الأردن في العهد العثماني

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

أصبحت الدولة المملوكية متعبة رغم قوتها نتيجة للصراعات الداخلية والثورات وتجاذب مراكز القيادة بين القاهرة من جهة والكرك ودمشق من جهة ثانية بالإضافة إلى سيطرة الروح الطبقية الاستعلائية عند المماليك على سكان البلاد الأصليين ووقوع المظالم وانتفاء العدالة وتحكم عدد قليل من أمراء الماليك وأزلامهم بمقدرات الدولة وخيرات الارض . فكان لا بد لهذه الدولة أن تهتز وتتداعى عند أول صدمة قوية من الخارج، خصوصا بعدما ركب قادة المماليك الغرور بسبب انتصارهم على الفرنجة وإخراجهم من بلاد الشام. فكانت هذه الصدمة على أيدي العثمانيين بقيادة السلطان سليم الاول في معركة مرج دابق عام 1516 بالرغم بما ساد علاقات الدولتين قبل ذلك من تعاون ومودة .

حشد قانصوه الغوري سلطان الماليك الملقب بالملك الأشرف جيوشه في حلب مدعوما بنواب سورية؛ نائب دمشق ونائب حلب ونائب طرابلس ونائب صفد ونائب غزة بالاضافة إلى الجيش الذي خرج به من مصر. وذلك تحسبا لهجوم عثماني على سورية.

واستعمل السلطان العثماني الخدعة والمكر فأرسل وفدا إلى الغوري يطلب الصلح كما يرغب السلطان المملوكي. وبذلك خمدت همة الماليك إلى الحرب. وارسل الغوري أميرا يفاوض سليم الأول، فقضى على الرسول وأمر بالهجوم، فكان النصر له.

مات قانصوه الغوري في ساحة المعركة قهرا على هزيمته. وذكر أن نائب حلب من قبل الغورى كانت له يد في نتيجة المعكة. وبعد ذلك أخذ السلطان العثماني حلب وحمص وحماة ودمشق ثم زار القدس والخليل وهو في طريقه إلى الديار المصرية.

وبذلك انتقلت سورية بما فيها الأردن من السيطرة المملوكية إلى السيطرة العثمانية.

تبعت منطقة شرقي الاردن إلى دمشق. إذ استخلف السلطان سليم جان بردى الغزالي نائبا للسلطنة في دمشق، وهو نائب حماة في زمن الماليك وأتبع بدمشق كلا من القدس وغزة وصفد و الكرك. كما أقام عمالا له على حلب وحمص وطرابلس والمدن الساحلية.

واقطع لبنان للامراء المعنيين واليمنيين والتركمانيين بحسب مناطقهم. وظلت منطقة شرقي الأردن على أهميتها في العهد العثماني من النواحي التالية :

  1. - كونها الطريق التي لا غنى عنها للحجيج السوري .
  2. - لإطلاها على البحر الاحمر من خلال ميناء العقبة وتأثر التجارة الدولية بالقوة المسيطرة على ذلك البحر، حيث حاول الفرنجة السيطرة على البحر الاحمر في العهد الايوبي والعهد المملوكي .
  3. - لخصوبة ارضها وكثرة خيراتها، كما وصفها المؤرخون والرحالة الذين أمّوها في مختلف العصور، وخصوصا في المرحلة الإسلامية .

لذلك بادر العثمانيون إلى انشاء محطات وقلاع في المنطقة الأردنية في كل من الرمثا والمفرق والزرقاء وزيزيا والحسا ليحكموا سيطرتهم على الطرق الرئيسية.

أمر السلطان سليمان القانوني (1520 - 1566 م) ببناء حصن في معان على طريق الحج السوري لتأمين حماية الحجاج وراحتهم ومبيتهم .

عدم استقرار التقسيم الاداري[عدل]

عل أن التقسيم الإداري للمنطقة لم يثبت طيلة العهد العثماني على الشكل الذي نظمه فيه السلطان سليم الأول. فقد كانت الولاية السورية مقسمة إلى اثنتي وعشرين منطقة يرأس كلا منها سنجقدار وترجع جميعها إلى العامل في دمشق إما مباشرة أو من خلال «عاصمة» اقليمية .

ثم تبدل هذا التقسيم وأصبحت بلاد الشام ثلاث ايالات :

حلب في الشمال، ودمشق في الجنوب مع بعض الساحل، وطرابلس يتبعها بقية الساحل. وتنقسم الايالة إلى ألوية على رأس كل لواء سنجقدار.

ولم يستقر هذا التقسيم أيضا، إذ تعدل في بداية القرن الثامن عشر وقسمت سوريا إلى ثلاث ولايات هي ولاية طرابلس وولاية دمشق وتبعتها أقضية بيروت والقدس وغزة ونابلس والكرك - وولاية حوران.

وفي بداية القرن التاسع عشر قسمت البلاد إلى خمس باشويات هي: الشام - صيدا - فلسطين - طرابلس وحلب، عدا ايالة تدمر وايالة عجلون الملحقة بباشوية فلسطين، وكان يعهد للايالتين المذكورتين بحفظ التخوم من اعتداءات البدو.

وفي أواسط القرن التاسع عشر قسمت سوريا مجددا إلى ثلاث ولايات هي دمشق وحلب وطرابلس الشام. وهذا التقسيم استمر حتى الحرب العالمية الاولى التي شهدت نهاية الدولة العثمانية .

أسباب عدم استقرار التقسيمات[عدل]

كان حكم العثمانيين للبلاد يتميز بالقوة والفتور حسب موقع الولاية قربا أو بعدا من مركز الدولة فتتفاوت من بلد إلى آخر، ففي الولايات الجبلية أو البعيدة عن قلب الدولة لم يكن الحكم العثاني فيها إلا إسميا، بمعنى أن الدولة لم تكن ترسل حكاما عثمانيين وإنما تعترف بوجود رياسة محلية، قد تكون قبلية أوعسكرية أو اقطاعية، تحكم باسم السلطان.[1] بالإضافة إلى وجود أهداف سياسية حقيقية عند العثمانيين يسوسون البلاد التي حكموها بموجبها. لذلك كان في اولوياتهم استدرار خيرات تلك البلاد بالاستثمار المباشر والضرائب الباهظة، وبالدرجة الثانية استمرار التنابذ القبلي أو الاقطاعي بين القوى المحلية الطامعة للحكم «باسم السلطان». ومن خلال هذه المعادلات تتغير التقسيمات الإدارية ويقوم ولاة ويسقط ولاة وتسيطر عائلات وتضمحل أخرى، وتندلع حروب وتهمد أخرى. . «باسم السلطان».

ولذلك شهدت منطقة بلاد الشام في العهد العثماني تقلبات كثيرة كادت أن تفوق تلك التي شهدتها في العهد المملوكي. وبالرغم من عدم الاستقرار السياسي والإداري، وبالرغم من القسوة والدهاء في معالجة شؤون الدولة عند العثمانيين، فقد تمكنت شخصيتان سياسيتان على الاقل من طبع المرحلة بطابع سياستهما وسعيهما للتحرر من الدولة العثمانية، وكان لسياستهما تأثير مباشر على منطقة شرقي الأردن. و هما أمير لبنان في بداية القرن السابع عشر فخر الدين المعني الثاني، ووالي عكا في اواخر القرن الثامن عشر الشيخ ظاهر العمر

الأمير فخر الدين المعني الثاني[عدل]

كان فخر الدين المعني طفلا عندما قُتل والده في صراعه ضد العثمانيين فأخفته والدته مع شقيقه في منطقة كسروان عند بعض الموالين للعائلة. وتحين مدبرو شؤونهما الفرصة المؤاتية بعد سنوات وأعادوا فخر الدين إلى إمارته في الشوف بموافقة الدولة العثمانية، تلك الإمارة التي ثبتها السلطان سليم الأول لفخر الدين الأول الجد. وقد وسع فخر الدين حدود إمارته باتجاه صيدا وبيروت والبقاع وعكار وطرابلس.

كان فخر الدين يهدف إلى التحرر من الدولة العثمانية، وكان يملك الكثر من المؤهلات الشخصية والسياسية لذلك. وقد وصفه لوتسكي في كتابه «تاريخ الاقطار العربية الحديث» بأنه داهية سياسي نصب له العيون والجواسيس في قلب الأستانة حتى يتمكن من تقرير خطواته السياسية على بينة من امره.

واعتمد في سياسته عدم التفريق المذهبي أو الإقليمي في الوظائف والجيش والإدارة لذلك كانت دولته صلبة وأجهزته متحركة وفعالة. يحاول دائما أن يحصل بالحنكة والدهاء على ما يفوته الحصول عليه بالقوة وكان صدامه الأول مع العثمانيين بعد ثورة علي باشا جان بولاد الذي حاول أن يستقل بحلب فقضى عليه العثمانيون عام 1607. وكان جان بولاد حليفا لفخر الدين ويبدو أن العثمانيين قد اشتموا ما يدل على علاقة فخر الدين بثورة جان بولاد فتحينوا الفرص للايقاع به. كما أن فخر الدين كان يريد الانتقام لحليفه ومتابعة العمل التحرري.

وفي عام 1612 م قام احمد باشا حافظ دمشق بعزل الأمير حمدان بن قانصو عن ولاية عجلون والشيخ عمر المفارجة عن ولاية حوران. وقام فخر الدين بنجدتها بحيث فشل أحمد باشا في تنفيذ أمره فشكا فخر الدين إلى الباب العالي، وجيش السلطان على فخر الدين بقيادة الصدر الاعظم نصوح باشا. وتجنب فخر الدين قتال جيش السلطان وحاول اعادة المياه إلى مجاريها مع الأستانة. وعندما تعقدت علاقاته معهم غادر البلاد إلى إمارة توسكانه التى كان تربطه معها معاهدة صداقة حصل فخر الدين بموجبها على بارجة حربية وعلى مهندسين لإقامة الجسور والقلاع وتصنيع المدافع.

وفي غيابه سطا احمد باشا على إمارة المعنيين فنهبها وهدمها واحرق دير القمر التي اتخذها يونس المعني شقيق فخر الدين مقرا له. وهذا كان حال العثمانيين مع جميع خصومهم السياسيين ينتقمون من مدنهم وقراهم وشعوبهم حتى يوغروا صدر الناس على الذين تسببوا بأذى العثمانيين لهم .

ومن الدلائل والبراهين على قوة مركز العائلة المعنية في بلاد الشام، وعلى تقلب العثمانيين في نفس الوقت انه في عام 1613م، عُزل احمد باشا من منصبه في دمشق وعُين يونس شقيق فخر الدين واليا على صيدا وبيروت وعلي ابن فخر الدين واليا على صفد.

ودار الزمان دورة جديدة عام 1616م عندما قام احمد باشا الجوخ دار والي دمشق بعزل الامير علي من ولاية صفد وتعيين حسين اليازجي عليها مكانه. ولكن الأمير المعني رفض تنفيذ الأمر وهاجم اليازجي وقتله وشتت رجاله واسترضى والي دمشق، فاستصدر أمرا سلطانيا باعادة ولاية صفد وصيدا وبيروت إليه.

عام 1617 م عاد فخر الدين إلى إمارته يتابع خططه وبرامجه ويثبت اقدامه في المناطق التي تولاها أو ألحقها بالإمارة. وفي عام 1623 عزل والي دمشق جماعة فخر الدين عن نابلس وعجلون بمؤامرة من الامير يونس الحرفوش انتقاما لتحجيم سلطة الحرافشة في البقاع وضمها لإمارة فخر الدين. فقام فخر الدين بمهاجمة قب الياس وارتعب الحرافشة واستنجدوا بوالي دمشق الذي جيش من جميع اطراف الولاية وخرج إلى مجدل عنجر حيث ألحق فخر الدين بالجيوش العثمانية هزيمة نكراء واسر والي دمشق، ولكنه احترمه وأركبه حصانه.

لاحقا لذلك تمت تولية فخر الدين على «ديرة عربستان» من تخوم حلب إلى القدس[2] . ولكن العثمانيين ما لبثوا أن انقلبوا على فخر الدين بفعل الوشايات والرشاوى والمؤامرات فكانت نهايته عام 1632م، وعادت إمارة المعنيين إلى حدود جبل لبنان، وعادت الاقطاعات الصغيرة تتجاذب أطراف الولاية السوريه.

الشيخ ظاهر العمر[عدل]

حاول الشيخ ظاهر العمر والي عكا التعاون مع الدولة الروسية التي كانت في صراع مع العثمانيين. فاعلن الشيخ ظاهر العصيان على عثمان باشا والي دمشق، ولم تتمكن جيوش جميع عمال الدولة في سوريا من النيل منه عام 1773. وحاول العثمانيون ابعاده عن روسيا فثبتوه عام 1774 على صيدا وعكا وحيفا ويافا والرملة ونابلس واربد وصفد وبلاد بشارة في جبل عامل. وتمكنوا بذلك من تهدئته وأخذ الوقت الكافي لمفاوضة روسيا التي كانت اساطيلها في المتوسط. وعندما عقد صلح كوجـوك فينرجي بين روسيا والعثمانيين، غادر الاسطول الروسي سواحل سوريا كما قال لوتسكي في كتابه «تاريخ الاقطار العربية الحديثة) . وبعد انسحاب الاسطول الروسي انقض العثمانيون على الشيخ ظاهر العمر بجيش الجزار والي صيدا وحسين باشا امير البحر فحاصرا عكا حصارا مطبقا فلم يتمكن من الصمود. وعندما خرج ليسلم نفسه قام احد اعوانه بقتله. وكانت تجربة الشيخ ظاهر درسا بليغا للذين يريدون اسناد خططهم التحررية إلى قوة أجنبية.

حكم انكشاري اقطاعي[عدل]

وكانت مرحلة تسلط الجزار بعد غياب الشيخ ظاهر العمر من احلك المراحل التي مرت ببلاد الشام لانه كان يدا للعثمانيين على أهل البلاد في فرض الضرائب ونهب الخيرات من المدن والقرى وتقتيل المعارضين والاقتصاص من الاحرار.

وبعد خلع السلطان سليم الثالث بسب ثورة الانكشارية عام 1807 ظهرت عوامل الضعف على الدولة العثمانية وبدأت الفوضى تدب في مختلف انحاء الولاية السورية وأصبحت المدن والقرى السورية وفلسطين الشرقية والعراق (الشاطىء الغربي من الفرات) هدفا للغارات الوهابية الدائمة المنطلقة من الجزيرة.[3]

يبدو ان احدى هذه الغزوات بلغت شأنا كبيرا وعظم خطرها (1810 م) اذ هاجم الوهابيون حوران وهددوا دمشق فاستنجد واليها بوالي صيدا، وهذا الاخير طلب المساعدة من الامير بشير الثاني الذي كان امير جبل لبنان فأحضر قوة إلى طبريا [4] .

وكانت هذه النماذج في العلاقات السياسية غير المستقرة سببا في زعزعة القوى السياسية المحلية واضطرابها باستمرار وفي زيادة تسلط الدولة العثمانية التي تملك من أدوات البطش أعتاها. حتى وصلت الحالة إلى تحكم الادوات بالسلطة كما حدث مع الثورة الانكشارية عام 1807 وخلع السلطان سليم الثالث. ومن اجل إلقاء المزيد من الضوء على هذه العلاقات لا بد من توضيح صورة القوة العسكرية المتواجدة على ساحة الولاية السورية ومجمل أراضي الإمبراطورية العثمانية، هذه القوة التى تعتبر أداة مهمة لأية خطه سياسية.

كان الجند في كل ولاية يتألف من ثلاثة اقسام، اثنان منها للسلطنة والثالث منوط بالمتولي كحرس خاص. أما جند السلطنة فيقسان إلى وجاق الانكشارية ووجاق القبيقول. والانكشارية أشد الوجاقات نفوذا وتخضع أحياء المدن لاغواتهم. وكان مرجع الأغوات زعيم الوجاق الذي ينتخبه أغوات وجاقه.[2]

أما «الانكشارية» فهي تحريف لكلمة تركية هي «يكيجري» وتعني الجيش الجديد. كانت الانكشارية فيلقا من المشاة المحترفين له امتيازات خاصة[3]. شكل في القرن الرابع عشر وضم الصبيان السلافيين الاسرى «الذين اجبروا على اعتناق الاسلام عنوة»[بحاجة لدقة أكثر] ودربوا تدريبا عسكريا، ولم تكن لديهم عوائل ولا أية علاقة بالسكان المحليين. وكانوا يخدمون السلطان بغيرة وحماس، وكان فيلقهم ينقسم إلى وجاقات يقود كل منها اغا ويتمتع بامتيازات كثيرة، وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حصل افراد الانكشارية على حق الاقامة وتكوين أسرة خاصة بهم. وتعاطي الحرف والتجارة في الوقت الذي يواصلون فيه مهامهم العسكرية، وهكذا نشأت طبقة خاصة من الانكشارية جند فيها حرس السلطان وتشكيلات الشرطة العسكرية من اجل جباية الضرائب والخراج وقمع الفتن والثورات. وقد قاسى العديد من مدن وأقاليم الإمبراطورية العثمانية الأمرين من تجاوزات واستهتار الانكشارية. وكان من أثار استبداد جند الانكشارية الاصلاحات التي أعلنها السلطان محمود الثاني عام 1820 والتي لاقت اعتراضات عنيفة في كل انحاء الولاية السورية لانا كانت تستلزم نفقات باهظة، فقامت الدولة بزيادة الضرائب مما ادى إلى حدوث اضطرابات كبيرة عام 1825 في دمشق وفي القدس وبيت لحم ونابلس قوبلت بردة فعل عنيفة من الدولة العثانية .

وفي عام 1829 - 1830 تجددت انتفاضة نابلس واخذت شكل ثورة عارمة ضد العثمانيين. ومرة جديدة تمكن العثمانيون من ضرب السوريين بعضهم ببعض، اذ استدعى عبدالله باشا والي عكا الامير بشير الشهابي الثاني للمساعدة في قمع ثورة نابلس . وكان لجيشه اليد الطولى في احتلال قلعتها وقمع الثورة.

وبسبب ردة الفعل الشعبية على القمع العثماني وازدياد المظالم كان الجو مهيئا لاستقبال حملة ابراهيم باشا المصري، وقد احتل الجيش المصري معظم المناطق السورية ووصل في الشمال إلى قونيه وتمركز في ضواحي مدينة بورصة مما ارعب العثمانيين فبدأوا اتصالاتهم السياسية مع الدول الأوروبية التي انقسمت اراؤها حول ارغام إبراهيم باشا بالقوة على الانسحاب من الاراضي السورية أو ترك المجال لاقامة نوع من التوازن بينه وبين العثمانيين، وما توسط هذين الرأيين من مواقف واراء. وكان التناقض واضحا بين الفرنسيين والبريطانيين في هذا المجال. ويفسر بعض المؤرخين موقف فرنسا من تأييد الحملة المصرية بتأثر الفرنسيين بالشعور الديني ضد العثمانيين الذين لم تخل سياستهم من العصبية المذهبية.

استمر النقاش الأوروبي عدة سنوات في الوقت الذي لم تستقر فيه الاوضاع لمصلحة إبراهيم باشا، اذ استقبلته ثورة جديدة في نابلس عام 1834 بقيادة قاسم الأحمد. وعندما حضر إبراهيم باشا بجيشه إلى نابلس اشتد الضغط على الاحمد فهرب إلى الخليل ثم إلى الكرك وتعقبه إبراهيم باشا. وفي طريق رجوعه من الكرك هدم القسم الأكبر من قلعة الظاهر بيبرس في السلط. إذ يبدو انه اعتبر هذه القلاع تشكل خطرا عليه. كما قام المصريون بفرض السخرة على بعض بلاد الشام منها إمارة جبل لبنان وولاية بيىروت مما أشعل الثورة على المصريين .

كان العثمانيون قد توصلوا إلى عقد معاهدة مع روسيا والنمسا وبروسيا وإنجلترا على اجبار إبراهيم باشا على الرجوع إلى مصر بالقوة . ولم يتمكن المصريون من تحمل الضعط العسكري الشعبي والضغط الأوروبي - العثماني العسكري والسياسي فأجبروا على الانسحاب من سوريا. وقد مروا في طريق عودتهم إلى مصر بمدينة معان .

يقول لوتسكي[3] «وقوّت الانتفاضة ضد السيطرة المصرية والمساهمة الفعالة في طرد الجيش المصري من الحدود السورية الفلسطينية الثقة لدى السور يين بقوتهم» . هذه الثقة التي تعتبر أحد اسباب الانتفاضات التي شهدتها سوريا في تلك المرحلة ضد الإقطاعية السياسية الاجتماعية المسيطرة. ومنها عاميات لبنان وما نتح عنها من ثورات مثل ثورة الفلاحين، وثورة الزاوية التي أجهضت وحولت إلى فتنة طائفية عمت إمارة جبل لبنان وضواحيها حتى بلغ رذاذها دمشق، ومنها انتفاضة حلب عام 1850 م وانتفاضة حوران عام 1852-1853م.

وقد اعاد العثمانيون النظر في وضع مختلف المناطق السورية. فألحقوا جبـل عجلون والبلقاء بسنجق نابلس الخاضع لولاية الشام، وبقيت المنطقة الجنوبية من شرقي الأردن بدون حكومة بعد التعديلات المذكورة وحتى عام 1894 عندما اراد العثمانيون إعادة تشديد قبضتهم على الولاية السورية فأوعزوا إلى رؤوف باشا والي الشام بضبط المنطقة وتنظيمها. فأرسل حملة إلى الكرك بقيادة حسين حلمي باشا وعينه متصرفا عليها، واتبع بها قائمقاميات الطفيلة والسلط ومعان. ولكن هذا التنظيم لم يتمكن من تحقيق الاطمئنان والامن للمنطقة بعد أكثر من ثلاثة قرون من غياب الدولة والنظام غيابا فعليا بالرغم من الحضور الاسمي في بعض المراحل، ذلك الحضور الذي لم يكن سوى حضور شرطي او حضور استغلالي لجمع الضرائب والمكوس. خصوصا وان التربية والتعليم والاعلام الداخلي والثقافة قد أهملت إهمالا كليا في مجمل مرحلة الحكم العثماني، لا بل حوربت وخنقت من قبل الدولة العثمانية .

لذلك بدأت الاتجاهات التفسخية التى رعاها المستعمر العثماني، تأخذ مداها في الشعب بتشجيع مباشر أو غير مباشر من الدولة العثمانية .

فذرت الصراعات المذهبية والعشائرية قرنها وأخذت تتسع حتى ابتلعت مجمل ردات الفعل الوطنية على الاحتلال العثماني، طيلة القرن التاسع عشر. وكانت المنطقة الأردنية قد شهدت دخول الشركس منذ عام 1878 حيث تمركزوا في عمان فنشات خلافات وصراعات بين الشركس والبدو لا تخرج عن الصورة العامة للمنطقة . وعل الرغم من ذلك فقد شهدت مجمل الولاية السورية، والمنطقة الأردنية بشكل خاص عدة ثورات وانتفاضات شعبية على العثرانيين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين منها ثوره شيخ سوف بقيادة حسن بركات وثورة العدوان بقيادة الشيخ قبلان، في أواخر القرن التاسع عشر. كما قامت خلال القرن العشرين عدة ثورات منها ثورة الشوبك عام 1905 وثورة الطفيلة عام 1910 وثورة الكرك عام 1911م.

جميع هذه الحركات قوبلت بقمع شديد تضمن الكثير من حوالات الجندرمة ونهب القرى وحرق المنازل ومصادرة الغلال واعتقال الشباب وسوقهم قسرا إلى الخدمة العسكرية . بالاضافة إلى الضرائب والأتاوات المفروضة والتي لم يتوقف طلبها لحظة طيلة الحكم العثماني. وقد اشتدت هذه الظاهرات مع هبوب رياح الحرب العالمية الاولى التي خاف العثمانيون مغبتها فشددوا قبضتهم في جميع المجالات .

وقد مهدت هذه السياسة العثمانية، وما سبقها، الطريق امام الجمعيات السرية والعلنية المناهضة للدولة العثمانية. ولكن هذه الجمعيات لم تتمكن من ردع العثمانيين عن نهب السوريين وخيراتهم وثروات بلادهم وإفقار البلاد. دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا وقامت بفرض الخدمة العسكرية على شرق الأردن. كما أمرت بقطع الاشجار الحرجية والمثمرة لتأمين سير القطارات الناقلة للجنود والمؤن. وفرضت السخرة على المواطنين» [5]

الجمعيات السرية[عدل]

مثلت الجمعيات المناهضة للحكم العثماني في اوائل القرن العشرين الوضع الشعبي العام وطرق التفكير السياسي في المصير العام واساليب المعالجة، كما أن تفاعل نشاط هذه الجمعيات مع الوضع العام وتحركات القوى الطامعة بالمنطقة قد أوصل إلى المرحلة التالية بكل سلبياتها وإيجابياتها.

عام 1857 جمع المعلم بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي حوها «طلائع المثقفين السوريين لذلك العهد»[3]. وشكل اتباعها في بيروت

«الجمعية العلمية العربية» التي وحدت أول مرة في تا ريخ سوريا المثقفين العرب بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، وأصدر بطرس البستان جريدة

نفيرسوريا التي يدل اسمها على اتجاهها (1860 ) كما اصدر مجلة الجنة في نفس العام ومجلة الجنان عام 1870م. .

تجمد نشاطات الجمعية بفعل الأحداث والمجازر الطائفية التي وقعت عام 1860 في لبنان، ثم عاودت نشاطها عام 1868. وفي أحد اجتماعاتها أعلن الشيخ ابراهيم اليازجي ابن الشيخ ناصيف الدعوة الصريحة إلى اسقاط النير التركي «بحد السيف» .

على أن العديد من هذه الجمعيات كان قد خرج إلى حيز التنظيم الفعلي بعد بروز حركة تركيا الفتاة وجمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة الفعلية في الدولة العثمانية عام 1908 بعد اعلان الدستور الجديد.

فكانت ردة الفعل الاولى للشعب في سوريا التجاوب مع الاهداف «التقدمية» المعلنة للجمعية، وتأسست جمعية الاخاء العربي العثماني كتعبير عن هذا

التجاوب. ولكن جماعة الاتحاد والترقي كشفت عن حقيقة نواياها، فاذا هي أكثر عداء للشعوب المتحررة من القيمين على السلطة في المراحل السابقة. فصبت عداءها على الولاية السورية، وكان من ابرز خططها محاولة منع تداول اللغة العربية. هذا التدبير الذي كان له أثر كبير في اتساع نسبة الاشئمزاز والاستعداد للثورة من قبل المواطنين السوريين.

وفي عام 1909 أسس قادة الحركة التحرريه «المنتدى الادبي» في القسطنطينية الذي لم يكن له علاقة معلنة بالسياسة ، فاعترفت به جمعية تركيا الفتاة، ولكن هيئته القيادية كانت مؤلفة من اناس كرسوا انفسهم كليا للكفاح ضد النير التركي. وكانت للمنتدى عدة فروع في مجمل الهلال الخصيب وضم الألوف من الطلاب والمعلمين.

وفي نفس العام اسس عبد الكريم الخليل الجمعية القحطانية من الضباط العرب المجندين في الجيش التركي، على أساس العمل لمملكة عربية مستقلة إلى جانب مملكة تركية مستقلة يكون السلطان ملكا على كليها. يرى البعض أن اختراقها من قبل المدسوسين أدى إلى حلها. [3] في المقابل يرى البعض الأخر أن القحطانية انتهت بسبب وفاة بعض اعضائها في بداية الحرب الأولى.[6] وانها اعتمدت في تنظيمها على بعض الحركات والرموز السرية.

في المقابل ظهرت الجمعية العربية الفتاة عام 1911، والتي اقامها عدد من اعضاء المنتدى الادبي الدارسين في فرنسا. وكانت تدعو للاستقلال التام. وكان تنظيمها يقوم على ثلاث مجموعات: القيادة والعاملون، والمرشحون الذين يخضعون للتجربة قبل اعتبارهم عاملين فعليا في الجمعية. وعام 1913 اخذت الجمعية المبادرة في توحيد كافة الجمعيات والأحزاب والمنظمات العربية العاملة في سوريا. وظهر حزب اللامركزية ( 1912 - 1913 ) الذي ضم حوالي 10 الاف شخص في مختلف ارجاء سوريا والعراق. وكان رئيسه رفيق العظم ونائبه الشيخ الزهراوي. وكان برنامجه الدعوة إلى استقلال ذاتي ضمن الإمبراطورية العثمانية للمنطقة السورية جميعها، ومساهمة العرب في الحكومة ومجلس النواب ومجلس الشيوخ واعتبار اللغة العربية لغة رسمية للدولة. وتعليمها الزاميا في المدارس العربية.

أما «الجمعيات الاصلاحية» في بيروت ودمشق وبغداد والبصرة وعكا ونابلس وحلب فتعرض أعضاؤها لحملة قمع ضخمة. كان برنامج الجمعية الاصلاحية البيروتية ينص على ضرورة اناطة الشؤون المحلية بالولاية وتبقى الخارجية والدفاع من اختصاص الدولة المركزية وأن لا يخدم المجند إلا في ولايته. وتشكلت الجمعيات الاخرى في المدن الرئيسية على غرار الجمعية البيروتية .

عام 1913 عقد المؤتمر العربي الأول في باريس باقتراح قدمه قادة جبمعية العربية الفتاة إلى حزب اللامركزية، وشاركت فيه الجمعية الاصلاحية البيروتية . وظهرت جمعية العهد على يد عزيز علي المصري وقد كان أكثر اعضائها من الضباط العراقيين . ودعت إلى اسقاط الحكم العثماني عنوة.

شكلت بداية الحرب العالمية الاولى انطلاقة للعمل التنفيذي لهذه الجمعيات ضد الدولة العثمانية، فقد اجرى شفيق المؤيد باسم حزب اللامركزية مفاوضات في القسطنطينية مع سفير فرنسا وطلب المعونة للثورة العربية. وقد تم الاتفاق فعلا على أن تسلم فرنسا للحزب عشرين الف بندقية وترسل له مدربين. وفي نيسان 1914 قابل عبد الله الأول كيتشنر مندوب إنجلترا السامي في مصر لمساندة الثورة.

انقسمت الجمعيات إلى مجموعتين؛ مجموعة علنية ومجموعة سرية . العلنية كانت:

  1. الكتلة النيابية العربية في مجلس النواب العثماني والتي ضمت حوالي ثلاثـين نائبا من بينهم توفيق المجالي، نائبا عن الكرك ومندوبا في مجلس المبعوثان.[7] و طالب النقيب نائب البصرة، الذي أرسل إلى الشريف حسين امير مكة تشرح سوء معاملة الحكومة العثمانية التي وصلت حد تهديد الاصلاحيين بالشنق . وتطلب الرسالة من الشريف حسين القيام بأي حركة لتحسين الأوضاع ، و قد وقع الرسالة مع النقيب خمسة و ثلاثون نائبا.
  2. حزب اللامركزية الإدارية، و الذي تأسس في القاهرة و لكن كان جميع مؤسسيه من السوريين، 1912، ومن بين الأسماء التي وردت في إدارته نعمان أبو الشعر. وكانت بيانات الحزب تدعو إلى الثورة .
  3. الجمعيات الإصلاحية
  4. المؤتمر العربي في باريس 1913، و كان أعضاؤه من أركان جمعية العربية الفتاة. وجاء برسالة الداعين إلى المؤتمر و الموجهة إلى حزب اللامركزية أن المؤتمر يقوم به سوريون. و الحزب كان بدوره سورياً (سوريا الطبيعية التي كانت تشتمل على الأقاليم الاريعة المعروفة اليوم وهي لبنان وسورية والأردن وفلسطين)
  5. التكتل المختلط العلني: تأسس عام 1909 للمطالبة بحقوق العناصر التي تتألف منها الدولة و المحافظة على شخصية كل عنصر. وكان رئيس التكتل أحد أركان جمعية الاتحاد والترقي.[6]

أما المجموعة السرية فأهم تنظيماتها:

  1. الجمعية القحطانية التي ناسست عام 1909
  2. الجمعية الثورية العربية: نشات مع حزب اللامركزيه والعهد بعد نهاية القحطانية. وقد هاجت هذه الجمعية ادعاء العثمانيين الدين الإسلامي ونعتتهم بالكفر ودعت إلى التحرير.
  3. العهد (1913 ) بقيت قائمة بشكل سري طيلة الحرب العالمية الاولى. وشارك بعض اعضائها في الثورة العربية الكبرى.
  4. جمعية العلم الأخضر: أسسها طلاب عراقيون وسوريون وفلسطينيون في المدارس العليا. واصدرت مجله لسان العرب التي أبدل اسمها بعد فترة باسم المنتدى الادبي.
  5. جمعية العلم (1914) وفد اندمجت في جمعية العهد.
  6. العربية الفتاة : تأسست في باريس عام 1911 من قبـل طلاب يدرسون هناك. وكان من اهدافها المعلنة النهضة بالعرب إلى مصاف الامم الحية. وكان الانخراط بها يستوجب القسم، وكانت هذه الجمعية حزب الحكم الفيصلي. وكان لها نظام إداري ومالي موسع ومتطور.
جمال باشا السفاح الذي علق أحرار العرب على المشانق, ساحة المرجة يوم 6 مايو 1916


كانت ردة فعل العثانيين على وجود الجمعيات التي تمكنوا من كشف وجودها عنيفا جدا، أدت إلى الاعدامات الشهيرة في ساحة البرج في بيروت

وفي ساحة المرجة في دمشق على يد جمال الباشا السفاح تنفيذا لأحكام المحكمة العرفية في عاليه .

وفي الوفت الذي كانت فيه المشانق تعلق في بيروت ودمشق كانت الثورة العربية الكبرى تساهم في طرد الجيوش العثمانية من الأراضي السورية التي دخلتها بعد ذلك قوات الحلفاء.

مراجع[عدل]

عمان عاصمة الأردن - منشورات امانه العاصمة

تاريخ سوريا ولبنان وفلسوطين - دكتور فيليب حتى

مادبا وضواحيها - الاب جورج سابا وروك العزيزي .

الطفيلة موجز في جفرافيتها التاريخية - سليمان القوابعه

معان المدينة والمحافظة ماضيها وحاضرها - رزق هارون الديخ قباعة آل خطاب

مصادر[عدل]

  1. ^ دكتور محمد احمد صلاح - الإدارة في إمارة شرق الأردن
  2. أ ب محمد جميل بيهم - الحلقة المفقودة في تاريخ العرب
  3. أ ب ت ث ج لوتسكي - تاريخ الاقطار العربية الحديث - ترجمة دكتورة عفيفة البستان
  4. ^ المطران يوسف الدبس - مختصر تاريخ سوريا
  5. ^ الدكتور علي محافظة - «تاريخ الاردن المعاصر»
  6. أ ب محمد عزة دروزة - نشأة الحركة العربية الحديثة
  7. ^ وزارة الاعلام دائرة المطبوعات والنشر الأردنية -«الأردن في التاريخ الاسلامي»


خارطة شبه الجزيرة العربية تاريخ بلاد الشام خارطة شبه الجزيرة العربية
الأسماء المعاصرة تاريخ سوريا | تاريخ الأردن | تاريخ فلسطين | تاريخ لبنان