انتقل إلى المحتوى

آبائيات

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
القديس أوغسطين يقرأ رسالة القديس بولس.

الآبائيات ويعرف كذلك ب-علم الآباء أو الباترولوجيا ((اليونانية: Πατρολογία)، (اللاتينية: Patristica)) هو فرع من دراسات اللاهوت المسيحي يهتم بدراسة كتابات آباء الكنيسة الأوائل وأدبهم وتعاليمهم وفقههم الكنسي، في الفترة الممتدة بين القرنين الثاني والثامن الميلاديين.[1][2][3] ويشتق المصطلح من باتر أو «پاتر» بالإغريقية واللاتينية والتي تعني «الأب». ويحلل الباحثون في هذا المجال نصوصًا لمؤلفين من التيارات الأرثوذكسية والتيارات التي عُدّت هرطوقية على حد سواء. وقد برزت الدراسات الآبائية بوصفها تخصصًا مستقلًا في القرن التاسع عشر، مدعومةً بطبعات نقدية كبرى، مثل الآبائيات اللاتينية (باللاتينية: Patrologia Latina) والآبائيات اليونانية (باللاتينية: Patrologia Graeca). ويستخدم هذا المجال التحليل النصي، وعلم الآثار، والنقد التاريخي، لدراسة التطور العقائدي والثقافي والفكري للمسيحية المبكرة، مع إدماج تقاليد تتجاوز اللغة اليونانية واللاتينية، مثل السريانية والقبطية والأرمنية والإثيوبية.

أصل التسمية

[عدل | عدل المصدر]

يُشتق مصطلح علم الآباء، أو Patrology، من اللاتينية pater، أي الأب، ومن اليونانية logos، أي الخطاب أو القول، ويشير أساسًا إلى دراسة آباء الكنيسة، ويُستعمل مدخلًا إلى الكتابات المسيحية المبكرة. وتاريخيًا، شمل المصطلح أيضًا مجموعات ضخمة من هذه الكتابات، مثل الآبائيات اللاتينية (باللاتينية: Patrologia Latina) والآبائيات اليونانية (باللاتينية: Patrologia Graeca) اللتين جمعهما الباحث الفرنسي جاك بول مين.[4]

أما مصطلح patristics فيعود كذلك إلى pater في اللاتينية وπᾰτήρ في اليونانية، وكلاهما يعني "الأب"، وقد أدخله الفيلسوف الإنجليزي إسحاق تايلور.[5] وفي المقابل، صاغ يوهان جيرهارد مصطلح Patrologia، ونشر كتابًا بالاسم نفسه عام 1653.[6] أما التصنيف الرسمي للدراسات الآبائية بوصفها تخصصًا لاهوتيًا مستقلًا فقد رسّخه لاحقًا يوهان فرانتس بوديوس في كتابه «مدخل تاريخي ومنهجي إلى علم اللاهوت» عام 1730.[7]

النطاق

[عدل | عدل المصدر]

تُعنى الدراسات الآبائية بدراسة كتابات وفكر آباء الكنيسة، وهم لاهوتيون نشطوا منذ أواخر القرن الأول حتى القرن الثامن الميلادي، وهي فترة تُعرف باسم "العصر الآبائي".[8] وقد أدّى آباء الكنيسة دورًا رئيسيًا في الدفاع عن المسيحية الأرثوذكسية في مواجهة الهرطقات، وفي تفسير الإيمان.[8] وترتبط هذه الدراسات ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الكنيسة والعقيدة المسيحية المبكرة، إذ تحلل المصادر الأولية التي أسهمت في تشكيل اللاهوت المسيحي، بما في ذلك الكتابات الجدلية، والخطب، والمواعظ، والرسائل، والقصائد، فضلًا عن المؤلفات المنهجية في العقيدة، وأعمال تفسير الكتاب المقدس وشرحه. وإضافةً إلى ذلك، تمتد النصوص الآبائية عبر تقاليد وسياقات ثقافية ولغات متنوعة، منها اليونانية واللاتينية والسريانية والإثيوبية والأرمنية والقبطية.[9] وقد أشارت الكنيسة الكاثوليكية في المجمع الفاتيكاني الثاني إلى أن "دراسة الآباء القديسين في الشرق والغرب، والليتورجيات المقدسة" تُعدّ مكمّلًا مهمًا لدراسة الأسفار المقدسة.[10]

ويعرّف باحثون معاصرون، مثل شون ج. ويلهَيت عام 2024، الدراسات الآبائية بأنها تمتد من عام 90 إلى 750 ميلاديًا، وتشمل الكتابات الأرثوذكسية والهرطوقية على حد سواء من أجل فهم السياق التاريخي.[11][12] ويعتمد هذا المجال مقاربة متعددة التخصصات، تجمع بين التحليل النصي، وعلم الآثار، وتاريخ الفن، والفلسفة، وتاريخ الأديان، من أجل إعادة بناء المشهد الفكري والثقافي للمسيحية المبكرة.[13]

علم الآباء والدراسات الآبائية

[عدل | عدل المصدر]

يميّز بعض الباحثين، ولا سيما في ألمانيا، بين علم الآباء والدراسات الآبائية. فيعرّف جوزيف فيسلر علم الآباء بأنه دراسة أصالة مؤلفات آباء الكنيسة وسلطتها واستخدامها، في حين تركز الدراسات الآبائية على فكرهم اللاهوتي. وبالمثل، يصف كارل كيتينغ علم الآباء بأنه دراسة الآباء بوصفهم شخصيات تاريخية، بينما تتناول الدراسات الآبائية تعاليمهم. غير أن هذه الفروق لا تُراعى على نطاق واسع، إذ يتداخل المجالان ضمن الدراسات اللاهوتية والأدبية.[14][15]

مجموعة الآباء اللاتينية

[عدل | عدل المصدر]
مقدمة من كتاب مدينة الله لأوغسطينوس؛ نسخة تعود إلى 1470.

مجموعة الآباء اللاتينية (باللاتينية: Patrologia Latina، أي علم الآباء اللاتيني) هي مجموعة أجبيى ضخمة من كتابات آباء الكنيسة وغيرهم من الكتّاب الكنسيين، نشرها جاك بول مين بين عامي 1841 و1855، مع فهارس نُشرت بين عامي 1862 و1865. وتُعرف أيضًا باسم السلسلة اللاتينية، لأنها شكّلت أحد قسمي عمل مين المسار الكامل لعلم الآباء، أما القسم الآخر فهو مجموعة الآباء اليونانية، التي تضم أعمالًا آبائية ويونانية وسيطة مع ترجماتها إلى اللاتينية الوسيطة، التي لا تطابق النصوص أحيانًا.

وعلى الرغم من أن السلسلة تتكوّن من إعادة طبع لطبعات قديمة، كثيرًا ما تحتوي على أخطاء ولا تتوافق مع معايير البحث العلمي الحديثة، فإنها لا تزال مستخدمة على نطاق واسع بين باحثي العصور الوسطى، بسبب توافرها في كثير من المكتبات الأكاديمية، ولأنها تضم نصوصًا كثيرة لا توجد لها طبعة نقدية حديثة. وهي في هذا الجانب قابلة للمقارنة بسلسلة النصب التاريخية الجرمانية.

تشمل مجموعة الآباء اللاتينية أعمالًا لاتينية تمتد على مدى ألف عام، من ترتليان، المتوفى عام 230، إلى البابا إينوسنت الثالث، المتوفى عام 1216، وقد رُتبت ترتيبًا زمنيًا تقريبيًا في 217 مجلدًا:

  • نُشرت المجلدات من 1 إلى 73، من ترتليان إلى غريغوري التورزي، بين عامي 1841 و1849، ونُشرت المجلدات من 74 إلى 217، من البابا غريغوري الأول إلى إينوسنت الثالث، بين عامي 1849 و1855.[16]

وعلى الرغم من أن المجموعة تنتهي عند إينوسنت الثالث، فإن مين كان يريد في الأصل أن يدرج وثائق تمتد حتى الإصلاح البروتستانتي؛ غير أن هذه المهمة تبيّنت أنها أكبر من اللازم، ومع ذلك أُدرجت بعض الشروح أو الوثائق اللاحقة المرتبطة بأعمال أقدم. ومعظم الأعمال ذات طبيعة كنسية، غير أن المجموعة تضم أيضًا وثائق ذات أهمية أدبية أو تاريخية أو لغوية، مثل الكتاب المقدس القوطي في المجلد 18.

وقد دُمّرت ألواح الطباعة الأصلية الخاصة بـمجموعة الآباء في حريق عام 1868. غير أنها رُممت بمساعدة دار طباعة غارنييه، وبدأت طبعات جديدة بالصدور ابتداءً من ثمانينيات القرن التاسع عشر. ولا يتطابق محتوى هذه الطبعات المعاد طبعها دائمًا مع السلسلة الأصلية، سواء من حيث الجودة أو الترتيب الداخلي. وقد وُصفت الطبعات الجديدة بأنها "أدنى في عدد من الجوانب من الطبعات الأولى التي أصدرها مين نفسه".[17]

مجموعة الآباء اليونانية

[عدل | عدل المصدر]
صفحة العنوان من كتاب Basilii Magni Opera، أي «أعمال باسيليوس الكبير»، الصادر عام 1523، وهو ترجمة لاتينية لكتابات باسيليوس الكبير.

مجموعة الآباء اليونانية (باللاتينية: Patrologia Graeca، أي علم الآباء اليوناني) هي مجموعة محررة ضخمة من كتابات آباء الكنيسة وعدد من الكتّاب العلمانيين، مكتوبة باللغة اليونانية. وتتألف من 161 مجلدًا أصدرتها المطبعة الكاثوليكية التابعة لجاك بول مين في باريس بين عامي 1857 و1866. وتضم المجموعة آباء الكنيسة الشرقيين، وكذلك المؤلفين الغربيين الذين كتبوا قبل أن تصبح اللاتينية هي اللغة الغالبة في الكنيسة الغربية في القرن الثالث، ومنهم، على سبيل المثال، الكتابات المبكرة المعروفة مجتمعة باسم الآباء الرسوليين، مثل رسالة كليمنت الأولى والثانية، وراعي هرمس، ويوسابيوس، وأوريجانوس، والآباء الكبادوكيون باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصي.

جُلدت المجلدات الـ161 في 166 مجلدًا ماديًا، إذ جاء المجلدان 16 و87 في ثلاثة أجزاء، والمجلد 86 في جزأين. ولم يُنشر مجلد ختامي مهم كان من المفترض أن يضم بعض الملاحق وفهرسًا كاملًا، لأن ألواح الطباعة دُمّرت في حريق وقع في المطبعة عام 1868.[18]

احتوت السلسلة الأولى على ترجمات لاتينية فقط للنصوص الأصلية، في 81 مجلدًا، بين عامي 1856 و1861. أما السلسلة الثانية فتضم النص اليوناني مع ترجمة لاتينية، في 166 مجلدًا، بين عامي 1857 و1866. وتُعرض النصوص بصورة متقابلة، بحيث يظهر عمود للنص اليوناني وعمود مقابل على الجانب الآخر من الصفحة يضم الترجمة اللاتينية. وفي المواضع التي فُقد فيها الأصل اليوناني، كما في حالة إيرينيئوس، تُدرج الشذرات اليونانية الباقية ضمن النص اللاتيني. وفي حالة واحدة، لا يُحفظ الأصل إلا بالسريانية، وقد تُرجم إلى اللاتينية. وكثيرًا ما تُقدَّم معلومات عن المؤلف، وهي أيضًا باللغة اللاتينية.

وأضاف الباحث اليوناني د. سكولاريوس قائمة نصف منشورة بالمؤلفين والموضوعات، في أثينا عام 1879، وبدأ إعداد فهرس كامل للمحتويات، في أثينا عام 1883. وفي عام 1912، نشرت دار غارنييه فرير في باريس مجلد فهارس لمجموعة الآباء اليونانية، حرره فردينان كافاليرا.

مجموعة الآباء الشرقية

[عدل | عدل المصدر]

مجموعة الآباء الشرقية (باللاتينية: Patrologia Orientalis، أي علم الآباء الشرقي) هي محاولة لإنشاء مجموعة شاملة من كتابات آباء الكنيسة الشرقيين باللغات السريانية، والأرمنية، والعربية، والقبطية، والجعزية، والجورجية، والسلافونية، منشورة مع ترجمة لاتينية أو إنجليزية أو إيطالية، وغالبًا فرنسية. وقد صُممت لتكون مكمّلة لمجموعتي الآباء الشاملتين والمؤثرتين والضخمتين، اللاتينية واليونانية، اللتين نُشرتا في القرن التاسع عشر. وبدأت عام 1897 باسم مجموعة الآباء السريانية، ثم توقفت بصيغتها الأصلية وحلّت محلها جموعة الآباء الشرقية. وقد بدأت المجموعة بنشر نصوص ليتورجية تتصل بسير القديسين. ومنذ ذلك الحين نُشرت فيها طبعات نقدية من الكتاب المقدس، وأعمال لاهوتية، وكتابات في القانون الكنسي والتشريع الكنسي، وتفسير الكتاب المقدس، ومواعظ، ورسائل.

ولا تزال هذه الطبعة مستمرة. وكان من محرريها رينيه غرافان، المتوفى عام 1941؛ وفرانسوا ناو، المتوفى عام 1931؛ وماكس، أمير ساكسونيا، المتوفى عام 1951؛ ومنذ عام 1951 فرانسوا غرافان. وقد نُشر المجلد الأول عام 1904، وشهد عام 1984 صدور المجلد الحادي والأربعين.

التطور التاريخي

[عدل | عدل المصدر]

البدايات المبكرة قبل القرن الخامس

[عدل | عدل المصدر]

يُعدّ يوسابيوس أقدم من وثّق تاريخ الأدب المسيحي. فبحسب كتابه الصادر في القرن الرابع تاريخ الكنيسة، يذكر أنه يقصد إلى الحديث عن أولئك الذين كانوا سفراء لكلمة الله بالقول أو بالقلم، مع إيراد أسمائهم وأعدادهم وعصورهم. ولذلك يُعدّ عمله مصدرًا حاسمًا في علم الآباء، ولا سيما أن كثيرًا من الكتابات التي اقتبسها قد فُقدت، مما يجعله المصدر الوحيد للمعلومات عن بعض المؤلفين الكنسيين.[12]

وفي القرن نفسه، كان جيروم رائدًا في توثيق تاريخ الأدب اللاهوتي المسيحي. ففي عمله دي فيريس إلوستريبوس، أي في الرجال المشهورين، سعى إلى الرد على سخرية الوثنيين الذين كثيرًا ما كانوا يتهكمون على القدرات الفكرية للمسيحيين.[12]

ومع ظهور الطباعة في القرن الخامس عشر، ازداد الاهتمام بالكتابات الآبائية. فقد درس علماء العصور الوسطى، ومصلحو البروتستانتية، ولاهوتيو العصر الكاروليني، آباء الكنيسة على نطاق واسع، ولا سيما شخصيات مثل أوغسطينوس، وجيروم، ويوحنا الذهبي الفم. غير أن هذه الدراسات كانت غالبًا متأثرة بمنظورات دفاعية وجدلية، عاكسةً النقاشات اللاهوتية في ذلك العصر.[19]

الظهور بوصفه تخصصًا من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر

[عدل | عدل المصدر]

ظهرت الدراسات الآبائية الحديثة في القرن التاسع عشر، بدفع من مؤسسات مثل الجامعات والمعاهد اللاهوتية والمؤتمرات الأكاديمية. وأسهم تطور الأدوات العلمية، بما في ذلك الطبعات النقدية للنصوص، مثل مجموعة الآباء اللاتينية، والمجلات مثل Studia Patristica، في ترسيخ هذا المجال.[5] وإضافةً إلى ذلك، ساعد استمرار الحوار المسكوني على تخفيف التوترات بين تقاليد المسيحية الخلقيدونية والكنائس الأرثوذكسية المشرقية، مما أتاح تجدد الاهتمام بآباء الكنيسة غير المنتمين إلى التقليدين اليوناني واللاتيني.[19]

وخلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حقق باحثون في بريطانيا العظمى وألمانيا وفرنسا وإيطاليا تقدمًا فيلولوجيًا مهمًا، من خلال اقتناء مخطوطات جديدة وفهرستها. وكانت اكتشافات مخطوطات نجع حمادي الغنوصية، وتعاليم يوحنا الذهبي الفم الخاصة بالمعمودية في جبل آثوس عام 1955، من المحطات البارزة في هذا المجال.[20]

ومع إدخال تقنية التصوير بالميكروفيلم، حفظت مؤسسات مثل المكتبة البريطانية، ومكتبة الفاتيكان، والمكتبة الوطنية الفرنسية المخطوطات الآبائية ووسّعت إمكان الوصول إليها. ومنذ أربعينيات القرن العشرين، ركزت الجهود العلمية على المراجعات النصية الدقيقة والتحليلات المقارنة، أكثر من تركيزها على اكتشاف مخطوطات جديدة.[20]

البحث الحديث

[عدل | عدل المصدر]

أخذ الباحثون المعاصرون يعترفون بصورة متزايدة بتنوع الجماعات المسيحية خارج روما والقسطنطينية. ومن بين المواقع الكبرى الأخرى التي ارتبط بها آباء الكنيسة الأوائل الإسكندرية، وأنطاكية، ومنطقة شمال إفريقيا الغربية حول قرطاج (الكنيسة الإفريقية المبكرة). كما كانت ميلانو والقدس من المراكز المهمة أيضًا.[21] وقد أدى هذا التحول في الاعتراف إلى فهم أكثر دقة لأثر آباء الكنيسة عبر تقاليد مختلفة. فبعض اللاهوتيين الذين حظوا بالتبجيل في تقليد معين عُدّوا هراطقة في تقليد آخر، وهو ما يبرز التنوع اللاهوتي في المسيحية المبكرة.[22]

كما أُعيد تقييم التعريف الغربي للعصر الآبائي. فوفق التصور التقليدي، يشير بيدا المكرم، المتوفى عام 735، إلى نهاية هذا العصر في الغرب اللاتيني، بينما يشير يوحنا الدمشقي، المتوفى عام 749، إلى نهايته في الشرق اليوناني. غير أن لاهوتيين بيزنطيين لاحقين، مثل سمعان اللاهوتي الجديد وغريغوريوس بالاماس، إلى جانب شخصيات من الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، ما زالوا يُدرسون ضمن الدراسات الآبائية. ويتحدى هذا التقييم الجديد التحقيب المتمركز حول أوروبا، ويقرّ باستمرار التطور الفكري واللاهوتي للمسيحية خارج الإطار الغربي التقليدي.[22]

التطورات اللاهوتية

[عدل | عدل المصدر]

كانت المحاور الرئيسية التي شغلت هؤلاء اللاهوتيين خلال تلك الفترة، وفق ترتيب زمني، هي:[23]

  1. علاقة المسيحية باليهودية
  2. إقرار قانون العهد الجديد
  3. الدفاعيات، أي "الدفاع" عن المسيحية أو "شرحها"
  4. نقاشات عقائدية سعت إلى تحقيق وحدة الإيمان، ولا سيما داخل الإمبراطورية الرومانية المتنصّرة.

وعلاوةً على ذلك، يلاحظ مكغراث (1998) أن عدة مجالات لاهوتية كبرى يمكن اعتبارها قد تطورت خلال العصر الآبائي، منها: نطاق قانون العهد الجديد، ودور التقليد، وتثبيت قوانين الإيمان المسكونية، وطبيعتا المسيح، وعقيدة الثالوث، وعقيدة الكنيسة، وعقيدة النعمة الإلهية.[24]

آباء الكنيسة البارزون

[عدل | عدل المصدر]

تشمل بعض الشخصيات الرئيسية في الأدب الآبائي ما يلي:[25]

المقاربات المعاصرة

[عدل | عدل المصدر]

يطرح فهم الدراسات الآبائية في القرن الحادي والعشرين عدة تحديات. ويحدد مكغراث أربع صعوبات رئيسية: التصور القائل بضعف صلة بعض النقاشات اللاهوتية بالواقع المعاصر، وتأثير الفلسفة الكلاسيكية، والتنوع العقائدي بين آباء الكنيسة، والانقسامات بين التقليدين اللاهوتيين اليوناني، أي الشرقي، واللاتيني، أي الغربي، ولا سيما في استخدامهما للأطر الفلسفية.[26]

وردًا على هذه التحديات، تدعو المقاربات الآبائية الجديدة وما بعد الآبائية إلى إعادة تفسير آباء الكنيسة أو إعادة تقييمهم نقديًا في ضوء التطورات الحديثة. وترى هذه المقاربات أن الكتابات المسيحية المبكرة تعكس اهتمامات سياقها التاريخي، ولذلك قد تحتاج إلى تكييف. غير أن هذه المقاربات ما تزال موضع جدل بين اللاهوتيين الأرثوذكس، الذين يحذرون من أن مثل هذه التأويلات قد تقوّض الاستمرارية اللاهوتية التقليدية.[27][28]

المصادر ومجموعات النصوص

[عدل | عدل المصدر]

مجموعات اللغات الأصلية

[عدل | عدل المصدر]

حُفظ عدد كبير من النصوص الآبائية بلغاتها الأصلية ضمن مجموعات علمية كبرى. ومن أشمل هذه الجهود عمل جاك بول مين في مجموعتي مجموعة الآباء اللاتينية ومجموعة الآباء اليونانية، اللتين تضمان كتابات واسعة لآباء الكنيسة اللاتين واليونانيين، على التوالي.[29]

أما النصوص السريانية وغيرها من اللغات الشرقية، فتوفّر لها مجموعة الآباء الشرقية (باللاتينية: Patrologia Orientalis)، التي كانت تُعرف سابقًا باسم Patrologia Syriaca، مجموعة مهمة، وإن كانت غير مكتملة. وتُستكمل هذه المجموعة إلى حد كبير من خلال مجموعة الكتّاب المسيحيين الشرقيين، التي تضم كتابات مسيحية شرقية إضافية.[30][31]

وتوجد طبعات نقدية أخرى ونصوص آبائية أُعيد تحريرها، بما في ذلك أعمال مكتشفة حديثًا ونصوص أُعيد النظر في نسبتها، في:

  • مجموعة النصوص المسيحية
  • المصادر المسيحية
  • جموعة الكتّاب الكنسيين اللاتين
  • نصوص أكسفورد المسيحية المبكرة
  • المصادر المسيحية

المجلات المحكمة

[عدل | عدل المصدر]

تُعرف عدة مجلات محكمة بإسهاماتها في دراسة المسيحية المبكرة والدراسات الآبائية. وتشمل هذه المجلات، وكثير منها متاح على الإنترنت، ما يلي:[32]

  • Semeia
  • المجلة الكتابية الكاثوليكية الفصلية
  • مجلة هارفارد اللاهوتية
  • مجلة المسيحية القديمة
  • Antike und Christentum: Kultur- und Religionsgeschichtliche Studien
  • Early Christianity
  • Connaissance des Pères de l'Église
  • Journal of Early Christian History، جامعة جنوب إفريقيا
  • مجلة الدراسات المسيحية المبكرة
  • مجلة المسيحية واليهودية اليونانية الرومانية
  • The Journal of Late Antique Religion and Culture
  • The Second Century
  • Vigiliae Christianae
  • Recherches de Théologie Ancienne et Médiévale
  • Recherches Augustiniennes et Patristiques
  • Newsletter of the North American Patristic Society
  • Patristic Studies، الجامعة الكاثوليكية الأمريكية

المجلدات

[عدل | عدل المصدر]

آباء ما قبل نقية

[عدل | عدل المصدر]
مجلدات من سلسلة آباء ما قبل نيقية.

آباء ما قبل نيقية هي سلسلة موسوعية مسيحية تتألف من عشرة مجلدات، وتضم ترجمات إنجليزية لكتابات عدد من آباء الكنيسة والكتّاب المسيحيين الأوائل الذين عاشوا في الفترة الممتدة من أواخر القرن الأول حتى انعقاد مجمع نيقية الأول عام 325م. وتُعد السلسلة من المجموعات المرجعية المهمة لدراسة الفكر المسيحي المبكر، إذ توفر مادة واسعة عن لاهوت آباء الكنيسة وروحانيتهم وكتاباتهم في القرون الأولى للمسيحية.[33]

وتحظى كتابات آباء الكنيسة بأهمية خاصة في عدد من الطوائف المسيحية، ولا سيما في الكنائس التقليدية، مثل الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنائس الأرثوذكسية المشرقية وكنيسة المشرق، إذ تستند هذه الكنائس إلى التقليد المسيحي وكتابات الآباء وقرارات المجامع المسكونية، إلى جانب الكتاب المقدس، في فهم العقيدة والعبادة والنظام الكنسي.

وتضم السلسلة مؤلفات تتناول موضوعات متعددة، منها العقيدة المسيحية، والفلسفة المسيحية، والقانون الكنسي، وتفسير الكتاب المقدس، والليتورجيا، والعبادة، والجدالات اللاهوتية، فضلًا عن مسائل تتصل بالحياة الكنسية والأخلاق المسيحية.

وتشتمل السلسلة على مؤلفات عدد من آباء الكنيسة والكتّاب المسيحيين في العصور المسيحية المبكرة، ومنهم يوستينوس الشهيد، وإيرينيئوس، وإغناطيوس الأنطاكي، وبوليكاربوس، وثاوفيلس الأنطاكي، وأثيناغوراس الأثيني، وإكليمندس الإسكندري، وترتليان، وأوريجانوس، وهيبوليتوس الرومي، وقبريانوس القرطاجي، وديونيسيوس الإسكندري، ويوليوس أفريكانوس، وغيرهم. كما تضم نصوصًا وأعمالًا مسيحية مبكرة مثل شهادات الآباء الاثني عشر، ورسالة برنابا، وإنجيل توما، والكتابات الكليمنتية، وراعي هرمس، وأعمال بوليكسينا وريبيكا، وغيرها من النصوص.

آباء نيقية وما بعد نيقية

[عدل | عدل المصدر]
مجلدات من سلسلة آباء نيقية وما بعد نيقية.

آباء نيقية وما بعد نيقية هي سلسلة موسوعية مسيحية تصدر في مجموعتين، تتألف كل منهما من أربعة عشر مجلدًا. وتضم السلسلة مختارات واسعة من أهم كتابات آباء الكنيسة في مرحلة مجمع نيقية وما تلاها، وهي فترة شهدت تطورًا كبيرًا في التراث اللاهوتي والكتابي المسيحي بعد انعقاد مجمع نيقية عام 325م. وتُعد هذه السلسلة من أبرز المجموعات المرجعية لدراسة فكر آباء الكنيسة، إذ توفر مادة واسعة عن لاهوتهم وروحانيتهم وتفسيرهم للنصوص المسيحية في عصور المسيحية المبكرة.[34]

وتحظى كتابات آباء الكنيسة بأهمية خاصة في عدد من الطوائف المسيحية، ولا سيما في الكنائس التقليدية، مثل الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنائس الأرثوذكسية المشرقية وكنيسة المشرق، إذ تستند هذه الكنائس إلى التقليد المسيحي وكتابات الآباء وقرارات المجامع المسكونية، إلى جانب الكتاب المقدس، في فهم العقيدة والعبادة والنظام الكنسي.

وتضم السلسلة مؤلفات تتناول موضوعات متعددة، منها العقيدة المسيحية، والفلسفة المسيحية، والقانون الكنسي، وتفسير الكتاب المقدس، والليتورجيا، والعبادة، والجدالات اللاهوتية، فضلًا عن مسائل تتصل بالحياة الكنسية والأخلاق المسيحية.

وتشتمل السلسلة على أعمال عدد من أبرز آباء الكنيسة والكتّاب المسيحيين الأوائل، ومنهم أوغسطينوس، ويوحنا فم الذهب، ويوسابيوس القيصري، وثيودوريطس، وجيروم، وأثناسيوس الإسكندري، وغريغوريوس النزينزي، وغريغوريوس أسقف نيصص، وباسيليوس قيصرية، ويوحنا الدمشقي، وأمبروز، وليون الأول، وغريغوري الأول، وأفرام السرياني، وأفراهاط، وغيرهم.

  1. "معلومات عن آبائيات على موقع catalogue.bnf.fr". catalogue.bnf.fr. مؤرشف من الأصل في 2019-04-30.
  2. "معلومات عن آبائيات على موقع newadvent.org". newadvent.org. مؤرشف من الأصل في 2019-06-07.
  3. "معلومات عن آبائيات على موقع d-nb.info". d-nb.info. مؤرشف من الأصل في 2019-12-07.
  4. Stausberg, M., & Vevaina, Y. S.-D. (Eds.). (2015). The Wiley Blackwell companion to patristics (p. 51). John Wiley & Sons, Ltd. ISBN 978-1-118-43871-8. https://slavicabyzantina.wordpress.com/wp-content/uploads/2019/08/parry_kenneth_the_wiley_blackwell_companion_to_z-lib.org_.pdf نسخة محفوظة 2025-03-06 على موقع واي باك مشين
  5. 1 2 Clark, E. A. (2008). From patristics to early Christian studies. In S. A. Harvey & D. G. Hunter (Eds.), The Oxford handbook of early Christian studies (pp. 7–41). Oxford University Press. https://elearning.unito.it/scienzeumanistiche/pluginfile.php/222457/mod_resource/content/2/Clark_From%20Patristics%20to%20Early%20Christian%20Studies_39%2078.pdf نسخة محفوظة 2025-02-22 على موقع واي باك مشين
  6. Quasten, J. (1986). Patrology: Volume I, The beginnings of patristic literature. Christian Classics, Inc (p. 1). (Original work published 1950).
  7. Bitton-Ashkelony, B., de Bruyn, T., & Harrison, C. (Eds.). (2015). Patristic studies in the twenty-first century: Proceedings of an international conference to mark the 50th anniversary of the International Association of Patristic Studies (p. 368). Brepols. ISBN 978-2-503-55919-3. https://www.antikes-christentum.de/fileadmin/_migrated/tx_nimediathek/Patristics_and_Theology.pdf نسخة محفوظة 2025-09-09 على موقع واي باك مشين
  8. 1 2 Cross, F. L., & Livingstone, E. A. (Eds.). (2005). Patristics. In The Oxford dictionary of the Christian Church (3rd ed.). Oxford University Press. https://www.oxfordreference.com/display/10.1093/acref/9780192802903.001.0001/acref-9780192802903-e-5194?rskey=wbbGE1&result=6 نسخة محفوظة 2025-02-22 على موقع واي باك مشين
  9. Humfress, C. (2015). Patristic sources. The Cambridge Companion to Roman Law, 97-118.
  10. الكرسي الرسولي, Dei verbum: Dogmatic Constitution on Divine Revelation, paragraph 23, published on 18 November 1965, accessed on 15 September 2025 نسخة محفوظة 2026-05-23 على موقع واي باك مشين
  11. Wilhite, S. J. (2024). The state of patristic studies. Religious Studies Review, 50(4), 743–752. https://doi.org/10.1111/rsr.17552
  12. 1 2 3 (Quasten, 1986, p. 1)
  13. Kannengiesser, C. (1989). Fifty years of patristica. Theological Studies, 50(4), 640. Retrieved from https://theologicalstudies.net/wp-content/uploads/2022/08/50.4.1.pdf نسخة محفوظة 2024-03-30 على موقع واي باك مشين
  14. "Patrology". Catholic Answers. مؤرشف من الأصل في 2025-11-17. اطلع عليه بتاريخ 2023-07-05.
  15. Keating، Karl (1988). Catholicism and Fundamentalism: The Attack on "Romanism" by "Bible Christians". San Francisco: Ignatius Press. ص. 330. ISBN:9780898701951.
  16. It includes some authors of the second quarter of the 13th century, such as John Halgren of Abbeville, and (exceptionally) John of Garland (died c. 1270) in volume 150, among authors of the 12th century.
  17. See ProQuest – Central To Research Around The World نسخة محفوظة 2022-05-11 على موقع واي باك مشين
  18. Ferdinando Cavallera, Patrologia Graeca Cursus Completus - Indices, Apud Garnier Fratres, Paris, pp. 9-10
  19. 1 2 Clark، E. A. (2008). "From Patristics to Early Christian Studies" (PDF). في Harvey، S. A.؛ Hunter، D. G. (المحررون). The Oxford Handbook of Early Christian Studies. Oxford University Press. ص. 7–41. ISBN:978-0199271566.
  20. 1 2 (Kannengiesser, 1989, p. 640)
  21. McGrath، Alister E. (1998). Historical Theology: An Introduction to the History of Christian Thought. Oxford: Blackwell. ص. 20–22. ISBN:0-631-20843-7.
  22. 1 2 Stausberg, M., & Vevaina, Y. S.-D. (Eds.). (2015). The Wiley Blackwell companion to patristics (p. 4). John Wiley & Sons, Ltd. ISBN 978-1-118-43871-8. https://slavicabyzantina.wordpress.com/wp-content/uploads/2019/08/parry_kenneth_the_wiley_blackwell_companion_to-z-lib.org_.pdf
  23. McGrath. op.cit. Ch. 1.
  24. McGrath. op.cit. pp. 27–37.
  25. "Patristic literature | Definition, History, Fathers, Works, Period, & Facts | Britannica". www.britannica.com (بالإنجليزية). Archived from the original on 2026-02-04. Retrieved 2025-02-04.
  26. McGrath. op.cit. pp. 23.
  27. Metropolitan of Nafpaktus ΝΕΟΠΑΤΕΡΙΚΗ ΚΑΙ ΜΕΤΑΠΑΤΕΡΙΚΗ "ΘΕΟΛΟΓΙΑ" نسخة محفوظة 2025-09-11 على موقع واي باك مشين
  28. Dr. Triantafyllos Sioulis, «Πατερικός φονταμενταλισμός» ή «μετα-πατερική θεολογική θολούρα» نسخة محفوظة 2011-11-01 على موقع واي باك مشين
  29. Bauer, W. (1988). Griechisch-deutsches Wörterbuch zu den Schriften des Neuen Testaments und der frühchristlichen Literatur (Vol. 43, Issue 2). de gruyter. https://doi.org/10.1515/9783110860269
  30. Wallace-Hadrill, D. S. (1974). Eusebius of Caesarea’s Commentary on Luke: Its Origin and Early History. Harvard Theological Review, 67(1), 55–63. https://doi.org/10.1017/s0017816000003151
  31. Lang, D. M. (1957). Recent Work on the Georgian New Testament. Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 19(1), 82–93. https://doi.org/10.1017/s0041977x00119214
  32. Estelle-Holmer, Suzanne. "Yale University Library Research Guides: Early Christianity and Patristics: Journals". guides.library.yale.edu (بالإنجليزية). Archived from the original on 2025-09-11. Retrieved 2025-02-04.
  33. Ante-Nicene Fathers نسخة محفوظة 7 مايو 2016 على موقع واي باك مشين
  34. Nicene and Post-Nicene Fathers نسخة محفوظة 15 ديسمبر 2019 على موقع واي باك مشين

مصادر خارجية

[عدل | عدل المصدر]