكنيسة قوتها.

أما في إفريقيا والعالم الاسلامي[212] وآسيا خاصًة في الصين،[213] الهند، [213] كوريا الجنوبية،[213] اليابان،[213] سنغافورة[213] وتايلاند[213] فإن وضع الكنيسة في نمو، فالحركات التبشيرية تكتسب مزيدًا من المتحولين إلى المسيحية سنويًا،[213][214][215][216] وتعتبر المشاكل القائمة بين الصين والفاتيكان من خلال قطع الصين لعلاقات الكنيسة داخلها مع الفاتيكان وتعيينها للأساقفة وإدارتها للكنائس من أكبر مشاكل الكنيسة في آسيا حاليًا.[217]

أما في أمريكا اللاتينية، القارة ذات الغالبية الكاثوليكية، فقد ظهرت داخل الكنيسة الكاثوليكية حركة إصلاح دعيت بلاهوت التحرير، والتي ناضلت من أجل العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر والديكتاتورية والدفاع عن المظلومين.

الكنائس البروتستانتية كانت تعيش بهدوء بشكل عام خلال القرن العشرين في أوروبا، أما في الولايات المتحدة الإمريكية فقد كان الوضع مختلفًا، فقد ظهر شهود يهوه وأدفنتست الذين أنكروا ألوهية يسوع،[218] وأما اليمين الإنجيلي بشكل عام، فقد استطاع منذ سبعينات القرن الماضي السيطرة على الحزب الجمهوري وكان مسؤولاً عن تحديد رئيس الجمهورية منذ جيمي كارتر عام 1976، حتى جورج بوش الابن سنة 2000، رغم تعرضه لانتكاسة إثر فضيحة جيري فالويل.[219]

على صعيد العلاقات بين الطوائف المسيحية فقد خاض الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك في البلقان حرب أهلية طاحنة سنة 1992،[220] كما اندلعت أعمال عنف بين الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا الشمالية التي استمرت إلى أكثر من 25 سنة، حتى وضعت اتفاقية الجمعة الحزينة لإحلال السلام حدًا لها سنة1998.[221]

في مطلع القرن العشرين بدأت حركة تقارب بين الكنائس والطوائف المسيحية، حيث دعيت هذه الحركة باسم الحركة المسكونية، في سنة 1948 تأسس مجلس الكنائس العالميّ، وهي منظمة تعمل من أجل تقليل الاختلافات حول العقائد وتطوير الوحدة المسيحية، ويضم الآن الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية كما انضمت الكنيسة الكاثوليكية بصفة مراقب.[222]

مسيحيين أفارقة يؤدون الطقوس الدينية : تشهد مناطق جنوب الكرة الأرضية ازدياد في معدل نمو المسيحية.

في 28 فبراير 2013 استقال البابا بندكت السادس عشر نتيجة تقدّمه بالسن، ليكون أول بابا يستقيل منذ ستة قرون،[223] وقال بأن خطوته جاءت "لخير الكنيسة" معلنًا عنها في بداية فبراير مع بداية الصوم الكبير في المسيحية. وخلفه البابا فرنسيس بدءًا من 13 مارس 2013. ويعتبر البابا فرنسيس، أول بابا من العالم الجديد وأمريكا الجنوبية والأرجنتين، كما أنه أول بابا من خارج أوروبا منذ عهد البابا غريغوري الثالث (731 - 741).[224][225][226] وعُرف عنه على الصعيد الشخصي وكذلك كقائد ديني، التواضع ودعم الحركات الإنسانية والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الحوار والتواصل بين مختلف الخلفيات والثقافات ويحظى بشعبيّة في الأوساط المسيحيَّة والعلمانيَّة.[227]

تقف المسيحية بشكل عام اليوم، بوجه الإجهاض، الموت الرحيم وزواج المثليين جنسيًا، ما يجعلها من أكبر المؤسسات المدافعة عن الثقافة التقليدية والأخلاق التقليدية في المجتمع،[228] أما عن أبرز مشاكلها فإن تراجع عدد المنخرطين في سلك الكهنوت ونسبة المداومين على حضور الطقوس يعتبران من أكبر المشاكل؛[229] رغم ذلك فإن هذه المشاكل تنحصر في مناطق معينة، كفرنسا، ألمانيا وأستونيا أما في مناطق أخرى كإيرلندا، إسبانيا، إيطاليا، اليونان والبرتغال فضلاً عن الولايات المتحدة الإمريكية وأمريكا اللاتينية لا تزال هذه النسب مرتفعة.[230] يذكر أّن عدد من دول أوروبا الشرقية شهدت مع سقوط الإتحاد السوفياتي والأنظمة الشيوعية صحوة دينية كبرى منها روسيا ممثلة بالعلاقة الوثيقة بين الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وفلاديمير بوتين، بولندا، صربيا، رومانيا وبلغاريا.

الكتاب المقدس لدى المسيحيين[عدل]

نشوء الكتاب المقدس[عدل]

الكتاب المقدس
BiblenCh ubt.jpeg
أقسامه

العهد القديم · العهد الجديد

محطات كتابية

الوصايا العشر · ولادة عذرية
عظة الجبل · قيامة يسوع
الإرسالية الكبرى

دراسات

الوحي الكتابي · الأسفار
القانون الإنجيلي · أبوكريفا
التفسير · السبعينية · الترجمات

مسيحية

ينقسم الكتاب المقدس لدى المسيحيين إلى قسمين متمايزين هما العهد القديم والعهد الجديد.

أصل هذه التسمية تعود أن اللاهوتيين المسيحيين الأوائل رؤوا ما ذهب إليه بولس في الرسالة الثانية إلى كورنثس 14/3 بأن تلك النصوص تحوي أحكام عهد جديد، ما أدى في الوقت نفسه إلى إطلاق مصطلح العهد القديم على المجموعة التي كانت تسمى الشريعة والأنبياء وتشمل الكتاب المقدس لدى اليهود.[231] ويتكون العهد القديم من من ستة وأربعين كتابًا يطلق عليها اسم أسفار، وقد قسّمت أسفار العهد القديم حسب التقليد المسيحي إلى أربعة أقسام وفروع أولها التوراة التي تؤلف أسفار موسى الخمسة، ثم الأسفار التاريخية وأسفار الأنبياء و الحكمة؛ أما العهد الجديد فيحتوي على سبعة وعشرين سفرًا وهي الأناجيل القانونية الأربعة بالإضافة إلى أعمال الرسل وأربعة عشر رسالة لبولس وسبع رسائل لرسل وتلاميذ آخرين وسفر الرؤيا.[232] ومواضيع الأسفار مختلفة، فإن اعتبر سفر التكوين قصصيًا بالأولى، فإن سفر اللاويين تشريعيًا بالأحرى، أما المزامير فسفرٌ تسبيحي، ودانيال رؤيوي. تقبل الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية الأسفار القانونية الثانية، في حين أن الكنائس البروتستانتية فهي تتفق مع اليهودية في عدم قبولها.

صفحة من طبعة الكتاب المقدس للملك جيمس، وهي من أهم الأعمال الأدبية في الحضارة الغربية.[233]

إن الجماعة المسيحية الأولى، والتي انطلقت من بيئة يهودية وامتلكت قواسم مشتركة عديدة مع الديانة اليهودية، اعتبرت في البداية الشريعة والأنبياء المقدسة لدى اليهود، كتابها المقدس الوحيد،[231] وكانت الترجمة السبعينية لهذا الكتاب والتي أنجزها لاهوتيون يهود في الإسكندرية خلال القرن الثاني قبل الميلاد باللغة اليونانية النسخة الأكثر انتشارًا منه؛[231] ويعود سبب تقديس المسيحيين للعهد القديم إلى عدة أسباب: يسوع طلب ذلك صراحة،[234] ولأن نبؤات العهد القديم حول الماشيح قد تحققت في شخص يسوع حسب المعتقدات المسيحية، لذلك يلبث العهد القديم هامًا لتأكيد أن يسوع هو المسيح،[235] وكذلك لفهم البيئة التي نشأ منها يسوع، ويضاف إلى ذلك أن العهد القديم جزء من وحي الله.[236]

أما تأليف أسفار العهد الجديد، وضمها في بوتقة واحدة، فهو نتيجة تطور طويل معقد،[231] إذ يظهر العهد الجديد كمجموعة مؤلفة من سبعة وعشرين سفرًا مختلفة الحجم، وضعت جميعها باللغة اليونانية أواخر القرن الأول؛[237] إن السلطة العليا في أمور الدين كانت تتمثل لدى المسيحيين الأولين في مرجعين، العهد القديم، والمرجع الثاني الذي انتشر انتشارًا سريعًا وقد أجمعوا على تسميته الرب، ويشمل هذا المرجع على التعاليم التي ألقاها يسوع والأحداث التي تبين سلطته؛[237] لكن العهد القديم وحده كان يتألف من نصوص مكتوبة، أما أقوال يسوع وما كان يعظ به فقد تناقلتها ألسن الحفاظ شفهيًا، وربما وجدت بعض الوثائق المكتوبة لروايتي الصلب والقيامة أو بعض الأحداث الهامة الأخرى؛ ولم يشعر المسيحيون الأولون، إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة تدوين التقليد الشفهي،[237] فبدؤوا قرابة العام 120 بإنشاء العهد الجديد، مبتدئين بأسفار بولس نظرًا لما كان له من شهرة ولأنه أوصى بقراءة رسائله بنفسه،[238] وتشير كتابات آباء كنيسة القرن الثاني إلى أنهم يعرفون عددًا كبيرًا من رسائل بولس وأنهم يولونها مكانة الكتب المقدسة،[239] أيضًا فإن أقدم الإشارات التاريخية تعود للعام 140 تثبت أن المسيحيين يقرأون الأناجيل في اجتماعات الأحد وأنهم يعدونها مؤلفات الرسل أو أقله شخصيات تتصل بالرسل بشكل وثيق، وأنهم أخذوا يولونها منزلة الكتاب المقدس.[239]

إلى جانب ذلك، فإن الكتاب المقدس هو أقدم كتاب لم ينقطع تداوله في العالم، وأول كتاب تمت طباعته،[240] وأكثر كتاب يمتلك مخطوطات قديمة، والكتاب الأكثر قراءة وتوزيعًا في تاريخ البشرية،[240] والوحيد الذي ترجم لأغلب اللغات البشرية إذ ترجم لسحابة ألفي لغة، وطبع منه آخر قرنين ستة مليارات نسخة،[241] وأكثر كتاب صدر عنه دراسات وكتب وأبحاث جانبية، وأكثر كتاب أوحى برسم لوحات أو مقطوعات موسيقية أو شعر أو أدب أو مسرحيات أو أفلام أو سواها من الآثار البشرية.

الأناجيل المنتحلة[عدل]

من مخطوطات وادي قمران وتشمل سفر أشعياء 17/57 إلى 9/59.

بعد عام 150 مست الحاجة في الكنيسة إلى قاعدة شاملة تنظم المؤلفات الدينية حول يسوع، تمهيدًا لإدراجها ضمن قانون الكتاب المقدس، فكان المعيار المتبع صحة نسبتها إلى الرسل،[239] وبرزت الأناجيل الأربعة نظرًا لصحة نسبها إلى الرسل من ناحية ولما تحلّت به صفات تتطابق مع التقليد الشفهي، ومع رسائل بولس التي اعتبرت قبلاً أسفارًا مقدسة،[239] وحوالي عام 170 كان قانون العهد الجديد قد اكتمل وأضيف إليه سفر أعمال الرسل كمؤلف قانوني لكون مؤلفه هو لوقا مؤلف الإنجيل الثالث نفسه،[242] ثم ضمّ إلى القانون لاحقًا رؤيا يوحنا والرسالة إلى العبرانيين إضافة إلى رسائل يوحنا الثلاث ورسالتي بطرس فضلاً عن رسالة يهوذا ورسالة يعقوب،[243] وذلك بعد نقاشات طويلة حول صحة نسبتها، إذ لم ينته ضم جميع الأسفار حتى نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع.

أما تلك الكتب التي لم يثبت صحة نسبتها، فقدت تدريجيًا حظوتها في الكنيسة ولدى المسيحيين كأسفار مقدسة، كرسالة اقلمنضس الأولى ورؤيا بطرس ومؤلف الراعي لهرماس، ومؤلفات أخرى غيرها، وهذه المؤلفات كانت ذات انتشار في مناطق محدودة خصوصًا مصر،[242] لكنها دُعيت عقب رفضها في قانون الكتاب المقدس بالمنحولة والتي تعني باليونانية مخفية، وذلك لأنه لم يسمح بقراءتها خلال إقامة الشعائر الدينية وأمر أن تبقى خفية خلالها، إلا أنه قد أوصي بقراءتها في بعض الأحوال لحسن تأثيرها في الحياة المسيحية،[243] أما أناجيل الحق وتوما وفيليبس فقد رفضت لأنها مجرد أقوال محتواه في الأناجيل القانونية ولا تحوي شيئاً من رواية الأحداث، كما أن أغلبها قد وضع بعد فترة طويلة من سائر المؤلفات،[244] في حين رفضت أناجيل مريم ويعقوب والطفولة، لكونها أقرب إلى الرؤى والقصص الشعبية منها إلى الصيغ الواقعية، فضلاً عن التوسع في جانب معجزات الرسل بهدف تعظيم شأنهم،[244] أما إنجيل برنابا فلا يعتبر من الأناجيل المنحولة والكتب الأبوكفيرية، إذ إنه كتب أواخر القرن الخامس عشر على يد راهب تحوّل إلى الإسلام،[245] وبالتالي لا يعود للفترة الزمنية المبكرة ذاتها لسائر الأناجيل المنحولة، التي كتبت خلال القرن الثاني والقرن الثالث،[244] وهي على الرغم من رفضها ضمن قانون العهد الجديد إلا أنها تلبث هامة جدًا للباحثين بقصد دراسة الفكر الديني لدى المسيحيين خلال تلك الفترة.[244]

نص العهد الجديد[عدل]

إحدى نسخ العهد الجديد باللغة العربية ترقى للعام 1590 ومزودة بالرسوم والأيقونات.

إن مخطوطات العهد الجديد، والتي أنشئت في كثير من اللغات ليست كتابًا واحدًا بخط المؤلف نفسه بل هي نسخ أو نسخ النسخ للكتب الأصلية التي فقدت اليوم، إن أقدم النصوص المتوافرة للعهد الجديد ترقى إلى القرن الثالث وقد كتبت باللغة اليونانية على الرق،[246] ويعتبر المجلد الفاتيكاني أقدمها ويعود لحوالي العام 250 وسبب تسميته لأنه محفوظ في مكتبة الفاتيكان، وكذلك المجلد السينائي الذي يعود لحوالي العام 300 وقد أضيف إليه جزء من سفر الراعي لهرماس، وهو من محفوظات المتحف البريطاني في لندن وسبب تسميته اكتشافه في دير سانت كاترين في شبه جزيرة سيناء؛[246] غير أنه يوجد عدد كبير من البرديات والمخطوطات التي تعود أقدمها إلى بداية القرن الثاني وتظهر أجزاءً مختلفة متفاوتة الطول من العهد الجديد؛ إن نسخ وطبعات العهد الجديد ليست كلها واحدة بل تحوي على طائفة من الفوارق بعضها بقواعد الصرف أو النحو وترتيب الكلمات، لكن بعضها الآخر يتعلق بمعنى الفقرات،[246] إن أصل هذه الفروق يعود لأن نص العهد الجديد قد نسخ طول قرون عديدة وبلغات مختلفة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت، ما يؤدي حكمًا إلى أخطاء عديدة في النسخ، سوى ذلك فإن بعض النساخ حاولوا أحيانًا أن يعدلوا بعض الفقرات التي بدت لهم تحوي أخطاءً أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي، إلى جانب استعمال نصوص فقرات عديدة من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة ما أدى أحيانًا إلى ادخال زخارف لفظية غايتها تجميل النص.[246]

إن هذه التبدلات قد تراكمت على مر العصور، فكانت النتيجة وصول عدد من النسخ المختلفة إلى عصر الطباعة مثقلة بمختلف أنواع التبديل والقراءات؛ لكنه وبدءًا من القرن الثامن عشر قد أخذ علم نقد النصوص بتمحيص الوثائق القديمة بدقة، خصوصًا المجلدين الفاتيكاني والسينائي، لوضع ترجمة جديدة للأصول القديمة:[247]

   
مستخدم:Jobas/ملعب
إن النتائج التي وصل إليها علم نقد النصوص منذ 150 سنة خلت حتى الآن، جديرة بالإعجاب، وبوسعنا اليوم أن نعد نص العهد الجديد نصًا مثبتًا إثباتًا حسنًا، وما من داع لإعادة النظر به إلا إذا عثر على وثائق جديدة. إن هذه النتائج تظهر واضحة للمرء إذا قارن بين النسخات الحديثة والطبعات التي ظهرت سنة 1520 بفضل العمل المحكم وفق قواعد علم نقد النصوص.[248]
   
مستخدم:Jobas/ملعب

ولا تعتبر هذه الاختلافات، بحسب رأي المسيحيين، تزويرًا أو تحريفًا للكتاب المقدس، إذ إن النصوص القديمة والحديثة، على حد سواء، لم تختلف في القضايا الجوهرية، كالثالوث الأقدس أو ألوهية المسيح وتعاليمه، وهي الغاية الأساس من الأناجيل.[249]، ولا تزال هناك فروق بسيطة في مختلف الترجمات العربية للكتاب المقدس.

الأناجيل الأربعة القانونية[عدل]

الحيوانات الأربعة المحيطة بعرش الله، كما ورد في رؤيا يوحنا وهي ترمز إلى الإنجليين الأربعة، وفق المعتقدات المسيحية.

يطلق على القسم الأول من العهد الجديد اسم الإنجيل ويشمل أربع كتب هي: إنجيل متى، الذي كتب في جبيل أو أنطاكية للمسيحيين من أصل يهودي هم خارج فلسطين حوالي العام 80 أو 90، وينسبه التقليد الكنسي منذ النصف الأول للقرن الثاني لمتى أحد التلاميذ الاثني عشر،[250] إنجيل مرقس وهو أقدمها تاريخيًا كتب حوالي سنة 60 أو 65 في روما خلال الفترة التي شهدت اضطهاد نيرون، وقد كتب للمسيحيين من أصول وثنية؛[251] ويعتبر أقصر الأناجيل، يغلب عليه سلسلة روايات قصيرة غير مترابطة فيما بينها،[251] وقد نسب إلى مرقس أو من يدعى في سفر أعمال الرسل يوحنا مرقس ذو الأصول اليهودية،[252] وهو تلميذ ومرافق لبطرس،[253] واعتمد عليه في كتابة إنجيله؛ أما إنجيل لوقا ثالث الأناجيل، فيوضع تاريخه بعد حصار أورشليم وتدمير هيكل سليمان عام 70 أي بحدود العام 80،[254] وهو موجه بالتحديد إلى إحدى الشخصيات النبيلة اليونانية التي تدعى ثاوفيليوس،[255] ومن ثم للمسيحيين ذوي الثقافة اليونانية بشكل عام، يتميز هذا الإنجيل بأنه الوحيد الذي يفتتح بمقدمة شأنه شأن كثير من المؤلفات اليونانية في تلك الأيام.[256]

الله، قدوس القوي قدوس الله، قدوس القوي على يوتيوب

ترنيمة بيزنطية من سفر المزامير
—يستعمل هذا النظام الموسيقي في
الكنائس المسيحيَّة الشرقيَّة
ذات التقاليد البيزنطية

يطلق على الأناجيل الثلاثة الأولى اسم الأناجيل الإزائية، بسبب تشابهها في ترتيب الأحداث وفي الصياغة العامة،[257] ويفترض علماء اللاهوت وعلماء نقد النصوص، أن كلاً من متى ولوقا قد اطلعا على إنجيل مرقس، واعتمدا عليه كمرجع أساسي في تأليفهما، وأنهما اطلعا أيضًا على وثيقة مشتركة مجهولة حتى اليوم، يطلق عليها اسم الوثيقة ق، إذ إنه بين 1068 آية في إنجيل متى يشترك مع مرقس في 508 آيات ومع لوقا في 560 آية منها مشتركة بين لوقا ومرقس في الوقت نفسه 330 آية أي أن هذه الأخيرة مشتركة بين الثلاثة.[258] ويضاف إلى كل إنجيل مصادره الخاصة من التقاليد الشفهية، هناك 500 آية خاصة بلوقا وحده، و330 خاصة بمتى، في حين أن 53 آية فقط خاصة بمرقس، ما يؤكد ما توصل إليه الباحثون باطلاع متى ولوقا على إنجيل مرقس الأقدم تاريخيًا؛[258] وعلى الرغم من هذا الائتلاف الشديد في النصوص فإن الأناجيل تحوي وجوه اختلاف في البنية العامة وهيكلية السرد إضافة لبعض التفاسير وفقًا للرؤية اللاهوتية لكل منهم والرمز المراد منه.[258]

أما الإنجيل الرابع، فهو إنجيل يوحنا، يتميز ببنية خاصة، كذلك يغلب عليه الطابع اللاهوتي من ناحية الخطب والصلوات،[259] ولا يهتم بسرد الأحداث بقدر ما يهتم باستخلاص معانيها.[260]

لاحقًا وجد القديس إيرونيموس ما ذكر في رؤيا يوحنا 7/4 من أسماء حيوانات تحيط بعرش الله، بأنها رموز إلى الإنجيليين الأربعة، فأخذ متى رمز الإنسان لكونه يركز على الناحية الإنسانية ليسوع وكونه هو المسيح، في حين رُمز إلى مرقس بالأسد رمزًا للعظمة، أما لوقا بالعجل رمز القوة في العهد القديم، والنسر رمز يوحنا لقدرته على الارتقاء بالمفردات والتعابير البسيطة إلى تعابير وصيغ لاهوتية معقدة.[261][262]

العقائد المسيحية[عدل]

الله[عدل]

أيقونة معمودية يسوع، بريشة فرانسيسكو ألباني عام 1600: وقت العماد ظهر الثالوث مجتمعًا، فبينما كان الابن يعتمد حلّ الروح القدس بشكل طائر الحمام وسمع صوت الآب يقول من السماء: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.متى 3/ 16-17

المسيحيون يؤمنون بأن الله واحد وقد جاء في إنجيل مرقس: الرب إلهنا رب واحد.[مرقس 29/12] وهو إله واحد، منذ الأزل وإلى الأبد، غير مدرك، كلي القدرة وكلّي العلم، وهو خالق الكون والمحافظ عليه؛ وهو ذو وجود يشكل المبدأ الأول والغاية الأخيرة لكل شيء. غير أن الله في العقيدة المسيحية، مكون من ثلاثة أقانيم متحدة في نفس الجوهر الذي يتساوى به منذ الأزل وإلى الأبد.[263] وتسمى هذه العقيدة بعقيدة الثالوث الأقدس.[264] ولا يمكن قبول أحد الأقانيم منفردًا بل يجب التسليم بها جميعًا،[265] ويقول القديس غريغوريوس النياسي فيما يخص الثالوث:

   
مستخدم:Jobas/ملعب
إن الأقانيم الثلاثة الإلهية: الآب والابن والروح القدس، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، كما لا يمكن فهمها عن بعضها البعض، كذلك لا يمكن استيعابها كحقائق بشرية، بل هي الطريقة التي عبّر فيها الله عن طبيعته التي لا يمكن تسميتها ولا التحدث عنها، ويتكيف مفهومنا عنها وفقًا لمحدودية عقولنا البشرية.

إن لفظة ”أقنوم“ المشتقة من اللغة الآرامية لا يوجد ما يقابلها في لغاتنا اليوم، وهي تشير إلى وحدة الكيان، فالنفس أقنوم والجسد أقنوم، وهما يتحدان سوية لتكوين الإنسان فهل الإنسان اثنان؟ حاشا!8 واستنادًا إلى ذلك لم يقل المسيح في خاتمة إنجيل مرقس عمدوهم بأسماء الآب والأبن والروح القدس بل باسم الآب والابن والروح القدس.[266]

   
مستخدم:Jobas/ملعب

يظهر الثالوث مجتمعًا في مواضع عدة من العهد الجديد أشهرها عند عماد يسوع في متى 4/ 16-17 فبينما كان المسيح يعتمد هبط الروح القدس بشكل طائر الحمام في حين سمع صوت الآب من السماء.[267] بعض المفسرين وآباء الكنيسة يشيرون إلى أن الثالوث الأقدس قد ذكر أيضًا في العهد القديم بشكل أو بآخر، كاستخدام لفظ الجمع ألوهيم للإشارة إلى الله، واستخدام الله لصيغة الجمع في اللغة العبرية للدلالة على ذاته ما يفترض وجود ثالوث.[268]

جدارية تظهر يسوع المسيح وقد كتب فوق عن اليمين واليسار بحروف الأبجدية اليونانية ”أنا هو“ المصطلح التقليدي للإشارة إلى الله في الديانة اليهودية.

الأقنوم الأول هو الآب ويمكن القول أنه الصورة التقليدية للالله، ويقدم الكتاب المقدس عددًا كبيرًا من صفاته. (انظر الثالوث الأقدس للاستزادة) أصل المصطلح يأتي من أن يسوع قد ناداه “الآب السماوي” وكذلك القديس بولس حين اعتبره “أب واحد لجميعنا.”[روما 15/8]

الأقنوم الثاني هو الابن ويطلق عليه أيضًا اسم الكلمة[269] والحمل[270] وهو: لم يعتبر مساواته بالله خلسة أو غنيمة يتمسك بها، بل أخلى ذاته متخذًا صورة عبد صائرًا شبيهًا بالبشر.[فيلمون 6/2] ودعي حين اتخذ جسدًا يسوع المسيح، وهو الذي تنبأ عنه جميع أنبياء العهد القديم من قبل.[271] ألوهة يسوع يمكن استنباطها من مواضع عديدة في الكتاب المقدس، فهو قال في إنجيل يوحنا: أنا والآب واحد.[يوحنا 30/10] ومن رآه قد رأى الذي أرسله.[يوحنا 44/12] كذلك فإن أنبياء العهد القديم أشاروا إلى "التجسد الإلهي": يولد لنا ولدًا، ونعطى ابنًا، وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام.[أشعياء 6/9][272][273] يسوع ليس فقط هو الابن بل هو أيضًا الماشيح (عربت لاحقًا إلى "مسيح") الذي ينتظره اليهود، فهو كاهن ونبي وملك.[274] (انظر الثالوث الأقدس للاستزادة)

سوى ذلك فإنه بالابن قد كوّن العالم،[يوحنا 10/1] وهو من سيدين البشرية في يوم القيامة،[يوحنا 22/5] وسلطته على جميع البشر،[يوحنا 2/17] وهو أيضًا صورة الله الذي لا يرى،[كولوسي 15/1] والكائن قبل كل شيء وبه يدوم كل شيء.[كولوسي 17/1][275]

الروح القدس، كما هو مرسوم في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان.

الأقنوم الثالث هو الروح القدس ويمكن الاستدلال على ألوهته من مواضع عديدة أبرزها أعمال الرسل 5/ 3-5 حيث يدعى روح الله و الرسالة الأولى إلى كورنثس 10/2 حيث يذكر أنه يتقصى حتى أعماق الله و إنجيل يوحنا 26/14 إلى جانب مواضع أخرى عديدة.[276] والمسيحي إن لم يكن تحت سلطة الروح القدس فهو ليس بمسيحيًا،[روما 19/8] ويسبغ المسيحيون عليه ألقابًا عديدة استنادًا إلى العهد الجديد،[277] (انظر الثالوث الأقدس للاستزادة) ولديه وفق العقائد المسيحية مواهب يوزعها على المؤمنين به،[278] وهو من يلهم الكنيسة ويقويها،[أعمال 31/9] ومن يضع مقرراتها.[أعمال 28/15][279] وغالبًا ما يرمز له بألسنة من نار كما حلّ في العنصرة،[280] أو طائر الحمام كما حلّ وقت عماد يسوع.[281]

خلال القرن الحادي عشر دار الخلاف بين بطريركية القسطنطينية والكرسي الرسولي حول أصل انبثاق الروح القدس؛ فبينما وجدت كنيسة القسطنطينية أن الروح القدس منبثق من الآب وحده استنادًا إلى تفسير إنجيل يوحنا 26/15ٍ وجدت الكنيسة الكاثوليكية أن الروح ينبثق من الآب والابن معًا استنادًا إلى تفسير إنجيل يوحنا 16/ 14-16.[282]

بشكل عام لا يعتبر لكل أقنوم مهام محددة، فالآب يغفر الخطايا،[متى 19/18] وكذلك الابن،[متى 6/9] وبينما يعتبر الروح القدس أقنومًا خاصًا يدعى في الوقت نفسه روح الآب،[متى 20/10] وروح يسوع.[أعمال 7/16] فحالات الوحدة والتكامل بين الثالوث عديدة.[283]

بعض الطوائف المسيحية ترفض عقيدة الثالوث، الآريوسية في القرن الرابع؛[284] ومع اندثارها لم تكن هناك أي طائفة ترفض هذه العقيدة حتى منتصف القرن السادس عشر حين ظهرت حركة التوحيدية في أوروبا الوسطى وفي القرن التاسع عشر حين تأسست سنة 1872 كنيسة الرسليين في الولايات المتحدة الإمريكية ومن ثم انشق عنهم عام 1931 شهود يهوه التي تعتبر أقوى هذه الطوائف اليوم.[285]

تجمع هذه الطوائف على تكريم يسوع وإغداق الكثير من الصفات الحميدة عليه، بيد أنه في تعليمهم كائن روحي قريب من الله ولكنه ليس بإله،[286] وأيضًا فإن قيامته كانت بشكل روحي أي غير جسدية،[287] كما يرفضون الدور المنسوب له في الخلاص لدى سائر المسيحيين،[288] وتنكر أغلب هذه الطوائف وجود القيامة من القبر أو وجود الجحيم.[289]

تفسر هذه الطوائف الآيات الكتاب المقدس التي يعتمد عليها المسيحيون في برهنة ألوهة المسيح أو قيامته من بين الأموات بشكل رمزي مجازي،[290] وفي الوقت ذاته يعتمد اللاثالوثيون على عدة آيات للبرهان من الكتاب المقدس أن المسيح ليس إلهًا، كالرسالة الأولى إلى كورنثس 15/ 27-28 حيث يذكر صراحة خضوع الابن للآب في اليوم الأخير، في حين يرى التفسير الكاثوليكي في هذا الخضوع، خضوع جسد يسوع وانتفاءه لتمام الرسالة التي اتخذ جسدًا من أجلها.[291]9

مريم العذراء[عدل]

تجمع الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية الشرقية والأرثوذكسية المشرقية والنساطرة والكنيسة الأنجليكانية والكنيسة اللوثرية على تكريم خاص لمريم العذراء، ويسمى ما يخص دراستها في الكتاب المقدس والعقائد المسيحية بالماريولوجي.

نعظمك يا أم النور الحقيقي،
ونمجدك أيتها العذراء القديسة،
يا والدة الإله، يا ثيوتوكوس،
لأنك ولدت مخلص العالم،
فأتى وخلص نفوسنا.

—قانون إيمان مجمع أفسس 431.[292]

يعتقد المسيحيون أن مريم قد حبلت من الروح القدس،[لوقا 35/1] في الوقت الذي كانت به مخطوبة ليوسف النجار، ورغم زواجها اللاحق منه لكنها ظلت خطيبته،[293] أي أنها دائمة البتولية وذلك استنادًا إلى نشيد الأناشيد 12/4 و حزقيال 2/44 و المزامير 5/45، إضافة إلى تسميتها أم يسوع وليس زوجة يوسف في متى 13/2 إلى جانب أن يسوع قد عهد بها إلى يوحنا بن زبدي في ساعاته الأخيرة ولو أنها أنجبت سواه لكان أولى أن يقوم أولادها برعايتها.[294]

أيقونة ثيوتوكس فلاديمير أي والدة الإله سيدة فلاديمير.

ترى هذه الطوائف أن إكرام مريم أمر واجب، استنادًا إلى لوقا 45/1 و لوقا 48/1 و لوقا 27/11، فضلاً عن كونها الشخص الوحيد الذي رافق يسوع من ميلاده حتى صلبه، ولأنها كانت سبب اجتراح أولى معجزاته في عرس قانا حسب إنجيل يوحنا.[295] ولذلك تخصص الكنيسة الكثير من الصلوات والأدعية لها، وتوضع في جميع الكنائس أيقونات تمثلها، وكتب الكثير في مدحها خلال مختلف مراحل الأدب المسيحي.

يرى المسيحيون أيضًا بأن إكرام مريم هو إكرام للمسيح نفسه، لذلك فقد خصصت الكنيسة عددًا كبيرًا من الأعياد المريمية وأغدقت عليها العديد من الألقاب،[296] ويستمد بعضها من العهد القديم،[297] سوى ذلك تدعى العذراء "أم الله" وقد دار جدال لاهوتي في القرن الخامس حول شرعية استخدام هذا اللقب، خصوصًا إثر تعاليم نسطور الذي اعتقد بأن الابن الكلمة قد حلّ في يسوع وقت العماد وليس يسوع هو الابن، وبالتالي فضل نسطور دعوة العذراء " أم المسيح" وليس "أم الله"، بيد أن مجمع أفسس سنة 431 قد حسم الجدل باعتماد مصطلح ثيوتوكس التي تعني بالعربية والدة الإله، ويشير هذا المصطلح إلى أنها والدة الله حسب الجسد وليست والدة اللاهوت في الله. حكم المجمع أيضًا بالهرطقة على نسطور.[298]

بنات كثيرات عملنّ فضلاً،
أما إنتِ ففقت عليهنّ جميعًا.

—سفر الأمثال 29/31.

يؤمن المسيحيون أيضًا بشفاعة مريم، أي بأن الصلاة والتضرع نحوها يأتِ بنتائج حسنة للفرد لأنها تقوم بفعل وساطة مع الله، ينبثق هذا الاعتقاد بشكل أساسي من حادثة عرس قانا الجليل، فيسوع لم يكن يريد اجتراح معجزة لكنها طلبت منه فاستجاب؛[299] وتضيف العقائد المسيحية أنها انتقلت إلى السماء بالنفس والجسد،[300] حيث توجت هناك كملكة للسماء والأرض وجلست عن يمين الله استنادًا إلى ماورد في مزامير 2/45.[301]

تضيف الكنيسة الكاثوليكية إلى هذه العقائد عددًا من العقائد الأخرى أشهرها الحبل بلا دنس المعلنة عام 1856 والتي تشير إلى أن العذراء قد حُبل بها من دون دنس الخطيئة الأصلية التي يرثها الجنس البشري منذ آدم، وقد ورد في نص العقيدة، إن العذراء قد نالت هذا "التكريم الفائق" باستحقاقات ابنها يسوع المسيح.[302] ويحتفل بعيد الحبل بلا دنس في 8 كانون الأول من كل عام، ويعتبر عطلة رسمية في عدد من بلدان العالم.[303] يرى الكاثوليك أيضًا أنها شركة في الفداء استنادًا إلى لوقا 35/2، وهي سيدة الوردية المقدسة، والوردية عبارة عن صلوات تأملية في مسيرة المسيح على الأرض من خلال العذراء.[304]

النظرة للعذراء لدى الطوائف البروتستانتية مختلفة تمامًا عن سائر الكنائس، فهم يعترفون بإكرام خاص للعذراء ودورها في حياة يسوع، لكن أغلب هذه الطوائف تنكر الشفاعة ولا ترفع طلبات لها كما أنه لا يوجد أيقونات تمثلها. عدد من هذه الطوائف يعتبر أن دور العذراء قد انتهى عقب ميلاد يسوع وبالتالي فهي ليست ببتول بل قد تابعت حياتها بشكل طبيعي وأنجبت ذرية. الأمر المرفوض تمامًا لدى سائر الطوائف المسيحية.[305][306]

المجيء الثاني، قيامة الموتى، الخلاص، النعيم والجحيم[عدل]

في القيامة لا يزوجون لا يتزوجون،
بل يكونون كملائكة الله في السماء.

—إنجيل متى 30/22
أيقونة مارونية تظهر الجنة: يجلس السيد المسيح بمجد وسط الأيقونة يحيط به ملائكة الكاروبيم بينما يقف إلى يمينه ويساره مار مارون ومار بطرس والملاكان جبرائيل وميخائيل، أما في القسم السفلي من الأيقونة تظهر العذراء وسائر المؤمنين في النعيم الأبدي، وقد كتب السريانية والعربية واليونانية، قدوس

يؤمن المسيحيون أنه في يوم غير معلوم،[307] سيأتي يسوع من السماء مع جمهرة من الملائكة والقديسين لكي يدين الخليقة برمتها،[308] هذا المجيء سيكون منظورًا من قبل كل البشرية[309] وستسبقه مجموعة من الكوارث والاضطهادات[310] وسيترافق مع ظهور أنبياء ومسحاء دجالين[311] فضلاً عن ظهور ضد المسيح.[312]

يروي إنجيل متى 25/ 31-46 ملخصًا عما سيحدث، إذ سيجلس المسيح على عرشه ويفصل بين المحتشدين إلى قسمين، أما الذين عن يمينه فهم من قام بأعمال صالحة مصيرهم الجنة التي يطلق عليها أيضًا اسم الفرح،[313] الملكوت أو ملكوت السماوات،[314] الحياة الأبدية[315] والراحة الأبدية؛[316] أما الذين عن يساره فسيتجهون إلى الجحيم، العقاب الأبدي،[315] حيث البكاء وصرير الأسنان،[317] والتي يطلق عليها أيضًا اسم الموت الثاني،[318] أو النار الأبدية،[319] حيث دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأ،[320] ويرى الكثير من اللاهوتيين والمفسرين في العصور الحديثة أن فكرة النار مجازية، وليست واقعًا مستدلين بإطلاق صفة الظلمة الخارجية على جهنم في بعض الأحيان،[317] لكن قسمًا آخر يؤمن فعليًا بوجود هذه النار في الجحيم.

وحفل الدينونة لن يحضره الأحياء فقط، بل الأموات أيضًا والذين عادوا إلى الحياة مع المجيء الثاني للمسيح،[321] وجسد الموتى القائم سيكون خالدًا غير قابل للموت أو الفساد،[322] وسيرافق هذه القيامة تحوّل أجساد الأحياء أيضًا إلى هذه الجسد الغير قابل للفساد.[323]

كما يومض البرق في الشرق،
فيضيء في الغرب،
هكذا يكون رجوع ابن الإنسان.

—إنجيل متى 27/24

أما الخلاص فالإيمان بالمسيح شرط أساسي لنيله،[324] وعدمه يؤدي إلى الدينونة، ذلك لأن هؤلاء الغير مؤمنين لم يعترفوا بدم المسيح الكفاري عن الخطيئة،[325] ولكن هذا الشرط لا يشمل من لم يسمع بالمسيح أو وصلته البشارة بطريقة خاطئة أو تأذى من المسيحية،[326] بمعنى أنه في هذه الحالة سيتم الحساب وفق الأعمال فقط تمامًا كالبشرية قبل مجيء يسوع ولهذا يدعوه المسيحيين بالمخلص؛[327] وبما أن الجميع قد أخطؤوا،[328] والمؤمنون بالمسيح لا يعاقبون،[329] تتضح نظرية مجانية الخلاص التي تؤمن بها أغلب الطوائف البروتستانتية، أي أن الخلاص يكون بناءً على دعوة من الإله وليس بناءً على قرار من الإنسان؛[330] بيد أن هذه الفكرة ترفضها بشدة سائر الطوائف استنادًا إلى ما ورد في رسالة يعقوب 19/2 عن عدم كفاية الإيمان، كذلك تبرز أهمية الأعمال في مواضع أخرى عديدة،[331] كالإشارة إلى عدم الخلاص في حال تضارب الإيمان مع الأعمال،[332] وكون المسيح لدى مجيئة سيدين كل إنسان بحسب أعماله حسب حرفية المذكور،[333] بناءً عليه تعلم أغلب الطوائف المسيحية بضرورة ترافق الإيمان مع الأعمال؛ ويرى عدد من اللاهوتيين أن خلاص غير المؤمنين بأعمالهم وارد،[334] بيد أن ذلك لا يشمل الملاحدة أو من يضطهد المسيحيين.[335]

تؤمن الكنيسة الكاثوليكية أيضًا بالمطهر وهو مرتبة وسطى بين الجحيم والجنة، يتميز المطهر بكونه مرحلة مؤقتة للتكفير عن الخطايا التي لم يكفر عنها أحدهم خلال حياته الأرضية، ورغم عدم وجود ذكر له في العهد الجديد فقد بنى الكاثوليك نظريتهم استنادًا إلى عدة شواهد أمثال: إنجيل متى 26/5، إنجيل متى 32/12 حيث تذكر إشارة إلى الغفران في ”الزمان الآتي“، إنجيل متى 36/12، متى 34/18 وغيرها.[336]

بعض الطوائف البروتستانتية أيضًا تفسر ما ورد في رؤيا يوحنا 20/ 1-6 عن الحكم الألفي ثم التمرد الأخير تفسيرًا حرفيًا لما سيحدث قبيل موعد يوم القيامة، بيد أن سائر الطوائف، وجدت في تلك الآيات إشارات رمزية إلى تجدد الكنيسة بعد الاضطهادات الرومانية، أي الزمن بين قيامة المسيح والقيامة العامة، وقد شاع بين المسيحيين في القرون الأولى التفسير الحرفي لتلك الآيات، واعتقدوا فعلاً بأن المسيح سيأتي فعلاً ليملك مع القديسين ألف سنة قبل التمرد الأخير، بيد أن الكنيسة لاحقًا نبذت هذا الرأي.[337]

الملائكة والأبالسة[عدل]

تؤمن المسيحية بالملائكة ككائنات روحية تخدم الله وتنقل رسائله الخطيرة للبشر،[338] كما تؤمن أيضًا بالشيطان كملاك ساقط، ويكنى بأسماء عديدة في الكتاب المقدس،[339] ومعه كوكبة من الأرواح النجسة أيضًا التي تقوم بتضليل العالم وإغواءه، لكن المسيح سينتصر عليهم ويبيديهم في يوم القيامة،[340] ويوضح الكتاب المقدس صراحة أن ملك العالم الحالي هو للشيطان،[341] ومن الممكن أن يسكن الشيطان أو أحد الأرواح النجسة في إنسان ويسمى طقس طرد الشيطان من شيء مسكون بالتعزيم.[342]

يرى عدد من اللاهوتيين المسيحيين أن الملائكة والشياطين رموز وحقائق ضمن صور، فبينما يشير الشيطان إلى غياب الله وسلطة الشر والخطيئة، تشير الملائكة إلى مجد الله، يستشهد هؤلاء اللاهوتيون بأسماء الملائكة كدليل على رأيهم، إذ تعني كلمة ميخائيل باللغة العربية من مثل الله؛ في حين تعني كلمة جبرائيل، قوة الله.

القديسون[عدل]

القديس، هو كل شخص عاش الفضائل الإلهية في الإيمان والرجاء والمحبة، خلال حياته على الأرض "ببطولة"، فيمكن اعتباره بعد تحقيق دقيق في سيرة حياته، علمًا من أعلام الدين و"سعيدًا مغبوطًا من الفردوس بناءً على الوعود الإلهية المسبقة". تشترط الكنيسة، في بعض الحالات تأييد التحقيق بمعجزة - غالبًا ما تكون شفائية عجز الطب عن حلّها - لإعلان القداسة، وإلا تكتفي بإعلانه طوباويًا. تعني كلمة قديس كتابياً "المفروز أو المتقدس لغاية معينة"، وكل من نال سر العماد، مدعو للقداسة.

حسب المعتقدات المسيحية، فإن العلاقة بين المؤمنين الأحياء والأموات لا تنقطع روحيًا، ولذلك فإنّ من "استراح سعيدًا بعد وفاته" أي القديس يصلّي لأهل الأرض، وطلب شفاعته، أي صلاته وتضرعه إلى الله، ممكن، وعلى هذا الأساس يقوم مفهوم قديس شفيع. من الممكن تكريم القديس سواءصا من خلال التكني باسمه، أو تشييد الكنائس على اسمه، أو تكريم أيقوناته، أو رفاته، غير أن التركيم من بابا الاقتداء والتمثّل ولا يعني أبدًا العبادة، ويعلّم يوحنا بولس الثاني بأنّ "الكنيسة في إعلان تكريم وقداسة أبنائها وبنايتها، تؤدي التكريم السامي إلى الله نفسه منبع كل قداسة"،[343] ومن الممكن أن يكون القديس من جميع الأعمار أو الأجناس، أو الوظائف والمهن الاجتماعية وليس الكهنة والرهبان فقط.

القديسون يعتبرون أيضًا مثال وقدوة للمسيحين، ويدعون "شهود الإيمان" كما ينصّ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: "فالعالم الذي نعيش فيه، كثيرًا ما يبدو بعيدًا جدًا عما يؤكده لإيمان، وتجارب الشر والألم والمظالم والموت تبدو متناقضة مع الإنجيل، وقد تستطيع أن تزعزع الإيمان، وأن يكون موضع تجربة. في هذه الحالة، من الممكن التوجه نحو القديسين، إذ تقتضي الضرورة أن نتوجه إلى شهود الإيمان، إبراهيم مثلاً الذي آمن راجيًا خلاف كل رجاء (وروما 4: 18) ومريم العذراء التي في "رحلة الإيمان" انطلقت حتى "ليل الإيمان" في ليل قبر ابنها، ولم تفقد إيمانها".[344] الكتاب المقدس يحوي عددًا من هذه النصائح: "اذكروا دائمًا مرشديكم الذين علموكم كلام الله. تأملوا بسيرتهم حتى النهاية واقتدوا بإيمانهم".[345] "فمع أن هابيل قد مات قتلاً، فإنه ما زال يلقننا العبر بإيمانه".[346]

العقيدة الاجتماعية[عدل]

العقيدة الاجتماعية في المسيحية أو التعليم الاجتماعي، مستوحى من الكتاب المقدس، لاسيّما مقاطع بعينها مثل الوصايا العشر التي تلقفها النبي موسى على طور سيناء، والتطويبات التي أعلنها المسيح. الحق في الحياة، هو أول تعاليم العقيدة الاجتماعية، فمن الواجب "أن تحترم حياة الإنسان من لحظة الحمل وحتى لحظة الوفاة الطبيعية"، وبالتالي فإن القتل، والمساعدة على القتل، والقتل في الحرب خارج وقت المعركة، والتخلّص من المعوقين والمرضى والنازعين أو القتل الرحيم، وقطع الأعضاء، والإجهاض، والانتحار، والإدمان، والعنف ضد الجسد البشري، وعدم احترام جسد الميت، يعتبر خرقًا للوصية الخامسة وأعمالاً ضد العقيدة، وضد الله نفسه؛[347] وكذلك حال الإعدام بالنسبة لغالب الجماعات المسيحية، إلا "في حالة استحالة حماية المجتمع البشري من المجرم إلا بإعدامه، وهي حالة نادرة إن لم نقل معدومة"؛ الحرب يسمح بها ضمن ستة شروط أبرزها عدالة القصد والسبب.

الحق في الحرية، هو أيضًا حق أصيل للإنسان، وترتبط حرية الإنسان بحرية إرادته، وبالتالي "حرية الفرد، لا يجوز الحد منها حتى عند اختياره الشر، ما لم يمسّ كرامة الآخرين البشرية وحرياتهم"، وتشمل حرية الإنسان، حرية التجمع، والتعبير عن الرأي، والإعلام، واختيار المهنة، وتأسيس شخصيات اعتبارية؛[348][349] وعلى رأس حريته، تأتي حرية التدين "إذ يجب على كل إنسان أن يعتنق الدين الذي يراه أمام ضميره صحيحًا، دون إجبار ودون أن يؤدي ذلك لأي مضايقات أو تمييز أو إجحاف بحقوقه"؛ ويرتبط الحق بالحرية، بالحق بالكرامة والمساواة بين جميع البشر، وهي كرامة مصدرها الله: "لا ذكر ولا أثنى، لا يهودي ولا يوناني، لا عبد ولا حر، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع"؛[كو 3:11][غل 3:28][350][351] في ضوء هذه الكرامة، يغدو البغاء، والاتجار بالبشر، والاتجار بالأعضاء، والعنصرية، خطايا، وضد مشيئة الخالق؛ وفي ضوئها أيضًا يغدو واجبًا احترام الثقافات والشعوب المختلفة بوصف تنوّع البشرية "انعكاس لغنى الله اللا محدود". تعلّم المسيحية أن الإنسان كائن اجتماعي، فلا يجوز للمجتمع أن يطغى على الحرية الفرد، ولا يمكن للفرد أن يعيش دون مجتمع".[352]

مسيحيون يؤدون الصلوات.

الحق في العمل يعتبر جزءًا أصيلاً من دعوة الإنسان بوصفها "مهمة من الله أودعها البشر"،[تك 2:15] ومن ثم فالأجر العادل لقاء عمله هو حق يدخل ضمن الوصية السادسة، وكذلك حرية التصرف بالأجر، والملكية الخاصة، والإرث بوصف الأولاد "بالتساوي" استمرار آبائهم؛ وحق الملكية موقوف بحجم أو طبيعة الملك ومدى اتفاقه مع الخير العام.[353] المسيحية تؤمن بأن الله منح الإنسان الأرض ليستثمرها بالشكل الأمثل وفق قاعدتي الخير والعدالة، وبالتالي أعطاه وكالة ليتسلط على الأرض، وهذه الوكالة هي أصل السلطة في المجتمع؛[رو 13:1][354] فالسلطة تعتبر شرعية طالما مقيدة بغايتها أي الخير والعدل، وتفقد ماهيتها إن تعدت على واجبها؛ فريديك آرنولد مؤسس "مسيحيون ديمقراطيون" قال بأنّ "المسيحية والديموقراطية هما شيء واحد".[355][356] المسيحية تعلّم باحترام العلوم والفنون "بوصف الله نبع الحقيقة ونبع الجمال".

كاهن من كنيسة الأرمن الأرثوذكس يقوم بغسل أرجل المصلين في يوم خميس العهد؛ تحث المسيحية على التواضع ومحبة الآخر.

أيضًا فللإنسان الحق أيضًا بالزواج دون إكراه، لإقامة عائلة "قدس أقداس الحياة"؛[357][358][359] وإكرام الوالدين يعتبر الوصية الرابعة والأولى من وصايا القريب؛ ولما كان الكتاب يرى البشرية "أسرة واحدة" فالوصية تشمل في سلطانها نوعًا ما جميع البشر.[تك 5:1][360] ويعود للوالدين تحديد عدد الأولاد، وطرق تربيتهم، ولا يحق للمجتمع التدخل إلا في الحالات الخاصة؛[361] وترفض معظم الجماعات المسيحية زواج مثليي الجنس، وتعدد الزوجات، والمساكنة، وإعارة الرحم، وبوجه العموم زواج المسيحيين من غير المسيحيين، بوصفها مخالفة لقصد الزواج؛ كما ترفض الطلاق لأن العهد المشهر بالزواج من سماته الديمومة، وإنما في حالة استحالة الحياة الزوجية، يجوز الهجر، أو فسخ الزواج، أو إعلان بطلانه، بعد عرض القضية أمام محكمة كنسية.[362] كما أنّ أغلبية الطوائف المسيحية ترى أن الممارسة المثلية الجنسية ممارسة غير اخلاقية وخطيئة.[363][364] ويحق لكل إنسان العلم والمعرفة، والتحرر من الخرافة والجهل، والابتعاد عن التنجيم والسحر والأبراج وما شابه، وكذلك احترام البيئة، والجماعات البشرية الأخرى، وبشكل خاص "الفقراء، والمحتاجين، الأولى بالعناية من سواهم".[365]

مسيحيون هنود يؤدون طقوس تقليدية خلال حفل زفاف؛ تحث المسيحية على الزواج لإقامة عائلة "قدس أقداس الحياة".

لا تفرض المسيحية أنماطًا محددة من المظهر الخارجي، إلا أنها تلزم الحشمة؛ ولا تحوي قواعد للطعام، إنما الأمر خاضع لقاعدة العهد الجديد "كل شيء حلال، ولكن ليس كل شيء ينفع"؛ وبينما يعتبر إذهاب العقل بالسكر خطيئة، فإن شرب كميات معتدلة من الكحول لا إثم عليه؛ ولا تلزم المسيحية بالختان، إنما هو أشبه بعادة اجتماعية في الشعوب التي تمارسه؛[366] وبكل الأحوال فإنّ بعض الجماعات المسيحية الأقلوية - كبعض الجماعات البروتستانتية - لها فهمها الخاص لقضايا مثل الزواج، والختان، وحتى حفظ السبت. يعتبر الكذب، وشهادة الزور، وحلف يمين كاذب، أو في غير موضعه، من الأعمال ضد الوصيتين الثانية والثامنة. بشكل العام، الشريعة الأخلاقية كما تراها المسيحية "طبيعية، ويعرفها الإنسان مبدئيًا بواسطة عقله"، "مكتوبة على ألواح القلب البشرية".[367]

في الكتاب المقدس هنالك عدد من الآيات التي تحث وتدعو إلى النظافة الشخصية.[368][369] كما فان الغسل واجب اجتماعي له أهميته، غسل الجسم كله، وغسل الأيدي والأرجل.[370] لذلك فقد شجعت الديانة المسيحية على الاعتناء بالنظافة الشخصية. في العهد القديم، هناك عدد من طقوس الطهارة المطلوبة والمتعلقة في الولادة، والحيض، والعلاقات الجنسية، والإنبعاثات ليلية، سوائل الجسم غير العادية، أمراض الجلد، الموت والذبائح الحيوانية.[371] تسمى شرائع الطهارة "بالشرائع الاجتماعية"، وهي متنوعة فمثلًا نظافة الأسنان والفم مطلوبة،[372] وفي الفصل الثاني عشر من سفر اللاويين هناك تنظيم لقواعد الحبل والولادة وكيفية الطهور بعدها إذ إن المرأة الحامل والحائض تعتبر نجسة.[373] كذلك مراسيم الطهار بعد الجماع وبعد أي سائل آخر يخرج من الجسم والذي يعتبر عملاً نجسًا يجب الطهر منه،[374] كذلك فعادة غسل الميت وفيها يتم غسل جسده كاملًا ويرتدي قبل الدفن أفضل الملابس، يُذكر أن هذه العادة تأخذ حيّز هام لدى الكنائس المسيحية الشرقية.

في المسيحية هناك عدة أوجه للنظافة: نظافة جسدية، روحية، عقلية، وأدبية. فجسديًا مطلوب من المؤمن المسيحي الاهتمام بنظافة بدنه،[375] وفي مظهره الخارجي وفي نظافة ثيابه[376] والاهتمام بالطيب والتعطر بالروائح العطرة،[377] أما روحيًا فتعنى الابتعاد عن النجاسة الروحية وهي الخطيئة حسب المفهموم المسيحي والتي تنبع من القلب ومصدرها القلب وحده حسب المفهوم المسيحي،[378] أما من الناحية العقلية فهي اجتناب الأفكار النجسة مثل الاشتهاء فمثلًا قال يسوع: ««كل من يداوم على النظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه».[379][380]

الديموغرافيا والانتشار[عدل]

المسيحية بحسب انتشارها في دول العالم.

إن كتاب حقائق وكالة الاستخبارات الأميركية عن العالم بنسخته الصادرة العام 2012 يشير إلى أن المسيحية هي أكثر ديانات العالم انتشارًا، إذ يعتنقها 2.2 مليار نسمة أي 33.39% من البشرية.[381][382]

تأتي الكنيسة الكاثوليكية في مقدمة الطوائف المسيحية انتشارًا، حوالي 1.13 مليار نسمة (17.33% من البشرية، 51.4% من المسيحية)؛ تليها البروتستانتية حوالي 458 مليونًا (7.0% من البشرية، 20.8% من المسيحية) والأرثوذكسية الشرقية حوالي 223 مليونًا (3.42% من البشرية، 10.1% من المسيحية)؛ سائر الكنائس من أرثوذكسية مشرقية، شهود يهوه وغيرها تشكل حوالي 389 مليونًا (5.73% من البشرية، 17.6% من المسيحية).[383] بالمقابل حسب دراسة أعدّها مركز بيو حول الدين والحياة العامة في الولايات المتحدة، وجدت ان نصف المسيحيين هم من الكاثوليك، في حين يشكل البروتستانت نسبة 37%، والأرثوذكس نسبتهم 12%. ويمثّل "المسيحيون الآخرون"، مثل "المورمون" و"شهود يهوه" ما نسبته 1% من مجمل المسيحيين.[384]

الدول التي يشكل فيها مسيحيون أكثر من نصف السكان، ويظهر باللون الوردي الدول التي يشكل فيها المسيحيين بين 10-49% من مجموع السكان.
إمارة موناكو، وهي من الدول التي لا تزال تتخذ المسيحية دين رسمي.

تعتبر المسيحية ديانة كونية،[384] إذ ينتشر المسيحيون في جميع القارات والدول ولا توجد دولة في العالم لا تحوي على المسيحيين؛ المسيحية هي الديانة السائدة في أمريكا الشمالية وكذلك في الكاريبي، أمريكا الوسطى والجنوبية إضافة إلى وسط أفريقيا وجنوب أفريقيا، إلى جانب أوروبا وأوقيانوسيا؛ في حين تعتبر الفيليبين الثقل الأساسي للمسيحية في آسيا، القارة الوحيدة التي لا يشكل المسيحيون أغلب سكانها مع وجود مناطق شاسعة كالفيلبين وروسيا والقوقاز ذات غالبية مسيحية، كما يوجد في آسيا الوسطى والشرق الأوسط والشرق الأقصى تجمعات كبيرة للمسيحيين.1

على الرغم من أن المسيحيين يمثلون ثلث سكان العالم، إلا أنهم يشكلون أغلبية سكان 120 دولة و38 كيان ذي حكم ذاتي، أي ما نسبته ثلثي دول العالم وكياناته.[384] ولا تزال المسيحية الديانة المهيمنة في العالم الغربي؛ إذ يشّكل المسيحيين وفقًا لمركز الأبحاث الاميركي بيو حوالي 70% من سكان العالم الغربي.[384] يعيش اليوم 39% من مسيحيي العالم في أوروبا وأمريكا الشمالية وأوقيانوسيا، بينما يعيش 61% من المسيحيين في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، يذكر أن مناطق جنوب الكرة الأرضية تشهد ازدياد في معدل نمو المسيحية.[384]

تعد المسيحية من الأديان النامية بنسبة 1.43% أي تتجاوز المعدل العالمي للنمو المحدد بحوالي 1.39%؛[385] وتعتبر الحركات التبشيرية في آسيا وأفريقيا الجناح الرئيسي لهذا النمو إذ يعتنق المسيحية سنويًا حوالي 30 مليون شخص من خلفيات دينية مختلفة أي حوالي 23,000 شخص يوميًا.[385] وقد تزايد عدد المسيحيين حول العالم بنسبة 4 أضعاف خلال المئة عام المنصرمة،[384] وتشير بعض الدراسات أن المسيحية هي أسرع أديان العالم انتشارًا، خصوصًا المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي،[212][386][387][388][389] إذ أن من حيث النمو العددي بغض النظر عن النسب المئوية فإن المسيحية تحلّ في المرتبة الأولى،[386] في حين تتمسك بعض الدراسات الأخرى بكون الإسلام هو أسرع الأديان انتشارًا. إن غالبية الدول التي يشكل فيها المسيحيون أغلبية، تتبنى النظام العلماني بيد أن المسيحية تعتبر دين الدولة في عدد من هذه الدول كالنرويج، وإنجلترا، وبوليفيا، والأرجنتين، وأرمينيا، واليونان، وسويسرا، وموناكو، ومالطا، وليختنشتاين وغيرهم.

المرتبة الدولة عدد المسيحيين نسبة المسيحيين المذهب السائد
علم الاتحاد الأوروبي الاتحاد الأوروبي 373,656,000 72.4% كاثوليكية ثم بروتستانتية وأرثوذكسية[390][391]
1 علم الولايات المتحدة الولايات المتحدة 243,186,000 78.4% بروتستانتية ثم كاثوليكية[392]
2 علم البرازيل البرازيل 174,700,000 90.4% كاثوليكية[393]
3 علم المكسيك المكسيك 105,095,000 94.5% كاثوليكية[394]
4 علم روسيا روسيا 99,775,000 70.3% أرثوذكسية شرقية[395]
5 علم الفلبين الفلبين 90,530,000 92.4% كاثوليكية[396]
6 علم نيجيريا نيجيريا 76,281,000 48.2% بروتستانتية وكاثوليكية[397]
7 علم الصين الصين 70,000,000 4% بروتستانتية وكاثوليكية[398]
8 علم جمهورية الكونغو الديمقراطية جمهورية الكونغو الديمقراطية 63,825,000 90% كاثوليكية[399]
9 علم إيطاليا إيطاليا 55,070,000 91.1% كاثوليكية[400]
10 علم إثيوبيا إثيوبيا 54,978,000 64.5% أرثوذكسية مشرقية[401]
11 علم ألمانيا ألمانيا 49,400,000 68.9% كاثوليكية وبروتستانتية[402]
12 علم المملكة المتحدة المملكة المتحدة 44,522,000 71.8% بروتستانتية[403]
13 علم كولومبيا كولومبيا 44,502,000 97.6% كاثوليكية[404]
14 علم أوكرانيا أوكرانيا 41,973,000 91.5% أرثوذكسية شرقية[405]
15 علم جنوب أفريقيا جنوب أفريقيا 39,843,000 79.7% بروتستانتية[406]

المسيحيون في العالم العربي[عدل]

الكنيسة المعلقة أحد المقرّات البابوية في القاهرة ويعود زمن بنائها للقرن الحادي عشر.
كاتدرائية مار إلياس المارونية في الحي المسيحي، حلب وقد بنيت عام 1876.

يعيش اليوم في الوطن العربي مسيحيين عرب سواءً عن طريق النسب العربي أو بحكم انتشار العروبة كلغة وثقافة وهوية، بالإضافة أيضًا إلى الوجود التاريخي لكل من السريان والأرمن والوجود الحديث للأثيوبيين والإريتريين والهنود وسواهم من الجاليات الوافدة سيّما على دول الخليج العربي.[407] وتشكل مصر أكبر تجمّع داخل الوطن العربي في حين يشكل لبنان التجمع الأعلى من حيث النسبة؛ هناك تواجد ملحوظ للمسيحيين في سوريا والأردن وفلسطين والعراق كما تضم بعض البلدان المجاورة مثل إسرائيل وتركيا وإيران تجمعات من المسيحيين، كما ويوجد أكثر من مليوني مسيحي في جنوب السودان، لكن لا يحسب هؤلاء ضمن سكان الشرق الأوسط. ويتواجد أيضًا في بعض دول الخليج العربي مثل الكويت والبحرين أقليات مسيحية من السكان المحليين كما ويتواجد في كافة دول الخليج العربي جاليات مسيحية كبيرة وفدت للعمل، وكذلك الأمر في دول المغرب العربي في شمال أفريقيا، حيث تتواجد تجمعات من المسيحيين غالبيتهم من أصول أوروبية، بالإضافة إلى تواجد مسيحيين محليين خاصًة من معتنقو المسيحية.[212]

حاليًا، فإن الطوائف المسيحية في الوطن العربي، يأتي على رأسها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي تصنف ضمن عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية وتعتبر القاهرة مقرًا لها وتنتشر في مصر وليبيا على وجه الخصوص، يليها الكنيسة المارونية ومقرها بكركي قرب بيروت ويشكل لبنان ثقلها الأساسي، وأتباعها ثاني أكبر طائفة مسيحية وهي ضمن عائلة الكنيسة الكاثوليكية، أما في الدرجة الثالثة يأتي الروم الأرثوذكس الموزعين على ثلاث بطريركيات في أنطاكية والقدس والإسكندرية، ومقر بطريركية أنطاكية في دمشق وفي سوريا يشكل أتباع هذه الطائفة أكثر من نصف المسيحيين وفي فلسطين والأردن أيضًا يشكلون أغلبية المسيحيين الساحقة وهذه الكنيسة مصنفة ضمن عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية. تليها كنيسة الروم الكاثوليك، وتشكل أكبر تجمع في إسرائيل ولها ثقل في سوريا سيّما في حلب ومرمريتا وفي لبنان سيّما في زحلة. هناك أيضًا بطريركية اللاتين في القدس التي تتبع الطقس الروماني الكاثوليكي وينتشر أتباعها في إسرائيل وفلسطين والأردن ومصر والمغرب العربي ودول الخليج العربي، وهناك أيضًا لاتين في سوريا وفي لبنان. هناك أيضًا عدة طوائف أقلويّة مثل كنيسة الأقباط الكاثوليك والأقليات البروتستانتية والإنجليكانية في جميع دول بلاد الشام والعراق ومصر وتونس والجزائر والمغرب. أما أكبر كنيسة في العراق فهي الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ومقرها ببغداد تليها كنيسة المشرق الآشورية بالإضافة إلى تواجد للكنيسة السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية. بالإضافة إلى كنيسة الأرمن الأرثوذكس وهي ضمن عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية وتشكل أكبر تجمع مسيحي في إيران وتركيا.

المسيحية كدين الدولة[عدل]

غالِبيّة الأمم والشعوب المسيحية تَتَّبَنّى النظام العلماني حيث يتم دعم الفكرة من تعاليم الكتاب المقدس :"أعْطُوُا إِذَاً مَا لِقَيْصَرْ لِقَيْصَرْ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ" (لوقا 20-25:26). ومع ذلك فالديانة المسيحية هي دين الدولة في عدة بلدان حيث أنّ المسيحية هو المعتقد الديني الرسمي الذي تتخذه هذه الدول عادةً في دساتيرها بشكل رسميّ وهذه الدول: الأرجنتين (الكاثوليكية[408] أرمينيا (الكنيسة الرسولية الأرمنيةبوليفيا (الكاثوليكيةكوستاريكا (الكاثوليكيةالدنمارك (اللوثريةالسلفادور (الكاثوليكيةإنجلترا (أنجليكانيةاليونان (أرثوذكسيةأيسلندا (لوثرية)،ليختنشتاين (كاثوليكيةمالطة (كاثوليكيةموناكو (كاثوليكيةالنرويج (لوثريةتوفالو (كالفينيةوالفاتيكان (الكاثوليكية).

علم مالطا مالطا تعتبر المسيحية الكاثوليكية الدين الرسمي للدولة.

هناك عدد من بلدان آخرى منها فنلندا (لوثرية وأرثوذكسيةإسكتلندا (المشيخيةجورجيا (أرثوذكسيةقبرص والألزاس وموسيل في فرنسا تعطي اعترافًا رسميًا إلى مذاهب مسيحية مُحَددّة وذلك على من عدم الرغم إعتبارها الكنيسة الرسميّة أو دين الدولة.

وعلى الرغم من كون سويسرا بلد علماني بطبيعته ولايوجد دين رسمي للدولة ولكن دستورها الفدرالي ما زال مُستهلا بعبارة "باسم الرب".[409] وفي حين أن معظم الكانتونات (باستثناء جنيف ونوشاتيل) لديها كنائس رسمية، والتي إما أن تكون الكنيسة الكاثوليكية أو (البروتستانتية) ممثلة في كنيسة الإصلاح السويسري. بعض الكانتونات تمول الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الكاثوليكية القديمة والبروتستانتية عن طريق فرض الضرائب الرسمية للمنتسبين لها.[410]

كما وتعطي عدة دول كاثوليكية تقديرًا ومكانة مميزة للمذهب الكاثوليكي في دساتيرها وذلك على الرغم من عدم جعلها المذهب كدين الدولة منها على سبيل المثال أندورا، إيطاليا، جمهورية الدومينيكان، السلفادور، بنما، باراغواي، بيرو، بولندا، البرتغال وإسبانيا.

المسيحية والأديان الأخرى[عدل]

المسيحية واليهودية[عدل]

العلاقة بين الديانة اليهودية والمسيحية معقدة ومتشعبة، فالمسيحية نشأت وأخذت مفاهيمها الأولية من بيئة يهودية صرفة؛[411] أما عن العلاقة الإنسانية بين الطرفين فقد اتسمت بالتقلب: بدأت مع اضطهاد اليهود للمسيحيين منذ أيام يسوع،[يوحنا 22/9] ودورهم في صلبه،[لوقا 2/22] ثم يذكر سفر أعمال الرسل اضطهاد اليهود للمسيحيين،[أعمال 1/8-3] ولاحقًا قام ذو نواس اليهودي بقتل مئات الألوف من المسيحيين في اليمن حسب بعض الباحثين،[412] لكنه وبدءًا من القرن الرابع أخذت المسيحية باضطهاد اليهودية، فطرد اليهود أولاً من الاسكندرية وعاشوا خلال الإمبراطورية البيزنطية خارج المدن الكبرى، وفرض عليهم بدءًا من القرن الحادي عشر التخصص بمهن معينة؛ ثم صدر عام 1492 مرسوم طردهم من إسبانيا في حال عدم اعتناقهم المسيحية، الأمر الذي كان فاتحة طرد اليهود من أوروبا برمتها: فطردوا من فيينا سنة 1441 وبافاريا 1442 وبروجيا 1485 وميلانو 1489 ومن توسكانا 1494، وأخذوا يتجهون نحو بولندا وروسيا والإمبراطورية العثمانية،[413] ورغم تحسن أوضاع اليهود مع استقلال هولندا الليبرالية وقيام الثورة الفرنسية إلا أن الحروب بين بولندا وأوكرانيا دمرت نحو ثلاثمائة تجمع يهودي وقتلت الكثير منهم في القرن السابع عشر، ورغم مبادئ الثورة الفرنسية لكن القرن الثامن عشر حمل الكثير من معاداة السامية لليهود،[414] ولا يمكن تحميل السلطات المسيحية أو الكنيسة مسؤولية جميع هذه المجازر، بيد أنها تقع على عاتق الحكومات والدول المسيحية.

الإحتفالات داخل كنيسة القيامة بعيد الفصح قرب القبر المقدس في مدينة القدس، الذي كان مركز المسيحيين من أصل يهودي الأوائل.

أخذت العلاقة تتحسن بين اليهود والطوائف البروتستانتية في القرن التاسع عشر ومن ثم القرن العشرين وتوّج هذا التحسن بنشوء الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية ودعمهما لقيام إسرائيل لأسباب دينية؛[415][416] غير أن علاقات اليهود مع الكنيسة الكاثوليكية لم تتحسن حتى عهد البابا بولس السادس الذي برئ اليهود من تهمة لاحقتهم طويلاً وهي قتل يسوع صلبًا، وقد جاءت التبرئة استنادًا إلى إنجيل لوقا 48/23 وغيره من المواضع،[417] وجاء المجمع الفاتيكاني الثاني ليؤكد ما ذهب إليه البابا وطالب بعلاقات طبيعية مع اليهود:

   
مستخدم:Jobas/ملعب
وإن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يعزى ما اقترف أثناء آلامه إلى كل اليهود اللذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود اليوم. إن المسيح بمحبته الفائقة قدّم ذاته طوعًا للآلام والموت بسبب خطايا جميع الناس لكي يحصلوا جميعًا على الخلاص، وهذا ما تمسكت به الكنيسة ولا تزال.
   
مستخدم:Jobas/ملعب

المجمع الفاتيكاني الثاني، بيان في علاقات الكنيسة مع الأديان غير المسيحية[418]

غير أن هذه الدعوات لن تدخل حيّز التطبيق إلا عقب عام 1993 إذ تمّ تبادل التمثيل الديبلوماسي بين الفاتيكان وإسرائيل، تلاها زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى القدس سنة 2000؛ ورغم هذا التحسن فلا تزال بعض الخلافات قائمة في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وإسرائيل حول ملكية بعض المقدسات المسيحية، وبعض النصوص الطقسية التي تقرأ عادة في أسبوع الآلام تصف اليهود بأوصاف مشبوهة؛ أما في يخص الكنيسة الأرثوذكسية، فبينما تقف الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق بشدة ضد أي تحسن في العلاقات مع اليهود، أخذت مواقف هذه الكنيسة في الغرب بالانفتاح.

المسيحية والإسلام[عدل]

عهد الأمان أو ميثاق النبي محمد لدير سانت كاترين في سيناء، يعتقد أن أثر اليد يعود لنبي الإسلام محمد بن عبد الله شخصيًا.

يقيم القرآن نظامًا خاصًا لليهود والمسيحيين ويدعوهم أهل الكتاب، ويقر بوجودهم في المجتمع الإسلامي،[419] ويثني عليهم في مواضع عدة،[420] ويميز بشكل خاص المسيحيين، ويذكر صراحة أنهم الأكثر مودة للمسلمين.10[421]

مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ
آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ

—آل عمران، 113

يرى بعض الفقهاء أن المسيحيين الذين لم يؤدوا الجزية ولم يدخلوا مع المسلمين في عهد تشملهم آيات القتال[422] في القرآن،[423] بيد أن عددًا آخر يرى أن هذه الآيات تشير غالبًا إلى قبيلة قريش ولا يمكن إلا أن تربط بظرفيتها التاريخية؛[424] ويكرم القرآن أيضًا الإنجيل ويعتبره كتابًا سماويًا منزلاً ويسميه "الكتاب المنير" و"هدى ونور"؛[425] والإيمان بكونه منزل من عند الله يدخل في الركن الثالث من أركان الإيمان في دين الإسلام،[426] بيد أن المسلمين يعتقدون أن النسخة الحالية منه نسخة محرفة.[427]

أما يسوع في القرآن يدعى عيسى تعريبًا لاسمه اليوناني إيسوس، ويسمه كذلك المسيح، ويلازم القرآن وصفه بابن مريم.[428]؛ وهو نبي مؤتى بالبينات ومؤيد بالروح القدس،[429] وبشرت الملائكة به مريم بكلمة من الله ويدعى وجيهًا في الدنيا والآخرة،[430] وقد جاء بالحكمة،[431] ويذكر القرآن أيضًا عددًا من أعمال يسوع ومعجزاته الواردة في الأناجيل،[432] وأخرى مذكورة في الكتب الأبوكريفية،[433] ويشدد القرآن على وصف المسيح بالبشرية،[434] ويشبهه بآدم حيث خلقهما الله من تراب ثم نفخ فيهما من روحه،[435] وتشير سورة الأنبياء 91 إلى عذرية مريم وحملها بأمر الله دون وجود ذكر،[436] وتختم بالإعلان أن يسوع وأمه هما آية للعالمين؛ بيد أن القرآن يرفض ألوهية يسوع ويصفه بعبد الله،[437] ويرفض وصفه بابن الله،[438] كما ينكر صلبه أو مقتله،[439][440] والإيمان بالمسيح يدخل في الركن الرابع من أركان الإيمان في دين الإسلام، ويعد الإسلام من أنكر نبوة المسيح أو تنقصه أو شتمه كافرًا.[441]

لقد سادت الألفة بين الإسلام والمسيحية زمنًا طويلاً،[442][443][444] لكن الاضطهادات التي عانى منها المسيحيون خلال بعض مراحل الدولة العباسية والدولة الفاطمية أثرت سلبًا في هذه العلاقة،[442] وكذلك الحروب الصليبية وقسوة المماليك في التعامل مع غير المسلمين. وفي العصور الحديثة احتلت الدول الكبرى المسيحية عددًا من الدول الإسلامية ما أدى إلى مزيد من التباعد؛ إلا أن حركات تقارب عديدة ظهرت خلال النصف الثاني للقرن العشرين وقد تكون مبادرة المجمع الفاتيكاني الثاني، واحدة من أهمها:

   
مستخدم:Jobas/ملعب
وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار أيضًا إلى المسلمين الذين يعبدون معنا (أي مع المسيحيين) الإله الواحد الحي القيوم الرحيم الضابط الكل خالق السماء والأرض المكلم البشر؛ ويجتهدون (أي المسلمين) في أن يخضعوا بكليتهم لأوامر الله الخفية، كما يخضع له إبراهيم الذي يُسند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي؛ وهم يجلون يسوع كنبي وإن لم يعترفوا به كإله، ويكرمون مريم أمه العذراء كما أنهم يدعونها أحيانًا بتقوى؛ علاوة على ذلك أنهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشر القائمين من الموت؛ ويعتبرون أيضًا الحياة الأخلاقية ويؤدون العبادة لله لا سيما بالصلاة والزكاة والصوم. وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس (أي الفاتيكاني الثاني) يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بالخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معًا العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس.[445]
   
مستخدم:Jobas/ملعب

المسيحية والأديان الأخرى[عدل]

مريم العذراء، سيدة غوادالوبي شفيعة الإمريكيتين؛ إحدى أقدم الآثار المسيحية في العالم الجديد وأشهرها تعود لعام 1555.

لم يحصل احتكاك مبكر بين المسيحية وديانات الشرق الأقصى، وعندما حصل هذا الاحتكاك خلال العصور الوسطى تزامنًا مع الحركات الاستكشافية في عصر النهضة تنوعت ردة الفعل بين الترحيب الشديد والإقبال على اعتناقها وبين الحظر والاضطهاد كما حصل في الصين،[446] في العصور الحديثة وسمت هذه العلاقة بالديبلوماسية وتبادل الزيارات بين القيادات الدينية على أعلى المستويات، وكان المجمع الفاتيكاني الثاني أشار إلى البوذية الهندوسية بوصفهما دينين يسعيان ”للاستشراق السامي“.[447]

أما في علاقة المسيحية بالأديان المندثرة، ففيما يخص أديان السكان الأصليين لأمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، فبالرغم من تقلص اعدادهم بشكل كبير نتيجة لفقر مناعتهم للأمراض التي جلبها المستعمرون، إلا أن البابا بيوس الثالث كان قد دعا بالمنشور البابوي ”الله الأسمى“ سنة 1537 إلى احترام السكان الأصليين وحقوقهم معلنًا أنهم بشر، على عكس ما كان سائدًا من اعتقاد، ودعا إلى الاهتمام بدعوتهم لاعتناق المسيحية.[448] أما فيما يخص الأديان القديمة فمن المعروف أن المسيحية قد عانت الاضطهادات على يد الديانة الرسمية في الإمبراطورية الرومانية ممثلة بعبادة القيصر.[449] فإلى جانب الاضطهادات المتبادلة حصلت تمازجات ثقافية عديدة، فقد أدى اعتناق الرومان والإغريق للمسيحية بأعداد كبيرة إلى انتقال بعض تقاليدهم الدينية إليها، على سبيل المثال إيقاد شمعة الشموع داخل الكنائس طلبا للشفاعة وفن رسم الأيقونات وتواريخ بعض الأعياد المسيحية كعيد ميلاد يسوع المسيح. كما أثرت الفلسفة الإغريقية بشكل كبير في المسيحية الغربية، كما يظهر من كتابات لاهوتييها الأوائل.[450]

يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أيضًا العادات من الديانات الفرعونية والبابلية القديمة والتي نفذت إلى الديانة اليهودية ومنها إلى المسيحية، كبناء الكنيسة الذي يشبه بناء هيكل سليمان المأخوذ بدوره عن المعابد المصرية،[451] وبعض هذه العادات نفذت لاحقًا إلى الإسلام أيضًا، كالوصايا العشر المقتبسة من كتاب الموتى الفرعوني المقدس، وظهرت بشكل أو آخر في الديانات الثلاثة،[452] إلى جانب إقامة أربعين الميت وغيرها.

الطقوس والممارسات الدينية[عدل]

العماد وهو سر دخول المرء في المسيحية.

تعتبر المسيحية دينًا طقسيًا، أي أنه يترافق مع مجموعة من الطقوس تتم غالبًا في الكنيسة التي هي مركز الحياة الدينية، وتدعى الكنائس الكبرى والتي هي مقر إقامة الأسقف بالكاتدرائية؛ وقد تنوعت التعاريف المجترحة لهذه الطقوس المرتكزة على الأسرار السبعة المقدسة، غير أنها في المجمل:

   
مستخدم:Jobas/ملعب
إن هذه الأسرار بصفتها علامات حسية لها دور تعليمي، فهي تغذي الإيمان وتقويه وتعبر عنه صراحة لهذا سميت أسرار الإيمان، والاحتفال بها (المصطلح الكنسي يعني ممارستها) يهيئ المؤمنين أحسن تهيئة لقبول النعمة قوبلاً مثمرًا ولتأدية العبادة لله بصورة صحيحة.[453]
   
مستخدم:Jobas/ملعب

وتختلف هذه الطقوس في ظاهرها باختلاف الليتورجيا11 المتبعة وباختلاف العادات الشعبية أيضًا، إذ إن كثيرًا من هذه الطقوس اقتبست من ثقافات مناطق انتشارها؛ كما تختلف باختلاف الطوائف لكنها بشكل عام واحدة في الجوهر أي أن غايتها واحدة؛ يعتبر الطقس اللاتيني من أكثر الطقوس انتشارًا في العالم، ومن الطقوس الهامة الأخرى الطقس السرياني، ويقسم بدوره إلى سرياني شرقي (لكونه انتشر شرق نهر الفرات) وسرياني غربي (لكونه انتشر غرب نهر الفرات) والقبطي والبيزنطي؛ وقد تأثرت هذه الطقوس إلى جانب تأثرها بثقافات الشعوب السائدة، ببعضها بعضًا واقتسبت من بعضها البعض في كثير من الأحيان.

يعتبر القداس الإلهي أشهر الطقوس المسيحية وأهمها، وهو يقام يوميًا في الكنيسة الكاثوليكية وأسبوعيًا أو بشكل نصف أسبوعي لدى سائر الكنائس، وإلى جانب القدّاس الإلهي تكثر الطقوس المرتبطة بمراحل حياة الإنسان، كالعماد وهو سر الدخول إلى المسيحية ويلحق به سر التثبيت باستخدام الميرون، الزواج استنادًا إلى ما ورد في الرسالة إلى أفسس 32/5، الجنازة وهناك أيضًا سر مسحة المرضى استنادًا إلى مرقس 13/6 و رسالة يعقوب 14/5؛ أو تلك المرتبطة بالمناسبات والأعياد الدينية كرتبة جمعة الآلام، درب الصليب وأربعاء الزيت والزياحات والتطوافات.

كاتدرائية نوتردام، باريس: مركز الحياة الدينية في المدينة.

الكنائس البروتستانتية عمومًا ترفض الطقوس، ذلك باستثناء الكنائس البروتستانتية الأسقفية، وبعض الكنائس البروتستانتية الأخرى تكتفي بسري أو طقسي العماد والافخارستيا؛ غير أن بعضها الآخر يمتلك طقوسه الخاصة كالتهليل بصوت مرتفع.[454]

يقدس المسيحيون يوم الأحد لأنه اليوم الذي قام به يسوع من الموت وفقًا لمعتقداتهم، وإلى جانب الصلوات العامة التي تقام في الكنيسة هناك الصلوات الخاصة التي يقيمها الفرد بينه وبين الله مباشرة، وغالبًا ما توصي الكنيسة بأن تكون هذه الصلوات مرتبطة بأحداث النهار كقبل الطعام وبعده. كذلك فإن قراءة الكتاب، خصوصًا مزامير آل داود، تعتبر من العبادات الفردية؛ هناك أيضًا "صلوات الساعات"، وهي سبع صلوات في اليوم مقتبسة من التراث اليهودي المسيحي، تعتبر فرضًا على الرهبان، وخيارًا بالنسبة للباقي. وتوجد أنواع مخصوصة من الصوم في بعض الكنائس مثل الصوم الكبير والصوم الصغير؛[455] وتعتبر مساعدة الفقراء من العبادات الفردية حسب وصية المسيح "كل ما فعلتموه لإخوتي الصغار هؤلاء، فلي قد فعلتموه"، وتدعى إجمالاً أعمال الرحمة، والتبشير، والصدقات، والنذور، والتأمل، وساعات السجود، والأدعية قبل الطعام وبعده، وكذلك العشور الواسعة الانتشار، والتي تديرها الكنيسة مباشرة، أو تنفق مباشرة لذوي الحاجة دون وساطة الكنيسة.

وترافق جميع الطقوس المسيحية على اختلافها قراءات منتقاة من الكتاب المقدس حسب الأيام أو المناسبة وتفسيرها، إضافة إلى إنشاد ترانيم دينية موافقة للزمن الطقسي أو موضوع الإنجيل، إضافة إلى استحضار الروح القدس.

أداء صلوات في كنيسة إنجيليّة في البرازيل.

وعلى عكس عدد كبير من الديانات الأخرى، فإن المسيحية لا تحوي على شريعة محددة بممنوعات أو محظورات أو تفرض عادات معينة، غير أنها تدعو إلى حياة أخلاقية واجتماعية عادلة وبالتالي تحرم كل ما يعارضها، القتل بما فيه الإجهاض، السرقة، الحسد، الزنى وغيرها ما يشكل عمليًا الوصايا العشر؛ إن شريعة العهد الجديد، كما يرى المسيحيون، تختصر في فعل المحبة،[456] فالمسيحي مدعو لأن تكون جميع أعماله تجاه نفسه والمجتمع ناجمة عن المحبة،[457] وذلك لأن المحبة تتفوق في اللاهوت المسيحي على الإيمان ذاته،[458] وبالتالي فكل فعل صادر عن محبة هو ليس بخطيئة. يترجم فعل المحبة حسب المسيحية إلى ما يسمى أعمال الرحمة، وتأخذ هذه الأعمال أهمية خصوصًا لدى الكنيسة الكاثوليكية، والأرثوذكسية والميثودية وينظر إلى هذه الأعمال كوسيلة لنيل النعمة والقداسة، تقليديًا تم تقسيم أعمال الرحمة إلى فئتين، في كل منها سبعة عناصر، أعمال الرحمة البدنية والتي تهتم بالاحتياجات المادية للآخرين، وأعمال الرحمة الروحية التي تهتم بالاحتياجات الروحية للآخرين. وبالتالي اتباعًا لوصية المحبة وأعمال الرحمة أنشأت الكنيسة المستشفيات والمدارس والجامعات والجمعيات الخيرية ودور الأيتام والملاجئ لمن هو بلا مأوى.[459]

أما القانون الكنسي ومصدره الكتاب المقدس جنبًا إلى جنب قوانين الرسل (الدسقولية والديداخي) وكتابات آباء الكنيسة والمجامع، فهو عبارة عن نظام أساسي لمجموعة القوانين والأنظمة الصادرة أو التي اعتمدتها السلطة الكنسية، وتحدد وتنظم هذه القوانين العمل الكنسي لمختلف الطوائف المسيحية، وهي عبارة أيضًا عن قواعد ملزمة والتي تحكم علاقات الأفراد ومعاملاتهم بالله وبالناس وبالمجتمع وتخضع للمصادر الكنسية المسيحية، ولا تنصرف فقط إلى مسائل الأحوال الشخصية من زواج وتفريق وغيره من مسائل الحالة الشخصية، ولكن إلى تطبيق المصادر المسيحية الكنسية المعترف بها.

بشكل عام تعتبر الكنيسة الكاثوليكية الأكثر تطويرًا للعقائد المسيحية من خلال دراسة خلفية النص بدلاً من حرفيته، على عكس بعض الكنائس البروتستانتية التي تنحو نحو التفسير الحرفي للكتاب المقدس بفرض سلسة من الشرائع كالقيود على الطعام وختان الذكور الذي تفرضه أيضًا كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بالإضافة إلى أنتشاره الواسع أيضًا بين المسيحيين في الولايات المتحدة الإمريكية والفلبين وأفريقيا والشرق الأوسط تأثرًا بالعادات الاجتماعية والثقافة السائدة.[460]

مظاهر من الطقوس والممارسات المسيحية

القداس الإلهي، سر الافخارستيا، القربان الأقدس[عدل]

ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب.
—مزامير 8/34

الافخارستيا (باليونانية: εὐχαριστία؛ باللاتينية: Eucharistia) كلمة يونانية تعني الشكران، بحسب المصطلحات الكنسية يطلق اسم الافخارستيا على سر القربان وذلك لأن المسيحيين يشكرون الله لمنحهم هذا السر،[461] وتقام الافخارستيا ضمن القداس الإلهي حصرًا ولا يمكن أن تقام خارجه.

القداس الإلهي يتألف من قسمين أساسيين، القسم الأول ’الكلمة‘ حيث تقام صلوات البدء والتمجيد وعدد من الأناشيد تليها قراءة الإنجيل وتفسيره، وهذا أصل التسمية بالكلمة إذ تقرأ به ’كلمة الله‘ وتفسر، القسم الثاني من القداس هو الافخارستيا أي عندما يتم استحضار الروح القدس لتحويل الخبز والخمر إلى جسد يسوع ودمه، وترافق رتبة الاستحضار عدد من الرتب والطقوس المختلفة بحسب الطوائف والليتورجيات المتبعة، غير أن أهم رتبتين هما رتبة السلام أي منح سلام المسيح ورتبة التوبة المختصرة التي تلحق بها المناولة؛ تؤمن أغلب الطوائف المسيحية أن الخبز والخمر يتحولان فعلاً إلى جسد المسيح ودمه، ويعامل القربان بالتالي معاملة المسيح نفسه، يأت هذا الاعتقاد من ما ذكر في الإنجيل بأنه في الليلة التي سبقت آلام المسيح أخذ الخبز وقدمه للتلاميذ الاثني عشر قائلاً لهم هذا هو جسدي،[462] وكذلك فعل على كأس الخمر هذا هو دمي،[463] ثم طلب منهم أن يصنعوا هذا دائمًا لذكره،[464] وبرر ذلك بأن جسده ودمه لغفران الخطايا ولنوال الحياة الأبدية (أحد المسميات المسيحية للجنة)،[465] بعد قيامته فعل الشيء ذاته إذ يذكر إنجيل لوقا أنه قد "ظهر" لتلمذين من تلاميذه فأخذ يشرح لهما الكتاب المقدس، أي أنه قام بقسم الكلمة،[466] ثم أخذ الخبز وباركه وكسره،[467] ويذكر سفر أعمال الرسل أن الكنيسة الأولى كانت تقيم هذا التقليد بشكل دائم،[28] ثم قام بولس الرسول بوضع مزيد من القواعد المنظمة المفسرة له فيوبخ من ينقطع عن حضوره،[468] ويعلن أن الاشتراك به هو الاشتراك مع المسيح،[469] ويقدم إنجيل يوحنا على لسان يسوع مزيدًا من الوضوح:

فمن أكل الخبز وشرب الكأس بغير استحقاق،
يكون مذنبًا تجاه جسد الرب ودمه،
إذ لم يميز جسد الرب.

—الرسالة الأولى إلى كورنثس27/11
   
مستخدم:Jobas/ملعب
فأثار هذا الكلام جدالاً عنيفًا بين اليهود، وتسائلوا: كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده فنأكله؟ فأجابهم يسوع: الحق الحق أقول لكم إذا لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه فلا حياة لكم؛ من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي طعام حق ودمي هو الشراب الحقيقي، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه.[470]
   
مستخدم:Jobas/ملعب

يستشهد اللاهوتيون المسيحيون أيضًا بعدد من مقاطع العهد القديم لإثبات ذلك،[471] وعلى الرغم من هذا هناك عدد من الخلافات العقائدية بين الطوائف حول طرق استعمال هذا السر وطرق منحه،12 سوى ذلك فلا تعترف جميع الطوائف البروتستانتية بهذا السر وتمارسه، هناك الكنائس البروتستانتية الأسقفية واللوثرية والمشيخية تقوم فعلاً بممارسته غير أن قسمًا آخر يفسر الآيات الخاصة به بشكل رمزي أو يقيمه كتذكار دون الإيمان بتحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه.[472]

الكهنوت وسلطة الحَل[عدل]

أسقف من كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك بثيابه الكهنوتية الكاملة.

إن كلمة كاهن ظهرت في وقت لاحق للإشارة إلى رجال الدين المسيحيين، أما المصطلح الأقدم الذي كان مستعملاً في القرن الأول والقرن الثاني ولا زال حتى اليوم لدى الطوائف البروتستانتية هو قس من الكلمة السريانية قشيشو أي الشيخ، وهو المصطلح الذي استعمله القديس بولس في رسائله للإشارة إلى شاغلي هذه الرتبة.

دراسة الكهنوت - تمهيدًا ليصبح الرجل كاهنًا، تستمر في الكنيسة الكاثوليكية سبعة سنوات تترافق إلى جانب دراسة اللاهوت بدراسة الفلسفة وعلم النفس والتاريخ، ويمكن للكهنة إدراج اختصاص آخر أيًا كان؛ في بعض الكنائس الشرقية يجوز منح سر الكهنوت لمن عرف عنه التقى والصلاح في مسيرة حياته دون الحاجة إلى دراسة. يقسم الكهنوت إلى ثلاث مراتب: الشماس والكاهن والأسقف؛ الرتب الدينية الأخرى هي وظائف لتسهيل إدارة الكنيسة: الشدياق والقندلفت اللذان يقومان بتحضير المواد اللوجستية للطقوس، الخوري أي كبير الكهنة، الخور أسقف أو الأرشمنديت كنائب للأسقف، البطريرك البابا كرؤساء أساقفة، ويمكن الأخذ بعدة شواهد من الإنجيل تؤيد فكرة السلك الكهنوتي بشكل عام،[473] وفكرة القيادة محددة بشخص معين البابا أو البطريرك، وذلك من خلال تعيين بطرس رأسًا للرسل، فالمسيح أقام بطرس صراحة رئيسًا في إنجيل يوحنا 21/ 15-19 وسلمه مفاتيح الملكوت معطيًا له سلطة الحل والربط في متى 16/ 13-20 وقبيل آلامه طلب منه تثبيت البقية في الإيمان،[474] وتروي الفصول الأولى لسفر أعمال الرسل أحداث قيادة بطرس للكنيسة،[475] فالبابا أو البطريرك هو خليفة بطرس بوضع اليد ويصبح مع الأساقفة ممثل المسيح على الأرض؛ وبينما ترى الكنيسة الكاثوليكية بشخص البابا الخليفة الأول لبطرس على الأرض لا تقبل الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والأرثوذكسية المشرقية ذلك لكون بطرس قد أسس عددًا من الكنائس، في حين يرفض البروتستانت سلك الكهنوت برمته، ولا يوجد تنظيم مركزي حتى بين كنائس الطائفة الواحدة، فلكل منها إدارتها المستقلة دون وجود مرجعية أعلى.13

وظائف الكهنة هي إقامة الطقوس المسيحية خصوصًا القداس الإلهي والأسرار السبعة المقدسة، الوعظ والإرشاد من خلال تفسير الكتاب المقدس، كما لهم حق الحل من الخطايا ضمن سر التوبة؛[476] ولا يمكن للنساء الانخراط في سلك الكهنوت لكون يسوع قد اختار التلاميذ الاثني عشر من الذكور رغم أن عددًا من الإناث كنّ يتبعنه، لكن هناك عدد من الكهنات بل والأسقفات في الكنيسة الأسقفية الأمريكية البروتستانتية،[477] وتجري مطالبات بذلك في الكنيسة الكاثوليكية؛ وبجميع الأحوال يمكن للنساء التوجه نحو السلك الرهباني تمامًا كالرجال؛ ويختلف السلك الرهباني تمام الاختلاف عن السر الكهنوتي في النشأة والمهام والواجبات، رغم وجود بعض الرهبان هم كهنة في الوقت نفسه.[478]

في الكنيسة الكاثوليكية لا يحق للكهنة الزواج، مع وجود استثناء في الكنائس الكاثوليكية الشرقية التي تسمح شأنها شأن سائر الطوائف بزواج الكهنة. فيما يخص المؤمنين فهم منظمون ضمن الرعايا يشرف على كل منها كاهن أو أكثر، وتؤلف مجموعة الرعايا في نطاق جغرافي معين الأبرشية التي يرأسها الأسقف، وتشكل الأبرشيات مجتمعة البطريركية بأشكالها المختلفة، أو تربط مباشرة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بالفاتيكان.[479]

المؤسسة البطريركية أطلقت على خمس في القديم: روما، والإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية والقدس، غير أنها لاحقًا أطلقت على مواقع مختلفة من العالم كالبندقية والبرتغال وروسيا ورومانيا وأثيوبيا والهند ومناطق أخرى.

الحياة الدينية لدى المسيحيين[عدل]

السنة الطقسية والأعياد[عدل]

شجرة عيد الميلاد في نيويورك: تكتسب الأعياد المسيحية طابعًا اجتماعيًا مميزًا.

يقسم المسيحيون العام إلى سبعة أزمنة تدعى بمجموعها السنة الطقسية، يرتبط كل زمن منها بقسم من حياة يسوع الأرضية؛[480] وتختلف الأزمنة في مدتها، مواعيد بدايتها، أو طرق الاحتفال بها، بين مختلف الطوائف استنادًا إلى الليتورجيا السائدة والطقس المعتمد، إضافة إلى عادات البلدان المختلفة؛ بيد أنه عمومًا ومع استثناء الطوائف البروتستانتية حيث لا وجود لسنة طقسية، فإن السبعة أزمنة هي، الميلاد ذكرى ميلاد يسوع؛ الغطاس ذكرى عماده، الصوم لمدة خمسين يومًا تستذكر فيها أعاجيب المسيح وأمثاله، أسبوع الآلام تستذكر محاكمة المسيح وآلامه وصلبه ومن ثم موته، الفصح أو القيامة حيث تستذكر قيامة المسيح وما لحقها من ظهورات وتعاليم، العنصرة أي ذكرى حلول الروح القدس ويستذكر فيه أيضًا مواعظ المسيح وتعاليمه، وأخيرًا زمن الصليب حيث تستذكر تعاليم المسيح عن يوم القيامة. ويحوي كل زمن أعياده الخاصة، وقد يحوي أعياد قديسين أو أعيادًا أخرى من خارج الزمن، وعلى العموم فإن عيد الميلاد وعيد الفصح يعتبران من أهم الأعياد المسيحية ويسبقهما صيام، ولا يوجد قواعد محددة للصوم المسيحي، فمن المعروف أنه محبذ لأن المسيح قد فعل ذلك،[481] لكنه يختلف حسب الطوائف ومن منطقة إلى أخرى، ويتنوع بين الامتناع عن الطعام ساعات محددة أو الامتناع عن ألوان محددة من الطعام؛ وإلى جانب الأعياد الشهيرة هناك العديد من الأعياد والتذكارات المسيحية التي تكتسب طابعًا محليًا مميزًا مرتبطًا ببلد معين أو طائفة محددة كعيد القديسة جان دارك في فرنسا، فرنسيس الأسيزي في إيطاليا، يوم القديس باتريك في أيرلندا، القديس أندراوس في أسكتلندا، القديس إسطفان في المجر، يعقوب بن زبدى في إسبانيا، القديسة بربارة في بلاد الشام، القديس جرجس في دول شتى أو القديس مرقس لدى الأقباط الأرثوذكس ومار مارون لدى الموارنة؛[482] ولا تقتصر الأعياد المسيحية على الاحتفالات الدينية إذ ترافق عادة بممارسات ومهرجانات اجتماعية مميزة.

أماكن ذات أهمية دينية مسيحية[عدل]

فيما يخصّ الأماكن ذات الأهمية الدينية لدى المسيحيين، فإنها تكاد لا تحصى، إذ إنّ عدد الكنائس والكاتدرائيات وأضرحة القديسين والشهداء، المبجلة من قبل مختلف الطوائف، تنتشر حول العالم، بعضها ذو أهمية محلية أو إقليمية، والبعض الآخر ذو شهرة عالمية، يضاف إلى ذلك مقرّات البطاركة ورؤساء الأساقفة لمختلف الطوائف، ككاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان، هناك بعض المواقع الرهبانية والنسكية التي ارتبط مفهوم القداسة بها كوادي قاديشا في لبنان وجبل آثوس في اليونان ودير سانت كاترين في سيناء.

إلى جانب ما يؤمن بعض المسيحيين بأنه مواقع لظهورات العذراء كمزاري مدينة فاطمة البرتغالية ولورد الفرنسية ومزار العذراء السوداء في بولندا ومزار عذراء غوادالوبية في المكسيك؛ كما تعتبر بعض هذه الكنائس مقصدًا دينيًا وسياحيًا في الوقت ذاته كتمثال المسيح الفادي في البرازيل.

فضلًا عن مواقع اضرحة قديسين ومبجلين مسيحيين تتواجد في كافة انحاء العالم المسيحي أكثرها شهرة كنيسة القديس أنطون في بادوفا ومدينة أسيزي الإيطالية، كاثدرائية سان جيوفاني باتيست التي تحوي كفن تورينو، وكاتدرائية سانتياغو دي كومبوستيلا الإسبانية، كاتدرائية كانتربري في انكلترا، كذلك يعتبر البروتستانت فيتنبرغ مهد الإصلاح البروتستانتي.

أمّا في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية هناك مواقع مقدسة وذات أهمية تاريخيَّة مثل المنطقة النسكية في جبل آثوس في اليونان، مدينة إسطنبول عاصمة المسيحية الشرقية سابقًا ومركز بطريركية القسطنطينية المسكونية، دير بيشيرسك افرا في كييف وستاري راس في صربيا وغيرها من المواقع.

فيما يخص مدينة أنطاكية لهذه المدينة أهمية كبيرة لدى المسيحيين في الشرق، فهي أحد الكراسي الرسولية إضافة إلى روما والإسكندرية والقسطنطينية والقدس وبطاركة الطوائف التالية يلقبون ببطريرك أنطاكية: السريان الأرثوذكس، الأرثوذكس الشرقيين، السريان الكاثوليك، الروم الكاثوليك، السريان الموارنة.

يُمكن أن تذكر كنيسة القيامة في القدس كأقدس الأماكن المسيحية؛ إلى جانب عدد من المواقع الأخرى التي تمثل محطات في حياة المسيح يعتقد المسيحيون أنها حدثت في تلك المواقع، ككنيسة المهد في بيت لحم وكنيسة البشارة في الناصرة والمغطس في شرقي نهر الأردن مثالاً لذلك.[483]

حسب التراث المسيحي يُطلق على فلسطين التاريخية والأردن أسم الأراضي المقدسة.

رموز مسيحية[عدل]

المسيحية تضفي هالة من القدسية على عدد كبير من الرموز كالصليب استنادًا إلى ما ورد في الرسالة الأولى إلى كورنثس 18/1 و الرسالة الأولى إلى كورنثس 22/1 إضافة إلى الرسالة إلى غلاطية 1/3، وقد وردت كلمة صليب في العهد الجديد 27 مرة في حين ورد فعل الصلب 46 مرة؛ تعتبر اللبرومة أيضًا من الرموز المسيحية المقدسة وكان الإمبراطور قسطنطين أول من قام بادخالها تحت شعار ”بهذه العلامة تنتصر“، هناك أيضًا السمكة المسيحية التي استخدمتها الأجيال الأولى للدلالة بشكل سري على اسم يسوع خوفًا من الاضطهادات، يعتبر رمز الألف والياء من الرموز المسيحية المقدسة في الإشارة إلى يسوع استنادًا إلى ما ورد في رؤيا يوحنا 8/2.

يقدس المسيحيون الأيقونات كرموز مسيحية، ويقدّس الكاثوليك المسبحة الوردية كأحد الرموز الواسعة الانتشار. خلال القرون المسيحية الأولى دار نقاش حول شرعية إكرام الرموز الدينية، قبل أن يحسم الجدال في مجمع نيقية الثاني، على سبيل المثال فإنّ القديس يوحنا الدمشقي، أحد الملافنة وأبرز المدافعين عن الرموز، قال بإنّ إكرام الرموز ليس إكرامًا لمادة أو صورة الرمز بل لما يمثله، فإن كنّا نكرّم كلمة الله المكتوبة بأحرف، فلنا تكريم كلمة الله المرسومة بألوان؛ وهو وما يعرف باسم الأيقونات، أي الصورة التي تمثل مقاطع كتابية، ولها مدارس ومناهج في رسمها، وكذلك المنحوتات في المسيحية الغربية. أما أبرز الرموز المسيحية فهو الصليب المسيحي، الذي يشير لعمل المسيح الفدائي؛[1كو 1:18] وهناك مجموعة رموز أخرى مثل سمكة المسيح، وإشارة الألف والياء.

الأسرة[عدل]

تعتبر الأسرة الوحدة المركزية للمجتمع المسيحي،[484] وهي في المفهوم المسيحي كنيسة صغيرة،[485] وقد اهتمت الكنيسة به ويعتبر الزواج سرًا من الأسرار السبعة المقدسة لكونه يشكل أساس العائلة، بحيث يصبح الزوجان جسدًا واحدًا.[486] كما ويحضّ الكتاب المقدس على صلة الرحم والقرابة والعلاقات الأسرية.[487]

لقد حددت تعاليم الكنيسة دور كل فرد من أفراد الأسرة وخصصت لهم حقوق وواجبات معينة. فالأب هو المسؤول الرئيسي عن حفظ ورعاية العائلة،[488] وعليه يقع واجب التكفل بإعالة عائلته، والأم الاحترام والعناية بالأبناء، وقد رفعت المسيحية من شأن المرأة،[489] فلقد نادى يسوع في المساواة بين الجنسين، كما وعلى الأبناء احترام وإكرام الوالدين.[490]

في أغلب الطوائف المسيحية، لا يوجد تعدد زوجات ولا يتم تحبيذ الزواج من غير المسيحية،[491] كذلك من الصعب الحصول على الطلاق نظرًا لكون الزواج عقدًا غير منحل،[492] غير أنه قد ظهرت عدد من الأوضاع الأخرى مثل بطلان الزواج أو فسخ الزواج في الكنيسة الكاثوليكية إضافة إلى تسهيلات في الطلاق لدى الكنائس الأرثوذكسية الشرقية؛ في حين لا يرى البروتستانت الزواج سرًا مقدسًا أصلاً.13

دور النساء[عدل]

راهبة تقوم بالعناية بالمرضى والعجزة؛ لعبت النساء دورًا هامًا في حياة الكنيسة.

أثّرت الكنيسة على النظرة الإجتماعية للمرأة في جميع أنحاء العالم بطرق هامة، حسب بعض المؤرخين أمثال جيوفيري بلايني. أما في تاريخ المسيحية، فبدوره لعبت النساء أدوارًا متعددة إن كان في السلك الرهباني أو العلماني، كاللاهوتيات، والراهبات، والملكات، والصوفيات والشهداء، والممرضات، والمعلمات وحتى مؤسسات مذاهب. علمًا أنه وكما يتضح من إنجيل لوقا، فإن ليسوع نفسه أتباعًا من النساء.

في اللاهوت المسيحي يتساوى الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، استنادًا إلى تعاليم يسوع في المساواة بين الجنسين، ولعل من أبرز مظاهر تكريم ورفع شأن المرأة هو التكريم الخاص لمريم العذراء، لدى أغلب كنائس وطوائف العالم المسيحي، واللاهوت المريمي أحد فروع علم اللاهوت العقائدي الذي يدرس دور مريم في العقيدة المسيحية، ويعرف أيضًا باسم الماريولوجي.

تعارض المسيحية عددًا من العادات الاجتماعية التي هي في نظرها مذمومة ومنها وأد البنات، والطلاق، وسفاح المحارم، وتعدد الزوجات والخيانات الزوجية وتقوم بمساواة الخطيئة بين الرجل والمرأة. وتتجلى مظاهر المساواة حسب الكنيسة في القوانين الكنيسة وتشريعاتها مع وجود الاختلافات بين الأحوال الشخصية لمختلف الكنائس،[493] إلا أنها تشترك في عدد من التشريعات مثل قضية الارث حيث يتساوى الرجل والمرأة في حصته من الإرث،[493] وكذلك في حالتي الطلاق بما فيه فسخ الزواج أو الهجر، حيث يشترك الأب والأم في النفقات وتقاسم الثروات المدخرة بشكل متساوي إلا في بعض الحالات الخاصة،[493] كما تعطى الحضانة للمرأة، في سنين الطفولة الأولى.[493]

نمط الحياة[عدل]

عائلة مسيحية تصلّي قبل الطعام في عيد الشكر.

تعتبر المسيحية دينًا طقسيًا، أي أنه يترافق مع مجموعة من الطقوس تتم غالبًا في الكنيسة التي هي مركز الحياة الدينية، وإلى جانب القدّاس الإلهي تكثر الطقوس المرتبطة بمراحل حياة الإنسان وترتبط هذه في الأسرار السبعة المقدسة، منها كالعماد وهو سر الدخول إلى المسيحية ويلحق به سر التثبيت باستخدام الميرون، الزواج، الجنازة وهناك أيضًا سر مسحة المرضى. تمنع الكنيسة الكاثوليكية زواج الكهنة، مع وجود استثناء في الكنائس الكاثوليكية الشرقية شرط أن يتم قبل نيل السر، وينذر الرهبان نذر العفة أي البتولية إلى جانب الطاعة والفقر. بينما تسمح الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والمشرقية في زواج الكهنة وتفرض البتولية على الرهبان وحدهم، وكذلك حال الكنائس البروتستانتية التقليديّة، أما البروتستانتية الغير تقليدية فلا يوجد لديها سر كهنوت من الأساس.

تعتبر قراءة الكتاب المقدس، خصوصًا مزامير آل داود، تعتبر من العبادات الفردية؛ هناك أيضًا "صلوات الساعات"، وهي سبع صلوات في اليوم مقتبسة من التراث اليهودي المسيحي، تعتبر فرضًا على الرهبان، وخيارًا بالنسبة للباقي؛[494] ومن الأنواع الشائعة الأخرى المسبحة الوردية بالنسبة للكاثوليك.[495][496] وتدعى إجمالاً أعمال الرحمة، والتبشير، والصدقات، والنذور، والتأمل، وساعات السجود، والأدعية قبل الطعام وبعده، وكذلك العشور الواسعة الانتشار، والتي تديرها الكنيسة مباشرة، أو تنفق مباشرة لذوي الحاجة دون وساطة الكنيسة.[497]

الكلاماري وهي من مأكولات يوم الجمعة في الدول الكاثوليكية والأرثوذكسية.

بشكل عام تعتبر الكنيسة الكاثوليكية الأكثر تطويرًا للعقائد المسيحية من خلال دراسة خلفية النص بدلاً من حرفيته، على عكس بعض الكنائس البروتستانتية التي تنحو نحو التفسير الحرفي للكتاب المقدس بفرض سلسة من الشرائع كالقيود على الطعام وختان الذكور. رغم أن شريعة الختان قد أسقطت في العهد الجديد أي أغلب الكنائس لا تلزم أتباعها بها ولا تمنعهم، بعض الكنائس البروتستانتية والأرثوذكسية المشرقية مثل كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية تفرض شريعة الختان على الذكور، المسيحيون العرب يختنون ذكورهم ويمارس أيضًا الغالبية الساحقة من المسيحيين الختان في الولايات المتحدة الإمريكية، الفلبين، كوريا الجنوبية، وأفريقيا تأثرًا بالعادات الاجتماعية والثقافة السائدة. كما وتمارس قطاعات مسيحية واسعة؛ بروتستانتية وكاثوليكية، ختان الذكور في أستراليا، كندا، نيوزيلندا، جنوب أفريقيا والمملكة المتحدة. بالمقابل فإن أقلية من مسيحييّ أوروبا وأميركا اللاتينية تمارس الختان.[498]

الديانة المسيحية لا تحرم أي نوع من المأكولات أو المشوربات، بشكل عام لا توجد قيود على المأكولات وذلك باستثناء كل من كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية والأدفنتست التي تقوم بفرض سلسة من الشرائع على الطعام وهي تشابه القيود الموجودة في الديانة اليهودية، أمّا لحم الخنزير لا توجد لدى أغلبية الطوائف المسيحية موانع بأكله. في الثقافة الكاثوليكية تنتشر عادة أكل السمك والمأكولات البحرية في يوم الجمعة. لا توجد أطباق مسيحية موحدّة، بل الأطباق تختلف من بلد إلى بلد باختلاف الثقافات. في بعض الثقافات مثل الهند أضحى لدى المسيحيين مطبخ خاص بهم مثل المطبخ الكاثوليكي الغواني ومطبخ كاثوليك مانغلور.

التأثير الثقافي للمسيحية[عدل]

مجموعة صور لعدد من مشاهير المسيحيين من مختلف المجالات.

إن التأثير الثقافي للمسيحية ضخم للغاية وشديد التشعب، إضافة إلى أنه يشمل جميع مجالات الحضارة؛ في قائمة المائة شخصية الأكثر تأثيرًا في تاريخ البشرية، ذكرت 65 شخصية مسيحية من مختلف المجالات.[499]

   
مستخدم:Jobas/ملعب
تاريخ الكنيسة أو المسيحية هو تاريخ الحضارة الغربية، فقد أثرت المسيحية بشكل كبير على المجتمع ككل بما في ذلك الفنون واللغة والحياة السياسة وحياة الأسرة والموسيقى وحتى طريقة التفكير الغربية تلونت بتأثير المسيحية. ولذا فإن دراسة تاريخ الكنيسة يلبث اليوم موضوعًا هامًا جدًا.[500]
   
مستخدم:Jobas/ملعب

لقد رعت الكنيسة مختلف أنواع العلوم،[501] وكانت المسؤول الرئيسي عن نشوء بعضها كعلم الوراثة،[502] وعن تطور بعضها الآخر كالرسم أو النحت، وبلغت الهندسة والرياضيات شأوًا انعكس من خلال تطور العمارة في القرون الوسطى؛ إلى جانب التأثيل الفلسفة ممثلاً بالقديس توما الأكويني على وجه الخصوص، الأدب واللغات واللسانيات والموسيقى والمسرح والسياسة والقانون[503] والاقتصاد والتعليم والطب والتشريح والرعاية الصحية[504] وغيرها، كما وشجعت على الاعتناء بالنظافة الشخصية [505] والعدالة الاجتماعية[506]. إضافة لكون أغلب الأعمال الفنية الكبرى من مختلف الأصعدة أيضًا كانت مرتبطة بالمسيحية، فالقسم الأكبر منها مأخوذ من الكتاب المقدس أو يمثل مقاطعًا وأحداثًا منه؛ سوى ذلك فإن كبريات الجامعات في العالم اليوم أنشئت بجهود الكنيسة كجامعة أوكسفورد وباريس وجامعة بولونيا؛ ولا يمكن حصر التأثير المسيحي في الحضارة الغربية وحدها، إذ لعب المسيحيون أيضًا دورًا بارزًا في بناء الحضارة الشرقية والإسلامية.[507][508]

إلى جانب ذلك، فإن التقويم الأكثر انتشارًا في العالم اليوم، هو التقويم الميلادي الذي كان يوليوس قيصر أول من وضعه ثم قامت الإمبراطورية الرومانية لدى اعتناقها المسيحية بحسابه بالنسبة لميلاد يسوع المسيح، وأعيد تعديله من قبل الفاتيكان في القرن السادس عشر خلال حبرية البابا غريغوريوس الثالث عشر بناءً على ملاحظات العالم إليسيوس ليليوس الذي وجد تقصيرًا في تقويم يوليوس قيصر فأصبح عشرة أيام كاملة عام 1581.

كذلك هنالك أعياد ذات صبغة مسيحية أو أصلها مسيحي وتُحتفل على نطاق واسع في العالم مثل عيد جميع القديسين (الهالويينالكرنفالات، الفالنتاين دي ورأس السنة الميلادية.

كذلك للمسيحية دور في مضمار الأخلاق والعائلة.