إغواء جنسي

يشير الإغواء في السياق الجنسي، إلى استمالة شخص ما لممارسة علاقة جنسية أو نشاط جنسي آخر.[1] وتشمل استراتيجيات الإغواء المحادثة والنصوص الجنسية،[2] والسمات الصوتية غير اللفظية،[3] والتواصل غير اللفظي،[4][5] إلى جانب سلوكيات أخرى قصيرة الأمد تُستخدم لتحقيق هذا الهدف.[6]
تعود أصول كلمة «الإغواء - seduction» إلى اللاتينية، وتعني حرفيًا «الانحراف عن الطريق».[7] ولهذا السبب، قد تحمل الكلمة دلالة سلبية. ففي السياق السلبي، يُنظر إلى الإغواء على أنه فعل يتضمن الإغراء والتحفيز، غالبًا بطابع جنسي، لدفع شخص ما لاتخاذ قرار سلوكي لم يكن ليقدم عليه لولا وجوده في حالة من الإثارة الجنسية. أما في السياق الإيجابي، فيُنظر إلى الإغواء كفعل من أفعال السحر الشخصي والجاذبية -سواء تجاه رجل أو امرأة- من خلال استثارة الحواس، غالبًا بهدف إزالة المخاوف غير المبررة وتمهيد الطريق نحو «التحرر الجنسي». تعتبر بعض النقاشات الأكاديمية المعاصرة أن أخلاقية الإغواء لا تتعلق بالفعل بحد ذاته، بل بالنتائج طويلة الأمد التي تترتب عليه بالنسبة للأشخاص المعنيين، وبالتالي قد لا تحمل بالضرورة المعاني السلبية التي تشير إليها بعض القواميس.[8]
ومن أشهر الشخصيات المعروفة بالإغواء، سواء في التاريخ أو الأساطير، ليليث، وجياكومو كازانوفا، والشخصية الخيالية دون جوان. ومع بروز الإنترنت والتكنولوجيا، أصبح من الممكن نشوء مجتمع كامل يُعنى بالإغواء، يتمركز حول تبادل المعرفة والنقاش حول أساليبه، ويقوده في الغالب من يُعرفون بـ «فناني الإغواء». ويُستخدم الإغواء أيضًا في مجال التسويق لزيادة الامتثال والرغبة في التفاعل الإيجابي مع المنتجات أو الخدمات المعروضة.[9]
التاريخ
[عدل]يُعدّ «الإغواء» من المواضيع المتكررة في التاريخ والأدب، حيث يظهر أحيانًا كتحذير من العواقب الاجتماعية لمن ينجرف وراء هذا السلوك أو يقع ضحيته، وأحيانًا أخرى كإشادة بقدرة خاصة. في الكتاب المقدّس، تُقدِم حواء على تقديم الثمرة المحرّمة لآدم، بعد أن أغراها الثعبان بالكلام، والذي يجسد الشيطان في المسيحية. لاحقًا، يرد في الإصحاح السابع من سفر الأمثال تحذير واضح من الوقوع في شرك الإغواء.[10]
في الأساطير الإغريقية، كانت «السيرينات» تستدرج البحّارة بأصواتهن الساحرة نحو حتفهم عبر تحطيم سفنهم على الصخور. وفي التاريخ، استطاعت كليوباترا أن تسحر كلًا من يوليوس قيصر ومارك أنطوني. أما ديونيسوس، إله الخمر في الميثولوجيا الإغريقية، فكان أيضًا يُرمز به إلى الإغواء والمتعة. ومن الرجال الذين اقترنت أسماؤهم بالإغواء في الخيال الشعبي والأدبي: الأمير جِنجي في الأدب الياباني، وجون ويلموت الإيرل الثاني لروتشستر، والشخصية الخيالية الشهيرة جيمس بوند.[11]
في الأزمنة التوراتية، كانت تُعتبر الفتاة غير المتزوجة التي تفقد عذريتها أنها خسرت كثيرًا من فرصها بالزواج. ولهذا السبب، ينصّ سفر الخروج في العهد القديم على أن الرجل الذي يُغوي فتاة غير متزوجة أو مخطوبة ويمارس معها الجنس، عليه أن يتزوّجها أو يدفع لأبيها تعويضًا ماديًا يعادل مهر العذارى: «وإذا أغوى رجل عذراء غير مخطوبة واضطجع معها، فعليه أن يجعلها زوجته. وإن رفض والدها تزويجها له، فعليه أن يدفع صداق العذراء». أما في سفر القضاة من العهد القديم، فتُروى قصة دليلة التي أغوت شمشون، الرجل الذي منحه الله قوّة عظيمة، لكنها خانته في النهاية وساعدت الفلستينين كي يحلقوا شعره أثناء نومه، مما أدى إلى زوال قوّته.[12]
في العلاقات الجنسية
[عدل]يستخدم كل من الذكور والإناث استراتيجية الإغواء كطريقة لإتمام علاقاتهم الجنسية. وغالبًا ما ينطوي ذلك على التلاعب النفسي بالأفراد الآخرين. يعتمد هذا أساسًا على الرغبة، الجسدية عادةً، وكذلك على الانجذاب نحوهم. من العبارات الشائعة التي تُستخدم في هذا السياق: «لغة الحب عالمية». تساعد هذه العبارات في توضيح مدى انتشار وتغلغل استخدام الاستراتيجيات في الحب والعلاقات بين البشر. الأشخاص الذين يستخدمون مثل هذه الاستراتيجيات غالبًا ما يفعلون ذلك بشكل غير واعٍ، وسيكتفون بإخبار مشاعرهم وأفكارهم التي اختبروها ذاتيًا، والتي يمكن مقارنتها بـ«الانجذاب» أو «الحب».[13]
أشارت الأبحاث إلى أن الإغواء قد يكون بديلًا أو معادلًا لشكل مختزل أو مكثّف من طقوس التودد التقليدية. يشير علم النفس التطوري إلى أن هذا النوع من الاستمالة الجنسية يمكن استخدامه لاستدراج أفراد مرغوب بهم إلى الانخراط في علاقة جنسية تؤدي في النهاية إلى الإنجاب. كما تهدف هذه السلوكيات إلى إقناع الشخص الآخر بالدخول في علاقة جنسية قصيرة أو طويلة الأمد. يُصرّح الذكور بأنهم يستخدمون استراتيجية الإغواء بمعدل أعلى إحصائيًا من الإناث. ومن منظور تطوري، يرتبط ذلك لانخراط الإناث في تربية الأطفال أكثر من الذكور، إضافة إلى عدم وجود ضمان لاستثمار الذكور الأبوي، على الرغم من أن العلم التطوري لا يستطيع إثبات علاقة سببية مباشرة بين هذين العاملين. وبالتالي، تحتاج الإناث إلى مقدار أكبر من الإغواء قبل الإقدام على ممارسة الجنس.[14] كما أن الرجال غالبًا ما يرغبون في الانخراط في علاقات جنسية قصيرة الأمد بوتيرة أعلى، ما قد يتطلب استخدام استراتيجية الإغواء للوصول إلى المرأة بغرض العلاقة الجنسية. إلا أن هذه النتيجة تتعارض مع نتائج الإغواء غير اللفظي، التي تشير إلى أن الإناث يتمتعن بسيطرة أكبر في هذا المجال. وتشمل استراتيجيات أخرى قد يعتمدها الأفراد للوصول إلى شريك جنسي كلًا من المغازلة التقليدية أو اختيار أفراد الأسرة للشريك لأسباب اجتماعية واقتصادية. وفي نهاية المطاف، تبين أنه كل من الذكور والإناث بأنّهم يفضّلون الإغواء على سائر الوسائل الأخرى، مثل استخدام السلطة أو العدوان، لإقناع الشريك بالدخول في علاقة جنسية.[15]
استدراج الشركاء المرتبطين
[عدل]يرتبط الإغواء بسلوك يُعرف بـ «استدراج أو مغازلة الشركاء المرتبطين». ويُقصد به قيام رجل أو امرأة باستمالة شخص مرتبط فعليًا بعلاقة قائمة، بهدف الدخول معه في علاقة جنسية. وهذا السلوك يتقاطع في معناه مع تعريف الإغواء الوارد في المقدمة. ويُعدّ آلية نفسية لها تجليات واعية وغير واعية، ويُنظر إليها من منظور علم النفس التطوري على أنّها كانت ذات فائدة تكيفية لأسلافنا، ولا تزال تؤدي وظائف معينة في المجتمعات المعاصرة.[16]
ويُعدّ استدراج الشركاء المرتبطين شكلًا من أشكال الإغواء، ويمكن استخدامه كاستراتيجية تزاوج قصيرة أو طويلة الأمد من قبل الجنسين. ويوجد منافع ومساوئ مرتبطة بهذا السلوك. وقد درس شمِت وبَس (Schmitt and Buss) المساوئ والمنافع المحتملة لدى الجنسين في هذا السياق. من المساوئ المرتبطة بهذا السلوك: الحمل غير المرغوب فيه أو من غير قصد، وانتقال العدوى أو الأمراض، وانعدام الأمان فيما يتعلق بتوفير المأوى والغذاء والاستقرار المالي، أو فقدان الموارد، فضلًا عن التعرّض للعنف والعدوان من الشريك الحالي، الذي قد يلجأ إلى ما يُعرف بسلوكيات «حراسة الشريك» أي التصرفات الهادفة لحماية شريكه من الانجذاب إلى شركاء محتملين آخرين.[17] أما المكاسب المتوقعة من هذا السلوك فتشمل: الحصول على دعم عاطفي قد يكون مفقودًا من الشريك الحالي، والوصول إلى «جينات جيدة» مثل تناسق ملامح الوجه. كما تتضمن المكاسب تنويع الخبرات الجنسية، والوصول إلى شركاء يتمتعون بجاذبية جسدية، والانخراط في علاقات جنسية غير مُلزمة.[18]
المراجع
[عدل]- ^ Hatfield، Elaine؛ Sprecher، Susan (2015). "Seduction". The International Encyclopedia of Human Sexuality. ص. 1115–1354. DOI:10.1002/9781118896877.wbiehs424. ISBN:978-1-4051-9006-0.
- ^ Littleton, H. L. & Axsom, D. (2003). "Rape and seduction scripts of university students: Implications for rape attributions and unacknowledged rape". Sex Roles. ج. 49 ع. 9–10: 465–475. DOI:10.1023/A:1025824505185. S2CID:146523271.
- ^ Kenrick, D. T.؛ Groth, G. E.؛ Trost, M. R. & Sadalla, E. K. (1993). "Integrating evolutionary and social exchange perspectives on relationships: Effects of gender, self-appraisal, and involvement level on mate selection criteria". Journal of Personality and Social Psychology. ج. 64 ع. 6: 951–969. DOI:10.1037/0022-3514.64.6.951.
- ^ Andersen, P. A. (1985). "Nonverbal immediacy in interpersonal communication". Multichannel Integrations of Nonverbal Behavior: 1–36.
- ^ Kelley. K (1986). Males, Females and Sexuality. Theories and Research. New York: State Univ of New York Pr. ص. 69. ISBN:978-0887063091.
- ^ Givens, D. B. (1978). "The nonverbal basis of attraction: Flirtation, courtship, and seduction". Psychiatry. ج. 41 ع. 4: 346–359. DOI:10.1080/00332747.1978.11023994. PMID:715095.
- ^ Glare, P. G. (1982). Oxford Latin dictionary. Clarendon Press. Oxford University Press.
- ^ Abbey, A. (1982). "Sex differences in attributions for friendly behavior: Do males misperceive females' friendliness?". Journal of Personality and Social Psychology. ج. 42 ع. 5: 830–838. DOI:10.1037/0022-3514.42.5.830.
- ^ Deighton, J. & Grayson, K. (1995). "Marketing and seduction: Building exchange relationships by managing social consensus". Journal of Consumer Research. ج. 21 ع. 4: 660–676. DOI:10.1086/209426.
- ^ Johnson، J.W. (2004). A Profane Wit: The Life of John Wilmot, Earl of Rochester. University of Rochester Press. ص. 398. ISBN:978-1-58046-170-2. مؤرشف من الأصل في 2024-12-13. اطلع عليه بتاريخ 2023-06-18.
- ^ Harmsel, H. T. (1961). The Villain-Hero in Pamela and Pride and Prejudice. College English. ص. 23(2), 104–108.
- ^ "Judges 16 – English Standard Version". Bible Gateway. مؤرشف من الأصل في 2017-07-18. اطلع عليه بتاريخ 2018-04-24.
- ^ Marston, P. J.؛ Hecht, M. L. & Robers, T. (1987). "True love ways': The subjective experience and communication of romantic love". Journal of Social and Personal Relationships. ج. 4 ع. 4: 387–407. DOI:10.1177/0265407587044001. S2CID:145339458.
- ^ Buss, D.M. & Schmitt, D.P. (1993). "Sexual Strategies Theory: an evolutionary perspective on human mating". Psychological Review. ج. 100 ع. 2: 204–232. DOI:10.1037/0033-295x.100.2.204. PMID:8483982.
- ^ Grammer, K (1989). "Human courtship behaviour: Biological basis and cognitive processing". The Sociobiology of Sexual and Reproductive Strategies: 147–169.
- ^ Schmitt, D. P. & Buss, D. M. (2001). "Human Mate Poaching: Tactics and temptations for infiltrating existing mateships". Journal of Personality and Social Psychology. ج. 80 ع. 6: 894–917. DOI:10.1037/0022-3514.80.6.894. PMID:11414373.
- ^ Scheib, J. E.؛ Gangestad, S. W. & Thornhill, R. (1999). "Facial attractiveness, symmetry and cues of good genes. Proceedings of the Royal Society of London B". Biological Sciences. ج. 266 ع. 1431: 1913–1917. DOI:10.1098/rspb.1999.0866. PMC:1690211. PMID:10535106.
- ^ Eaton, S. B.؛ Strassman, B. I.؛ Nesse, R. M.؛ Neel, J. V.؛ Ewald, P. W.؛ Williams, G. C., ... & Mysterud, I. (2002). "Evolutionary health promotion". Preventive Medicine. ج. 34 ع. 2: 109–118. DOI:10.1006/pmed.2001.0876. PMID:11817903. S2CID:18948871.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: صيانة الاستشهاد: أسماء متعددة: قائمة المؤلفين (link)