استعراش مييجي
| جزء من سلسلة مقالات حول |
| تاريخ اليابان |
|---|
إصلاح ميجي أو استعراش ميجي (مه-جي إيشّين): حقبة التحول الجيوسياسي والعسكري والاجتماعي الهيكلي الشامل التي أسدلت الستار على 265 عاماً من نظام شوغونية توكوغاوا الإقطاعي، حولت اليابان من ركود توازنات عزلة إيدو المغلقة المحكومة بامتيازات السيف لطبقة الساموراي ونفوذ مراتب الدائي ميو إلى فضاء دولة إمبراطورية مركزية؛ تتخذ من الإمبراطور ركيزةً مطلقة للسيادة والأيديولوجيا، ومستعينةً بالتجنيد الإجباري العام، والوزارة التكنوقراطية، والتعليم الإلزامي الموحد كأدوات سيادية لإعادة صوغ المجتمع والدولة تكتيكياً ومادياً،[1] في سياق أزمة بنيوية كهلة ضربت مفاصل الشوغونية إثر تسبب سياسة العزلة الدولية المستدامة في تحجيم القدرات الدفاعية للأرخبيل، لتخرقها السفن السوداء لـ بعثة بيري عام 1853 وما تلاه من تدوير دبلوماسي قسري في اتفاقية كاناغاوا عام 1854 كاشفاً هشاشة البنية العسكرية الحاكمة أمام الآلة البحرية الغربية، ومفجراً صراعاً داخلياً حاداً التقت فيه النزعات الاستخباراتية لدعاة حفظ النظام القديم مع طموحات أنصار إعادة النفوذ إلى البلاط الإمبراطوري في كيوتو.[1]
وإذ تُوّج هذا الحراك ليلتقي بلحظتها التاريخية الحاسمة في 3 يناير 1868 عبر إعلان مرسوم استعادة الحكم الإمبراطوري في قالب انقلاب سلطوي نخبوي منشّق دارت رحاه داخل طبقة المحاربين الأرستقراطية بقوة تحالف ساتشو الإقليمي السري بين أقاليم ساتسوما وتشوشو بزعامة رجال مثل سايغو تاكاموري، وأوكوبو توشيميتشي، وكيدو تاكايوشي، حسمته مادية البنادق الأجنبية المستوردة والمدافع في حرب بوشين الأهلية (1868–1869) بسحق بقايا الجيوش الشوغونية وتثبيت احتكار الدولة الجديد للقوة المقاتلة.[1] تجلى هذا الاستعراش بمفارقة شديدة. رفع شعار توقير الإمبراطور وطرد الأجانب، موازاةً مع اجتراحه أجرأ عملية تحديث وتغريب دبلوماسي وإداري وعسكري شهدتها آسيا الحديثة؛ بتقويضه نظام المقاطعات الإقطاعية وإلغاء الـهانات عام 1871 لصالح حكومة ميجي المركزية الفولاذية، مرسياً بنية تصنيعية وإدارية غربية متسارعة أفضت لاحقاً إلى صياغة دستور ميجي ونهوض إمبراطورية اليابان كقوة إقليمية حديثة وإستعمارية، محولةً الأرخبيل فاعلياً من كانتونات ممزقة بالتوازنات العسكرية إلى دولة إمبراطورية حديثة تستعير أدوات الغرب المعرفية والتكنولوجية لتدراً عن نفسها خطر الخضوع للغرب تحت شعار "إغناء الدولة، وتقوية الجيش".
القسم الخماسي
[عدل | عدل المصدر]القسم الخماسي (五箇条の御誓文) كان القسم الذي وقع عند استعراش الإمبراطور ميجي في 7 أبريل 1868. وضح هذا القسم الخطوط العريضة لأهداف فترة حكم الإمبراطور ميجي, وهو من وضع القاعدة لليابان الحديثة، وكان هذا القسم ذا تأثير كبير معنويًا أثناء فترة ميجي وحتى دخول القرن العشرين، وبالإمكان اعتباره أول دستور لليابان الحديثة.
يتكون نص القسم من خمس فقرات ترجمتها على الشكل التالي:
تصاعد الحركات الاحتجاجية
[عدل | عدل المصدر]مع حلول العقد السادس من القرن التاسع عشر (1860 م) دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراعات. حيث أصبحت العديد من الجماعات تندد بالنظام الحاكم. كان النظام الشوغوني قد قام سنة 1858 م بتوقيع معاهدة تجارة جديدة مع القنصل الأميركي «تاوزند هاريس» -بعد المعاهدة الأولى في 1854 م-، أدى ذلك إلى تأليب الجماعات المحافظة والتي كانت تعارض انفتاح البلاد على الخارج. في نفس السنة (1858 م) توفي الشوغون «إيئه-سادا» (徳川) (1824-1858 م) تبع ذلك خلافات حادة بين ورثته ثم تطور الأمر إلى بروز جبهتين بين رجالات الحكم، جبهة يغلب عليها الطابع المحافظ وترى إبقاء الأمور على حالها، وجبهة أخرى كانت تريد الإسراع في عملية إصلاح النظام الشوغوني. أسفرت الجولة الأولى عن انتصار المحافظين, الذين قاموا بتعيين «توكوغاوا إيئه-موتشي» (徳川 家茂) ع (1846-1866 م) شوغونا جديدا. قاد رئيس المجلس الوطني «إيئي ناؤوسوكه» (1815-1860 م) ـزعيم التيار المحافظ داخل النظام والذي كان الحاكم الفعلي للبلادـ سياسة متشددة تجاه المعارضين للنظام الشوغوني. كان من عواقب ذلك توحيد كل قوى المعارضة في بلاد تحت راية واحدة، وكان هدفها يلخصه الشعار التالي: «الطاعة للإمبراطور والطرد للأجانب». في حقيقة الأمر, لم تكن قضية إعادة الإمبراطور إلى السلطة الشغل الشاغل لهذه الجماعات، إذ كان أنصار هذه القضية يمثلون أقلية بين أفراد المعارضة، إلا أن الأغلبية كانت تتفق في كون ذلك ذريعة وسببا وجيها لتوحيد الصفوف ضد النظام الشوغوني.
تشكل التحالف ضد الـ«توكوغاوا»
[عدل | عدل المصدر]
في عام 1860 م, تولى «أندو نوبوماسا» (1819-1871 م) رئاسة المجلس الوطني، خلفا لـ«إيئي ناؤوسوكه». كان همه الأول أن يُقرب إليه البلاط الإمبراطوري حتى يكسر شوكة أعداء النظام. كانت خطته تقتضي زواج الشوغون «إيئه-موتشي» من إحدى الأميرات من الأسرة الإمبراطورية. بعد أن أُقنع من بعض مستشاريه, وافق الإمبراطور «كوميي» (1831-1867 م) على ذلك. وبهدف إرضاء أنصاره, قام بوضع شرط أساسي للقبول بتلك التسوية: طرد الأجانب من البلاد.
أخذ العديد من رجال الساموراي («كيدو تاكايوشي» (木戸孝允)، «أوكوبو توشيميتشي» (大久保 利通)، «سائيغو تاكاموري» (西郷 隆盛) و«إيتو هيروبومي» (伊藤 博文)) ينظمون أنفسهم في المعاقل الغربية -على غرار «تشوشو» (長州)، «ساتسوما» (薩摩) و«توسا»- وكان يملؤهم الطموح بازدهار بلادهم، وتجمعهم الرغبة في تحديثه وتزويده بجيش قوي. قاد هؤلاء الرجال حركات التمرد الأولى, وكان أغلبهم من القوميين إلى درجة التعصب, الذين أرادوا طرد الأجانب من البلاد، وإجبار النظام الشوغوني على تنفيذ وعوده (بموجب القرارات التي تم توقيعها سنة 1863 م). وجد هؤلاء المحاربون ضالتهم في الانضمام إلى الجبهة التي كانت تطالب باسترجاع الحكم الإمبراطوري. أمام إلحاح قادة المعاقل الغربية, حاول الـ«باكوفو» (التسمية التي كانت تطلق على الحكومة الشوغونية) كسب المزيد من الوقت من خلال المفاوضات. إلا أن هذه الجهود لم تثمر، حيث بدأ المتمردون في شن هجمات على المراكب الغربية التي كانت تحاول الاقتراب من سواحل البلاد.
قام النظام بتجهيز جيش كانت مهمته إخضاع المتمردين في معقل «تشوشو» (長州)، إلا أن المتمردين استطاعوا صد هذه القوات. حاول الـ«دائي-ميو» (كبير الزعماء) في معقل «ساتسوما» أن يعرض على النظام حلا وسطا: تشكيل حكومة وطنية يتم انتخاب أعضائها من قبل الشوغون، الإمبراطور والزعماء الـ«دائي-ميو». إلا أنه وبعد ضغوطات مارسها عليه زعماء المتمردين في معقله، عدل عن رأيه ووافق بمضض على التحالف الذي تم عقده سنة 1866 م مع معقل «تشوشو». كان كل من «كيدو تاكايوشي» و«سائيغو تاكاموري» قد مهدا لهذه العملية منذ مدة.
ثم تسارعت الأحداث، فتوفى الشوغون «إيئه-موتشي» (徳川) في أغسطس من عام 1866 م وهو في ريعان شبابه، انتقل الأمر من بعده إلى «توكوغاوا يوشينوبو» (徳川慶喜) (1837-1868 م)، ثم توفي الإمبراطور في يناير من العام الموالي، فاعتلى ابنه «ماتسوهيتو» (睦仁) العرش وتلقب بـ«مييجي» (明治). أصبح الشوغون الجديد مجردا من السلطة, حيث انتقلت إلى أيدي زعماء المقاطعات، وأمام زحف قوات معقلي الـ«تشوشو» والـ«ساتسوما» (薩摩) على العاصمة «إيدو»، كان من السهل على زعيم معقل الـ«توسا» (الذي انضم مؤخرا إلى التحالف الإمبراطوري) أن يقنع الشوغون بتقديم استقالته للإمبراطور. وافق «يوينوبو» على الفكرة، فقام يوم 19 نوفمبر 1867 م بالتنازل عن جميع سلطاته للإمبراطور.
قام أعضاء من المعاقل المتحالفة المنتصرة بتشكيل حكومة وطنية في «كيوتو»، التي أعلنت (رسميا) يوم 3 من يناير 1868 م استعراش الإمبراطور وتقلده حكم البلاد. كما تم إلغاء منصب الـ«شوغون» ومصادرة الأراضي التابعة له. حرص أتباع الحركة على إعطاء صفة الشعبية على عملية انتقال السلطة، فتم إصدار مراسيم يضمن فيها حرية التعبير للشعب، بينما تم إقرار كل الاتفاقيات التجارية التي وقعها النظام السابق مع الأجانب.
الحرب الأهلية «بوشين»
[عدل | عدل المصدر]
انتهت المرحلة الأولى من عملية انتقال السلطة دون إراقة للدماء، إلا أن المواجهات الأولى كان لا مفر منها وبالأخص مع أتباع الشوغون المعزول وحاشيته. كان هؤلاء يخشون أن يتم تجريدهم من أراضيهم ومن ممتلكاتهم، فقاموا بتسليح أنفسهم, ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية بين الطرفين عرفت باسم «بوشين سنسو» (戊辰戦争)، لم تشهد أحداثها وقوع خسائر كبيرة. كانت أغلب الأطراف تنادي بإصلاح مؤسسات الدولة وتحديث البلاد. اندلعت معارك متعددة في أرجاء متفرقة من البلاد بين أنصار النظام القديم والحكومة الجديدة. أُخضع فيها أتباع النظام السابق في وسط اليابان بعد هزيمهم في «توبا» و«فوشيمي». تقدمت القوات الحكومية -والتي تشكل أغلب منتسبيها من المعاقل الغربية للبلاد- إلى العاصمة «إيدو»، فتسلمت مفاتيح القصر الشوغوني دون أية مقاومة تذكر. خاضت هذه القوات في العام الموالي (1869 م) معارك متفرقة ضد قوات مشكلة من تحالف العديد من الـ«دائي-ميو» والذين انضموا تحت راية عشيرة الـ«آئيزو». كان آخر المتمردين والذين كان على رأسهم قائد الأسطول الشوغوني السابق «إيموتو تاكي-آكي» قد تم دحرهم في «هوكاداته» في شهر يونيو -حزيران- من السنة نفسها (1869 م).
رغم أحداث الحرب التي شهدتها البلاد، تم إصدار مرسوم إمبراطوري بتاريخ 25 من فبراير -شباط- 1869 م يعلن انتهاء عملية إعادة السلم في البلاد. في شهر أكتوبر -تشرين الأول- تم الإعلان عن ميلاد «الحكومة المستنيرة» وهي التسمية التي أطلقت على الفترة الزمنية التي تلت. اختارت الحكومة الاستقرار في «إيدو» (江戸) والتي تم إعادة تسميتها إلى «طوكيو» أو «العاصمة الشرقية» (東京).
انظر أيضًا
[عدل | عدل المصدر]مصادر
[عدل | عدل المصدر]- 1 2 3 "Meiji Restoration" (بالإنجليزية). Encyclopaedia Britannica. Archived from the original on 2026-05-07. Retrieved 2026-05-29.
