هوامش على دفتر النكسة (نزار قباني )

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

جلد الذات
قصيدة ( هوامش على دفتر النكسة ) نزار قباني
دراسة فنية تحليلية .

جلد الذات والهزيمة

جلد الذات[عدل]

جلد الذات والهزيمة

نشأة الشعر السياسي العربي وأهم سماته[عدل]

بدأ الشعر السياسي مع بداية الشعر بصفة عامة. فالشعر في بدايته انطوى على كثير من الموضوعات ، فالشعر في أقدم نصوصه لدينا يتعرض لكثير من الجوانب من بينها الجانب السياسي . فهذا عمرو بن كلثوم ، ولبيد بن ربيعة ، وعنترة ، وعمران بن حطان وغيرهم تنطوي أعمالهم على توجه سياسي فرضته الظروف أو هم من فرضوه على أنفسهم تبعاً لقبائلهم أو لمن يجيرهم أو يجزل لهم العطاء أو لإعتقادهم في موقف فكري أو سياسي معين .[1] مثل :

بأيِ مشيئةٍ عمروَ بنَ هندِ تُطيعُ بنا الوشاةَ وتزدرينا

[2]

الشعر السياسي بين التوجيه والتوجه[عدل]

نلاحظ في الأدب السياسي والشعر بصفة خاصة تأثره بعاملين أساسيين هما : ظاهرة توجيه الأحداث أو توجيه المتلقي وذلك وفقاً للعامل الثاني وهو التوجه أو الايدلوجية التي يؤمن بها المبدع .لأنه ( بلا شك هناك تداخل للفن الأدبي شعراً ونثراً بالايديولوجي ، وبلا شك أيضاً أن هذا المبحث قد كتب عنه الكثير )[3] ؛ فهناك من يكتب لأغراض كثيرة ، فمنها نصرة رأيه وفريقه ، والتهميش - بل التسفيه – من اراء الآخريين ، أو طرح افكار للشعور بالتميز الذاتي ، والوقوف في مكان (العالم بكل شيء ) ، وهناك الأهم وهو طرح افكار تساعد في بناء الشخصيات والجماعات بما ينعكس على تطور المجتمع إلى الأفضل ، وهناك من يطرح افكاراً لمسايرة الجو العام وتحقيق أهداف شخصية على حساب المصلحة والمنفعة الدائمة والعامة .

  • ويظهر أيضاً اختلاف التوجهات والمرجعيات في الشعر السياسي ، ويرجع ذلك إلى الإختلافات العديدة في البيئة ، الدين ، التربية ، الثقافة ، الروئ الفلسفية ، والأطروحات النظرية خاصة الإجتماعية الإقتصادية كالرأسمالية والشيوعية وغيرها . كل ذلك يؤدي إلى إختلاف الأطروحات والروئ داخل الشعر السياسي ، فلا يمكن أن تغيب الأيديولوجيا عن الإبداع الفني ( فإذا أخذنا الأيديولوجيا بالمعني الذي يجعلها وجهة نظر يتبناها الأديب مستخلصاً إياها من تجاربه الخاصة غير المرغم عليها من سلطة خارج نفسه كان التلازم قوياً بين الأيديولوجية والرؤية الأدبية )[4] .
  • بلا شك كل نص هو مشحون بالأيدلوجية ، ذلك النظام المنهجي للأفكار التي تتصل وترتبط بالسياسة أو المجتمع أو سلوك معين يعد تبريراً للقيام بأعمال معينة . هذا المفهوم العام وإذا نظرنا إليها على أنها رؤية . فإن كل أدب بلا شك يحمل رؤية دون قصد من الأديب وإلا كان مجرد ألفاظ[5] .

السلطة ... الإلزام - الكتابة الحرة ... الإبداع
بما أن السلطة في المجتمع العربي تهيمن على كل شيء فإن الكتابة الوظيفية هي الكتابة المهيمنة ... الكاتب هنا يكتب مأخوذاً ، إما بصورة الواقع ، وإما بسلطة المثال . الأولى لكي توفر له الحماية والطمأنينة والثانية لكي يعوض بالوهم عن واقع يخذله أو يفلت منه . الأدب العربي يخضع لسلطة التقليد من جهة ، ولسلطة النظام من جهة ثانية ، فهذا يؤدي إلى خنق الإبداع العربي ؛ يرى أدونيس أن الكاتب العربي لا يستطيع أن يتنقل بسهولة من بعض العواصم العربية إلى بعضها الآخر إلا في حالة واحدة ... ألا يطرح أي مشكلة ، أي أن لا يقول شيئاً ، ( فإن الكتاب العربي الفارغ هو وحده الذي يملأ المكتبات العربية من المحيط إلى الخليج )[6] . كلام أدونيس به الكثير من الحقائق التي نلمسها إلى الآن -2010- ، إلا أن بعض الأوضاع تغيرت في الألفية الثالثة ، والسبب الأهم العولمة وبصفة خاصة شبكة المعلومات الدولية net)) .

( أننا حين نقارن بين السلطة .. النظام ، والكتابة الحرة .. الإبداع نجد أن الكتابة الإبداعية مظهر جوهري من المظاهر الحضارية في الشعب ، بينما السلطة والنظام ليست إلا مظهر زمنياً عابراً مؤقتاً . بل إن السلطة هي التي يجب أن تخضع للإبداع )[7] . فالتغير في شكل السلطة دون المضمون والجوهر لا يغير في المجتمع شيئاً ، فهدف السلطة لا يقتصر على إعادة البناء السياسي فقط ، وإنما إعادة بناء المجتمع ككل أو تصحيح بنائه . فمستقبل الأدب والثقافة العربية مرهون بوعي مزدوج : أن يتجاوز الكاتب الإرتباط بالسلطة إلى الإرتباط بالإنسان ، وأن يرى النظام إلى ما هو أبعد من السلطة وأبقى وأغنى : الإنسان [8].

وكل هذا يتوفق على صفتين : النظرة المستقبلية والإيثار ليستفيد المجموع .

نزار قباني[عدل]

الشاعر نزار قباني

حياته[عدل]

ولد نزار بتاريخ 21 مارس 1923 في حي مأذنة الشحم ،أحد احياء دمشق القديمة ؛ قدم جد نزار من مدينة قونية، تركيا ليستقر في دمشق ووالده توفيق قباني وعم أبيه هو أبو خليل القباني، ويعد من المؤسسين للمسرح العربي بعد أن أستقر بمصر[9] . نال نزار البكالوريا وتخرج في عام 1945 من كلية الحقوق في الجامعة السورية، وعمل دبلوماسياً في وزارة الخارجية السورية في عدة مدن منها : القاهرة، مدريد، لندن، بيروت. وفي عام 1959 م بعد اتمام الوحدة بين مصر وسوريا؛ عين سكرتيراً ثانياً للجمهورية المتحدة في سفارتها بالصين، وبقي في الحقل الدبلوماسي إلى أن قدم استقالته في عام 1966 ثم انتقل إلى بيروت.[10]

نزار وإنتاجه الأدبي[عدل]

(تصدى نزار بجسارة فائقة لاداء رسالة تاريخية للتعبير عن المسكوت عنه).[11]

نزار قباني عام 1944 (عام اصدار ديوانه الأول "قالت لي السمراء" )

لقد قفز نزار قباني في الشعر من بين العمالقة وحلق وصون في فضاءات جديدة خاصة به وومركبات عبر بها بين المجرات والنجوم ومطارات عاد إليها وهم ينظرون إليه ويعجبون ).[12] صدر ديوانه الأول (قالت لي السمراء) 1944 والذي أثار وقتها ضجة كبيرة، لأنه في شعره خرج على المألوف الذي اعتادته الأذن العربية وعلى المفاهيم الشعرية والأدبية والعربية، أنه كبداية شعرية انطلاقة جديدة لروئ الشعر العربي الحديث.[12] ويستمر في كتابة الشعر وإصدار الدواوين حتى يصل عدد دواوينه إلى 35 ديواناً ومن أشهرها : (طفولة نهد)، (الرسم بالكلمات)، (قصائد)، (أنت لي).[13]

كما طبعت بعض قصائده منفردة كقصيدته ( هوامش على دفتر النكسة ) موضوع الدراسة .
توفي نزار بلندن إثر نوبة قلبية في 30 نيسان 1998.[13]

نزار والشعر السياسي[عدل]

يرى معظم النقاد أن بداية الشعر السياسي لنزار كانت مع قصيدة (خبز وحشيش وقمر ) من ديوانه ( قصائد ) : كانت أول قصيدة قومية مهمة للشاعر ، تعبر عن صحوة الضمير العربي نقديا ً بعنوان ( خبز وحشيش وقمر )[14] ؛ ومع الاعتراف بجودة القصيدة وموضوعها السياسي المباشر قهي كما يقول مارون عبود عن ديوان قصائد : ( أما قصيدته المشهورة خبز وحشيش وقمر فهي مسك ختام قصائد نزار قباني )[15] .
إلا أنني أري أن نزار منذ بدايته وحديثه عن شعر المرأة المقهورة في المجتمع العربي هو كلام غير مباشر عن الأوضاع السياسية وعن الحرية بإسلوب الرمز كغيره من الأدباء في تلك الفترة . فموضوعات المرأة في شعر نزار اجتماعية سياسية تأمل معي واستخدم الرمز :
لكل سجينة تحيا
معي في سجني الأكبر
حروفا سوف أغرزها
بلحم حياتنا خنجر
لتكسر في تمردها
جليدا ًكان لا يكسر[16]
استخدم نزار قضية المرأة – بوعي أو بدون وعي – معادلاً رمزيا ً لقضية الحرية في المجتمع الشرقي ؛ وذلك ما فعله بعد ذلك في المزاوجة المباشرة بين القضية السياسية والمرأة في قصيدته ( ملاحظات في زمن الحب والحرب ) 1973 م . ولكن هل يعني هذا أن جميع أشعار نزار العاطفية المتعلقة بالمرأة تعبر بالضرورة عن الرمز السياسي غير المباشر للوطن ؟
بالقطع لا فهناك كثير من القصائد التي لا تصلح إلا لموضوعها الأساسي فتتميز ببساطة الفكرة وعدم تحميل النص لأكثر من معنى أو تأويل ، فلا يصلح معها الرمز أو الشفرة أونظرية التلقي بمنظور سياسي مثل قصيدته المشهورة  :
يروى أشياء تدوخني
تنسيني المرقص والخطوات
كلمات تقلب تاريخي
تجعلني أمرأة في لحظات
يبني لي قصرا ًمن وهم
لا أسكن فيه سوى لحظات
وأعود ... أعود لطاولتي
لا شيء معي .. إلا كلمات[17]
فنزار ضمن بعض قصائده العاطفية – بوعي أوبدون وعي منه – رمزا ً سياسياً وحمل بعض هذه القصائد أكثر من دلالة ، وتطور معه هذا الأمر إلى أن ظهر الطابع السياسي في ( خبز وحشيش وقمر ) مروراً ببقية قصائده ، بل زاوج – كما سبق أن ذكرنا – بين المرأة والوطن في قصيدة ( ملاحظات في زمن الحب والحرب ) يقول :
فكيف أفرق بين حرارة جسدك أنت
وبين حرارة أرض بلادي[18]
ونزار قباني هنا كغيره من الأدباء ، عند استخدامه الرمز السياسي ، إما للخوف أو للسمو و الإرتقاء بالفكرة فهو كعبدالرحمن الشرقاوي في (الأرض ) وأباظة في ( شيء من الخوف ) ، وبيرم التونسي في كثير من أزجاله ، وأحمد فؤاد نجم في ( بهيه ) وغيرها ، وصلاح جاهين في ( عودة الأين الضال ) ، وغيرهم . واستمر نزار في كتابة الشعر بعد أن استقر بلندن .

وكانت من أخر أعماله قصيدة ( متى يعلنون وفاة العرب ) المنشورة في جريدة الحياة اللندنية 1994 م .[19]

الهوامش دراسة فنية تحليلية[عدل]

ظروف وجو ابداع النص نظرة تاريخية[عدل]

هزيمة 1967م من المسائل المختلف على أسبابها السياسية والعسكرية ، فالخوض في التفاصيل التاريخية محل خلاف حاد ، ولكن هناك بعض الأفكار العامة و بعض الإشارات التاريخية . كان حلم القومية العربية هو المسيطر في الفترة من 1960 م ، وبرز اسم جمال عبدالناصر كقائد لتلك القومية .
حارب عبدالناصر على جبهات كثيرة سواءاً كان مخطئا ً أو مصيبا ً فيما يفعل إلا أنه ترك مصر وذهب بنصف جيشها ليحارب وليحرر أرضا ً غير أرضه ( حرب اليمن ) . استغلت إسرائيل الفرصة واستدرجت مصر وسوريا إلى حرب لم يحسن أطراف المواجهة العربية إدارتها فهزموا في يونيه ( حزيران ) 1967 م .[20]

اللغة والأسلوب[عدل]

يعتمد نزار على معجم سياسي كبير يستخدمه في ألفاظه ومفرداته كأحد الأدوات الاساسية في عمله الشعري ... فليس غريبا أن نجد مفردات من مثل ( الهزيمة – الحرب - القضية – النصر – النفط - السلطان – المخبرون – الشعب – العسكر ) وغيرها[21]؛ بل لايتورع الشاعر أن يورد بيانا سياسيا متضمنا في نصه :
نريد جيلا غاضبا
نريد جيلا يفتح الآفاق
وينكش التاريخ من جذوره
وينكش الفكر من الأعماق[22]
نزار والمعجم الشعري
الحقول الدلالية لمعجم نزار الشعري تنقسم طبقا لمنظور النقد الاسلوبي إلى أربعة مجالات هي :

  1. كلمات تتصل بجسد المرأة وأعضائها وملابسها والأدوات التي تتزين بها ، وتصل في جملتها إلى حوالي 70كلمة أي نسبة 35 % .
  2. كلمات تتعلق بالعالم الحسي الطبيعي وتشير إلى أشيائه وتبلغ 80كلمة من معجم مفردات المعجم المدروس أي بنسبة 40 % .
  3. كلمات تشير إلى أفعال حسية مما يصل إلى حوالي 40 كلمة أي 20 % .
  4. كلمات غير حسية تتميز بقدر محدود من التجريدية ، وإن كانت معروفة تماما مثل الحزن ، الحنين ، الحب ، الوفاء ... وهي عشر كلمات بنسبة 5 % .[23]

هذا هو المعجم بصفة عامة ، أما بالنسبة إلى القصيدة نلاحظ أن الشاعر استخدم المفردات في مجموعتين كبيرتين : المجموعة الأولى : وهي تصوير للحالة التي يعيشيها المجتمع وأستخدم بها الألفاظ الصريحة المؤثرة مثل : ( القديمة – العهر – نهاية – الخطابة – جاهلية – إرتجالنا ... ) وهذه المجموعة تهدف إلى إفاقة المتلقي بصدمه بالواقع وإن كان سيئاً . المجموعة الثانية : وبها تصوير للأمل الذي ينشده وأغلب الألفاظ أفعال للدلالة على التزام القول بالفعل مثل : ( تكسروا – الأبواب – تغسلوا – تقرأوا – تكتبوا – يفلح – ينكش ...) .

الأساليب والتراكيب والعبارات[عدل]

نوّع الكاتب في بدايات المقاطع بين الخبر والانشاء ، ولكن الأسلوب الغالب كان الأسلوب الخبري لتقرير الواقع . لجأ الكاتب للنداء في ثلاث مواضع : ندائه إلى الوطن ، والسلطان ، والأطفال ؛ واختار الكاتب هذه النماذج الثلاثة لأهميتها في نفس الشاعر ، فالوطن هوسبب تحول الشاعر من كتابة شعر الحب والحنين إلى الكتابة بالسكين . والسلطان رمز الانكسار وواحد من الأسباب المهمة في الهزيمة ، ولذلك أطال الشاعر في مناداته ، وشرح اسباب ربطه بالهزيمة كأحد أهم أسبابها ، فالتنكيل بمن يعترض ، أو بمن يشكو ، واستخدامه للجنود لا للدفاع عن الوطن بل لتعذيب أبنائه ، ويكشف الشاعر في هذه المقارنة بين ما يجب على الجنود أن تفعله وما فعلته ، ثم يضيف أن السلطان انفصل عن قضية الإنسان . واستخدم الشاعر في ذلك المقطع الأفعال لإستحضار الصورة لمشاهد التعذيب والإستجواب . تكرار لفظة ( ورائي ) مع العيون والأنوف والأقدام بعد أن قال ( مخبروك دائماً ورائي ) لزيادة التأكيد وكشف مقارنة خفية بأن رجال السلطان كانوا يراقبون بمنتهى الجد والصرامة أبناء الوطن وأهملوا أعدائه . بيد أن إضافة ( الصماء ) إلى ( أسوارك ) لم يضف ِ جديدا ً للمعنى . والنداء الثالث موجه إلى الأطفال وهذا النداء كما سبق أن وضحنا أختار كلمات تدل على الأمل والتفاؤل بهولاء الأطفال ، فهم من سيصححون الأخطاء ، ويهزمون الهزيمة لأنهم طاهرون لم يعرفوا النفاق ولم ينحنوا : نريد جيلا قادما ً مختلف الملامح ْ لا يغفر الأخطاء لا يسامح ْ لا ينحني لا يعرف النفاق ْ[24] . بل إن الشاعر يصل إلى مرحلة الرفض لكل شيء في واقعه وحاضره والمجتمع ككل ، مما يدل على حالة الانفعال الشديد التي كان يكتب بها فهو يطلب من الأطفال ألا يقتفوا آثارهم ، وألا يقبلوا أفكارهم فهو يدعوهم إلى الرفض الكامل لجيله وهو في ذلك بلغ حداً كبيرا ً في القسوة على الجيل وعلى نفسه واستخدامه لظاهرة الاعتراف وجلد الذات لكي يتطهر . استخدام الجمل والتراكيب استخدم الشاعر الجمل الفعلية في أغلب الاساليب الخبرية في بدايات المقاطع وداخل المقاطع عينها ومعظمها أفعالا مضارعة وذلك لاستحضار الصورة ومعايشة الحالة المرسومة كأنها تحدث عندما تقرأها ليكتب لها الاستمرار مثل : ( يستحيل خنجرا من لهب ونار ) ، ( نركض في الشوراع ) ، ( تزرعوا الحروف ) ، ( تغسلوا أفكاركم ) أكثر الشاعر من التركيب الإضافي ، بمزواجة الألفاظ غير المعهودة لجلب دلالات جديدة مثل : ( مفردات العهر – اللغة القديمة – مواهب الخطابة – منطق الطبلة – قشرة الحضارة ) وما أعطته تلك التراكيب من معان ِ جديدة ودلالات كثيفة . فمثلا ( مفردات العهر ) تدل على انتشار العهر في حياتنا حتى صار لغة لها مفردات منتشرة متأصلة وهكذا ؛ وكذلك بعض التراكيب في جانب الأمل في القصيدة مثل ( سنابل الآمال – مطر الربيع – بذور الخصب ). واستخدم الكاتب في تلك المزواجة الفاظا ً تدل على الخير والنمو السريع والإثمار مثل ( سنابل – مطر – بذور – الخصب ) ومزاوجة هذه الألفاظ زادت المعنى إلى الضعف أو قل إلى ثلاثة أضعاف لتعميق الشعور بوجود الحل .

الموسيقى[عدل]

القصيدة من الشعر الحر ( شعر التفعيلة ) وقد توهم تلك التسمية أن الشعر الحر يتحرر كلية من الوزن ؛ وهذا غير صحيح فهو لا يزال قائما ً على الوزن مرتبطا ً بالتفعيلة العروضية الكلاسيكية ،وإن كان لا يتقيد بعدد معين من التغاعيل العروضية في كل بيت[25] . يستخدم الشاعر تفعيلة ( مستفعلن ) وهي تفعيلة قوية تتناسب مع المعنى والحالة الشعورية : أنعي لكم يا أصدقائي اللغة القديمة

/0/0//0 /0/0//0 مستفعلن مستفعلن

كما يوجد بالنص موسيقى داخلية نابعة من حسن اختيار الألفاظ والتزام القافية المتغيرة بتغير المقاطع . كما لجأ الكاتب إلى استخدام التضاد والتوازي : نجعل من أقزامنا ابطالا ً نجعل من أشرافنا انذالا ً

الصورة الشعرية[عدل]

( يتألف الكون الشعري لدى نزار من العالم مغمسا ً بالشعور ... لست تجد عنده مشاهد مقتطعه من العالم الخارجي أو لوحات بعيدة عن الانفعال ، أو لديه علاقة متصوغة بتسلسل تاريخي ، لا مكان للموضوعية في الكون الشعري لديه . فإما أن يعرض للعالم من خلال عينيه وأصابعه وسمعه ومخيلته وأشواقه ، وإما أن يصمت عنه أبدا ً )[26] . والصورة الشعرية في هذا النص بسيطة تكتفي بالإنحراف القليل عن المعنى المنطقي البسيط الذي توصله الدلالة المعتادة المعروفة من المتلقي وعندما يخاطب الأطفال قائلاً : ( أنتم سنابل الآمال ). فهولا يخرج كثيرا ً عن المعاني التي يرددها الجمهور العريض في تقديسه لمعنى الطفولة ، وحتى السنابل نفسها فلها جذورها في التراث الإسلامي والعربي فصورة السنبلة التي تزيد للتعبير عن الأجر صورة أثيرة لدى الإنسان العربي[27] . قال تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل )[28] لنتأمل الصورة الكلية التي وردت فيها مفردة ( نفط ) لنرى كيف استخدمها الشاعر : كان بوسع نفطنا الدافق ... أن يستحيل خنجرا ً من لهب ونار ..[29] لقد حول النفط إلى خنجر ولم يكتفي الشاعربدلالة الخنجر كأدآة للقتل وهي في حد ذاتها قادرة على اشعارنا بمدى القهر الذي يسببه النفط ؛ بل إن هذا الخنجرهو لهب ونار ليزيد من إشعارنا بوطأته وأثره وهكذا تتطور ممارسة الشاعر اللغوية ونحس كيف عمل التخييل على التطور بالفكرة السياسية المحضة وحوّلها إلى معالجة شعرية تؤيد الإحساس برفض النفط[30] . تأمل معي أيضا المقطع السادس عشر نركض في الشوراع .. ......... إلى ( من عنده تعالى ) أعتمد المقطع على تصوير الحالة التي يعيشون عليها وهي الهمجية والأخطر من ذلك هو حالة ( مات الملك .. عاش الملك ) التي عبر عنها الشاعر بالضفادع لما تصدره من أصوات حنجورية ، فنقيق الضفادع مرادف (بالروح .. بالدم ) ، أو كأنه يستدعي مسرحية ( الضفادع ) لأرستوفان . كما يبرز المقطع الأنفعال الساذج والأهتمام بالمظاهر عن طريق التضاد؛ فهم البطل عندهم قزم والشريف نذل ، ويجلسون في الجوامع كسالى ويطلبون النصر من الله ، على الرغم من أنهم لم يعدوا ما استطاعوا من قوة . والشاعر هنا في هذا المقطع والمقطع السادس يستدعي حوادث مهمة في الهزيمة :
( سألت المشير في تصريح خاص عن الحرب .. إذا حاولت إسرائيل سندمرها ، وأن الرئيس عبدالناصر قال نحن سنواجه إسرائيل والذين وراء إسرائيل ، وقال ذات مرة : أنا مش خرع زي ايدن وانه سيضع أنف جونسون في التراب )[31] والمقطع السادس يستدعي :
( وأنفعل أحمد سعيد مدير صوت العرب هو أيضا وقال .. لقد ضحك علينا وأنا كنت أذيع بيانات كاذبة وكنت أتكلم واقول النصر يا عرب بينما كانت الهزيمة المرة ، وان البيانات كانت تضل الشعب وقال أن هذا تعمد من القيادة للهزيمة ، وقال أن التاريخ لن يترك الذين تسببوا في الهزيمة وأن الذي حدث كما قال علوي حافظ هو الهزيمة المرة وليست النكسة )[32] .

التجربة الشعرية[عدل]

اعترف نزار أنه كتب القصيدة وهو في حالة هياج وليس أدل على هذه الحالة من أنه رفض الواقع بكل أشكاله وصوره بالتعبير الشعبي ( خد العاطل في الباطل ) . مزّق الشاعر كل محاولات الإصلاح من هذا الجيل وفي رأيه – وهو في حالة الهياج – أنهم فاشلون منخورون ؛ أستمر نزار طوال القصيدة في جلد الذات والتشفي الدامي الذي لايفعله الإنسان إلا في حالة من حالات الجنون . أو لنقل مس من الجنون أو ضرب عارض منه . تأمل معي : إذا خسرنا الحرب .. لاغرابة لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة .... ما دخل اليهود من حدودنا وأنما تسربوا كالنمل من عيوبنا .... جنودنا ميتة الإحساس أرواحنا تشكو من الإفلاس[33] .
لاعجب إذا صنفت القصيدة للتشفي فعلى الرغم من طولها لم تشمل تقييما موضوعيا بعيد عن الإنفعال الزائد عن الحد – بل قل المتجاوز – وأكتفت القصيدة بذكر أن الأطفال هم الأمل ؛ أو ليس من حرر الأرض هم من قال عنهم الشاعر أنهم مثل ( قشرة البطيخ تافهون ) . غير أن هناك رأي يقول : ( أحسسنا أن الشاعر قد راجع نفسه وأخذ يجلدها بنفسه .. وأنه نزع قمصانه المزركشة التي يغوي النساء وأرتدى سترته العسكرية .. وإن كنت لا أدري لماذا أعتبرت جماعة المثقفين – آنذاك – أن قصيدة نزار من شعر التشفي والسادية ، رغم أن صديقنا الشاعر أحمد فؤاد نجم أول من تشفى وجلد الذات ونقد الهزيمة بلسان لاذع وقالت جماعة المثقفين – يومها – أنه بطل قومي حيث قال[34] :
الحمد لله اللي خبطنا تحت بطاتنا
يا محلى رجعة ظباطنا
من خط النار [35]

ظاهرة التشفي في القصيدتين واضحة ، فلا يجوز الإحتفاء بالقصيدتين ؛ ولكن بمطالعة قصائد أحمد فؤاد نجم الأخرى مثل ( بيان هام ) و ( بهية ) وقد صدرا في أعوام النكسة ، والشاعر في المعتقل يتضح أن الإحتفاء كان بهاتين القصدتين وغيرهما .

بناء القصيدة[عدل]

القصيدة أشبه بمرثية لشخص قتل في الصعيد المصري ولابد من الأخذ بالثأر ، والشاعر هنا أشبه ما يكون ب ( المعددة ) وكأنه يقول ( يا اللي مهنيني ) ولكن بلغة شعرية .
يبدأ الشاعر القصيدة وكأنه يكتب نعيا في الجرائد فهو ينعي اللغة القديمة والكتب القديمة ، وكل ما أدى إلى الهزيمة ، ثم يسترجع الحالة قبل الهزيمة ولكنه يسترجعها بنظارة سوداء قاتمة ولدّتها الحالة الشعورية والإنفعالية للشاعر ويصل الشاعر إلى لحظة الذروة وهو يخاطب السلطان ويلخص ما يريد أن يقوله ويصف ما مر به أثناء حكم السلطان والتشريد والإعتقال .
ثم تأتي النهاية بحديثه إلى الأطفال الذي يعدهم هم الأمل في حياتهم العقيمة وهم من سيهزمون الهزيمة .

  • القصيدة ؟
  • هل تشبه القصيدة مشرط الجراح الذي يفتح الجرح ومن ثم يداويه ؟

لا ، القصيدة مشرط جراح فتح جروح الجسم وفتح معه الجسم كله وقطّع شراينه بالتعبير الدقيق قطّع وشرّح الجسم حتى الأجزاء السليمة .

  • هل القصيدة سوداء ؟

نعم ، إلى حد بعيد بإستثناء مقاطع الأطفال ووصفه لهم بالأمل .

  • ما مستوى القصيدة ؟

القصيدة انفجار لشيء ما ؛ القصيدة رد فعل وليست فعل .

  • هل القصيدة تجلد الذات ؟

القصيدة تمحق الذات لا تجلدها .

  • هل القصيدة صالحة الآن ؟

طالما يوجد بالمجتمع من يذكر السلبيات فقط ؛ وإن ذكر أملاً يذكره بصورة عامة ، ولا يتروى ويضع العقل إلى جانب العاطفة ، فالقصيدة صالحة لكل زمان .

راجع[عدل]

  1. ^ راجع شوقي ضيف ( العصر الجاهلي ) دار المعارف ط 1 1999 م.
  2. ^ محمد فوزي ( القصائد العشر ) م مكتبة الآداب ط 1 2008 ص 59 .
  3. ^ حبيبة محمدي ( القصيدة السياسية في شعر نزار قباني ) 1999م الهيئة المصرية العامة للكتاب ص 29 .
  4. ^ حبيبة محمدي ص 29 .
  5. ^ حبيبة محمدي ص 31 .
  6. ^ ادونيس ( زمن الشعر ) دار العودة بيروت ط2 1978 م ص80 .
  7. ^ ادونيس ص 82 ،83
  8. ^ ادونيس ص83 .
  9. ^ ماهر حسن جريدة (المصري اليوم ) العدد 2107 التاريخ 21/3/2010 ص2 .
  10. ^ ماهر حسن ص 2 .
  11. ^ صلاح فضل ( تحولات الشعرية العربية ) ط1 2002 م دار الأدب ص35 .
  12. ^ أ ب سراج جراد مقال بعنوان (نزار قباني وتقنية القصيدة ) جريدة الفرات 10/12/2007 م .
  13. ^ أ ب ماهر حسن ص2 .
  14. ^ صلاح فضل ( نبرات الخطاب الشعري ) 2004 م مكتبة الأسرة ص20.
  15. ^ مارون عبود ( نقدات عابر ) 1959 م دار الثقافة بيروت ص58 .
  16. ^ نزار قباني ( الأعمال الشعرية الكاملة ) ج1 ط15 اكتوبر 2000 م منشورات نزار قباني ص584 .
  17. ^ نزار قباني ( الأعمال الشعرية الكاملة ) ص389 .
  18. ^ نزار قباني ( الأعمال السياسية الكاملة ) منشورات نزار قباني ج6 ط2 1999م.
  19. ^ حبيبة محمدي ص8 .
  20. ^ (فدا) فريق البحوث والدراسات الإسلامية ( الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي ) مؤسسة اقرأ ج2 ط7 إبريل 2007م ص270. برلنتي عبدالحميد ( المشير وأنا ) مكتبة مدبولي الصغير ط1 1992م ص 209 .
  21. ^ حبيبة محمدي ص107
  22. ^ نزار قباني (الأعمال السياسية الكاملة ) ص497 .
  23. ^ صلاح فضل ( أساليب الشعرية المعاصرة ) ط1 1995 م دار الأدب بيروت من ص37 إلى ص57 .
  24. ^ نزار قباني ( الأعمال السياسية الكاملة ) من ص473 إلى 497 .
  25. ^ عبدالعزيز شرف ( كيف تكتب القصيدة ) ط1 2001 م المختار للنشر ص120 .
  26. ^ محي الدين صبحي ( الكون الشعري عند نزار قباني ) دار الطليعة ط1 بيروت 1977 م ص13 .
  27. ^ حبيبة محمدي ص 111 .
  28. ^ القرآن الكريم سورة البقرة الاية 26 .
  29. ^ نزار قباني ( الأعمال السياسية الكاملة ) ج6 ط2 1999م منشورات نزار قباني من ص473 إلى ص497 .
  30. ^ حبيبة محمدي ص497 .
  31. ^ عبدالعاطي حامد ( كرسي الوزارة ) ط1 1958م دار أخبار اليوم ص79 .
  32. ^ عبدالعاطي حامد ص 84 .
  33. ^ نزار قباني ( الأعمال السياسية الكاملة ) من ص 473 إلى ص497 .
  34. ^ WWW.NEZARQAPPANI.EU محمد بغدادي من الكتاب الذهبي مؤسسة روز اليوسف عدد تذكاري .
  35. ^ هشام عبدالله ( من روائع الشعر العامي ) الدولية للنشر والتوزيع .

فهرست المصادر والمراجع[عدل]

  • القرآن الكريم
  • ادونيس ( زمن الشعر ) دار العودة بيروت ط2 1978 م .
  • برلنتي عبدالحميد ( المشير وأنا ) مكتبة مدبولي الصغير ط1 1992م.
  • حبيبة محمدي ( القصيدة السياسية في شعر نزار قباني ) 1999م الهيئة المصرية العامة للكتاب .
  • سراج جراد مقال بعنوان (نزار قباني وتقنية القصيدة ) جريدة الفرات 10/12/2007 م .
  • شوقي ضيف ( العصر الجاهلي ) دار المعارف ط 1 1999 م .
  • صلاح فضل ( أساليب الشعرية المعاصرة ) ط1 1995 م دار الأدب بيروت .
  • صلاح فضل ( تحولات الشعرية العربية ) ط1 2002 م دار الأدب .
  • صلاح فضل ( تحولات الشعرية العربية ) ط1 2002 م دار الأدب .
  • صلاح فضل ( نبرات الخطاب الشعري ) 2004 م مكتبة الأسرة .
  • عبدالعاطي حامد ( كرسي الوزارة ) ط1 1958م دار أخبار اليوم .
  • عبدالعزيز شرف ( كيف تكتب القصيدة ) ط1 2001 م المختار للنشر.
  • (فدا) فريق البحوث والدراسات الإسلامية ( الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي ) مؤسسة اقرأ ج2 ط7 إبريل 2007م.
  • مارون عبود ( نقدات عابر ) 1959 م دار الثقافة بيروت .
  • ماهر حسن جريدة (المصري اليوم ) العدد 2107 التاريخ 21/3/2010 .
  • محمد فوزي ( القصائد العشر ) م مكتبة الآداب ط 1 2008 .
  • محي الدين صبحي ( الكون الشعري عند نزار قباني ) دار الطليعة ط1 بيروت 1977 م .
  • نزار قباني ( الأعمال السياسية الكاملة ) ج6 ط2 1999م منشورات نزار قباني .
  • نزار قباني ( الأعمال الشعرية الكاملة ) ج1 ط15 اكتوبر 2000 م منشورات نزار قباني.
  • WWW.NEZARQAPPANI.EU محمد بغدادي من الكتاب الذهبي مؤسسة روز اليوسف عدد تذكاري.

ملحق القصيدة موضوع الدراسة[عدل]

(1)

أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغةَ القديمة

والكتبَ القديمة

أنعي لكم.. كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..

ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة

أنعي لكم.. أنعي لكم

نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة

(2)

مالحةٌ في فمِنا القصائد

مالحةٌ ضفائرُ النساء

والليلُ، والأستارُ، والمقاعد

مالحةٌ أمامنا الأشياء

(3)

يا وطني الحزين حولتني بلحظةٍ

من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين

لشاعرٍ يكتبُ بالسكين

(4)

لأنَّ ما نحسّهُ أكبرُ من أوراقنا

لابدَّ أن نخجلَ من أشعارنا

(5)

إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ

لأننا ندخُلها..

بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابةْ

بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابةْ

لأننا ندخلها..

بمنطقِ الطبلةِ والربابةْ

(6)

السرُّ في مأساتنا

صراخنا أضخمُ من أصواتنا

وسيفُنا أطولُ من قاماتنا

(7)

خلاصةُ القضيةْ

توجزُ في عبارةْ

لقد لبسنا قشرةَ الحضارةْ

والروحُ جاهليةْ..

(8)

بالنّايِ والمزمار..

لا يحدثُ انتصار

(9)

كلّفَنا ارتجالُنا

خمسينَ ألفَ خيمةٍ جديدةْ

(10)

لا تلعنوا السماءْ

إذا تخلّت عنكمُ..

لا تلعنوا الظروفْ

فالله يؤتي النصرَ من يشاءْ

وليس حدّاداً لديكم.. يصنعُ السيوفْ

(11)

يوجعُني أن أسمعَ الأنباءَ في الصباحْ

يوجعُني.. أن أسمعَ النُّباحْ..

(12)

ما دخلَ اليهودُ من حدودِنا

وإنما..

تسرّبوا كالنملِ.. من عيوبنا

(13)

خمسةُ آلافِ سنهْ..

ونحنُ في السردابْ

ذقوننا طويلةٌ

نقودنا مجهولةٌ

عيوننا مرافئُ الذبابْ

يا أصدقائي:

جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ

أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ

يا أصدقائي:

جرّبوا أن تقرؤوا كتابْ..

أن تكتبوا كتابْ

أن تزرعوا الحروفَ، والرُّمانَ، والأعنابْ

أن تبحروا إلى بلادِ الثلجِ والضبابْ

فالناسُ يجهلونكم.. في خارجِ السردابْ

الناسُ يحسبونكم نوعاً من الذئابْ..

(14)

جلودُنا ميتةُ الإحساسْ

أرواحُنا تشكو منَ الإفلاسْ

أيامنا تدورُ بين الزارِ، والشطرنجِ، والنعاسْ

هل نحنُ "خيرُ أمةٍ قد أخرجت للناسْ" ؟..

(15)

كانَ بوسعِ نفطنا الدافقِ بالصحاري

أن يستحيلَ خنجراً..

من لهبٍ ونارِ..

لكنهُ..

وخجلةَ الأشرافِ من قريشٍ

وخجلةَ الأحرارِ من أوسٍ ومن نزارِ

يراقُ تحتَ أرجلِ الجواري..

(16)

نركضُ في الشوارعِ

نحملُ تحتَ إبطنا الحبالا..

نمارسُ السَحْلَ بلا تبصُّرٍ

نحطّمُ الزجاجَ والأقفالا..

نمدحُ كالضفادعِ

نشتمُ كالضفادعِ

نجعلُ من أقزامنا أبطالا..

نجعلُ من أشرافنا أنذالا..

نرتجلُ البطولةَ ارتجالا..

نقعدُ في الجوامعِ..

تنابلاً.. كُسالى

نشطرُ الأبياتَ، أو نؤلّفُ الأمثالا..

ونشحذُ النصرَ على عدوِّنا..

من عندهِ تعالى..

(17)

لو أحدٌ يمنحني الأمانْ..

لو كنتُ أستطيعُ أن أقابلَ السلطانْ

قلتُ لهُ: يا سيّدي السلطانْ

كلابكَ المفترساتُ مزّقت ردائي

ومخبروكَ دائماً ورائي..

عيونهم ورائي..

أنوفهم ورائي..

أقدامهم ورائي..

كالقدرِ المحتومِ، كالقضاءِ

يستجوبونَ زوجتي

ويكتبونَ عندهم..

أسماءَ أصدقائي..

يا حضرةَ السلطانْ

لأنني اقتربتُ من أسواركَ الصمَّاءِ

لأنني..

حاولتُ أن أكشفَ عن حزني.. وعن بلائي

ضُربتُ بالحذاءِ..

أرغمني جندُكَ أن آكُلَ من حذائي

يا سيّدي..

يا سيّدي السلطانْ

لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ

لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ

ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟

لأنَّ نصفَ شعبنا..

محاصرٌ كالنملِ والجرذانْ..

في داخلِ الجدرانْ..

لو أحدٌ يمنحُني الأمانْ

من عسكرِ السلطانْ..

قُلتُ لهُ: لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ..

لأنكَ انفصلتَ عن قضيةِ الإنسانْ...

(18)

لو أننا لم ندفنِ الوحدةَ في الترابْ

لو لم نمزّقْ جسمَها الطَّريَّ بالحرابْ

لو بقيتْ في داخلِ العيونِ والأهدابْ

لما استباحتْ لحمَنا الكلابْ...

(19)

نريدُ جيلاً غاضباً..

نريدُ جيلاً يفلحُ الآفاقْ

وينكشُ التاريخَ من جذورهِ..

وينكشُ الفكرَ من الأعماقْ

نريدُ جيلاً قادماً..

مختلفَ الملامحْ..

لا يغفرُ الأخطاءَ.. لا يسامحْ..

لا ينحني..

لا يعرفُ النفاقْ..

نريدُ جيلاً..

رائداً..

عملاقْ..

(20)

يا أيُّها الأطفالْ..

من المحيطِ للخليجِ، أنتمُ سنابلُ الآمالْ

وأنتمُ الجيلُ الذي سيكسرُ الأغلالْ

ويقتلُ الأفيونَ في رؤوسنا..

ويقتلُ الخيالْ..

يا أيُها الأطفالُ أنتمْ بعدُ طيّبونْ

وطاهرونَ، كالندى والثلجِ، طاهرونْ

لا تقرؤوا عن جيلنا المهزومِ يا أطفالْ

فنحنُ خائبونْ..

ونحنُ، مثلَ قشرةِ البطيخِ، تافهونْ

ونحنُ منخورونَ.. منخورونَ.. كالنعالْ

لا تقرؤوا أخبارَنا

لا تقتفوا آثارنا

لا تقبلوا أفكارنا

فنحنُ جيلُ القيءِ، والزُّهريِّ، والسعالْ

ونحنُ جيلُ الدجْلِ، والرقصِ على الحبالْ

يا أيها الأطفالْ: يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ

أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمةْ

وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمةْ..