الثورة الزراعية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من الثورة النيوليثية)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

كانت الثورة الزراعية أو التحول الديموغرافي(السكاني) في العصر الحجري الحديث، أو الثورة الزراعية، أو الثورة الزراعية الأولى هي الانتقال الواسع النطاق للعديد من الثقافات البشرية خلال فترة العصر الحجري الحديث من نمط حياة الصيد والجمع إلى نمط من الزراعة والاستيطان، مما ساهم بجعل عدد السكان أكبر، حيث سمحت هذه المجتمعات المستقرة للإنسان بمراقبة النباتات واختبارها لمعرفة كيفية نموها وتطويرها، وهذه المعرفة الجديدة أدت إلى استزراع (ما يقابل التدجين) النباتات.[1]

تشير البيانات الأثرية إلى أن تدجين أنواع مختلفة من النباتات والحيوانات قد حدث في أماكن منفصلة في جميع أنحاء العالم، بدءًا من الحقبة الجيولوجية للهولوسين قبل حوالي 12500 سنة، وقد كانت أول ثورة زراعية قابلة للإثبات، حيث أدت ثورة العصر الحجري الحديث إلى تضييق نطاق تنوع الأغذية المتاحة، مما أدى إلى تراجع في تغذية الإنسان.[2]

ساهمت بتقديم ما هو أكثر من مجرد تقنيات إنتاج الغذاء، فخلال آلاف السنين القادمة تحولت المجموعات الصغيرة والمتنقلة من الصيادين-الجامعين الذين كانوا يهيمنون على ما قبل التاريخ البشري إلى مجتمعات مستقرة (غير بدوية) قائمة في قرى وبلدات مبنية.[2][3]

قامت هذه المجتمعات بتعديل بيئتها الطبيعية بشكل جذري عن طريق زراعة المحاصيل الغذائية المتخصصة، مع أنشطة مثل الري وإزالة الغابات التي سمحت بإنتاج فائض من الأغذية، كما حدثت تطورات أخرى هي تدجين الحيوانات وصناعة الفخار والأدوات الحجرية المصقولة والمنازل المستطيلة.[4]

هذه التطورات التي يطلق عليها أحيانًا حزمة العصر الحجري الحديث، وفرت الأساس للإدارات المركزية والهياكل السياسية، والإيديولوجيات الهرمية، وأنظمة المعرفة كالكتابة، والمستوطنات المكتظة بالسكان، والتخصص وتقسيم العمل، والمزيد من التجارة، وتطور في الفن والهندسة المعمارية، ومفهوم الملكية، وظهرت أقدم حضارة معروفة في سومر في جنوب بلاد ما بين النهرين (نحو 6500 سنة قبل الحاضر) كما بشرت ببداية العصر البرونزي.[5]

تظل علاقة الخصائص المذكورة أعلاه مع بداية الزراعة وتسلسلها في الظهور والعلاقة التجريبية مع بعضها البعض في مواقع مختلفة موضوع نقاش أكاديمي، وتختلف من مكان إلى مكان، بدلاً من كونها حصيلة قوانين عالمية للتطور الاجتماعي، حيث شهد المشرق أولى تطورات الثورة النيوليتية منذ نحو 10000 قبل الميلاد تلاه منطقة الهلال الخصيب.[6]

التحول الزراعي[عدل]

صيغ مصطلح العصر الحجري الحديث في عام 1923 على يد ف. جوردون تشايلد(V. Gordon Childe) ليصف بداية سلسلة من الثورات الزراعية في تاريخ الشرق الأوسط، وتوصف هذه المرحلة بأنها "ثورة" للدلالة على التأثير الكبير والأهمية البالغة ودرجة التغيير التي أثرت على المجتمعات التي اعتمدت الممارسات الزراعية الجديدة وصقلتها تدريجيًا.[7]

وقد تم تأريخ بداية هذه العملية في مناطق مختلفة من 10,000 إلى 8000 قبل الميلاد في منطقة الهلال الخصيب، وربما 8000 قبل الميلاد في موقع كوك (Kuk) الزراعي في ميلانيزيا، ويبدو أن هذا التحول في كل مكان كان مرتبطًا على نحوٍ كبير بالتغيير من أسلوب حياة الصياد-الجامع إلى أسلوب أكثر استقرارًا يقوم على الزراعة مع بداية تدجين أنواع نباتية وحيوانية مختلفة - اعتمادًا على الأنواع المتوفرة محليًا بالإضافة إلى تأثير الثقافة المحلية أيضًا، وتشير الأبحاث الأثرية الحديثة إلى أن الانتقال من الصيادين-الجامعين إلى الزراعة لم يكن خطيًا في بعض المناطق مثل شبه جزيرة جنوب شرق آسيا، بل كان محددًا في المنطقة.[8][9]

هناك العديد من النظريات المتنافسة (ولكن ليست حصرية) فيما يتعلق بالعوامل التي دفعت السكان إلى اعتماد الزراعة، وأبرز هذه النظريات:

  • نظرية الواحة: وتؤكد هذه النظرية أن ازدياد جفاف المناخ بسبب انخفاض المنخفضات الأطلسية باتجاه الشمال، اعتمدت المجتمعات المحلية على الواحات حيث أُجبرت على الارتباط الوثيق بالحيوانات التي تم تدجينها بالإضافة لغرس البذور لغرس البذور، ومع ذلك اليوم هذه النظرية تحظى بالقليل من الدعم بين علماء الآثار لأن البيانات المناخية اللاحقة تشير إلى أن المنطقة أصبحت أكثر رطوبة وليس أكثر جفافًا.[10]
  • تقترح فرضية Hilly Flanks، التي اقترحها Robert Braidwood في عام 1948، بأن الزراعة بدأت في التلال في جبال طوروس (Taurus) وزاغروس (Zagros)، حيث المناخ لم يكن أكثر جفافًا كما في النظرية السابقة، حيث دعمت الأراضي الخصبة مجموعة متنوعة من النباتات والحيوانات القابلة للتدجين.[11]
  • يشير نموذج الولائم (Feasting) الذي وضعه بريان هايدن إلى أن الزراعة كانت مدفوعة بمظاهر القوة المتفاخرة، كعقد الولائم لإبراز الهيمنة، وهذا يتطلب تجميع كميات كبيرة من الطعام، الأمر الذي دفع التقنيات الزراعية.[12]
  • النظريات الديموغرافية التي اقترحها كارل سوير، والتي تم تبنيها من قبل لويس بينفورد وكينت فلانري، تفترض وجود عدد متزايد من السكان المستقرون الذين امتدوا إلى القدرة الاستيعابية للبيئة المحلية وطلبوا المزيد من الطعام أكثر مما يمكن جمعه، حيث أدت العديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية إلى زيادة الحاجة إلى الغذاء.[13]
  • النظرية التطورية/ القصدية التي طورها ديفيد ريندوس وآخرون، ترى الزراعة كتكيف تطوري للنباتات والبشر.[14]
  • قدم كل من بيتر ريتشيرسون وروبرت بويد وروبرت بيتنجر حالة لتطور الزراعة المتزامن مع مناخ مستقر بشكل متزايد في بداية الهولوسين.[15]
  • يُزعم أنّ حدث Younger Dryas المفترض مسؤول جزئيًا عن انقراض الكائنات الحيوانية الضخمة وإنهاء آخر فترة جليدية، وقد أتاح هذا ظروفًا تتطلب تطور المجتمعات الزراعية للبقاء على قيد الحياة.[16]
  • يجادل ليونيد غرينين Grinin بأنه مهما كانت النباتات المزروعة، فإن الاختراع المستقل للزراعة كان يحدث دائمًا في بيئات طبيعية خاصة (على سبيل المثال، جنوب شرق آسيا)، ومن المفترض أن زراعة الحبوب بدأت في مكان ما في الشرق الأدنى: في تلال فلسطين أو مصر، ولهذا يؤرخ غرينين بدء الثورة الزراعية خلال الفترة من 12000 إلى 9000 قبل الميلاد، على الرغم من أن بعض النباتات المزروعة أو عظام الحيوانات الأليفة في بعض الحالات كانت حتى أقدم من عمر 14 - 15 ألف سنة.[17]
  • اقترح أندرو مور(Andrew Moore) أن الثورة النيوليتية نشأت على فترات طويلة من التطور في بلاد الشام، وربما بدأت العصر الحجري الوسيط (Epipaleolithic)، ففي "إعادة تقييم للثورة العصر الحجري الحديث"، واصل فرانك هول(Frank Hole) التوسع في العلاقة بين تدجين النبات والحيوان، واقترح أنها يمكن أن تحدث بشكل مستقل خلال فترات زمنية مختلفة، في مواقع لم تستكشف بعد، وأشار إلى أنه لم يتم العثور على أي موقع انتقالي يوثق التحول عن ما وصفه بالنظم الاجتماعية المؤجلة والعاجلة، كما أشار إلى أن المجموعة الكاملة من الحيوانات المستأنسة (الماعز والأغنام والماشية والخنازير) لم يتم العثور عليها حتى الألفية السادسة في تل رماد، وخلص هول إلى أنه "ينبغي إيلاء اهتمام وثيق في التحقيقات المستقبلية إلى الحواف الغربية لحوض الفرات، ربما حتى جنوب شبه الجزيرة العربية ، خاصة عندما تدفقت الأودية التي تحمل جريان مياه الأمطار في العصر البليستوسيني". [18]

المراجع[عدل]

  1. ^ Jean-Pierre Bocquet-Appel (July 29, 2011). "When the World's Population Took Off: The Springboard of the Neolithic Demographic Transition". Science. 333 (6042): 560–561. Bibcode:2011Sci...333..560B. PMID 21798934. doi:10.1126/science.1208880. اطلع عليه بتاريخ June 10, 2012. 
  2. أ ب Pollard, Rosenberg, and Tigor (2015). Worlds together, worlds apart concise edition vol.1. New York: W.W. Norton & Company. صفحة 23. ISBN 9780393250930. 
  3. ^ Compare:Lewin، Roger (2009-02-18) [1984]. "35: The origin of agriculture and the first villagers". Human Evolution: An Illustrated Introduction (الطبعة 5). Malden, Massachusetts: John Wiley & Sons (نشر 2009). صفحة 250. ISBN 9781405156141. اطلع عليه بتاريخ 20 أغسطس 2017. [...] the Neolithic transition involved increasing sedentism and social complexity, which was usually followed by the gradual adoption of plant and animal domestication. In some cases, however, plant domestication preceded sedentism, particularly in the New World. 
  4. ^ "International Stratigraphic Chart". اللجنة الدولية للطبقات. تمت أرشفته من الأصل في 2013-02-12. اطلع عليه بتاريخ 06 ديسمبر 2012. 
  5. ^ Armelagos، George J. (2014). "Brain Evolution, the Determinates of Food Choice, and the Omnivore's Dilemma". Critical Reviews in Food Science and Nutrition. 54 (10): 1330–1341. ISSN 1040-8398. PMID 24564590. doi:10.1080/10408398.2011.635817. 
  6. ^ "Neolithic". Ancient History Encyclopedia. اطلع عليه بتاريخ 21 يوليو 2017. 
  7. ^ Diamond، J.؛ Bellwood، P. (2003). "Farmers and Their Languages: The First Expansions". Science. 300 (5619): 597–603. Bibcode:2003Sci...300..597D. CiteSeerX 10.1.1.1013.4523Freely accessible. PMID 12714734. doi:10.1126/science.1078208. 
  8. ^ اكتب عنوان المرجع بين علامتي الفتح <ref> والإغلاق </ref> للمرجع Barker2009
  9. ^ Thissen, L. "Appendix I, The CANeW 14C databases, Anatolia 10,000-5000 cal. BC." in: F. Gérard and L. Thissen (eds.), The Neolithic of Central Anatolia. Internal developments and external relations during the 9th–6th millennia cal BC, Proc. Int. CANeW Round Table, Istanbul 23–24 November 2001, (2002)
  10. ^ Gordon Childe (1936). Man Makes Himself. Oxford university press. 
  11. ^ Scarre, Chris (2005). "The World Transformed: From Foragers and Farmers to States and Empires" in The Human Past: World Prehistory and the Development of Human Societies (Ed: Chris Scarre). London: Thames and Hudson. Page 188. (ردمك 0-500-28531-4)
  12. ^ Charles E. Redman (1978). Rise of Civilization: From Early Hunters to Urban Society in the Ancient Near East. San Francisco: Freeman. 
  13. ^ Hayden، Brian (1992). "Models of Domestication". In Anne Birgitte Gebauer and T. Douglas Price. Transitions to Agriculture in Prehistory. Madison: Prehistory Press. صفحات 11–18. 
  14. ^ Sauer، Carl O. (1952). Agricultural origins and dispersals. Cambridge, MA: MIT Press. 
  15. ^ Binford، Lewis R. (1968). "Post-Pleistocene Adaptations". In Sally R. Binford and Lewis R. Binford. New Perspectives in Archaeology. Chicago: Aldine Publishing Company. صفحات 313–342. 
  16. ^ Rindos، David (December 1987). The Origins of Agriculture: An Evolutionary Perspective. Academic Press. ISBN 978-0-12-589281-0. 
  17. ^ Richerson، Peter J.؛ Boyd، Robert؛ وآخرون. (2001). "Was Agriculture Impossible during the Pleistocene but Mandatory during the Holocene?". American Antiquity. 66 (3): 387–411. JSTOR 2694241. doi:10.2307/2694241. 
  18. ^ Wright، Ronald (2004). A Short History of Progress. Anansi. ISBN 978-0-88784-706-6. 

مصادر[عدل]