الحملة الصليبية الثالثة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحملة الصليبيَّة الثالثة
جزء من الحملات الصليبيَّة
Siege of Acre.jpg
مُنمنمة أوروپيَّة تُظهر حصار عكَّا، وهو أوَّلُ حصارٍ كبيرٍ وقع خِلال الحملة الصليبيَّة الثالثة
معلومات عامة
التاريخ 585–587هـ \ 1189–1192م
الموقع الشَّام والأناضول بِشكلٍ رئيسيّ
النتيجة إبرام مُعاهدة يافا
  • الاتفاق على المُهادنة مُدَّة ثلاث سنوات نتيجة الانتصارات الصليبيَّة.
  • بقاء بيت المقدس في يد المُسلمين.
  • إعادة إنشاء الدُول الصليبيَّة في الشَّام واعتراف الطرفين بها.
  • ضمان سلامة الحُجَّاج المُسلمين والمسيحيين العُزَّل في جميع أنحاء الشَّام.
تغييرات
حدودية
  • استيلاء الصليبيين على قبرص وتأسيسهم مملكة لاتينيَّة فيها.
  • الصليبيُّون يُعاودون الاستيلاء على السَّاحل الشَّاميّ من صُور حتَّى يافا.
  • الصليبيُّون يُعاودون الاستيلاء على طبريَّا وبعض المُدن والمناطق الداخليَّة الأُخرى.
المتحاربون


الدُول المسيحيَّة المُناوئة لِلصليبيين:
القادة
الصليبيُّون:
المُسلمون:
المسيحيُّون المُناوؤون:
الحشَّاشون:
القوة
الإنجليز: 8.000 رجل[1]
الفرنسيون: 2.000 رجل[2]
(لا يشمل هذا العدد الفرسان وغيرها من قوات مملكة بيت المقدس)
الألمان: 15.000–100.000 رجل[2]
المجريون: 2.000 رجل[3]
(سجلات العصور الوسطى لأرقام الجيش لا يمكن الاعتماد عليها)
غير معروف
الخسائر
كبيرة كبيرة
Fleche-defaut-droite-gris-32.png الحملة الصليبية الثانية  تعديل قيمة خاصية سبقه (P155) في ويكي بيانات
الحملة الصليبية الرابعة  تعديل قيمة خاصية تبعه (P156) في ويكي بيانات Fleche-defaut-gauche-gris-32.png

الحملة الصليبية الثالثة (1189-1192)، وتعرف أيضا باسم حملة الملوك، هي محاولة من قبل القادة الأوروبيين لاستعادة الأراضي المقدسة من صلاح الدين الأيوبي. كانت الحملة ناجحة إلى حد كبير، واحتلت فيها مدنا هامة مثل عكا ويافا، مسببة في ضياع مكاسب فتوحات صلاح الدين الأيوبي، لكن فشلت القوات الصليبية في احتلال بيت المقدس، المسبب الرئيسي للحملات الصليبية.

بعد فشل الحملة الصليبية الثانية، حكم الزنكيون سوريا ووحدوها، ثم دخلوا في صراع مع حكام مصر الفاطميين. توحدت القوات المصرية والسورية في نهاية المطاف تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي، الذي عمل على إسقاط الدول المسيحية واستعادة القدس في 1187. زادت الحماسة الدينية لدى هنري الثاني ملك إنجلترا وفيليب الثاني ملك فرنسا (المعروفة باسم فيليب أغسطس)، وأدى ذلك إلى القيام بمحاولة لإنهاء الصراعات القائمة بينهم لقيادة حملة صليبية جديدة. توفي هنري في 1189، ومع ذلك، أصبحت القوات الإنجليزية تحت قيادة خليفته الملك ريتشارد الأول (المعروفة باسم ريتشارد قلب الأسد). استجاب الإمبراطور الروماني المقدس فريدريك بربروسا أيضا للدعوة إلى الحملة، فعبر جيش ألماني ضخم الأناضول، لكنه غرق في نهر في آسيا الصغرى في 10 يونيو 1190 قبل الوصول إلى الأراضي المقدسة. سببت وفاته حزنا كبيرا لدى الصليبيين الألمان، وعادت أغلب قواته إلى الإمبراطورية.

بعد استرجاع الصليبيين لمدينة عكا من المسلمين، غادر فيليب رفقة خليفة فريدريك، ليوبولد الخامس دوق النمسا (المعروف باسم ليوبولد الفاضل)، الأراضي المقدسة في أغسطس 1191. في 2 سبتمبر 1192، وضع ريتشارد وصلاح الدين اللمسات الأخيرة على معاهدة تمنح المسلمين السيطرة على القدس مع السماح للحجاج العزل والتجار المسيحيين بزيارة المدينة. غادر ريتشارد الأراضي المقدسة في 2 أكتوبر. سمحت نجاحات الحملة الصليبية الثالثة للصليبيين بالحفاظ على نفوذ كبير في قبرص والساحل السوري. ومع ذلك، أدى عدم استعادة القدس إلى شن الحملة الصليبية الرابعة.

خلفية[عدل]

توحيد مصر والشام[عدل]

رسم إفرنجي للملك نور الدين الزنكي

بعد فشل الحملة الصليبية الثانية، سيطر نور الدين الزنكي على دمشق ووحد سوريا. من أجل توسيع سلطته، فرض نور الدين حكمه على الدولة الفاطمية في مصر. في 1163، بعث نور الدين القائد العسكري أسد الدين شيركوه، على رأس جيش إلى النيل. كان مرافقه شابا هو ابن أخيه، صلاح الدين. بعد أن أصبحت قوات شيركوه قريبة من القاهرة، طلب الوزير المصري شاور المساعدة من ملك بيت المقدس أمالريك الأول. وفي رد على ذلك، أرسل أمالريك جيشا إلى مصر لمهاجمة قوات شيركوه في بلبيس في 1164.

في محاولة لإبعاد الخطر الصليبي عن مصر، هاجم نور الدين أنطاكية، مما أدى إلى مجزرة ضد الجنود المسيحيين وأسر عدد من الزعماء الصليبيين، بما في ذلك بوهيموند الثالث، أمير أنطاكية. سحب كل من أمالريك وشيركوه قواته خارج مصر فيما بعد.

خريطة للدولة الصليبية سنة 1135، وتظهر فيها مملكة بيت المقدس التي سقطت في 1187 باللون الأبيض، المسبب الرئيسي للحملة الصليبية الثالثة.

في 1167، أرسل نور الدين أسد الدين شيركوه مرة أخرى لهزم الفاطميين في مصر. قام شاور مرة أخرى بطلب المساعدة من أمالريك للدفاع عن بلاده. لاحقت القوات المصرية–المسيحية المشتركة شيركوه حتى تراجع إلى الإسكندرية. خرق أمالريك تحالفه مع شاور عندما تحولت قواته في مصر إلى محاصرة مدينة بلبيس. بالرغم من أنه عدو سابق لشاور، حاول نور الدين إنقاذه من أمالريك. تراجع هذا الأخير عن حصار القاهرة لعدم تفوق جنوده على القوات المشتركة لنور الدين وشاور. أعطى هذا التحالف الجديد السلطة لنور الدين لحكم كل سوريا ومصر تقريبا.

فتوحات صلاح الدين[عدل]

صلاح الدين في العقد الخامس من عُمره، عندما شرع بالجهاد ضد الصليبيين.

أعدم شاور بسبب تحالفاته مع القوات المسيحية وخلفه أسد الدين شيركوه في منصب وزير مصر. في 1169، توفي هذا الأخير بشكل غير متوقع بعد أسابيع فقط من حصوله على منصب الوزير. خلف شيركوه ابن أخيه، صلاح الدين يوسف، المعروف باسم صلاح الدين الأيوبي. توفي نور الدين في 1174، وترك إمبراطورا جديدا عمره 11 عاما هو، الصالح إسماعيل. تقرر أن الرجل الوحيد الذي سيقود الجهاد ضد الفرنجة هو صلاح الدين، الذي أصبح سلطان مصر وسوريا وأسس الدولة الأيوبية.

توفي أمالريك أيضا في 1174، وخلفه في عرش بيت المقدس ابنه البالغ من العمر 13 عاما، بلدوين الرابع. على الرغم من معاناة بلدوين من الجذام، لكنه كان قائد عسكريا كبيرا، وهزم صلاح الدين في معركة مونتجيسارد في 1177، بدعم من أرناط، الذي كان قد هرب من السجن في 1176. زور أرناط في وقت لاحق اتفاقا مع صلاح الدين للسماح بالتجارة الحرة بين المناطق المسلمة والمسيحية. هاجم أرناط أيضا القوافل التجارية في جميع أنحاء المنطقة ووسع القرصنة في البحر الأحمر عن طريق إرسال فرق للإغارة على السفن، والاعتداء على مكة المكرمة نفسها. أغضبت هذه الأفعال العالم الإسلامي، مما أعطى لأرناط سمعة سيئة في منطقة الشام.

غي اللوزينياني، ملك بيت المقدس، قاد هذه الأخيرة في الحملة الصليبية الثالثة.

توفي بلدوين الرابع في 1185، وترك عرش المملكة لابن أخته بلدوين الخامس، الذي كان قد توج كملك ليرافق خاله في 1183. عاد ريموند الثالث الطرابلسي مرة أخرى إلى الصراع حول عرش بيت المقدس.في السنة التالية، توفي بلدوين الخامس قبل عيد ميلاده التاسع، وتوجت أمه الأميرة سيبيلا، شقيقة بلدوين الخامس، نفسها ملكة وزوجها، غي اللوزينياني، ملكا. هاجم أرناط مرة أخرى قوافل التجار الأغنياء وحبس المسافرين في السجون. طالب صلاح الدين بالإفراج عن السجناء والبضائع المسروقة. أمر الملك غي الذي توج حديثا أرناط بالاستجابة لمطالب صلاح الدين، ولكنه رفض أن يتبع أوامر الملك.

حصار مملكة بيت المقدس[عدل]

منمنمة فرنسية تعود لسنة 1337 تظهر الجيش الأيوبي.

أعطى رفض أرناط إيقاف أعماله الفرصة لصلاح الدين بالهجوم على مملكة بيت المقدس، وفي عام 1187، حاصر مدينة طبريا. نصح ريموند الصليبيين بالصبر، ولكن الملك غي، بناء على مشورة أرناط، سار بجيشه إلى حطين خارج طبريا. دمر الجيش الفرنجي، بسبب العطش وضعف الروح المعنوية، في المعركة التي حصلت بهذه المنطقة، ولم تعد المدينة مرة أخرى إلى السيطرة المسيحية حتى 1229.[4]

معركة حطين بين المسلمين والمسيحيين.
إعدام أرناط بعد معركة حطين.

نقل الملك غي وأرناط إلى خيمة صلاح الدين، حيث أعطاهم هذا الأخير الماء بسبب عطشهم الكبير. شرب غي من كأس به ماء ومن ثم مرره إلى أرناط. بعد أن أخد أرناط الكأس من الملك غي بدلا من صلاح الدين، يعني أن هذا الأخير لن يضطر إلى تقديم الحماية إلى شخص غدره (كان يقول في نفسه أنه إذا أخد الماء شخصيا منه، سوف تكون حياته آمنة). عندما قبل أرناط الشرب من أيدي الملك غي، قال مترجم لصلاح الدين، "يقول الملك: أنه هو الذي أحضره ليشرب".[5] بعد ذلك، قطع صلاح الدين رأس أرناط لخيانته له. أكرم صلاح الدين الملك غي حسب التقاليد المتعارف عليها وتم إرساله إلى دمشق في نهاية المطاف، وهو واحد من عدد قليل من الأسرى الصليبيين الذين لم يعدموا.

السكّان الفرنجة بين يديّ صلاح الدين بعد استرجاعه للقدس.
باليان بن بارزان صاحب الرملة ونابلس وحامي القدس، يُسلّم المدينة للسلطان صلاح الدين الأيوبي.

بحلول نهاية هذا العام، سيطر صلاح الدين على عكا والقدس. يقال البابا أوربان الثالث أنه انهار ومات عند سماع هذه الأخبار،[6] ولكن في وقت وفاته، لم يكن قد وصل إليه خبر سقوط القدس، على الرغم من أن علم بهزيمة الصليبيين معركة حطين وسقوط عكا.

الاستعدادات[عدل]

غريغوري الثامن، بابا الكنيسة الكاثوليكية الذي دعا إلى شن الحملة الصليبية الثالثة، بعد سقوط بيت المقدس.

أعلن البابا الجديد، غريغوري الثامن، أن استرجاع المسلمين للقدس كان عقابا من الله للمسيحيين بسبب خطاياهم في جميع أنحاء أوروبا. ثم صرخ داعيا إلى حملة صليبية جديدة لاسترجاع الأراضي المقدسة. أنهى كل من هنري الثاني ملك إنجلترا وفيليب الثاني ملك فرنسا حربه مع الآخر، وفرض كل واحد منهما "عشور صلاح الدين" على مواطنيه لتمويل الحملة. في بريطانيا، قام بلدوين إكستر، كبير أساقفة كانتربري، بجولة في ويلز، وأقنع 3.000 رجل بالانضمام إليه وأعطاهم الأسلحة والصليب، ثم انضموا إلى رحلة جيرالد الويلزي.

حملة فريدريك بربروسا[عدل]

لوحة "وفاة فريدريك الألماني" لغوستاف دوريه.

استجاب الإمبراطور الروماني المقدس فريدريك الأول بربروسا للدعوة إلى الحملة على الفور. أخد فريدريك الصليب في كاتدرائية ماينز في 27 مارس 1188، وكون جيشا ليذهب به إلى الأراضي المقدسة في مايو 1189 يضم حوالي 100.000 رجل، بما في ذلك 20.000 فارس.[2] ذهب جيش يتكون من 2.000 رجل بقيادة الأمير غيزا المجري، الأخ الأصغر للملك بيلا الثالث المجري، مع بارباروسا إلى الأراضي المقدسة.[7]

معركة قونية في 1190 بين الجيش الألماني وسلاجقة الروم.

قدم الإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني أنجلوس مبادرة تحالف سري مع صلاح الدين لعرقلة تقدم فريدريك الذي أحرزه في مقابل سلامة إمبراطوريته. وفي الوقت نفسه، وعدت سلطنة الروم فريدريك بالعبور من خلال الأناضول، ولكن فقد صبره بعد ذلك وفي 18 مايو 1190، حاصر الجيش الألماني قونية، عاصمة السلطنة. عندما كان يعبر نهر السالف في 10 يونيو 1190، ألقى حصان فريدريك هذا الأخير، فوق الصخور، ثم غرق في النهر. بعد هذا، عاد أغلب جنوده إلى ألمانيا تحسبا للانتخابات الإمبراطورية القادمة. قاد نجل الإمبراطور فريدريك الشوابي، 5.000 رجل ظلوا هناك إلى أنطاكية. أزيل لحم الإمبراطور وبقيت عظامه، وتم وضعها في كنيسة سانت بيتر؛ حيث تم وضعها في حقيبة من أجل استمرار الحملة الصليبية. ومع ذلك، في أنطاكية، كان الجيش الألماني مريضا بالحمى. طلب الشاب فريدريك المساعدة من صهر كونراد المونفيراتي لقيادة جنوده إلى عكا، عبر طريق صور، حيث دفنت عظام والده.

انطلاق الملكين ريتشارد وفيليب[عدل]

توفي هنري الثاني ملك إنجلترا في 6 يوليو 1189 بعد هجوم مفاجئ عليه من قبل ابنه ريتشارد قلب الأسد والملك فيليب الثاني. صعد ريتشارد إلى عرش البلاد بعد حفل تتويج وبدأ فورا بمحاولة جلب الأموال من أجل الحملة الصليبية. في هذه الأثناء، غادر بعض رعاياه البلاد عن طريق البحر. غزا بعض هؤلاء الرعايا جنبا إلى جنب مع أشخاص من الإمبراطورية الرومانية المقدسة وفرنسا مدينة أندلسية في إيبيريا خلال صيف عام 1189، قبل مواصلة التقدم الأراضي المقدسة. في أبريل 1190، رحل الملك ريتشارد في أسطول من دارتموث تحت قيادة ريتشارد الكامفيلي وروبرت السابلي في طريقهم للقاء الملك فيليب في مارسيليا. ساعدت أجزاء من هذا الأسطول سانشو الأول ملك البرتغال على هزيمة الدولة الموحدية في شنترين وتوريس نوفاس، في حين نهبت مجموعة أخرى لشبونة المسيحية، إلا أنه تم توجيهها من قبل العاهل البرتغالي.[8] اجتمع ريتشارد وفيليب الثاني في فرنسا في فيزيلاي ثم ذهبا معا في 4 يوليو 1190 إلى ليون حيث افترقا ثم اتفقا على أن يلتقيا معا مرة أخرى في صقلية؛ أرسل ريتشارد مع حاشيته، 800 رجل، ذهبوا إلى مارسيليا وذهب فيليب في المقابل إلى جنوة.[9] وصل ريتشارد إلى مارسيليا ووجد أن أسطوله لم يصل بعد؛ لكنه سرعان ما تعب من انتظاره وتركيب السفن، ثم ترك صقلية في 7 أغسطس، حيث زار العديد من الأماكن في إيطاليا في طريقه ووصل إلى ميسينا في 23 سبتمبر. وفي الوقت نفسه، وصل الأسطول الإنجليزي في نهاية المطاف إلى مارسيليا في 22 أغسطس، ووجد أن ريتشارد قد ذهب، ثم أبحر مباشرة إلى ميسينا، ووصل قبله إليها في 14 سبتمبر.[10] استأجر فيليب أسطول جنوة لنقل جيشه، الذي تألف من 650 فارس، 1.300 حصان، و 1.300 إقطاعي إلى الأراضي المقدسة عن طريق صقلية.[2]

وصول فيليب الثاني إلى فلسطين.

توفي ويليام الثاني ملك صقلية قبل الحملة بسنة، وخلفه تانكريد، الذين سجن جوان، زوجة وليام وشقيقة الملك ريتشارد. احتل هذا الأخير مدينة ميسينا في 4 أكتوبر 1190 وتم الإفراج عن جوان. اختلف فيليب وريتشارد على مسألة زواج هذا الأخير، حيث قرر الزواج من بيرنغاريا النافارية، وبذلك يكون قد أنهى خطوبته من أليس، شقيقة فيليب والتي استمرت طويلا. ترك فيليب صقلية مباشرة متوجها إلى الشرق الأوسط في 30 مارس 1191 ووصل إلى صور في منتصف مايو؛ انضم إلى حصار عكا في 20 مايو. لم يترك ريتشارد صقلية حتى 10 أبريل.

بعد وقت قصير من الانطلاق من صقلية، قام الملك ريتشارد بتسليح 180 سفينة و 39 قادس لكنهم تضرروا بسبب عاصفة عنيفة.[11] تحطمت العديد من السفن وضاعت كميات كبيرة من الأموال التي جمعت للحملة الصليبية. اكتشف ريتشارد بعد ذلك أن إسحاق دوقاس كومنينوس القبرصي استولى على هذه الأموال. دخل ريتشارد ليماسول في 6 مايو والتقى بإسحاق، الذي وافق على إعادة أموال ريتشارد وإرسال 500 من جنوده إلى الأراضي المقدسة. أنشأ ريتشارد معسكرا في ليماسول، وزار غي اللوزينياني، ملك بيت المقدس، وتزوج بيرنغاريا التي توجت ملكة. عندما زار قلعة فاماغوستا، أمر إسحاق ريتشارد بترك الجزيرة. ألح إسحاق كثيرا على ريتشارد بترك الجزيرة في غضون أيام، وغادرها أخيرا في 5 يونيو 1191.[12]

ريتشارد و صلاح الدين[عدل]

بينما كان ملك فرنسا في طريقه إلى بلاده كان ريتشارد منهمكاً في اصلاح الأسوار ، يبنيها أعلى وأقوى من السابق ، كان هو نفسه دائم الجولات ليشجع العمال والبنائين ، كان هدفه الأوحد هو استعادة تراث الله ، بعد سقوط عكا، قام صلاح الدين بالرجوع فوراً على خطوط انسحابه ، وجمع جيشه الرئيسى على التلال التي تسيطر عليها الطريقين الكبيرين ، الأولى تقود إلى طبرية ودمشق الأخرى إلى الجنوب الشرقي من الناصرة إلى القدس ، تلة شفرعام ( شفا عمر ) أطلت على الطريقين لكن ريتشارد لم يشبع رغبة منافسة بمحاولة فتح طريقه في الممرات وجسوراً كما كان ، لم يجازف بالتقدم من خلال تلال يحتلها المسلمين بالكامل ، اختار الطريق الأطول لكن الأسلم على الطريق الرومانى القديم الذي تحاذى الشاطئ ، حيث لو كان العدو على التلال يسار فلديه حامية البحر ومساعدة أسطوله على اليمين ،كانت خطته أن ينزل على الشاطئ بعيداً عن يافا وعسقلان، وبعد تحصين قاعدة له ، يتقدم باتجاه القدس ، كان ريتشارد طبعاً في مقدمة الحالات الطارئة يرعد ويقطع الرؤوس ، ولم يكن صلاح الدين يد الخليفة فقد شوهد مراراً راكباً بين الجنود في الصفوف الأمامية والسهام تتطاير حول رأسه يرافقه فقط بضعة من سواك الخيل مع خيول احتياطية لكن لم تكن من عادته أن يحارب مقابلة شخصية ، ومن المؤكد أنه لم يواجه أبداً ريتشارد في ميدان المعركة.[13]

موقعة أرسوف و هزيمة المسلمين[عدل]

اتجه ريتشارد قلب الأسد بقواته نحو أرسوف , يريد الاستيلاء على مدن الساحل التي في أيدى المسلمين , فاذا تم له الاستيلاء عليها اتجه نحو بيت المقدس , وفي أرسوف دارت بين الفريقين معركة رهيبة في

14 شعبان ( سبتمبر ) أبلى فيها المسلمون بلاء حسناً وأوشكوا على الفوز بقيادة الملك العادل سيف الدين ( أخى صلاح الدين ) ولكن انقلبت الموازين بسبب صمود ريتشارد وشجاعته , وأصيب المسلمون بهزيمة مؤلمة, ولولا ثبات صلاح الدين وتأثيره الشخصى في اثارة حماسة جنده وتماسكهم , لكانت الموقعة مأساه كبرى للمسلمين , ومع هزيمة المسلمين في أرسوف كانت موجعة الا أن صلاح الدين استطاع أن يمتص هذه الهزيمة وتماسكت قواته وأمر بتدمير استحكامات المدن الساحلية مثل يافا و أرسوف و قيصرية وصيدا وجبيل حتى لا تقع في أيدى الصليبيين كما ضمت استحامات طبرية , ثم أمر صلاح الدين بتخريب عسقلان كذلك , لاسيما وأن الفرنجة قد نزلوا في يافا واستقروا بها بعد سقوط عكا في أيديهم ثانية , ولا يمكن للعساكر المسلمين حفظ عسقلان وبيت المقدس , ثم توجه صلاح الدين إلى بيت المقدس وأعد خطة محكمة للدفاع عنها وحمايتها فقسم سور البلد إلى مناطق دفاعية ووزع قواده ومقاتليه عليه وحفر خندقاً عريضاً على غرار ماعمله الفرنجة في عكا , وأمام هذه التحصينات القوية على بيت المقدس تراجع ريتشارد عن عزمه وأدرك انه لن يستطيع الاستيلاء على القدس فارتد إلى الرملة ومنها توجه إلى عسقلان 1192م , حيث مكث بها أربعة شهور أعاد خلالها ما كانت عليه من تحصينات حتى أضحت أقوى الحصون الساحلية وقد يبدوا غريباً أن صلاح الدين لم يهاجم ريتشارد ولكن الحقيقة أنه كان مضطراً للإنتظار حتى تصله الإمدادات من الموصل والجزيرة [14]

نتائج الحملة الصليبية الثالثة[عدل]

أحداث السنوات الأخيرة من حياة صلاح الدين رواها في تفاصيلها وحضرها بنفسه رفيقة الملازم له شداد وفيها الكثير من التفاصيل الحية ومنها قصة المفاوضات مع الفرنج وقد استمرت خمسة عشر شهراً

( 23 جمادى الأول سنة 587هـ حتى 20 شعبان سنة 588هـ ) واقتضت 42 وفداً ومفاوضة تنقطع وتتصل .. وكان البادئ في طلبها دوماً ملك الإنكليز ريتشارد :

1 – كان أولها في وقعة بين المسلمين والفرنج بعد وصول هذا الملك إلى عكا بعشرة أيام , فقد حدثه الفرنج عن صلاح الدين أنه شيطان رجيم وملاك رحيم في وقت واحد , فأراد أن يراه وفي خلال المعركة أرسل رسولاً يطلب الاجتماع بالسلطان فأجاب صلاح الدين على الفور : الملوك لا يجتمعون الا عن قاعدة وما يحسن الحرب بينهم بعد الاجتماع والمؤاكلة فلابد من تقرير قاعدة ولابد من ترجمان , كانت عكا لم تسقط بعد والحديث بين الجيشين في ظاهرها .

2 – وانقطع الرسول ثم عاد وتحدث ( في أواخر جمادى الأول ) مع الملك العادل يطلب الاجتماع معه في المرج وحدها بين صفى العسكريين مع ترجمان , وأذن صلاح الدين لكن الاجتماع لم يتم ثم جاء الرسول يقول باسم الملك : لا تظم أننى تاخرت لما شاع من انكار الفرنج للاجتماع فأنا أحكم ولا يحكم علىَّ , ولكنى مرضت وعادة الملوك أن يتهادوا وعندى مايصلح للسلطان فان أذن أرستلته .

3 – بعد ستة أيام خرج رسول آخر مغربي أسير مسلم هدية للسلطان فقبله وأطلقه.[15]

صلح الرملة[عدل]

وفى شهر شعبان عقدت بين المسلمين والفرنج هدنة على شروط منها :-

  1. أن تظل عسقلان خراباً وتبقى أملاك صلاح الدين في يده و أملاك الفرنج في أيديهم وهى يافا وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا أعمالها جميعاً أما اللد والرملة فتبقى " مناصفة " مشتركة بين الفريقين .
  2. أن تكون الهدنة 3 سنين و 8 شهور .
  3. ألا يعترض الصليبيون لبيت المقدس .
  4. أن يسمح صلاح الدين لزوار الفرنج بدخول القدس فأتى الزوار اليها وزاروها فعلاً وسمى هذا الصلح " صلح الرملة "

وبعد انعقاد الهدنة رحل قلب الأسد إلى عكا ومنها على انجلترا فتفقد صلاح الدين القلاع والحصون ثم ذهب إلى دمشق بعد أن أناب على القدس الأمير جورديك ولكنه مات في صفر سنة 589هـ الموافق شهر شباط سنة 1193م فدفن في القلعة ثم نقل إلى جوار الجامع الأموى وقبره مشهور.[16] [17]

انظر أيضا[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ H. Chisholm, The Encyclopædia Britannica : A Dictionary of Arts, Sciences, Literature and General Information, 294
  2. أ ب ت ث J. Phillips, The Fourth Crusade and the Sack of Constantinople, 66
  3. ^ Hunyadi, Zsolt (2011), A keresztes háborúk világa, p. 41.
  4. ^ Riley-Smith, Jonathan (2009). What were the Crusades? (Fourth ed.). Ignatius Press. p. 15.
  5. ^ Lyons, Malcolm Cameron and D. E. P. Jackson, Saladin: The Politics of the Holy War, (Cambridge: Cambridge University Press, 1982), 264.
  6. ^ Hans E. Mayer, The Crusades. Oxford University Press, 1965 (trans. John Gillingham, 1972), pg. 139.
  7. ^ A. Konstam, Historical Atlas of The Crusades, 124
  8. ^ L. Villegas-Aristizábal, "Revisión de las crónicas de Ralph d e Diceto y de la Gesta regis Ricardi sobre la participación de la flota angevina durante la Tercera Cruzada en Portugal", Studia Historica- Historia Medieval 27 (2009), pp. 153–170.
  9. ^ Wolff and Hazard, p. 57 نسخة محفوظة 4 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  10. ^ Wolff and Hazard, p. 58
  11. ^ Wolff and Hazard, p. 61
  12. ^ Wolff and Hazard, pp. 63-64
  13. ^ ستانلي لين بوول ،صلاح الدين وسقوط مملكة القدس ،ص 252-256
  14. ^ احمد الشامي , صلاح الدين و الصليبيون"تاريخ الدولة الأيوبية" , ص 159-190
  15. ^ شاكر مصطفي , صلاح الدين الفارس المجاهد و الملك الزاهد المفتري عليه ,ص325-326
  16. ^ عمرالصالح البرغوثي - خليل طوطح ,تاريخ فلسطين , ص 179
  17. ^ البيرشا ندور,صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقي في الإسلام ,ص376