انتقل إلى المحتوى

الاجتماع الدستوري (الولايات المتحدة)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
لوحة تصور توقيع دستور الولايات المتحدة الأمريكية.

عُقد الاجتماع الدستوري في فيلادلفيا في الفترة من 25 مايو حتى 17 سبتمبر عام 1787.[1] وكان الهدف الأولي من المؤتمر هو مراجعة اتحاد الولايات وأول نظام للحكومة الفيدرالية بموجب وثائق الكونفدرالية، سعى أبرز مؤيدي المؤتمر الدستوري، بمن فيهم جيمس ماديسون من فرجينيا وألكسندر هاميلتون من نيويورك، إلى إنشاء إطار حكومي جديد بدلًا من تعديل الإطار القائم. وانتخب المندوبون جورج واشنطن من فرجينيا رئيسًا للمؤتمر،[2] وهو القائد العام السابق للجيش القاري في حرب الاستقلال الأمريكية، والمؤيد لحكومة وطنية أقوى. وبينما كان المؤتمر الدستوري هو المؤتمر الفيدرالي الوحيد، فقد عقدت الولايات الخمسون 233 مؤتمرًا دستوريًا. وفي نهاية المطاف، ناقش المؤتمر دستور الولايات المتحدة وصادق عليه، ما جعله أحد أهم الأحداث في التاريخ الأمريكي.[3]

عُقد المؤتمر في مبنى ولاية بنسلفانيا، الذي سُمي لاحقًا قاعة الاستقلال. ولم يُطلق على المؤتمر حينها اسم المؤتمر الدستوري. وكان يُعرف آنذاك باسم المؤتمر الفيدرالي، أو مؤتمر فيلادلفيا،[4] أو المؤتمر الكبير في فيلادلفيا.[5][4] ولم يكن معظم المندوبين قد حضروا بنية صياغة دستور جديد. فقد افترض الكثيرون أن هدف المؤتمر هو مناقشة وصياغة تحسينات على وثائق الكونفدرالية القائمة، ولولا ذلك لما وافقوا على المشاركة. ولكن فور بدء المؤتمر، اتفق معظم المندوبين - وإن لم يكن جميعهم - عمومًا على أن الهدف هو نظام حكم جديد، وليس مجرد نسخة منقحة من وثائق الكونفدرالية.

طُرحت ونوقشت عدة مخططات عامة، أبرزها خطة فرجينيا لماديسون وخطة نيوجيرسي لوليام باترسون. واختيرت خطة فرجينيا كأساس للحكومة الجديدة، وسرعان ما توصل المندوبون إلى توافق في الآراء بشأن مخطط عام لحكومة فيدرالية بثلاث سلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) إلى جانب الدور الأساسي لكل سلطة. ومع ذلك، أدى الخلاف حول التصميم المحدد وصلاحيات السلطات إلى تأخير التقدم لأسابيع وهدد نجاح المؤتمر. وكانت أكثر الخلافات حدةً حول السلطة التشريعية، وتحديدًا على تشكيل مجلس الشيوخ وإجراءات انتخابه باعتباره المجلس التشريعي الأعلى في الكونغرس ذي المجلسين، وما إذا كان التمثيل النسبي يُحدد بناءً على جغرافية الولاية أم على عدد سكانها.

شهد دور السلطة التنفيذية نقاشًا حادًا، بما في ذلك القضايا الرئيسية المتعلقة بتقسيم السلطة التنفيذية بين ثلاثة أشخاص أو تفويضها إلى رئيس واحد؛ وكيفية انتخاب الرئيس؛ ومدة ولايته وعدد الولايات المسموح بها؛ والجرائم التي تستوجب العزل؛ وما إذا كان ينبغي اختيار القضاة من قبل السلطة التشريعية أم التنفيذية. وكانت قضية الرق أيضًا من القضايا الخلافية، إذ ناقش المندوبون إدراج بند خاص بالعبيد الهاربين، وإمكانية إلغاء تجارة الرقيق، وما إذا كان ينبغي احتساب المستعبدين لأغراض التمثيل النسبي. وقد خُصص جزء كبير من وقت المؤتمر لحل هذه المسائل.

كان التقدم بطيئًا حتى منتصف يوليو، حين حسمت تسوية كونيتيكت ما يكفي من الخلافات العالقة ليحظى مشروع الدستور الذي أعدته لجنة التفاصيل بالقبول. ورغم إجراء المزيد من التعديلات والتسويات خلال الأسابيع التالية، فإن معظم هذا المشروع موجود في النسخة النهائية للدستور. وبعد مناقشة وحل العديد من القضايا الأخرى، أصدرت لجنة الصياغة النسخة النهائية في أوائل سبتمبر. وصوت عليها المندوبون، ونقشها جاكوب شالوس على رق (جلد كتابة) ثم طبعها، ووقع عليها 39 مندوبًا من أصل 55 في 17 سبتمبر عام 1787. وطُبع الدستور المقترح في عدة نسخ للمراجعة، مما بدأ المناقشات وعملية التصديق. وبعد ذلك بوقت قصير، نُشر أيضًا في الصحف للمراجعة العامة.

التاريخ

[عدل]

خلال الثورة الأمريكية، استبدلت المستعمرات الثلاث عشرة بحكوماتها الاستعمارية دساتير جمهورية قائمة على مبدأ فصل السلطات، ونظمت الحكم في ثلاث سلطات: تشريعية وتنفيذية وقضائية. وأقرت هذه الدساتير الثورية سيادة السلطة التشريعية (سيادة برلمانية)، إذ منحت معظمها للهيئة التشريعية، التي كانت تُعتبر الأكثر تمثيلًا للشعب، بما في ذلك السلطات التي كانت تُعتبر تقليديًا من اختصاص السلطتين التنفيذية والقضائية. وكان حكام الولايات يفتقرون إلى سلطة تُذكر، وكانت محاكم الولايات وقضاتها خاضعين لسيطرة السلطة التشريعية آنذاك. وانتخبت ولاية ماساتشوستس مندوبين شعبيين في عام 1779 لمؤتمرها الدستوري، مما أرسى سابقة للمؤتمر الفيدرالي.[6]

اعتمد الكونغرس القاري الثاني، الذي انعقد في قاعة الاستقلال الحالية في فيلادلفيا، عاصمة المستعمرات آنذاك، إعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776، وأنشأت الولايات الاستعمارية الثلاث عشرة تحالفًا دائمًا لتنسيق الجهود الأمريكية لكسب حرب الاستقلال. وحُكم هذا التحالف وفقًا لوثائق الكونفدرالية، التي كانت أقرب إلى معاهدة بين دول مستقلة منها إلى دستور وطني. واعتُمدت وثائق الكونفدرالية من قِبل الكونغرس القاري الثاني عام 1777، ولكن لم تُصدق عليها جميع الولايات حتى عام 1781.[7]

بموجب هذه الوثائق، كانت الولايات المتحدة في جوهرها اتحادًا فيدراليًا لجمهوريات مستقلة، حيث ضمنت البنود سيادة الولايات واستقلالها. وكان يُحكم الكونفدرالية من قِبل كونغرس الكونفدرالية، وهو هيئة تشريعية أحادية المجلس، يُنتخب أعضاؤها من قِبل مجالس الولايات التشريعية، ولكل ولاية صوت واحد. واقتصرت صلاحيات الكونغرس على شن الحرب وإدارة الشؤون الخارجية. ولم يكن بإمكانه فرض ضرائب أو رسوم جمركية، وكان بإمكانه فقط طلب الأموال من الولايات، ولم يكن بإمكانه إجبار الولايات المتخلفة عن السداد على الدفع.[8]

ولأن تعديل وثائق الكونفدرالية لا يجري إلا بتصويت بالإجماع من الولايات، فقد كان لكل ولاية حق نقض فعلي على أي تغيير مُقترح. وكان الكونغرس بحاجة إلى الغالبية العظمى (تسعة من أصل ثلاثة عشر وفدًا من وفود الولايات) لتمرير تشريعات رئيسية كإعلان الحرب، أو إبرام المعاهدات، أو اقتراض الأموال. ولم يكن للاتحاد الكونفدرالي سلطتان تنفيذية أو قضائية، ما يعني أن حكومة الاتحاد افتقرت إلى وسائل فعالة لإنفاذ قوانينها ومعاهداتها ضد الولايات المخالفة. وسرعان ما اتضح للجميع تقريبًا أن حكومة الاتحاد الكونفدرالي بصيغتها الأصلية غير قادرة على إدارة المشكلات المتعددة التي تواجه الولايات المتحدة.[9]

وفور انتهاء المهمة الحاسمة المتمثلة في كسب الحرب، بدأت الولايات بالاهتمام بمصالحها الخاصة بدلًا من مصلحة البلاد. وبحلول منتصف ثمانينيات القرن الثامن عشر، امتنعت الولايات عن تزويد الكونغرس بالتمويل، ما يعني أن الحكومة لم تستطع سداد فوائد ديونها الخارجية، أو دفع رواتب الجنود المتمركزين على طول نهر أوهايو، أو الدفاع عن حقوق الملاحة الأمريكية في نهر المسيسيبي ضد التدخل الإسباني. وفي عام 1782، استخدمت ولاية رود آيلاند حق النقض ضد تعديل دستوري كان سيسمح للكونغرس بفرض ضرائب على الواردات لسداد الديون الفيدرالية. وجرت محاولة ثانية للموافقة على فرض ضريبة فيدرالية في عام 1785، لكن هذه المرة كانت نيويورك هي من رفضتها.[10]

افتقر كونغرس الكونفدرالية إلى سلطة تنظيم التجارة الخارجية والتجارة بين الولايات. فقد فرضت بريطانيا وفرنسا وإسبانيا قيودًا على السفن والمنتجات الأمريكية، بينما عجزت الولايات المتحدة عن تنسيق سياسات تجارية انتقامية. وعندما فرضت ماساتشوستس وبنسلفانيا رسومًا جمركية مماثلة على التجارة البريطانية، أنشأت ولايات مجاورة مثل كونيتيكت وديلاوير موانئ حرة لتحقيق ميزة اقتصادية. بل إن بعض الولايات بدأت بفرض رسوم جمركية على تجارة الولايات المجاورة. وفي عام 1784، اقترح الكونغرس تعديلًا دستوريًا يمنحه صلاحيات على التجارة الخارجية، لكنه لم يحظَ بموافقة بالإجماع من الولايات.[11]

اشتكى العديد من الأمريكيين من الطبقة العليا من أن دساتير الولايات كانت ديمقراطية أكثر من اللازم، ونتيجة لذلك، كان المشرعون أكثر اهتمامًا بالحفاظ على رضا الشعب من اهتمامهم بما هو في مصلحة الأمة. وكان أبرز مثال على ذلك هو طريقة استجابة المجالس التشريعية للولايات لمطالب الإغاثة الاقتصادية. فقد عجز كثير من الناس عن سداد الضرائب والديون بسبب الكساد الاقتصادي الذي أعقب الحرب والذي تفاقم بسبب ندرة العملات الذهبية والفضية. واستجابت الولايات بإصدار عملة ورقية، التي غالبًا ما انخفضت قيمتها، وبتسهيل تأجيل سداد الضرائب والديون. وقد فضلت هذه السياسات المدينين على حساب الدائنين، واقتُرح منح الكونغرس سلطة منع مثل هذه القوانين الشعبوية.[12]

اقرأ أيضا

[عدل]

مراجع

[عدل]
  1. ^ Jillson 2009، صفحات 31, 38.
  2. ^ "A Constitutional Convention? Some Democrats Fear It's Coming" (بالإنجليزية). 16 Dec 2024. Archived from the original on 2025-09-27. Retrieved 2025-09-28.
  3. ^ Dinan, John J. (14 Apr 2006). The American State Constitutional Tradition (بالإنجليزية). University Press of Kansas. ISBN:978-0-7006-1689-3.
  4. ^ ا ب Jillson 2009، صفحة 31.
  5. ^ Odesser-Torpey 2013، صفحة 26.
  6. ^ Bensel, Richard Franklin (3 Nov 2022). The Founding of Modern States (بالإنجليزية). Cambridge University Press. ISBN:978-1-009-24720-7.
  7. ^ Klarman 2016، صفحات 13–14.
  8. ^ Van Cleve 2017، صفحة 1.
  9. ^ Larson & Winship 2005، صفحة 5.
  10. ^ Beeman 2009، صفحة 15.
  11. ^ Klarman 2016، صفحات 21–23.
  12. ^ Klarman 2016، صفحة 34.