متشابه (القرآن)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من آية متشابهة)
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

آية متشابهة أو آيات متشابهات أو متشابهات هي الايات القرانية المتشابهة التي تحمل أكثر من تفسيرا لها ، يقول الله تعالى في سورة آل عمران {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ} ، في هذه الآية بداية ونهاية فرع من علوم القرآن الكريم نجده يبدأ منها وينتهي عندها ، إذ احتوت كلماتها على المحكم ويقابله المتشابه ، والراسخون في العلم يقابلهم الذين في قلوبهم زيغ ، ومن هذه الاية كانت بداية تعريف كل من المحكم والمتشابه ، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة) [1] .

المحكم والمتشابه[عدل]

اختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه، فالبعض اعتبر أن المحكم هو الواضح الدلالة، ولا يحتاج إلى بيان، والمتشابه هو الخفي الدلالة، ويحتاج إلى بيان، والبعض الآخر اعتبر (المحكم) ما يمكن معرفة معناه ودلالاته بالتفسير والتأويل، والمتشابه اختص الله به فلا تعلم دلالته ولا معناه، لا بالتفسير ولا بالتأويل.[2]

قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن: وقد اختلف في تعيين (المحكم والمتشابه) على أقوال:

  • فقيل: المحكم ما عرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور.
  • وقيل: المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه.
  • وقيل: المحكم ما لا يتحمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها.
  • وقيل: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه، كإعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، قاله الماوردي.
  • وقيل: المحكم ما استقل بنفسه والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
  • وقيل: المحكم ما تأويله تنزيله، والمتشابه ما لا يدرى إلا بالتأويل.
  • وقيل: المحكم ما لم تتكرر ألفاظه ومقابله المتشابه.
  • وقيل: المحكم الفرائض والوعد الوعيد، والمتشابه القصص والأمثال.

وقال ابن عباس: المحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه... والمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأقسامه وأمثاله، وروي عن مجاهد قال: المحكمات ما فيه الحرام والحلال وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا...، وروي عن الضحاك قوله: المحكمات ما لم ينسخ منه، والمتشابهات ما قد نسخ.

وعرف الزركشي في البرهان في علوم القرآن المحكم بأنه ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام، والمتشابه ما يشتبه اللفظ فيه في الظاهر مع اختلاف المعاني، ويقال للغامض متشابه، واختلفوا فيه، فقيل: هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا، وقيل: هو المنسوخ غير المعمول به، وقيل: القصص والأمثال، وقيل: فواتح السور، وقيل: ما لا يدرى إلا بالتأويل وهذه الأقوال بالرغم من تعددها فهي دالة على المراد، ومعبرة، وواضحة، فالمتشابه ما كان غامض الدلالة، محتاجا لتأويل، محتملا عدة أوجه، لا مجال للترجيح بينها بمجرد العقل، ولابد فيها من دليل نقلي...

ونقل صاحب البرهان عن ابن حبيب النيسابوري تعدد الأقوال في هذه المسألة، من حيث كون القرآن محكما ومتشابها أو مشتملا على المحكم والمتشابه، فاعتبر البعض أن القرآن محكم، لقوله تعالى: {كتاب أحكمت آياته} والبعض قال: إنه متشابه، والصحيح أنه منه المحكم ومنه المتشابه، كما جاء في القرآن نفسه...

وذهب بعض المتكلمين إلى أن القرآن يجب أن يكون معلوما وإلا بطلت فائدة الانتفاع به، ونقل الراغب الأصفهاني قولهم هذا، وناقش الزركشي كلام من قال: ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى، فأجاب بأن الأمر لا يخلو من حالتين:

  • الحالة الأولى: إن كان يمكن علمه فله فائدتان:
  1. الفائدة الأولى: حث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائق معانيه، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب.
  2. الفائدة الثاني: إظهار فضل العالم على الجاهل، ويستدعيه علمه إلى المزيد في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل...
  • الحالة الثانية: إن كان لا يمكن علمه فله فائدتان:
  1. الفائدة الأولى: إنزاله ابتلاء وامتحانا بالوقف فيه والتعبد بالاشتغال من جهة التلاوة وقضاء فرضها... ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح...
  2. الفائدة الثانية: إقامة الحجة بها عليهم، وذلك لأن القرآن نزل بلغة العرب فإذا عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وأفهامهم دلّ ذلك على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها.

ولا شك أن هناك حكمة من إيراد الآيات المتشابهات، ولا يمكن أن يكون الأمر من غير غاية، ومن الإعجاز أن تخفى غايات المتشابه، وأن يقع الاختلاف في تحديد مراده، لأن العقول البشرية لا يمكن أن تدرك كنه بعض الحقائق المتعلقة بالله وبالكون، وبالغيب وبالحياة الآخرة، ولابد من بعض الغموض، وهو غموض نسبي، بسبب عجز العقول عن الفهم، ولا يكلف الإنسان بإدراك ما لا يطيق من معرفة الأمور التي لا يدركها العقل.

وليس من حق الإنسان أن يطلب معرفة كل شيء، وهذا أمر فيه استحالة، فالحياة أكثر تعقيدا مما يتصوره العقل، وعلى الإنسان أن يسلم فيما لا يقدر على إدراكه، وأن يؤمن بحكمة الله، وأن ما جاء به هو الحق، والخطاب القرآني موجه لكل الناس وفي جميع الأزمان، ولا يمكن أن يدرك كل مخاطب حكمته وأسراره، وأن يحيط بكل شيء...

وذهب الخطابي إلى أن المتشابه على ضربين:

  1. أحدهما: يعرف معناه إذا رد إلى المحكم واعتبر به.
  2. والآخر: لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهذا النوع هو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه فيفتنون...

وقال ابن الحصار: قسم الله آيات القرآن إلى محكم ومتشابه، وأخبر عن المتشابه أنها أم الكتاب، لأن إليها ترد المتشابهات وهي التي تعتمد في فهم مراد الله من كل ما تعبدهم به من معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتنابه نواهيه.[3]

ومنشأ التشابه يعود إلى خفاء وغموض المعنى المقصود، والخفاء يعود إلى أسباب ثلاثة:[4]

  1. خفاء في اللفظ: مثل فواتح السور، أو في المفرد بسبب اشتراكه بين عدّة معان، مثل العين: تأتي للجارحة، ونبع الماء، والذهب، والفضة، وغير ذلك.
  2. خفاء في المعنى: مثل ما جاء في القرآن والسّنّة وصفا لله تعالى أو لأهوال القيامة، أو لنعيم الجنة، وعذاب النار، فإنّ العقل البشري لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق، ولا بأهوال القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب النار.
  3. خفاء في اللفظ والمعنى معا: مثل قول الله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] فقد كان العرب في الجاهلية إذا أحرموا وأرادوا دخول بيوتهم - وكانوا من أهل البيوت لا من أهل الخيام - نقبوا نقبا في ظهور بيوتهم يدخلون ويخرجون منه، وإن كانوا من أهل الأخبية خرجوا من خلف الأخبية، فنزل: {وأتوا البيوت من أبوابها} [البقرة: 189]. فمنشأ الخفاء في اللفظ الاختصار، كأنّ المعنى: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إذا كنتم محرمين. ومنشأ الخفاء في المعنى: أنه لابد من معرفة عادة العرب في الجاهلية، وإلا لتعذّر فهمه.

أنواع المتشابه[عدل]

قسم الراغب الأصفهاني في كتابه: (المفردات في غريب القرآن) الآيات إلى ثلاثة أضرب، محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، والمتشابه ثلاثة أضرب أيضا:

  • الضرب الأول: متشابه من جهة اللفظ فقط، وهذا التشابه يرجع إلى الألفاظ المفردة من حيث الغرابة أو الاشتراك، كما يرجع أحيانا إلى جملة الكلام المركب سواء من حيث الاختصار أو البسط أو النظم...
  • الضرب الثاني: متشابه من جهة المعنى. ويشمل هذا المتشابه ما تعلق بأوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة، لأن تلك الأوصاف لا تتصور لنا ولا تحصل في نفوسنا...
  • الضرب الثالث: متشابه من جهة اللفظ والمعنى معا، وهو أقسام:
  1. الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص كقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5].
  2. الثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب كقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3].
  3. الثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ، كقوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102].
  4. الرابع: من جهة المكان والأمور نزلت فيها كقوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37]. ويشترط لفهم الآية معرفة عادات الجاهلية.
  5. الخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح، وأكد الأصفهاني أن كل ما ذكره المفسرون عن المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم.

وينقسم المتشابه من جهة أخرى إلى ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، وضرب متردد بين الأمرين، ويختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على غيرهم وهو المشار إليه بقوله Mohamed peace be upon him.svg: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).[5]

آيات الصفات[عدل]

أبرز ما وقع الاختلاف فيه في موضوع الآيات المتشابهة آيات الصفات، وأكثر العلماء يقولون إن آيات الصفات التي توهم التشبيه هي من المتشابه كقوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم}، وقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، وقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}. وذهب جمهور أهل السلف وأهل الحديث إلى الإيمان بما جاء في القرآن، وتفويض المعنى إلى الله، وعدم الخوض في تفسير هذه الآيات وتأويلها فيقولون {آمنا به كل من عند ربنا}.[6] والخلف يؤولون، فيقولون: إن اليد هي القدرة، والاستواء الاستيلاء، والوجه هو الذات; وهكذا يعتبرون تلك الآيات من المتشابه. وقد وجد من العلماء من لم يعدوا آيات الصفات من المتشابه إنما المتشابه عند أكثرهم هو ما يكون خاصا بالغيب الذي لا نعلمه، ولم يعلمه لنا، كحقيقة الروح، وما يكون من نعيم اليوم الآخر، والعقاب والثواب فيه; من حيث إنه لا يعرف مآله إلا الله تعالى، وما أخبره الله تعالى إن هو إلا تقريب، ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهؤلاء الذين نفوا أن آيات الصفات من المتشابه، لهم ثلاثة مناهج:[7][8]

منهاج ابن حزم[عدل]

فهو يقول إن آيات الصفات لا تشابه فيها، فهي كلها أسماء للذات العلية; فاليد كناية عن الذات، والوجه كذلك، والاستواء فعل للذات العلية.. وهكذا، وقصر المتشابه على الحروف التي تبدأ بها السور، والأقسام التي يقسم بها الله تعالى.

منهاج أبو حامد الغزالي[عدل]

ذكره في بعض كتبه، وهو "إلجام العوام عن علم الكلام"، وقد ذكر فيه أن بعض هذه الألفاظ التي توهم التشبيه هي استعمال مجازي مشهور، وليس تأويلا; فإنه يقال: وضع الأمير يده على المدينة، فيفهم كل عربي أن معنى ذلك أنه استولى عليها وسيطر، ويكون من هذا القبيل: {يد الله فوق أيديهم} فعبارات الغزالي في هذا الكتاب تفيد أن هذه العبارات مجاز عربي مشهور لا يحتاج إلى تأويل، ولكن يجب بعد هذا الفهم الظاهر التفويض وأن نقول: {آمنا به كل من عند ربنا}.

منهاج ابن تيمية[عدل]

يرى ابن تيمية أن هذه الآيات ظاهرة في معانيها، فهو يقول: إن لله يدا ولكن ليست كأيدينا، ووجها ولكن ليس كوجوهنا وإن هذه معان حقيقية، ويقول إن ذلك هو مذهب السلف، وهو في هذا تابع لطائفة من الحنابلة ادعوا أن ذلك منهاج الإمام أحمد. ولكن رد عليهم ابن الجوزي، وأنكر أن يكون ذلك مذهب أحمد فقال: "رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فأثبتوا له سبحانه صورة ووجها زائدا على الذات; وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني" ثم يقول: "يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل رحمه الله يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! ثم قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر اليد الجارحة، ومن قال استوى بذاته المقدسة فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيات، وينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنا به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقِدَم" ثم يقول: "لا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح ما ليس فيه".

من سمات أهل الزيغ اتباع المتشابهات[عدل]

في نصوص القرآن دلالة على ما حدث في تاريخ الأمم من التفرق في الدين بسبب اتباع الأهواء والأغاليط والتضليل، وتؤكد نصوص القرآن أن الدين كله لله وأن الناس لم يؤمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. وقد نهى الله المسلمين عن التفرق في الدين الواحد، وأن من أهم سمات أهل الزيغ اتباع المتشابهات والخوض فيما نهى الله عن الخوض فيه، وتدل نصوص القرآن على أن تفرق السابقين كان بسبب اتباع الأهواء والتدليس على عوام الناس بالمغالطات، ومن أمثلة ذلك في أوائل آيات سورة آل عمران حيث نزلت في وفد نصارى نجران قال ابن جرير: «ووصفه نفسه بالذي وصفها به في ابتدائها احتجاجا منه بذلك على طائفة من النصارى قدموا على رسول الله Mohamed peace be upon him.svg من نجران، فحاجوه في عيسى صلوات الله عليه وألحدوا في الله. فأنزل الله عز وجل في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفا وثمانين آية من أولها، احتجاجا عليهم وعلى من كان على مثل مقالتهم لنبيه محمد Mohamed peace be upon him.svg، فأبوا إلا المقام على ضلالتهم وكفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك، وسألوا قبول الجزية منهم، فقبلها Mohamed peace be upon him.svg منهم وانصرفوا إلى بلادهم».[9] وهؤلاء خالفوا أسلافهم فيما كانوا عليه من دين الحق؛ لأن أسلافهم من أصحاب الأخدود الذين وصفهم الله بالإيمان في قوله تعالى: ﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود﴾. ووجه الدلالة في هذا الزجر عن اتباع المتشابهات المؤدي إلى التفرق في الدين، وتضمنت هذه السورة قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ... الآية. قال ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى أن في القرآن ﴿آيات محكمات هن أم الكتاب﴾، أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس. والآيات المحكمات: ﴿هن أم الكتاب﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه. ﴿وأخر متشابهات﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.[10] والآيات المحكمات ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق».[10]

قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دامغ لهم وحجة عليهم. ولهذا قال: ﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي: الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم. ﴿وابتغاء تأويله﴾ أي: تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن.[10]

وفي الحديث: فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم". وفي رواية للبخاري بلفظ: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وفي رواية: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وفي رواية: «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم». ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به. وقوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي: ميل عن الحق ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال البغوي: «واختلفوا في المعني بهذه الآية، قال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي Mohamed peace be upon him.svg في عيسى عليه السلام، وقالوا له: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: «بلى» قالوا: حسبنا، فأنزل الله هذه الآية، وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجمل وقال ابن جريج: هم المنافقون وقال الحسن: هم الخوارج، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم، وقيل: هم جميع المبتدعة».[11] قال أبو جعفر: «والذي يدل عليه ظاهر هذه الآية، أنها نزلت في الذين جادلوا رسول الله Mohamed peace be upon him.svg بمتشابه ما أنزل إليه من كتاب الله إما في أمر عيسى وإما في مدة أكله وأكل أمته». [12]

قال ابن كثير: وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل حدثنا حماد عن أبي غالب قال: «سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي Mohamed peace be upon him.svg في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال: "هم الخوارج"» وفي قوله: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ سورة آل عمران آية: (106) قال: «هم الخوارج».[10] وكل ما ذكره علماء التفسير متقارب في المعنى، وهو أن الله نهى الأمة الإسلامية عن الخوض في المتشابهات من القرآن، لأنه خروج عن الحق ومن صفات أهل الزيغ والضلال والابتعاد عن الصراط المستقيم، وأن الذين يخوضون فيما نهى الله عن الخوض فيه إنما يفعلون ذلك من أجل فتنة الناس في دينهم. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: «إرادة الشبهات واللبس»، فمعنى الكلام إذا: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وحيف عنه فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرف صارفه في وجوه التأويلات باحتماله المعاني المختلفة، إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه، دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه. وقال أبو جعفر: وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة فمال قلبه إليها تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن ثم حاج به وجادل به أهل الحق وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنا من كان وأي أصناف المبتدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية أو كان سبئيا أو حروريا أو قدريا أو جهميا كالذي قال Mohamed peace be upon him.svg: «فإذا رأيتم الذين يجادلون به ، فهم الذين عنى الله ، فاحذروهم»، وروى ابن جرير: عن ابن عباس -وذكر عنده الخوارج وما يلفون عند القرآن- فقال: "يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه" وقرأ ابن عباس: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ الآية. ثم قال أبو جعفر: وإنما قلنا القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله: «ابتغاء الفتنة» لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهل شرك، وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله اللبس على المسلمين، والاحتجاج به عليهم، ليصدوهم عما هم عليه من الحق، فلا معنى لأن يقال: "فعلوا ذلك إرادة الشرك" وهم قد كانوا مشركين.[13]

انظر أيضاً[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ المكتبة الإسلامية : حديث العلم ثلاثة
  2. ^ "المدخل إلى علوم القرآن الكريم". موقع نداء الإيمان. 
  3. ^ "المدخل إلى علوم القرآن الكريم". موقع نداء الإيمان. 
  4. ^ "الواضح في علوم القرآن". موقع نداء الإيمان. 
  5. ^ "المدخل إلى علوم القرآن الكريم". موقع نداء الإيمان. 
  6. ^ "المدخل إلى علوم القرآن الكريم". موقع نداء الإيمان. 
  7. ^ "تفسير زهرة التفاسير". شبكة إسلام ويب. 
  8. ^ تفسير زهرة التفاسير للشيخ محمد أبو زهرة (سورة آل عمران: آية 7).
  9. ^ محمد بن جرير الطبري. تفسير سورة آل عمران. صفحات 147 وما بعدها. 
  10. ^ أ ب ت ث إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (1422 هـ/ 2002م). تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات الجزء الثاني [تفسير ابن كثير]. دار طيبة. صفحات 7 وما بعدها. 
  11. ^ الحسين بن مسعود البغوي. تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب» الجزء الثاني. دار طيبة. صفحة 8 و9. 
  12. ^ محمد بن جرير الطبري. تفسير سورة آل عمران القول في تأويل قوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ...». صفحات 195 و196. 
  13. ^ محمد بن جرير الطبري. تفسير الطبري، تفسير سورة آل عمران، القول في تأويل قوله تعالى: «ابتغاء الفتنة»، الجزء السادس، حديث رقم: (6622). دار المعارف. صفحات 196 وما بعدها.