انتقل إلى المحتوى

الحملة الصليبية النرويجية

هذه الصفحة تخضع لتحرير مكثف في الفترة الحالية
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
الحملة الصليبيَّة النرويجيَّة
جزء من الحملات الصليبيَّة
خريطة لمسار الحملة النرويجيَّة بحرًا (الأحمر) ثُمًَ برًّا (الأخضر)
التاريخ11071110م
الموقع
النتيجة انتصار الصليبيين وتأسيس إقطاعيَّة صيدا
الأطراف المتحاربة

بدعمٍ من:
الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة
مملكة جليقية[ب]
القادة والزعماء

سِگُرد الأوَّل
بلدوين الأوَّل[ا]

أُردِلافُ فليرو[ا]
أمير صيدا[ا] هنري البُرغُوني[ب]
القوى

النرويجيُّون:
ما بين 4,000 إلى 5,000 جُندي على متن ستين سفينة[1][وب 1]
الإفرنج:
العديد من الرجال ومعدات الحصار[2]

البنادقة:
100 قادس[3]
حامية صيدا (مُحتمل) غير معلوم

الحَملَةُ الصَّلِيبِيَّةُ النَرُوِيجِيَّة هي حملةٌ عسكريةٌ صليبيةٌ طويلة قادها ملك النرويج سِگُرد الأوّل بين سنتي 1107 و1111م. وقد جاءت بعد فترةٍ وجيزة من الحملة الصليبية الأولى، غير أنّ طبيعتها ما تزال موضع نقاش؛ إذ لم يُحسم ما إذا كانت حملةً عسكرية مكتملة الأركان، أم حجًّا دينيًا مسلّحًا، أم حدثًا ذا طابع مركّب يجمع بين البُعدين العسكري والديني.[وب 2]

قاد سِگُرد المذكور نحو ستين سفينة، وعلى متنها ما بين أربعة آلاف وستة آلاف رجل، في رحلةٍ متعرّجة حافلة بالمغامرات شملت إنگلترا، والأندلس، والجزائر الشرقيّة، وصقليّة، وصولًا إلى فلسطين. ويُعدّ سِگُرد أوّل ملكٍ مسيحي غربي يتوجّه إلى الدويلات الصليبية؛[وب 3] فبعد أن زار عددًا من أقدس المواقع في المسيحية، تعاون مع ملك بيت المقدس بلدوين الأوّل في حصار صيدا سنة 1110م، وهو الحصار الذي انتهى بالنجاح بعد نحو شهرين من الهجمات المتواصلة. وعقب ذلك، غادر الأراضي المقدّسة قاصدًا القسطنطينية، حيث أقام عدّة أشهر، وتنازل هناك عن سفنه لإمبراطور الروم ألكسيوس الأوّل كومنين، الذي ضمّ معظم الناجين من الجيش النرويجي إلى صفوف الحرس الفارانجي الشهير. ثم عاد الملك سِگُرد إلى بلاده برفقة قرابة مائة رجل، عابرًا عدّة مناطق، ليُستقبل في وطنه استقبال الأبطال. ولم يتكبّد الإسكندناڤيون أيّ هزيمة في أيّ معركة خلال هذه الحملة.

تروي كثير من المصادر النرويجية والآيسلندية أحداث الرحلة، ولا سيّما بعض ملاحم الساغات، حيث تختلط، في كثير من الأحيان، العناصر المتخيَّلة المرتبطة بالثقافة الوِيكنجاريّة القديمة والأساطير الإسكندناڤية بإشاراتٍ إلى العالم المسيحي. ومع ذلك، لا تخلو الكتابات الأجنبية من إشارات — وإن جاءت عرضًا — إلى هذه الوقائع، بما يتيح تعميق البحث في التجارب التي خاضها المحاربون النرويجيون. وقد أسهمت الحملة في تحسين سمعة مملكة النرويج تحسّنًا ملحوظًا، إذ ارتبطت على نحوٍ أوضح بالعالم المسيحي، كما غدت هذه المبادرة الأولى في سلسلة رحلاتٍ أُخرى خرج فيها مقاتلون إسكندناڤيون مُيمّمين وجههم شرقًا. وانسجامًا مع الحماسة التي أبداها مؤلفو العصور الوسطى، ظلّ التأريخ في العصر الحديث يتقبّل، من غير تمحيصٍ كافٍ، الروايات التي صيغت في تلك المرحلة. غير أنّ اعتماد مناهج أكثر وعيًا في الآونة الأخيرة أتاح التمييز بين الأخبار الأوثق وتلك الأقلّ مصداقية، مسلّطًا الضوء على الجوانب المتعدّدة التي لا تزال غير محسومة في دراسة هذه الحملة.

طبيعة الحملة

[عدل]

يكتنف الغموض طبيعةُ الحملة على الصعيد التأريخي، ويختلف المؤرخون والباحثون حول كيفية تصنيفها.[2][4][5] فالمصادر المعاصرة لها لا تصفها صراحةً بأنها «حملة صليبية»، علمًا بأن هذا المصطلح نفسه لم يُصَغ إلّا بعد مرور قرونٍ طويلة.[6] ولم تكن قد تبلورت بعدُ تلك القراءة اللاهوتية التي ترى في الانتصارات العسكرية ثمرةً للقدرة الإلهية، والتي بموجبها يُعدّ التوجّه للقتال في المشرق العربي خدمةً لله ومخاطرةً بالحياة في سبيل نشر كلمته.[7] وبحسب المؤرخ البريطاني جوناثن ريلي سميث، فإنه «قبل سنة 1187م يصعب التمييز بين الحملات الصليبية وتحرّكات الحج المسلّحة أو سائر أشكال استخدام القوة بدوافع دينية».[7] ولم يكن الملك سِگُرد ورجاله ينوون المطالبة بحقوقٍ إقليمية أو تجارية أو غيرها في أراضٍ بعيدةٍ كلّ البعد عن النرويج، خلافًا لدولٍ أخرى مثل جمهوريات جنوة وپيزا والبندقية.[8] وحتى مع غياب هذه السمات، يبدو من المضلّل — بل من التبسيط المفرط والمتجاوز علميًا — رأيُ الباحث الإسپاني ألڤارو كمپانير[ط 1]، الذي كتب سنة 1888م أنّ سِگُرد لم يكن مدفوعًا إلا بطمعه في الثروة ورغبته في سفك الدماء.[6] أمّا المؤرخ الفرنسي پول ألفندري[ط 2]، فيعدّ الحملة مثالًا كلاسيكيًا على الحجّ المسلّح، وإحدى النماذج العديدة التي شهدها القرن الثاني عشر الميلادي.[6]

تزداد المسألة التباسًا بسبب طبيعة المصادر القروسطية نفسها، إذ درجت — بعد سنة 1100م — على إطلاق وصف «حجّاج» حتى على الرجال الذين جُنِّدوا في فلسطين.[2] وفي هذا السياق، سعى الباحث فرنشسكو دَنجِلو[ط 3] إلى التمييز بوضوح بين مفهومي الحاجّ والجندي، مذكّرًا بأن حملة سِگُرد ضمّت في الواقع محاربين مكتملِي العدّة وذوي خبرة مثبتة، لا عامّة الناس.[9] وكان الهدف من الرحلة، بلا ريب، نيل الحظوة الإلهية ببلوغ بيت المقدس، غير أنّ كلّ واحد من المشاركين كان يطمح أيضًا إلى العودة إلى وطنه محمّلًا بالمجد العسكري والغنائم؛ ومن ثمّ تداخل الدافع الديني مع اعتبارات دنيوية لا تُخفى.[10] ولا يصحّ كذلك تشبيه رحلة سِگُرد بما أقدم عليه ملك الدنمارك إِرِك الأوّل، الذي توجّه مع بعض المحاربين إلى فلسطين تكفيرًا عن ذنوبه، من غير أن يبلغها، إذ توفّي سنة 1103م في باف بجزيرة قبرص.[11] ففي الحالة النرويجية لم تكن ثمّة خطيئة يتعيّن على سِگُرد التكفير عنها، الأمر الذي يتيح استبعاد فرضية الحجّ الكفّاري.[11] ولعلّ هذا ما يفسّر الحماس الواسع الذي أثارته الدعوة إلى الحملة بين مختلف الفئات الاجتماعية، إذ عُدّت فرصةً مغرية؛ على خلاف الرعايا الدنماركيين الذين استقبلوا رحيل ملكهم إِرِك بالحزن، وحاولوا مرارًا ثنيه عن عزمه، ولكن دون جدوى.[11]

أمّا على الصعيد الأكاديمي، فقد دار نقاشٌ حول مدى حضور عنصرٍ وِيكنجاريّ (ڤيكنغي)، إن صحّ التعبير، في رحلة سِگُرد. فعلى الرغم من أنّ الملحمة الوِيكنجاريّة كانت قد بلغت ذروتها مع مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، ظلّت في المجتمع الإسكندناڤي ممارساتٌ عدّة متوارثة من العصور الوسطى المبكرة — سواء في البنية الاجتماعية التي لم يطرأ عليها تغيير يُذكر عبر القرون، أم في بعض التقاليد الاجتماعية والثقافية والدينية — كما برزت عناصر وِيكنجاريّة واضحة في سياق الحملة.[11] ويكفي التذكير بالطابع البحري أساسًا للبعثة، وبمشاركة محاربين متطوّعين كانوا يطمحون إلى الثراء وتعزيز شهرتهم، فضلًا عن ملاحم «الساغات» التي ستخلّد لاحقًا مآثر الشجعان الذين غادروا أوطانهم.[11] ومن اللافت أيضًا مسارُ الرحلة التي سلكها الصليبيون النرويجيون سنة 1107م، إذ تداخلت في أجزاء واسعة منها مع الطريق البحري الذي درج الإسكندناڤيون على اتباعه نحو البحر المتوسّط، وهو المسار نفسه الذي قطعه كثيرٌ من المحاربين الوِيكنجاريين ما بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر الميلاديين على متن سفنهم.[12]

السياق التاريخي

[عدل]

المشرق العربي

[عدل]
الكيان الصليبي في المشرق العربي سنة 1102م.
الصليبيُّون يُحاصرون عكَّا سنة 1104م، ويبدو أحد أبراجهم وقد انطلقوا من خلاله لخلف الأسوار.

عندما انتهت الحملة الصليبية الأولى سنة 1099م، كان المسيحيون الغربيون قد تمكّنوا من ترسيخ وجودهم في الأراضي المقدسة، بعد أن استولوا على بيت المقدس وحقّقوا الهدف الرئيس الذي خرجوا من أجله.[13][14] غير أنّ مسألة التطوّرات اللاحقة ظلّت مطروحة، فاجتمع قادة الحملة وبادروا أولًا إلى تعيين سلطة روحية في المدينة، ثم تداولوا في اختيار القيادة السياسية والعسكرية التي ستتولّى حكمها.[15] فوقع الاختيار على رئيس الأساقفة «أرنولف الچوكيوسي»[ط 4] لمنصب السلطة الروحية (قبل أن يُستبدل سريعًا بـداگوبرت الپيزي)، أمّا القيادة السياسية والعسكرية فآلت إلى بلدوين البولوني، الذي تُوِّج ملكًا في عيد الميلاد سنة 1100م. غير أنّ تعيين كلتا الشخصيتين اقتضى مفاوضات ومداولات لم تخلُ من التعقيد.[16]

لمّا استقرّ بلدوين الأوّل على تخت الملك — وقد دام عهده ثمانية عشر سنة — أدرك منذ البداية ضرورة إضفاء هوية سياسية وإدارية واضحة على الأراضي الخاضعة لسلطانه، والعمل في الوقت ذاته على التخلّص من الأخطار الداخلية والخارجية التي كانت تهدّد أمن الصليبيين.[17] وإذ كان واعيًا بوجوب تعزيز موقعه في نظر أولئك النبلاء الذين طمحوا إلى المنصب الذي تبوّأه، أحسن توظيف إحدى أبرز خصاله، وهي كفاءته العسكرية، فقاد سلسلة من الغزوات شرق بيت المقدس وجنوبها، مكّنته من توسيع نطاق ممتلكاته.[17] وعندما ظفر بحصار عكّا سنة 1104م، ضمن السيطرة على ميناء بالغ الأهمية ومتعدّد المنافع، إذ كان صالحًا للاستخدام بغضّ النظر عن الأحوال الجوية.[17] وعندئذ برزت الحاجة إلى تحصين الممتلكات الجديدة من تهديدات الخصوم، كما كان قد استشعر بعضهم من قبل، ولم يبق أمامه سوى التعويل على تزايد تدفّق الحجاج النصارى الغربيين، ولا سيّما أولئك المستعدين لحمل السلاح خلال زيارتهم للأماكن المقدسة.[18] وإذا ما استُثنيت التجربة الفاشلة التي مثّلتها حملة سنة 1101م، والتي سلكت في معظمها الطريق البرّي، فإن هذا الأمل لم يكن في غير محلّه؛ إذ إن الطرق البحرية المؤدية إلى فلسطين — ولا سيّما المنطلقة من جنوبي إيطاليا — غدت بين سنتيّ 1102 و1103م مكتظّة على نحوٍ ملحوظ، وظلّت كذلك زمنًا طويلًا.[19]

مملكة النرويج

[عدل]
منظرٌ لجانب من جزر أُركني، وهي أرخبيل يقع شمال اسكتلندا. عُهد بإدارتها إلى الفتى سِگُرد في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، فقضى خمس سنوات من حياته هناك.

تمكّن ملك النرويج مگنُس الثالث، بين أواخر القرن الحادي عشر ومطلع القرن الثاني عشر الميلاديين، وفي غضون سنة واحدة فحسب، من فرض هيمنته على عدد من الجزر الواقعة عبر بحر الشمال، وهي جزر أُركني، والهبريد، وجزيرة مان، كما مضى إلى شنّ غارات على شمال ويلز.[20] وفي جزر أُركني، عزل مگنُس حاكمها القديم، وولّى مكانه ابنه الثاني سِگُرد، وكان آنذاك في التاسعة من عمره، وقد رافقه خلال حملته هذه.[21]

لُقّب سِگُرد، بعد إخضاع تلك الأقاليم، بـ«سيّد جميع الجزر الواقعة غرب البحر» التي دانت للنرويجيين، أو — على نحوٍ أدق — جميع الجزر الكائنة غرب اسكتلندا، بما في ذلك جزيرة مان، على أن يُعاونه في إدارة شؤونه مستشارون موثوقون.[21] وبصفته وصيًّا، أمضى جانبًا كبيرًا من سنوات مراهقته — أي قرابة خمسة أعوام — بعيدًا عن موطنه الأصلي.[20] وكان الملك مگنُس قد عاد سنة 1103م إلى الغرب مرة أخرى، قاصدًا هذه المرّة إِرْلَندَة، مدفوعًا بنزعة توسّعية، غير أنّه وقع في كمين قاتل بالقرب من بلدة «دُنْ بَطْرِك»[ط 5]، فقُتل ولم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره.[20] وما إن بلغ الخبر مسامع سِگُرد حتى عاد في خريف سنة 1103م إلى بلاده برفقة من نجا من حاشية والده.[22] وبرزت آنذاك ضرورة ملء الفراغ في السلطة الذي خلّفه الملك في النرويج؛ ووفقًا للأعراف السائدة، التي تقضي بأن يكون لجميع الأبناء الذكور الشرعيين للملك المتوفّى حقّ متساوٍ في الخلافة، قُسِّمت المملكة بين أبناء مگنُس الثلاثة.[22] فنال أُستين — وهو الأكبر سنًا بفارق بضع سنوات عن سِگُرد — القسم الشمالي، وأُسند إلى سِگُرد القسم الجنوبي الشرقي، فيما أُعطي أولاف الصغير، الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره، القسم الجنوبي الغربي.[23][24][عر 1]

يرى المؤرخ البريطاني دان جونز أنّ هذا الحلّ التوافقي ربما بدا مقيّدًا لطموح سِگُرد، الذي أخذ يشعر برغبة في مغادرة النرويج.[25] ويُحتمل أنّ ما أثار فضوله على وجه الخصوص كان ما سمعه عن احتلال الصليبيين لبيت المقدس سنة 1099م إبّان الحملة الصليبية الأولى،[25][26] وهي الحملة التي شارك فيها — بحسب ما يذكر المؤرخ القروسطي وليم المالمسبيري — بعض «حاملي الصليب من الشمال».[27] ومع مرور الأعوام، أخذ هذا الشعور بالحماسة إزاء ما كان يجري في الأراضي المقدسة ينتشر في أرجاء واسعة من النرويج، إلى أن تجاوز حدود الاهتمام العابر، ليغدو أمرًا أكثر واقعية بفعل القرار الذي كان سِگُرد على وشك اتخاذه.[25][26] ويبدو أنّ الاستقرار الداخلي الذي نعمت به النرويج في الربع الأخير من القرن الحادي عشر الميلادي وامتدّ حتى بدايات القرن الثاني عشر، كان له أثره في انخراطٍ أوسع للنرويجيين في قضايا الغرب الأوروپي، وعلى رأسها المشاركة في المشروع الصليبي شأنهم شأن سائر القوى الغربية.[عر 1]

الرحلة

[عدل]

الدوافع

[عدل]

في سنة 1107م، وفي السنة الثالثة أو الرابعة من حكمه،[28] كان سِگُرد قد بلغ السابعة عشرة من عمره، وقد عزم على القيام برحلة إلى البحر المتوسّط.[25][29][30] وكان من بين الأهداف المعلَنة للملك سعيُه إلى اكتساب المجد والذكر الحسن، غير أنّه لا ينبغي إغفال أنّ الغارات أو حروب التوسّع كانت، في العالم النرويجي آنذاك، تُعدّ فرصة جوهرية للإثراء وتوسيع النفوذ.[31] وفي هذا الإطار الاجتماعي، بدا دور الملك محوريًا، وكأنه مطالب بأداء واجب يكاد يكون مفروضًا عليه.[31] ووفقًا لما يذكره المؤرخ البريطاني غاري دُكسي، فقد يكون الشعب نفسه هو الذي حثّ الملوك الشبّان على إعلان حملة من هذا النوع، وهو اقتراح لقي قبولًا وسرعان ما جرى تعميم خبره في أنحاء النرويج.[28] ولا يُستبعد، في الواقع، أن يكون من بين المؤيّدين للرحلة إلى المشرق العربي أولئك الذين رافقوا مگنُس في غاراته على الجزر الغربية، وكانوا يتطلّعون إلى استعادة أمجاد مغامراتهم صحبة سِگُرد، الذي كان حاضرًا في رحلة العودة من جزر أُركني.[32]

وواقع الأمر أنّه كانت هناك دوافع سياسيّة دفعت بالملك النرويجي للمشاركة في الحركة الصليبية، إذ رأى أنّ أفضل وسيلة لتدعيم نفوذه الداخلي كملك للبلاد بالاشتراك مع أخيه، أن يشارك في المشروع الصليبي، خاصّة أنّ ذلك من شأنه إظهاره بمظهر البطولة في عيون أبناء شعبه على نحو كشفت عنه المصادر النرويجية نفسها، مما يعكس الارتباط الوثيق بين السياستين الخارجية والداخلية في ذلك العصر، وربما شجّعه على ذلك أنّ النرويج كان يحكمها عند خروجه للمشاركة أخوه أُستين، وبالتالي فقد اطمأن إلى بقاء المنصب الملكي في أسرته دونما منافسة من زعماء القبائل النرويجية.[عر 2] ومن زاوية أخرى، كانت هناك رغبة النرويج في ألّا تتخلّى عن ركب دول الغرب الأوروپي التي شاركت بقادتها وشعوبها في المشروع الصليبي، ومن ثُمَّ بحثت النرويج عن دور لها في ساحة الأحداث. زد على ذلك، سعى النرويجيون إلى تدعيم صلاتهم بمملكة بيت المقدس التي صارت محطّ مقدم الحُجّاج القادمين إليها لزيارة الأماكن المقدسة، حيث إن المشاركة في تدعيم أملاك تلك المملكة الإفرنجية وتوسيع رقعتها في مواجهة أعدائها من المسلمين خلال تلك المرحلة المبكرة من تاريخها، من شأنه إظهار النرويجيين في مكانة بارزة لدى ملوك تلك المملكة، على اعتبار أنّهم شاركوا في تدعيمها وحمايتها خلال ذلك الحين، الأمر الذي كان من شأنه أن يضمن للحجّاج النرويجيين القادمين إلى هناك مكانة متميزة على نحو خاص لدى الدوائر الصليبية الحاكمة.[عر 2] وبالإضافة إلى كافة الجوانب السابقة، يُقدّم الدافع الاقتصادي نفسه كأحد الدوافع الهامة للسياسة الخارجية النرويجية في عهد سِگُرد وأخيه حيال الوجود الصليبي في الديار الشامية، فالمتصوَّر أنّ هذا الملك النرويجي لم يغادر بلاده الواقعة في أقصى شمال غرب أوروبا من أجل القيام فقط برحلة حج كما تحاول إظهاره الحوليات الصليبية، بل أنّه أراد تحقيق أكبر قدر من الغنائم والأسلاب، وهو أمر كشف عنه بجلاء نصوص المصادر التاريخية في تناولها لرحلته الطويلة حتى وصوله إلى الشام، بالإضافة إلى أنّه عندما غادر الأخيرة، حُمّل بالهدايا والمغانم حتى تؤتي رحلته الطويلة الشاقة كافة ثمارها المرجوّة منها.[عر 2]

(أ)
(ب)
أعلاه (أ)، سفينة «اسكُلدِلِڤ 2»، وهي نموذج سفينة شماليَّة مشابهة لتلك التي استخدمها سِگُرد الأول في رحلته.

أسفل (ب)، إعادة بناء حديثة لسفينة «اسكُلدِلِڤ 2»، تظهر من الجانب مع طاقمها (صورة تعود لسنة 2008م).

وبالإضافة إلى الدوافع السابقة، هناك ما يُمكن وصفه بالتنافس بين النرويج والدنمارك. فهناك من الباحثين من يرى أنّ شهرة رحلة حج الملك الدنماركي إِرِك الأوّل ربما أدّت إلى إثارة وتحفيز ملوك النرويج من أجل القيام بحملة صليبية اقتفاءً لأثر الملك المذكور. وهكذا، من الممكن تصوّر عدة دوافع مجتمعة كان لها دورها في خروج ذلك الملك النرويجي ليشارك بدوره في ذلك المشروع الحربي، أي الحركة الصليبية.[عر 2]

الاستعدادات والتوقف في إنگلترا

[عدل]
رسم لبلدة برغن (تعود لسنة 1800م)، مُنطلق الحملة الصليبيَّة النرويجيَّة نحو المشرق العربي.

بغضّ النظر عمّن كان صاحب المبادرة، أبرم سِگُرد اتفاقًا مع أخيه الأكبر أُستين، قبل بموجبه أن يتولّى هذا الأخير مؤقتًا إدارة أملاكه طوال فترة غيابه عن البلاد.[25] وأرسل سِگُرد رُسلًا إلى مختلف أنحاء النرويج بحثًا عن رجالٍ أشدّاء راغبين في الانضمام إلى الحملة، محدّدًا مدينة برغن، الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي للنرويج، مكانًا للتجمّع. ومن هناك استعدّت ستّون سفينة — وهو العدد الذي تذكره جميع الساغات — للإقلاع بعد أشهر من التحضير.[28][33] وإذا افتُرض أنّ السفن المستخدمة كانت من طراز «اسكُلدِلِڤ 2»[ط 6]، القادرة على حمل ما بين سبعين وثمانين رجلًا، ويبلغ طولها نحو ثلاثين مترًا، فمن المعقول أن يكون سِگُرد قد حشد ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف رجل (وربما ستة آلاف على أقصى تقدير)، لا العشرة آلاف الذين ذكرهم ألبرت الأَخِنّي.[1] وتظلّ هذه حصيلة كبيرة بالنظر إلى أنّ النرويج في تلك المرحلة التاريخية كانت من أقلّ بلدان أوروپَّا كثافة سكانية.[1]

«الملك سِگُرد يُقلع مُغادرًا البلاد».

حرص أفراد الأسطول على تجنّب الإقلاع في الأشهر الباردة، إذ كانت الملاحة خلالها أشدّ مشقّة وأعظم خطرًا. غير أنّ حلول الخريف، والرغبة في عدم إرجاء الحملة أكثر، دفعاهم إلى العدول عن فكرة عبورٍ طويل ومجازف مباشرةً نحو الجنوب، فاختاروا — بحكمة — التوقّف أولًا في إنگلترا.[34] ولم يعد رسوّ جماعات إسكندناڤيّة على سواحل الجزر البريطانية يثير الرعب الذي كان يسود في القرون السابقة إبّان الغزوات الوِيكنجاريّة العنيفة.[35] فقد قدم قوم سِگُرد هذه المرّة بسلام، يلتمسون الملاذ والمؤن اللازمة لمواصلة الرحلة في طمأنينة.[35] وتذكر ملاحم الساغات أنّ سِگُرد حظي باستقبالٍ حارّ من الملك هنري الأول، ابن وليم الفاتح.[28][36][37] ومع أنّ بعض المؤرّخين المحدثين يميلون إلى التشكيك في صحّة هذا اللقاء، فإنّه لا يُستبعد أن يكون هنري قد قدّم لسِگُرد دعمًا ماليًا وماديًا للحملة.[38] وأمّا الثابت يقينًا فهو وصول أسطول نرويجي ضخم، كما تشهد بذلك أيضًا مصادر أنگلوسكسونية.[38] ويبدو أنّ الملك النرويجي وافق على تخصيص مبلغ كبير من المال لعدد من الكنائس الإنگليزية، مكافأةً لمُضيفه على حسن ضيافته.[39][40] وقد أتاح هذا التوقّف الطويل والهادئ في الجزيرة الحفاظ على تماسك الأسطول ورجاله، والتزوّد بكلّ ما يلزم لرحلةٍ تتّسم بتعقيد واسع النطاق.[41] ولم يُبحروا عبر المحيط الأطلسي بمحاذاة سواحل فرنسا الغربية إلا في ربيع سنة 1108م، بعد أن تحسّنت الأحوال المناخية تحسّنًا تامًا.[39]

جُليقية والأندلُس

[عدل]
رأس فِستيرة في جُليقية. من المؤكد أن الأسطول النرويجي طاف حول هذه النقطة الوعرة الواقعة في أقصى شمال غرب المنطقة أثناء رحلته نحو المشرق العربي.

بعد أن فُقدت سفينةٌ جرّاء عاصفةٍ قرب جزيرة آلدرني في بحر المانش،[40] واصل الأسطول إبحاره بمحاذاة الشواطئ والمنحدرات الصخرية في نُرمندية وبرطانية وأقطانية.[42] وقد تبيّن للنرويجيين أنّ اجتياز السواحل الفرنسية كان مرهقًا، إذ امتدّ طوال الصيف بسبب الحاجة المتكرّرة إلى الرسوّ طلبًا للمؤن والمياه.[42] وبعد تجاوز خليج غسقونية، لم يبلغ النرويجيون جُليقية إلا في الخريف، حيث يُحتمل أنّ سِگُرد توجّه في رحلة حجّ إلى مدينة شنت ياقب، فزار كاتدرائيتها ومقام القدّيس يعقوب بن زبدي.[37][43][44]

في جُليقية، وقع للمرّة الأولى احتكاكٌ بين المحاربين الإسكندناڤيين والسُكّان المحليين، وذلك على خلاف ما جرى في إنگلترا وفرنسا من علاقاتٍ ظلّت سلمية.[42] ويبدو أنّ انشغال الملك الفنش السادس بقضايا خلافة عرش ابنته أوراكة جعل مسألة إيواء النرويجيين متروكةً إلى حدٍّ كبير لحسن نيّة النبلاء المحليين.[45] وتذكر الساغات أنّ قُمَّسًا أو دوقًا محليًا، لم يُحفظ اسمه في المصادر القروسطية، أبرم اتفاقًا مع الغرباء، واعدًا إيّاهم بإتاحة سوقٍ دائمة تُمكّنهم من قضاء شتاء سنة 1108م بسلام.[39] غير أنّ مجاعةً ضربت المنطقة، فسُحب العرض، وهو ما أدّى — على نحوٍ يكاد يكون متوقَّعًا — إلى صدامٍ بين سِگُرد وذلك القُمَّس.[46] وقد آثر الأخير الفرار من قلعته بدلًا من القتال، تاركًا المجال للغرباء للاستيلاء على القسم الأكبر من المؤن قبل استئناف رحلتهم.[47] ويُرجَّح بدرجةٍ كبيرة أنّ ذلك الخصم الغامض كان حاكم القلعة في الميناء الذي نزل فيه الإسكندناڤيون.[28] أمّا مفاوضات الهدنة، فمن المحتمل أنّها جرت مع مندوبين عن هنري البُرغُوني قُمَّس الپُرتُغال، الذي غدا صاحب السلطة الفعلية الوحيدة في المنطقة بعد وفاة ابن عمّه ريمُند قُمَّس جُليقية، الذي كان يتبعه اسميًا.[48][ج] وأمّا الإشارة المزدوجة إلى لقبَي قُمَّس ودوق، فقد تكون ناجمةً عن التباسٍ لاحق، إذ إنّ الذي جمع بين اللقبين كان الفنش بن هنري، قبل أن يصبح ملكًا على الپُرتُغال سنة 1139م.[48]

وبعد استتباب السلام مع الجُليقيين، غادر النرويجيون المنطقة في ربيع سنة 1109م، «ليدخلوا للمرّة الأولى مياهًا معادية».[49] وتقدّم المصادر رواياتٍ تفتقر إلى الدقّة التاريخية بشأن الأراضي التي بلغها الصليبيون، مكتفيةً باستعمال الاسم العام «إسپانيا».[ط 7][49] ويُعزى ذلك — على الأرجح — إلى محدودية معرفة مؤلّفي الساغات، أو إلى عدم اكتراثهم، بتفصيل المشهد الجيوسياسي في الأندلس، أي القسم الإسلامي من شبه الجزيرة الإيبيرية، الذي كان آنذاك جزءًا من الدولة المرابطية.[49][50] وتحكي الروايات عن اشتباكٍ بحريّ جمع سِگُرد ببعض القراصنة «السراسنة» على متن قوادس، فدارت بين الطرفين معركةٌ دامية انتهت باستيلاء النرويجيين على سبع — أو ثماني — سفنٍ معادية،[28] فضلًا عن غنيمةٍ وافرة.[51][52] ومع أنّ هذه الواقعة قد تبدو محدودة الأثر، وربّما وليدةَ مصادفةٍ عابرة، فإنّه لا يُستبعد أن يكون الأسطول قد رُصد من قِبل المسلمين، وأن تكون بعض القوادس قد أُرسلت من أقرب وأكبر ميناء لاعتراضه — ويُرجَّح أن يكون ذلك ميناء لشبونة.[53]

قلعة شنترة الإسلامية. تعرضت المدينة لهجومٍ من قبل سِگُرد وحاشيته في سنة 1109م، وأُبيد سكانها عندما رفضوا الارتداد عن الإسلام واعتناق المسيحية.

وعند وصولهم إلى مصبّ نهر كُلارِس، نزل المقاتلون إلى الشاطئ، واتخذوا قرارًا لا يزال غير واضح الدوافع في نظر الباحثين؛ إذ تقدّموا نحو الداخل لمسافة تُقارب تسعة كيلومترات، وصولًا إلى القلعة الإسلامية الضخمة في مدينة شنترة.[53] ويرى الباحث الپُرتُغالي «هيليو پيريش»[ط 8] أنّ النرويجيين ربما اندفعوا بدافع الانتقام ردًّا على الهجوم الإسلامي السابق الذي تعرّضوا له؛ فلما لمح سِگُرد القلعة، افترض — على نحوٍ غريزي — أنّ القراصنة الذين هزمهم قد أُرسلوا من هناك.[53] فبادر إلى مهاجمتها، غير أنّ سكان المنطقة وحاميتها قاوموا بشدّة، متحصّنين داخل الأسوار.[50] ومع ذلك، انتهى الأمر باستسلام المدافعين، فأبلغهم الملك النرويجي أنّ حياتهم ستُصان إن اعتنقوا المسيحية، إلا أنّ أحدًا منهم لم يستجب، فقُتل جميع الأسرى.[50][54][55] وبعد عودتهم إلى السفن، توجّه المقاتلون نحو مدينة لشبونة الحصينة، وكان نصف سكّانها من النصارى والنصف الآخر من المسلمين، طمعًا في غنائم وفيرة نظرًا إلى شهرتها بالثراء.[50][54][56] وعلى الرغم من قِصر المسافة بين شنترة ولشبونة، فإنّ ما نُهِب في شنترة جعل التوجّه بحرًا خيارًا أرجح من السير برًّا، اتقاءً للكمائن المحتملة.[57] وتمكّن سِگُرد من السيطرة على الحيّ الغربي للمدينة، وهو نطاقٌ قريب من مصبّ نهر تاجة ذو أهمية تجارية وسكانية، رغم تكبّد قوّاته بعض الخسائر.[58] وبخلاف ما ترويه الساغات، يصعب افتراض أنّ النرويجيين اخترقوا أسوار لشبونة ونفذوا إلى قلبها؛ إذ يبدو أنّ نشاطهم اقتصر على نهب الحيّ المذكور. وهذه المرّة، لم يُقدِم الملك على قتل السكّان، إذ قبل بعضهم التنصُّر.[58]

وبعد مغادرته لشبونة، حطَّ سِگُرد مرّةً أخيرة على البرّ عند بلدة قصر أبي دانس، الواقعة قرب مصبّ نهر شاذُونة.[28] وعلى خلاف ما جرى في لشبونة، تذكر المصادر أنّ الملك امتنع هنا عن أيّ مظهرٍ من مظاهر التساهل، وأطلق العنان لمجزرةٍ قاسية، فقتل السكّان ونهب ممتلكاتهم عن آخرها.[59] ثم اختتم سِگُرد عبوره الطويل للمحيط الأطلسي بتجاوز مضيق جبل طارق، فدخل مياه البحر المُتوسِّط.[58] وبذلك غادر النرويجيون شبه الجزيرة الإيبيرية بعد خمس انتصاراتٍ عسكرية. غير أنّ ما خلّفته غاراتهم من دمارٍ وأذى ظلّ أثره محفوظًا في الساغات أكثر ممّا تجلّى في الواقع السياسي؛ إذ إنّ حملات سِگُرد، في المحصّلة، لم تُحدِث تغييرًا يُذكر في التوازنات الجيوسياسية للمنطقة.[60]

الجزائر الشرقيَّة

[عدل]

لم يكد سِگُرد يتجاوز مضيق جبل طارق حتى بادرت بعض مراكب المسلمين إلى مهاجمة أسطوله.[51][61] غير أنّ المهاجمين أُجبروا على الفرار، وتمكّن النرويجيون من متابعة إبحارهم في هدوء.[62][63] ويُرجَّح أنّ سِگُرد بلغ البحر المتوسّط قبل صيف سنة 1109م، أي أنّه اجتاز خلال موسمٍ واحد منطقةً معاديةً ومحفوفةً بالمخاطر. غير أنّ هذا التقدير يظلّ في نطاق الافتراض، إذ إنّ آخر تأريخٍ صريح تذكره الساغات يعود إلى ربيع تلك السنة، حين غادر الصليبيون جُليقية.[64] ويظهر أن أخبار الحملة النرويجيَّة وصلت مسامع الصليبيين في المشرق العربي حينذاك، فقال وليم الصوري:[عر 3]

الحملة الصليبية النرويجية وَأَبحَرَ في هذه السَنَة ذَاتها طائفةٌ من الحُجَّاج من الجُزُر الموجودة في الغَرب، لا سيَّمَا من البِلَاد المُسمَّاة بالنَروِيج بَعدَ أن سَمِعُوا بِخَبَر استيلَاء أَتبَاع المَسيح الصَّادقين على مَدينَة بَيت المَقْدِس الطَّاهِرة، ومِن ثُمَّ رَغِبُوا في الذهَابِ إليها طَمَعًا مِنهم فِي تَأدِيَة الوَاجِب الدِّينِي... وَكَانَ قائِدُ أُسطُولِهم شابًا فَارِغَ القَامَة، أبلَج الطَلعَة هُوَ أخو مَلك النَروِيج. الحملة الصليبية النرويجية
منظرٌ شامل شرقي جزيرة فرمنتيرة، حيث هاجم النرويجيون قُوَّاتٌ إسلاميَّة مُختلطة من عربٍ (سراسنة) وسودانيين (زُرق) وفق ما نصَّت عليه المصادر النرويجيَّة.

أمر سِگُرد بالتوجّه شمالًا والإبحار بأقصى سرعةٍ ممكنة، لتجاوز جنوب الأندلس الخاضع للدولة المرابطية سريعًا، خشيةَ التعرّض لكمائن إسلامية.[65] غير أنّ الإبحار العاجل كان يقتضي عدم الابتعاد كثيرًا عن الساحل، مع ضرورة تأمين مؤنٍ كافية.[66] ولهذا السبب، عندما بلغ الأسطول جزيرة فرمنتيرة التابعة لطائفة منورقة، قرّر مهاجمتها.[67] وتُفصِح الساغات عن هذا الحدث بإسهابٍ ملحوظ، مصوِّرةً الجزيرة على أنّها مأهولة حصرًا بـ«قراصنةٍ وثنيين» من «السراسنة» و«الرجال الزُرق».[ط 9][د][62][68] وكان هؤلاء قد استغلّوا شبكةً من الكهوف الصخرية المحمية بنتوءٍ علويّ ومنحدرٍ سحيقٍ في الأسفل، فحوّلوها إلى حصنٍ مرتجل.[62] كما أقاموا جدارًا حجريًا خلفه خزّنوا غنائمهم.[51][61][69] ويُرجَّح أنّ الموقع المقصود يقع في أقصى شرق الجزيرة، قرب موضع منارة «لمولة»[ط 10]، وهي أعلى نقاط فرمنتيرة.[62][70] وإدراكًا منهم لما تمنحه الطبيعة من مزايا دفاعية لذلك الموضع، يبدو أنّ النرويجيين تردّدوا في بادئ الأمر في شنّ الهجوم، قبل أن يعدلوا عن تردّدهم إثر تعرّضهم للسخرية والاستهزاء.[61] وتذكر الساغات أنّ سِگُرد الشاب أظهر في تلك اللحظة قدرًا وافرًا من الحنكة العسكرية.[68] فقد أمر بنقل زورقين صغيرين — يُستخدمان عادةً قواربَ نجاة — إلى البرّ، وسحبهما إلى أعلى الجرف بحيث يشرفان على موضع العدو.[71] وكانت المهمّة شاقّة نظرًا لشدة انحدار الصخور.[62] ثم أركب فيهما أكبر عددٍ ممكن من المحاربين، ولا سيّما الرماة، وأنزلهم بالحبال إلى مدخل الكهف؛ وخلال عملية الإنزال أمطر النرويجيون خصومهم بالسهام والحجارة، فقتلوا بعضهم وأجبروا الباقين على التراجع إلى داخل الكهوف.[68][71] وبعد تحييد الخطر الرئيس بهذه الحيلة، جمعوا أكوامًا من الحطب عند مداخل الكهوف وأشعلوا فيها النار، فانتشرت ألسنة اللهب سريعًا.[71] وأمام هذا الوضع، لم يبقَ أمام المسلمين سوى خيارين: إمّا الخروج ومواجهة السيوف النرويجية بما ينطوي عليه ذلك من خطرٍ داهم، أو البقاء في مواضعهم والموت حرقًا أو اختناقًا بالدخان.[72]

جانب من جزيرة منورقة التي تعرَّضت لهجومٍ من الأسطول النرويجي، شأنها شأن جزيرتيّ فرمنتيرة ويابسة.

وبعد طيّ صفحة الاشتباك، برزت مسألة اقتسام الغنائم، التي يُفترض أنّها كانت الأغزر طوال الحملة بأسرها.[73] ويرى المؤرخ البريطاني غاري دُكسي أنّ الهجوم على فرمنتيرة كان، على الأرجح، أبرز حدث شهدته الجزيرة الصغيرة في تاريخها.[68] غير أنّ شهادة «كتاب ميورقة لأعمال الپيازنة المشهورين»[ط 11]، المؤلَّف سنة 1125م، تنقل الواقعة إلى جزيرة يابسة، وتربطها بمساعدة لاجئين من پيزا احتموا بقلعةٍ في الجزيرة عقب تعرّضهم لهجوم قراصنةٍ مسلمين.[74][75] ويميل فرنشسكو دَنجِلو إلى ترجيح الروايات الشماليّة في هذا الموضع، مع تأكيده أهمية نصّ «كتاب ميورقة»، إذ يعزّز احتمال وقوع صدامٍ فعلي بين المسلمين والنرويجيين في الجزائر الشرقيّة.[74] ومهما يكن، فقد بلغ سِگُرد فعلًا جزيرة يابسة، حيث انتصر على الحامية القائمة فيها، مُوقِعًا خسائر جسيمة، ومسجّلًا بذلك انتصاره السابع في الحملة.[76] وعلى نحوٍ لافت، تجاوز الأسطول في مساره الجزيرة الكبرى، أي ميورقة، ورسا بدلًا من ذلك في منورقة، حيث وقع اشتباكٌ جديد انتهى — للمرّة الثامنة — بتفوّق سِگُرد.[77][78] ويُحتمل أنّ ميورقة جرى تجنّبها لشدة تحصينها وصعوبة اقتحامها، فآثر النرويجيون انتهاج سياسةٍ انتهازية تستهدف المواقع الأضعف دفاعًا.[67] ومع أنّ الساغات تحتفي بهذه النجاحات في الجزائر الشرقيّة احتفاءً واضحًا، بل إنّ المؤرّخ وليم المالمسبيري يذهب إلى القول إنّ الأرخبيل غدا «فريسةً سهلةً» لوليم الخامس صاحب منت بشلير،[40] فإنّ ذلك لا يعني أنّ الحملة أحدثت تبدّلًا جيوسياسيًا يُذكر، ولا أنّ الوضع تغيّر بصورةٍ دائمة، حتى بعد الحملة اللاحقة على الجزر التي قادها تحالفٌ پيزاني قطلوني ابتداءً من سنة 1113م.[79]

صقلية

[عدل]

يبقى قسمٌ غير يسير من المسار الذي سلكه سِگُرد بعد مغادرته منورقة غربًا مكتنفًا بالغموض.[80] وقد دفع هذا الغموض الباحثين إلى الاعتماد على مصادر شماليّة متأخّرة، ولا سيّما تلك التي تناولت رحلاتٍ قام بها بحّارة إسكندناڤيون في حوض البحر المتوسّط.[81] ولوحِظ أنّ الطرق البحرية التي اتّبعها الملاّحون الشماليون ظلّت، في المؤلّفات المصنّفة بين سنتي 1153 و1275م، شبه ثابتة، سواء في المحيط الأطلسي أم في البحر المتوسّط.[81] فبالنسبة إلى من كان يُبحر من الغرب أو الشمال نحو الشرق، «كان أقصر المسالك وأكثرها مباشرةً يفضي إلى مشارف السواحل الجنوبية الغربية لجزيرة سردانية، التي مثّلت بالتالي محطةً وسيطة، أو على الأقلّ نقطةَ استدلالٍ مهمّةً للمسافرين».[81] وانطلاقًا من هذه المعطيات، استنتج المؤرّخون أنّه عندما غادر سِگُرد الجزائر الشرقيّة — ويُرجَّح أنّ ذلك كان في أواخر ربيع سنة 1109م — فمن المستبعد بدرجةٍ كبيرة أن يكون قد توقّف في بربنصة أو في قُرشقة.[80][82]

منظر داخلي لقصر نُرماندي قروسطي في بلرم، والذي يُحتمل أن يكون مقر إقامة رجَّار المعتزّ بالله.

ولا يقلّ غموضًا السؤال عمّا إذا كان سِگُرد قد قصد لاحقًا رومة حاجًّا، على غرار ما فعلت في أزمنةٍ لاحقة جماعاتٌ صليبية وفدت من جهاتٍ شتّى.[80] فالمصادر لا تذكر سوى وصوله إلى صقلية سنة 1109م، من غير اتفاقٍ على تاريخٍ دقيقٍ للرسوّ أو تحديدٍ واضحٍ لموضعه.[83] وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنّ النرويجيين نزلوا في مسِّينة، غير أنّ هذا الاحتمال يقتضي انحرافًا ملحوظًا وغير مبرَّر شرقًا بمحاذاة السواحل التيرانية لشبه الجزيرة الإيطالية.[80] ولئن ظلّ اليقين مفقودًا، فإنّ الأرجح أنّهم حطّوا رحالهم في بلرم، التي شكّلت مرسىً طبيعيًا للقادمين من الغرب عبر قناة سردانية.[81] ويُفترض أنّ الإسكندناڤيين أقاموا في صقلية مدّةً غير قصيرة، نظرًا إلى حاجة سفنهم إلى إصلاحاتٍ مطوّلة والتزوّد بالمؤن.[19] كما كان من الضروري أن يعاود أسطولٌ بهذا الحجم — كما جمعه سِگُرد — التجمّع استعدادًا للانطلاق نحو وجهته النهائية من غير تفرّق.[80] وبحسب تقديرٍ اقترحه بعض المؤرّخين، التقى الرحّالة — وربّما في بلرم — بالشاب ذي الأربعة عشر عامًا رجَّار المعتزّ بالله،[ه] الذي نُصِّب لاحقًا، سنة 1130م، ملكًا على صقلية.[84] وتُطلق عليه الساغات، على سبيل التعميم، لقبَي قُمَّس ودوق، وتُصوّره شخصيةً قويّةً تُنسب إليها فضيلة انتزاع بولية من المسلمين،[85][86] وهو توصيفٌ ينطوي على مفارقةٍ زمنية؛ إذ كان آنذاك فتىً لا يزال خاضعًا لوصاية أمّه النافذة أَدِلَيْد الڤستويَّة.[83] ويجدر التنبيه إلى أنّ المصادر الشماليّة القروسطية كانت تستعمل اسم «بولية» استعمالًا واسعًا يشمل مجمل الممتلكات النُرمانية في شبه الجزيرة الإيطالية، أي دوقية بولية وقلورية.[87] وتوحي هذه الأخبار برغبة الرواة الآيسلنديين والنرويجيين في تمجيد السلالة النُرمانية وفتوحاتها في جنوب إيطاليا.[83] ومع ذلك، يبقى وقوع اللقاء ذاته موضع شكّ، إذ لا تؤكّده أيٌّ من المصادر الصقلية.[84] بل إنّ المؤرّخ والشاعر الآيسلندي سنوري سترلسون يذهب إلى حدّ القول إنّ سِگُرد أشرف بنفسه على مراسم تتويج رجَّار أثناء إقامته.[82][88][89] وقد رفض معظم الباحثين المحدثين صدقية هذه الرواية — التي لا يعضدها أيّ نصّ خارج الإطار الإسكندناڤي — مرجّحين أنّ مقصد مؤلّفها كان إبراز سِگُرد في صورة ملكٍ ذي نفوذٍ واسع، قادرٍ على التأثير في سياسات الخارج تأثيرًا ملموسًا.[82][88][89][90][91]

رُبط في البداية، وبطريقةٍ خاطئة، بين رجَّار بُرسا، ابن روبرت جيسكارد ودوق بولية وقلورية (1085–1111م)، وبين لقاء سِگُرد، مع افتراض أنّه جرى على الساحل التيراني، وربّما في النبلطان أو ملف أو سلرنو.[87] غير أنّ الساغات تشير صراحةً إلى صقلية، وهو ما أدى إلى استبعاد هذا التفسير في الدراسات التاريخية اللاحقة.[87] ومع ذلك، يُلاحظ أنّ الأخبار المتعلّقة بما جرى في صقلية تظلّ محدودة مقارنةً بسائر محطّات الحملة؛ إذ تكتفي الروايات بذكر سلسلة من الولائم استمرّت أسبوعًا، كان أبطالها رجَّار وسِگُرد وأتباعهما.[92] وقد أمضى النرويجيون في الجزيرة شتاءهم الثالث بعيدًا عن وطنهم، حيث تلقوا معاملةً كريمة، قبل أن يستعدّوا للرحيل في صيف سنة 1110م صوب محطّتهم الأخيرة، أي الديار الشاميّة.[93]

تكتسب جزيرة صقلية دلالة خاصة ضمن رحلة سِگُرد البحرية إلى بلاد الشام، إذ أنّ خضوعها للسيادة النُرمانية جعلها منطقةً آمنة نسبيًّا، بعيدًا عن سياسته الحربية التي اعتمدها في بعض مناطق الأندلس. ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ سِگُرد اصطنع لنفسه في صقلية لقب «الصليبي»[ط 12]، ولا شكّ أنّ هذا اللقب شكّل أداة دعائية وسياسية، بحيث كان له أثر ملموس عند وصوله إلى فلسطين، لا سيّما على مستوى الترويج لشخصه بين الصليبيين في مملكة بيت المقدس. ومن جهةٍ أخرى، عمل سِگُرد على تعزيز أواصر التآخي بين النرويجيين والنُرمان في صقلية. وتكتسب الجزيرة أهميتها أيضًا كونها تمثل المنطقة التي تسبق مباشرة الهدف النهائي للرحلة البحرية، أي المملكة الصليبية؛ وقد أبرزت المسافة الطويلة التي قطعها سِگُرد ورفاقه على مدى ثلاث سنوات مدى إصرارهم على المشاركة الفاعلة في المشروع الصليبي، وفقًا للدوافع التي سبق شرحها.[عر 5]

الحملة الصليبية في الأرض المقدسة

[عدل]

الوصول لفلسطين

[عدل]
الملكان سِگُرد وبلدوين يمتطيان جواديهما من بيت المقدس إلى نهر الأردن في رسمٍ توضيحي للفنان النرويجي گرهرد مونته.

رغم طول المدّة التي استغرقتها الملاحة لعبور البحر، يبدو أنّ سِگُرد لم يُصدر أمرًا بالتوقّف في أيّ مرسى وسيط فيما سمّاه النرويجيون «بحر اليونان»[ط 13]، أي البحر الأيوني، ولا في البحر الشامي.[94] وقد ظلّ موضع النزول في فلسطين، الذي جرى في خريف سنة 1110م، موضعَ جدلٍ لدى الباحثين زمنًا طويلًا؛ إذ تفيد رواية ألبرت الأَخِني بأنّ سِگُرد قصد عمدًا ميناء عسقلان، الواقع إلى الجنوب الغربي من بيت المقدس، والذي كان آنذاك خاضعًا لسيطرة الدولة الفاطمية.[95] وكانت المدينة قد تعرّضت بالفعل لهجومٍ صليبي في شهر آب (أغسطس) سنة 1099م، غير أنّها لم تسقط سقوطًا تامًا، واستمرّت تؤدّي دور القاعدة الرئيسة للأسطول الحربي الفاطمي، الذي كان ينقل الجنود والمؤن إلى المواقع الإسلامية القريبة من الساحل.[96] ولمّا بلغ الملك النرويجي مشارف البرّ، رسا بأسطوله قرب الميناء وبقي هناك مترقّبًا أن يبادره العدوّ بالهجوم، طمعًا في أن يتمكّن من مباغتته وإلحاق الهزيمة به.[97] غير أنّ وصول هذا الأسطول الكبير إلى جوار عسقلان لم يستدعِ أيّ ردّ فعل من سكّانها أو حاميتها؛ الأمر الذي دفع سِگُرد في نهاية المطاف إلى العدول عن البقاء في الموضع، فاتجه شمالًا نحو يافا، التي كان الصليبيون قد استولوا عليها سنة 1100م.[97]

أمّا السِّيَر الشماليَّة فتجعل موضع الرسوّ مدينة عكّا، التي كانت، على الرغم من وقوعها إلى الشمال، أحد أهمّ المرافئ التي يقصدها الحجّاج الوافدون إلى فلسطين.[98][99] وفي المقابل، يذكر اثنان من المؤرّخين اللاتينيين المعاصرين للأحداث، هما ڤوشيه الشارتري ووليم الصوري، أنّ النزول جرى في مدينة يافا، وهي أقرب الموانئ إلى الأماكن المقدّسة في المسيحية.[100][101] ويرى فرنشسكو دَنجِلو أنّ الترجيح النهائي يميل إلى هذا الاتجاه الأخير، ولا سيّما إلى رواية الشارتري، الذي يُعدّ شاهدًا أكثر موثوقية، بحكم كونه كان قسّيسًا في بلاط بلدوين الأوّل، ملك بيت المقدس آنذاك.[102] وكان هذا الأخير قد فرغ حديثًا من حملة ناجحة على مدينة بيروت،[33] فلمّا بلغه خبر وصول سِگُرد بادر إلى لقائه للوقوف على أسباب قدومه.[103] وبعد أن تبيّن له مقصده، شرع بلدوين بعد حين في التخطيط لحملة عسكرية مشتركة؛ غير أنّه، وبناءً على مشورة مستشاريه، عدل عن فكرة مهاجمة عسقلان الشديدة التحصين — وهو ما يرجّح أنّ سِگُرد لم يتوجّه إليها قط — ووجّه اهتمامه نحو صيدا.[102] وعندئذٍ قرّر بلدوين أن يجمع جيشه في عكّا، وهو اختيار بدا أكثر ملاءمة من الناحية اللوجستية.[104][و] وكان من المفترض أن تلتحق هناك أيضًا السفن النرويجية الراسية في يافا، كما يذكر المؤرّخ، وهي إشارة تتيح الاستدلال على أنّ يافا كانت في الحقيقة أوّل ميناء بلغه سِگُرد ورفاقه.[102] وإذا صحّت هذه القراءة للأحداث، فإنّ الروايات الشماليَّة تكون قد نقلت صورةً غير دقيقة عمّا جرى.[102]

كان سِگُرد أوّلَ ملكٍ غربيّ يزور الكيان الصليبي، ولذلك عامله بلدوين بكثيرٍ من الإجلال، ورافقه حتى بيت المقدس.[33] وخلال الطريق أبلغه سِگُرد برغبته في زيارة الأماكن المقدّسة في المدينة المذكورة وغور الأردن.[33][96] وتذكر إحدى المصنّفات الشماليّة، وهي ملحمة «مُركِنسكِينَّة»[ط 14]، أنّ بلدوين أراد إبهار ضيفه باستقبالٍ فخم؛ فأمر بعرض ثيابٍ فاخرةٍ مزخرفة على مقربةٍ من بيت المقدس.[105] ومن المعروف أنّ بلدوين طلب من سِگُرد أن يمكث مدّةً كافية في فلسطين، وألّا يُسارع إلى العودة إلى بلاده.[عر 6] ويذكر ڤوشيه الشارتري أنّ بلدوين حثّ النرويجيين على البقاء، حبًّا في الله وفي الأرض المقدّسة، ولو لمدّةٍ يسيرة، بغية الإسهام في توسيع نطاق النفوذ الصليبي. وقد نقل الشارتري ذلك بقوله:[عر 7]

الحملة الصليبية النرويجية عِندمَا عَاد المَلك إلى القُدُس، أُثلج صَدره لِمَقدم هَؤلاءِ القَوم. وَتبَادَل معَهم أَطرافَ الحديثِ بِودّ، يحُثُّهم بل يتوَسَّل إلَيهِم أن يَبقُوا، محبَّةً بالله، في الأراضي المُقدَّسة لِفترةٍ وجيزَةٍ لِيُقدِّموا العَون من أَجلِ نَشرِ وتَعظِيمِ اسم المسيحيَّة. وإذا ما أَحرَزوا إنجازًا للمَسيحِ، فبِوسعِهِم أن يَعُودوا بَعدَ ذَلك إلى بِلادِهم، مُقدِّمين وافر الشُكر لله. الحملة الصليبية النرويجية

والواقع أنّ سِگُرد حرص على استطلاع رأي القادة النرويجيين الآخرين في العرض الذي قدّمه الملك الصليبي؛ فتشاوروا فيما بينهم قبل أن يأتوا بردٍّ إيجابي، مؤكدين أنّهم قدموا إلى هذه الديار بقصد تكريس أنفسهم لخدمة المسيح. كما أبدوا استعدادهم للتوجّه بأقصى سرعة إلى أيّة مدينةٍ ساحلية يرغب الملك الصليبي في الاستيلاء عليها. ويُحتمل أنّ عرض بلدوين قد لقي صدىً طيبًا في نفوس النرويجيين، إذ وفّر لهم فرصةً مباشرة للمشاركة الفعلية في الحركة الصليبية. ولا ريب في أنّ إلحاح الملك عليهم في البقاء يعكس حجم الآمال التي علّقها على قدراتهم البحرية؛ فقد مثّل وصولهم، بما امتلكوه من أسطولٍ قوي، فرصةً ثمينة للصليبيين يصعب تكرارها، الأمر الذي دفعه إلى السعي للاستفادة منها إلى أقصى حدٍّ ممكن.[عر 8] ومن الجدير بالذكر أنّ النرويجيين طلبوا من المملكة الصليبية تزويدهم بالمؤن والإمدادات طوال مدّة العمليات الحربية. ويبدو أنّ مسألة التموين كانت تؤرّقهم منذ مغادرتهم بلادهم قبل ثلاث سنوات؛ إذ إنّ طول الرحلة وكثرة عدد أفراد الحملة جعلا من تأمين المؤن مسألةً بالغة الأهمية بالنسبة إليهم.[عر 8]

غور الأردن، الذي زاره النرويجيون أثناء وجودهم في الأرض المقدسة، جنوب بحيرة طبرية.

بعد أن حظي سِگُرد بتقدير نظيره الصليبي، أُتيح له أن يرافقه في زيارة عددٍ من المواضع المقدّسة في بيت المقدس وما جاورها. فشملت هذه الجولة الدينية مواقع بارزة في الذاكرة المسيحية، من بينها تلّة الجلجثة، والغرفة التي يُعتقد أنّ العشاء الأخير وعيد العنصرة قد وقعا فيها، وبستان جثسيماني، وقبر مريم العذراء في وادي يهوشافاط، إضافةً إلى نهر الأردن حيث اغتسل سِگُرد في مياهه،[106] وكذلك كنيسة القيامة وغيرها من المواقع المقدّسة.[107] وفي ختام هذه الزيارات، تلقّى سِگُرد عددًا من الهدايا القيّمة، كان أبرزها منحه قطعةً من صليب الصلبوت، وهي إحدى أقدس الذخائر في التقليد المسيحي.[108][109][110] وفي مقابل ذلك، تعهّد الملك النرويجي بتنفيذ عددٍ من الإصلاحات الكنسية في بلاده، غير أنّ هذه الالتزامات لم تُنفَّذ كاملةً في ما بعد.[111] فمن ذلك أنّ إنشاء أبرشيةٍ كبرى في النرويج لم يتحقّق إلا سنة 1152م، أي بعد أكثر من عقدين من وفاة سِگُرد.[111] كذلك لم تُنفَّذ الدعوة إلى إيداع قطعة صليب الصلبوت عند قبر الملك أولاف الثاني، الذي عُدَّ قديسًا في التقليد النرويجي؛ إذ احتفظ سِگُرد بالذخيرة لسنواتٍ طويلة، قبل أن يودعها سنة 1127م في كنيسة الصليب المقدّس التي شيّدها في بلدة كُنگِاهِلّا.[ط 15][112] وقد بقيت هناك حتى سنة 1135م، حين نُقلت إلى كاتدرائية نيداروس.[113]

حصار صيدا

[عدل]

عند وصول سِگُرد إلى الشرق، كانت الدُّول الصليبية قد قطعت بالفعل شوطًا غير يسير في مسار توسّعها الإقليمي.[114] فقد اتّسعت مملكة بيت المقدس حتى غدت تُهيمن، إلى حدٍّ كبير، على معظم الساحل الممتدّ بين يافا وعكَا، التي كانت قد سقطت، كما ذُكر، سنة 1104م.[114] أمّا إلى الشمال، فقد قامت إمارة أنطاكية التي بسطت نفوذها فعليًّا على معظم المراكز الرئيسة الواقعة بين بيروت والإسكندرونة، إلى جانب قُمُّسيَّة طرابُلُس.[114] وبين هذين الكيانين، ظلّت مدينتا صور وصيدا تمثّلان أبرز المراكز الساحلية التي واصلت إبداء مقاومةٍ عنيدة في وجه التقدّم الصليبي.[114]

مدينة صيدا التي استعصت على الصليبيين (رسمٌ يعود لسنة 1836م).

قضى سِگُرد صيف سنة 1110م متنقّلًا بين الأماكن المقدّسة، ومشاركًا في عددٍ من المناسبات الدنيوية التي أُقيمت في بلاط بلدوين الأوّل.[106] وقد أثار وصول المقاتلين الأجانب حماسةً ملحوظة في أوساط عامّة الناس والنبلاء، بل وحتى لدى بلدوين نفسه، الذي أخذ يُداعب فكرة تنظيم حملةٍ جديدة ضدّ المسلمين.[115] وبعد أن اطّلع ملك بيت المقدس على ما خاضه النرويجيون من تجارب ومحن، تشاور مع مستشاريه لتحديد هدفٍ يمكن للمحاربين الأجانب أن يختبروا عنده بأسهم.[2] فوقع الاختيار في نهاية المطاف على صيدا، وهي من مدن الشام الساحلية التي يذكر مؤرّخ الحوليات ألبرت الآخني أنّها اعتادت مهاجمة الحُجّاج النصارى.[2][106]

والحقيقة أنَّ الفاطميين والسلاجقة، الذين تعاقبوا على حكم صيدا، أولَوا عنايةً كبيرة بتحصينها؛ فقد شيَّد الوالي الفاطمي سعد الدولة الأفضلي برجًا فيها سنة 491هـ المُوافقة لسنة 1098م، كما عمل أميرها مجد الدولة التنوخي على تعزيز دفاعاتها سنة 494هـ المُوافقة لسنة 1101م، الأمر الذي مكَّنها من الصمود في وجه الصليبيين لبعض الوقت.[عر 9] وقد جرت عدَّة محاولاتٍ صليبية للاستيلاء عليها؛ ففي سنة 499هـ المُوافقة لسنة 1106م وصل إلى يافا أُسطولٌ ضخم يحمل حُجَّاجًا من الإنگليز والفلمنكيين والدنماركيين، يتراوح عددهم بين سبعة آلاف وتسعة آلاف حاج، فاستغلَّهم بلدوين الأوّل في مهاجمة صيدا. وما إن بلغ الخبر أميرها التنوخي حتى بادر بإرسال مبلغٍ كبير من المال قُدِّر بخمسة عشر ألف دينار إلى بلدوين؛ ولمَّا كان هذا الأخير مُفتقرًا إلى المال، لم يجد بُدًّا من قبول الهديَّة. وفي تلك الأثناء كان هيوج صاحب طبريَّة قد تُوفِّي، فاضطرَّ بلدوين إلى التوجّه إلى طبريَّة لترتيب شؤونها، الأمر الذي حمله على رفع الحصار عن صيدا.[عر 10] غير أنَّ فكرة الاستيلاء على صيدا ظلَّت تُراود خيال بلدوين؛ فعاد فهاجمها سنة 501هـ المُوافقة لسنة 1108م، وساعده هذه المرّة أُسطولٌ بحريّ يقوده ملّاحون مُغامرون من مدنٍ إيطاليّة مُختلفة، أبرزها جنوة والبندقية وپيزا وملف وغيرها، وقد أحرز في بداية الحملة نجاحًا أوّليًّا. وعندئذٍ أرسل حاكم المدينة إلى ظاهر الدين طغتكين، أتابك دمشق، يستنجد به ويعرض عليه مبلغ ثلاثين ألف دينار لقاء تقديم العون. غير أنَّ مجرى الأحداث ما لبث أن تغيَّر حين وصلت إلى ميناء المدينة خمسون سفينة فاطميّة، فاشتبكت مع السُفن الإيطاليّة في معركةٍ بحريّة انتهت بهزيمتها، الأمر الذي حرم بلدوين من عنصرٍ مهمّ من عناصر الإسناد. ويُضاف إلى ذلك أنَّه بلغه خبر اقتراب العسكر الدمشقي، الذي خرج لنجدة المدينة ويبلغ تعداده نحو خمسة عشر ألف مقاتل؛ فأدرك عندئذٍ أنَّ الحملة آيلة إلى الفشل، فآثر الانسحاب بمن معه إلى عكّا.[عر 11][عر 12]

اتفق الملكان، الصليبي والنرويجي، على استراتيجيةٍ قوامها أن يتولّى بلدوين الأوّل الهجوم برًّا، في حين تُوجِّه الأساطيل النرويجيّة ضربتها من البحر.[116] ولم يكن بلدوين يعتمد على رجاله والنرويجيين فحسب، بل كان يتوقّع كذلك وصول جماعاتٍ من الإنگليز والفلمنكيين والدنماركيين الذين كانوا قد زاروا الأماكن المقدّسة من قبل، كما أُسلف.[2][106] وبعد أن أبحر من عكّا، فرض سِگُرد حصارًا بحريًّا فعليًّا على مقربةٍ من صيدا، إذ أُنيطت به مهمّة حماية القوات المنتشرة على اليابسة في حال إرسال الفاطميين إمداداتٍ بحريّة.[114] ولم يلبث الخوف من وصول التعزيزات أن تحقّق حين ظهر أسطولٌ فاطميّ كبير أبحر من صور قاصدًا صيدا.[33] وقد واجه سِگُرد ورفاقه صعوباتٍ لا يُستهان بها، غير أنّهم أُنقذوا في الوقت المناسب بوصول نحو مائة قادس من أسطول جمهورية البندقية يقودها الدوق «أُردِلافُ فليرو» بنفسه.[3][33] وتورد روايةٌ أخرى أنّ أسطولًا فاطميًّا ضخمًا كان قد وصل إلى عكّا ليهاجمها، غير أنّه لمّا بلغه خبر اقتراب السفن المسيحية المتوجّهة إلى صيدا، آثر الانسحاب إلى الميناء الحصين في صور، حيث لا يجرؤ أحد على مواجهته.[117] وقد أتاح ذلك لملك النرويج أن يُلقي مراسيه بكامل قوّاته، ويُحكم الطوق حول صيدا من جهة البحر.[118]

أيقونة لدوق البندقية «أُردِلافُ فليرو».

وفي غضون ذلك، على اليابسة، كان مهندسو بلدوين قد أتمّوا، مع اقتراب شهر تشرين الأوّل (أكتوبر)، تشييد عددٍ من أبراج الحصار وآلات القذف، بحيث تُستخدم لقصف الأسوار الدفاعية قصفًا متواصلًا، في حين كان المسلمون يسعون بيأسٍ إلى إصلاح ما يُصيبها من أضرار.[119] ولمّا بدا الهجوم وشيكًا، توسّل أمير صيدا إلى خصومه أن يعفوا عن المدينة، عارضًا عليهم مبلغًا كبيرًا من المال، غير أنّ الطرف المقابل رفض العرض واستعدّ لبدء القتال.[118] ووفقًا للمؤرّخ المسلم المعاصر للأحداث ابن القلانسي، فقد بدأ الهجوم في 3 ربيع الآخر 504هـ المُوافق 19 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1110م، واستمرّ سبعةً وأربعين يومًا.[114][عر 13] وبما أنّ المحاصِرين تمكّنوا من إقامة أبراجٍ تعلو أسوار المدينة، فقد أُتيح للرماة بالنشاب موقعٌ ملائم لإصابة المدافعين المسلمين.[114] وللاتّقاء من خطر الحرائق، زُوِّد كلّ مقاتلٍ بدلوٍ من الماء والخلّ.[114] وأمام العجز عن مجابهة عدوٍّ بهذه القوّة، اضطرت حامية صيدا إلى التفكير في هجومٍ مضاد، فابتكرت خطةً تقضي بحفر عدّة أنفاقٍ تحت أبراج الحصار لإسقاطها.[120] وفي الوقت نفسه دبّر أمير المدينة مؤامرةً لاغتيال بلدوين، إذ تواصل مع مسلمٍ مرتدّ كان يتولّى خدمته الشخصية، فوافق هذا الأخير على تنفيذ المهمّة مقابل مبلغٍ كبير من المال.[33] غير أنّ المسيحيين المحليين في صيدا علموا بالأمر، فأطلقوا سهمًا نحو معسكر الصليبيين يحمل رسالةً لتحذير الملك.[33] ولمّا أُحبطت الخطتان معًا، بدا أنّ الحلّ المعقول الوحيد المتبقّي آنذاك هو الاستسلام.[121]

حقّقت استراتيجية بلدوين هدفها المنشود في أقلّ من شهرين؛ إذ أعلن سكان المدينة، وقد أنهكهم الحصار، استعدادهم للاستسلام بشرط أن يُمنحوا أمانًا يتيح لمن لا يرغب في البقاء أن يتوجّه إلى دمشق مصطحبًا جميع ممتلكاته.[118][عر 14] وفي 14 جمادى الأولى 504هـ المُوافق 4 كانون الأوّل (ديسمبر) وافق بلدوين على هذا العرض، غير أنّه اشترط دفع جزيةٍ باهظة بلغت عشرين ألف دينار، وهو مبلغ لم يُتِح سوى لأعيان المدينة مغادرتها، في حين أُجبر السكان الأشدّ فقرًا على البقاء فيها.[عر 14][121][122] وبذلك ضمن الصليبيون السيطرة على معقلٍ مهمٍّ آخر، إذ أصبحت معظم سواحل الشام في قبضتهم، باستثناء عسقلان في الجنوب وصور في الوسط.[123] وقد أثار ذلك قلق والي هذه المدينة الأخيرة على نحوٍ خاص، كما تلقّى العالم الإسلامي في أقاليم أخرى هذا الخبر ببالغ الأسى والهلع.[123] ويبدو أنّ صدى الحدث بلغ حتى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، حيث جرت محاولات للتحريض على ردّ فعلٍ في مواجهة الخطر المسيحي.[118] أمّا الدور الذي أدّاه سِگُرد ملك النرويج خلال المعركة، فقد درجت الكتابات التاريخية على نسبته إلى مرتبةٍ ثانوية في مجمل الأحداث.[124] وعلى النقيض من ذلك، تُبرز الملاحم الإسكندناڤية أنّه تميّز في تلك المناسبة تميّزًا لافتًا، حتى عُدّت الحرب على صيدا ذروة الحملة الصليبية النرويجية.[124]

ظلّ خبر حصار صيدا متداولًا في الغالب شفهيًّا ردحًا من الزمن، قبل أن يدونه بإيجازٍ الراهب البندكتي النرويجي تيودُرِك[ط 16]، ثم تعود إليه لاحقًا مصادر إسكندناڤية أخرى.[108][125] وبحسب هذه الروايات، أظهر سِگُرد قدرًا كبيرًا من السخاء؛ إذ كانت الأعراف السائدة آنذاك تقضي بأن تؤول إليه نصف المدينة المُحتلَّة، وأن ينال رجاله نصف الغنائم.[125] غير أنّه، بدافعٍ من الفروسية والكياسة، آثر التنازل عن ذلك كلّه، فسلّم نصيبه لحليفه بلدوين.[125] وقد مثّل هذا الانتصار التاسع لسِگُرد في تسع معارك خاضها في ميدان القتال. غير أنّه، على خلاف سلسلة المواجهات السابقة، «التي تميّزت بمآثر لافتة ولكنها عارضة، لافتقارها إلى نتائج جيوسياسية»، كان التدخّل النرويجي هذه المرّة حاسمًا في تمكين الصليبيين من الاستيلاء على ميناءٍ محوري وتحقيق توسّعٍ فعلي في نطاق مملكة بيت المقدس.[126] ومع ذلك، يذكر بعض المؤرّخين الإنگليز — ولعلّهم استندوا إلى روايات نقلها حجّاج أو صليبيون عادوا من الشرق — أنّ سِگُرد شارك إلى جانب بلدوين في مهاجمة ميناء صور.[40][127] غير أنّ هذه الرواية تُعدّ على الأرجح ثمرةَ التباس؛ ذلك أنّ ملك بيت المقدس هاجم تلك المدينة بالفعل، لكن من دون دعمٍ خارجي وبنتائج غير موفّقة، وكان ذلك بين خريف سنة 1111م وربيع سنة 1112م، أي في وقتٍ كان فيه سِگُرد قد غادر الأراضي المقدسة منذ زمن.[128]

رحلة العودة

[عدل]

قبرص والقسطنطينية

[عدل]

بعد انتهاء العمليات عند صيدا، رأى سِگُرد أنّ مهمّته قد اكتملت، فتوجّه إلى عكّا.[121] ومن هناك أبحر في كانون الأوّل (ديسمبر) سنة 1110م من السواحل الشامية بأسطوله الذي وصفه الشاعر الآيسلندي سنوري سترلسون بأنّه «جدارٌ متّصل من السفن».[129] واتّجه في البداية إلى قبرص، حيث أقام بعض الوقت.[128] وفي تلك الجزيرة التقى النرويجيون لأوّل مرّة بمحاربين من أصلٍ إسكندناڤي مثلهم، هم أفراد الحرس الفارانجي الذين كانت حاميةٌ منهم متمركزة في باف في جنوب غربي الجزيرة.[128] وكان هؤلاء من أتباع إِرِك الأوّل ملك الدنمارك الذين رافقوه في رحلته إلى الأراضي المقدسة، غير أنّهم لم يعودوا إلى وطنهم بعد وفاة الملك سنة 1103م في باف نفسها.[128] ويبدو أنّ وجودهم هناك، المثبت على وجه اليقين منذ نحو سنة 1150م على الأقل، كان قد تقرّر — على الأرجح — في عهد ألكسيوس الأوّل كومنين قبل ذلك بزمن، أي في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي تقريبًا.[128] وقد أمضى سِگُرد ورفاقه عيد الميلاد في قبرص، ثم أبحروا شمالًا نحو مضيق الدردنيل.[128] وهناك، في موضعٍ تُسميه المصادر الإسكندناڤية «رأس الملاك»[ط 17]، وربّما كان يقع في شبه جزيرة قلِّيبُلِي، توقّف الأسطول أسبوعين في انتظار هبوب رياحٍ مواتية.[129]

الملك سِگُرد يدخل القسطنطينية في موكبٍ مهيب رفقة رجاله.

كان القصد من ذلك الوصول في موكبٍ مهيب إلى القسطنطينية، التي كانت تتمتّع بسمعة أعظم حاضرة في أوروپَّا.[130] وقد تابع السكّان المقيمون على ضفاف بحر مرمرة باهتمام مرور أسطولٍ ضخم كهذا وهو يمخر عباب البحر بأشرعته المنشورة.[129] ولمّا أُبلغ ألكسيوس الأول بقرب وصول سِگُرد، يُقال إنّه أمر بفتح البوابة الذهبية على مصراعيها، وببسط الأقمشة النفيسة التي ستُستقبل فوقها الوفود النرويجية.[129][131][132] وقد نزل المحاربون إلى البرّ قبل دخول المدينة، ثم تقدّموا على ظهور الخيل نحو أبواب القسطنطينية، مع أنّ الملاحم الإسكندناڤية لا توضّح كيف حصلوا على تلك الخيول.[133] وتروي بعض الأخبار أنّ سِگُرد سار بعد ذلك ببطءٍ على صهوة جوادٍ حُدِّدت له حوافر صُنعت خصيصًا من الذهب، وأنّه تعمّد إسقاط إحداها على الأرض وتركها في مكانها لإثارة دهشة الحشود.[131][134][135] ويبدو أنّ هذه القصة من نسج المخيال الشعبي، شأنها شأن الرواية التي تزعم أنّه أُذن له بدخول قصر بلاخيرن، وهو أفخم المقرّات الإمبراطورية في العاصمة.[129][133] فقد كانت منزلة الإمبراطور البيزنطي محاطة بهالةٍ شبه مقدّسة، وكانت بعض المواضع محرّمة على غيره.[133] كما تورد المصادر حكاياتٍ أخرى يصعب تصديقها تتعلّق بشهرة سِگُرد وسخائه تجاه رجاله؛ من ذلك أنّه — كما يُروى — كان يعتذر بلطفٍ مرارًا عن قبول الهدايا والثروات التي عرضها عليه ألكسيوس، طالبًا أن تُمنح لرفاقه بدلًا منه.[136] ويبدو أقرب إلى التصديق أنّ سِگُرد وأقرب أتباعه قد سُمح لهم بالإقامة في أحد المساكن الإمبراطورية الثانوية.[137] ومن المرجّح أيضًا أنّ مأدبةً أُقيمت وجمعت بين الملكين والإمبراطورة إيرين دوكينا، التي أشادت بدورها بسخاء سِگُرد.[138] ووقع حدثٌ ترفيهي آخر بعد ذلك بقليل، حين يُقال إنّ بعض المبعوثين الإمبراطوريين سألوه عمّا إذا كان يفضّل تلقّي الذهب أم حضور الألعاب التي كانت ستُنظَّم في ميدان سباق الخيل في القسطنطينية، فاختار الخيار الآخر وحضر الألعاب بنفسه.[139]

إعادة تصميم لميدان سباق الخيل في القسطنطينية.

وبعد أسابيع قُضيت بين الاحتفالات والمآدب والعروض الترفيهية، قرّر المحاربون النرويجيون، في أواخر شتاء سنة 1111م، مغادرة القسطنطينية والانطلاق برًّا عائدين إلى وطنهم.[8] وتبدو الرواية التي تزعم أنّ ألكسيوس الأول قد رفض السماح لهم بالمغادرة غيرَ معقولة؛ إذ يُقال إنّه كان مأخوذًا بذكاء سِگُرد وشجاعة رفاقه إلى حدٍّ دفعه إلى محاولة إبقائهم لديه.[8][40] ويذكر المؤرّخ الإنگليزي المعاصر للأحداث وليم المالمسبيري، وكذلك ملحمة «مُلخَّص ملاحم ملوك النرويج»[ط 18]، وهي الأقرب زمنًا إلى الحملة الصليبية، أنّ سِگُرد اختار التنازل عن سفنه في القسطنطينية، وأنّ الإمبراطور علّق إحدى مقدّماتها المزيّنة برأس تنّين، وهو عنصر شمالي شائع في العصر الوِيكنجاريّ، على سطح كنيسة القديس بطرس على سبيل التذكار.[40][140] غير أنّه، بعيدًا عن صورة السخاء التي تنقلها الملاحم، يبدو الأرجح أنّ سِگُرد اقتنع بالتخلّي عن سفنه لأنّها كانت تحتاج إلى صيانةٍ دائمة، ولأنّ عددًا كبيرًا من رجاله — قُرابة 2,500 من أصل ما بين 3,000 و4,000 من قدامى أفراد الحملة — اختاروا الانضمام إلى الحرس الفارانجي بنيّة الإقامة الدائمة في الأراضي الرومية.[141] وفضلاً عن ذلك، فإنّ المعارف الملاحية في ذلك العصر كانت تجعل من العودة بحرًا عبر مضيق جبل طارق نحو المحيط الأطلسي مغامرةً تقترب من الاستحالة، بسبب التيارات القوية التي كانت تتدفّق باستمرار نحو الشرق.[142]

العودة إلى النرويج

[عدل]
لوثر السُپلِنبرُغي، دوق سكسونيا الذي استقبل النرويجيين خلال رحلة عودتهم إلى وطنهم.

استبدل النرويجيون سُفُنهم بخيول قبل مغادرة القسطنطينية، ليشرعوا في رحلة العودة إلى وطنهم.[121][143] وقد غادروا في ربيع سنة 1111م، وعلى خلاف المراحل السابقة من الحملة، خلا الطريق هذه المرّة من أحداثٍ بارزة.[144] وكانت رحلةً هادئة إلى حدٍّ بعيد، لا سيّما إذا ما قورنت ببداية الرحلة المهيبة؛ إذ عاد سِگُرد إلى بلاده مصحوبًا بما لا يزيد عن قُرابة مائة رجل.[144] وقد شملت الأراضي التي عبرها، على التوالي: بلغاريا، وكانت آنذاك إقليمًا من أقاليم الإمبراطورية البيزنطية، ثم المجر، وپانونية، ومنها دخل الأراضي الألمانية، فعبر باڤاريا وسوابة وسكسونيا.[121][144] هناك استقبلهم دوق سكسونيا لوثر السُپلِنبرُغي[ط 19]، الذي تصفه النصوص الإسكندناڤية — على نحوٍ مفارق للزمن — بأنّه إمبراطور الرومانية المقدسة، مع أنّه لم ينل هذا اللقب إلا سنة 1133م.[144] وبعد أن اطّلع لوثر على أخبار المغامرات التي خاضها أولئك المقاتلون النرويجيون، دلّهم على أسواقٍ يستطيعون شراء البضائع منها، ووفّر لهم أدلّاء ليرافقوهم، كي يعبروا أراضي سكسونيا في أمانٍ تام.[144]

وصل سِگُرد ورجاله إلى الدنمارك، وتحديدًا إلى منطقة اشلسويغ، خلال عيد الاحتفال بمنتصف الصيف الذي كان يُقام هناك، حيث التقى بالقُمَّس حاكم تلك البلاد، الذي أقام له مأدبة فاخرة.[144] وفي مدينة هيدِبي التجارية، التقى سِگُرد بالملك «نيلس»، الذي رحّب بالنرويجيين ترحيبًا حارًا، وعرض مرافقتهم حتى يُتلَند، ومن هناك، وبواسطة سفينة أُهديت له، تمكّن الملك النرويجي من عبور مضيق اسْكَاگِرَاك.[145][146]

وخلال صيف سنة 1111م على الأرجح، رست سفينة سِگُرد قرب خليج أوسلو، حيث تقع الموانئ الرئيسة للقادمين من يُتلَند، ومن هناك تنقّل سيرًا من قريةٍ إلى أخرى بهدف التواصل مع رعاياه وإطلاعهم على نتائج المغامرة.[147] وبعد أن التقى بإخوته، استقبله الجميع استقبالًا حافلًا، وقضى أيامًا إضافية في الاحتفال وتخليد الانتصارات التي تحقّقت.[148] وبمواكبة هذه الأحداث، يمكن اعتبار الحملة قد اختُتمت رسميًّا ونهائيًّا.[148]

عواقب الحملة وتبعاتها

[عدل]

كان سِگُرد في العشرين من عمره عند عودته إلى وطنه، وبحسب رأي سنوري سترلسون لم تكن قد خرجت من النرويج حتى ذلك الحين حملةٌ «أشرف من حملته».[145][149] ولا شكّ في أنّ كلَّ من نجا من المشاركين عاد وهو يحمل رصيدًا من المعارف الجغرافية والدبلوماسية والعسكرية يصعب مقارنته بما كان يمتلكه الإنسان العادي الأوروپي في ذلك العصر.[148] ومن منظورٍ أوسع، خلّفت هذه الحملة آثارًا بالغة الأهمية في النرويج، إذ أسهمت في ربطها نهائيًّا في المخيال الجمعي بالعالم المسيحي.[148] وخلال هذه الحملة حظي سِگُرد بامتياز لقاء عددٍ من الملوك الأوروپيين، من ملوك الشرق والغرب (باستثناء ملك فرنسا والبابا)، على الرغم من أنّه ليس من المعلوم ما إذا كان قد التقى فعلًا بجميع أولئك الذين تذكرهم ملاحم الساغات.[150] وقد تبنّى هذا التقييم أيضًا مؤلفون من غير الشماليين، من بينهم الفرنسي بطرس المُبجَّل، الذي يُعدّ من أقرب المصادر المكتوبة زمنًا إلى أحداث حملة سِگُرد؛ إذ أتمّ مؤلفاته سنة 1123م، أي قبل سنتين من تأليف «كتاب ميورقة» المذكور سابقًا.[151]

سرعان ما انتشرت أخبار مآثر الملك النرويجي في أنحاءٍ مختلفة من أوروپَّا، كما ظلّت حيّة في بلاده بفضل التذكارات والذخائر التي جُلبت من الشرق وأُهديت إلى عددٍ من الكنائس والمدن في المملكة.[152] وعندما تُوفّي أولاف سنة 1115م توتّرت العلاقات بين سِگُرد وأُستين، ويبدو أنّ الحملة أصبحت موضع خلافٍ شديد بينهما.[153][154] ففي حين حرص سِگُرد على إبراز دوره في تلك الحملة، مؤكدًا أنّه أنجز عملًا يكاد يلامس حدود المستحيل وأسهم في رفع مكانة النرويج في نظر أوروپَّا، كان أُستين يذكّره بالأعمال التي اضطلع بها في غيابه، ومنها تشييد عددٍ من الكنائس، كما نبّهه إلى ما أبداه من وفاءٍ له؛ إذ إن سِگُرد عاد إلى بلاده عمليًّا من دون جيش، وكان بوسعه — لو أراد — أن يخلعه عن العرش بسهولة.[155] وعلى الرغم من هذه الخلافات، لم يُقدم أيٌّ من الطرفين في نهاية المطاف على نقض السلام، ولم تشهد النرويج اضطراباتٍ أو صراعاتٍ داخلية.[155]

أطلال قلعة «رَگنهِلدسُهُلمِن». بُنيت بالقرب من كُنگِاهِلّا، وكانت فيها الكنيسة الخشبية التي احتفظ فيها الملك سِگُرد بجزء من صليب الصلبوت الذي تلقاه من بلدوين الأوّل ملك بيت المقدس.

تُذكر حادثةٌ أُخرى ارتبطت بسِگُرد وبالخلافات الدينية، وهي ما يُعرف بـ«حملة كالمار»[ط 20]، وهي حملة عدّها بطرس المُبجَّل ضمن الحملات الصليبية نفسها.[156] ففي سنة 1123م قرر الملك النرويجي التوجّه إلى إقليم سمُلَند السويدي، وهو الحدث الذي رواه سنوري سترلسون بتفصيلٍ واسع. ويشير الأخير إلى أن تدخل سِگُرد العسكري جاء استجابةً لطلب ملك الدنمارك «نيلس»، نفسه الذي كان قد استقبل النرويجيين عند عودتهم من الشرق سنة 1111م.[157] وكان الهدف المعلن للحملة يتمثل في تنصير السكان الوثنيين الكُثر في تلك المنطقة، الذين كانوا لا يزالون يشكّلون غالبية الناس.[157] غير أن نيلس حشد قواته في وقتٍ مبكر أكثر مما ينبغي مقارنةً بسِگُرد، وانتظر عبثًا وصوله إلى الموضع المتفق عليه، وهو مضيق أوريسند، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تسريح المحاربين الدنماركيين وعودتهم.[158] وعندما وصل الملك النرويجي أخيرًا، وجّه بدوره اللوم إلى الطرف الآخر على سلوكه، فعقد مجلسًا حربيًا وقرر، بدافع الانتقام، نهب إقليم سمُلَند؛ ويُرجَّح أن سكانه قد اعتنقوا المسيحية في نهاية المطاف.[156] وتُظهر رواية هذه الحادثة، من جهة، استمرار النزعة الوحشية الشمالية الضاربة في القِدم منذ قرون، ومن جهةٍ أخرى، تتيح الجزم بأن مؤلفي تلك الروايات كانوا ينظرون إلى هذه الحملات بوصفها صراعًا ضد «أعداء صليب المسيح».[156]

في سنة 1123م، وبعد وفاة أُستين، شهدت حياة سِگُرد فترةً مضطربة إلى حدٍّ كبير، ويُقال إنه فقد صوابه، على الرغم من أنّه لا يمكن الجزم بشكل قاطع ما إذا كان ذلك نتيجة اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية أم اضطراب ثنائي القطب.[149] وعندما تُوفي الملك في سنة 1130م، طُعن في حق ابنه غير الشرعي مگنُس الرابع في الخلافة على العرش من قبل مدّعٍ إيرلندي يُدعى هَرَلد، الذي كان يزعم أنّه ابن مگنُس الثالث، والد سِگُرد. وأسفر هذا النزاع عن فترة طويلة ومرهقة من الحروب الأهلية، امتدت حتى سنة 1240م.[159]

أمّا فيما يتعلق بالعمليات التي جرت في الأراضي المقدسة، فقد تمكن بلدوين الأول، كما أُسلف، من إحكام سيطرته على صيدا وأعمالها ذات الموقع الاستراتيجي، فتم إنشاء إقطاعية صيدا وأُسندت إلى «يسطس گرنير»[ط 21]، علمًا أنه كان قد شغل سابقًا منصب حاكم قيسارية.[123] أما الهجمات التي وقعت في الأندلس، فقد كان لها أثر أقل، إذ اقتصرت على أحداث متفرقة، لكن حكام تلك المنطقة أدركوا لاحقًا الإمكانيات العسكرية التي تمتلكها مجموعات الصليبيين الأجانب، وتمكّنوا من توجيه قوتهم لخدمة مجهوداتهم العسكرية الهادفة لانتزاع البلاد من المسلمين.[160] ويُفسّر هذا طبيعة بعض الأحداث التاريخية اللاحقة التي شهدت مشاركة محاربين إسكندناڤيين، مثل حصار لشبونة سنة 1147م، ومجزرة البور سنة 1189م، وحصار شلب في السنة نفسها.[160]

مصادر الأحداث

[عدل]

كان من سوء الحظ أن سِگُرد ومرافقيه لم يُدونوا بأقلامهم أخبار الوقائع التي شهدتها أطقم السفن المشاركة في هذه الحملة.[161] وقد كان شعراء البلاط لدى سِگُرد، ومعظمهم من الآيسلنديين، أوّل من نشر أخبار هذه الملحمة في صورةٍ شفهية تناقلتها الأجيال طوال عقود، قبل أن تُجمع تلك الروايات وتُدوَّن وتُعاد صياغتها في المؤلَّف المعروف باسم «فهرست الشعراء»[ط 22]، الذي أُلِّف في آيسلندا في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي.[162][163] ومن المصادر المهمة الأخرى ما يُعرف بـ«النصَّين النرويجيين المُوجزين»،[ز] أولهما كتاب «تاريخ قِدم ملوك النرويج»[ط 23]، الذي أتمَّه الراهب تيودُرِك بين سنتي 1177 و1188م؛ وعلى الرغم من لقبه الرهباني، فربما كان في الواقع أحد كهنة كاتدرائية نيداروس.[162] أمّا النص الموجز الآخر فهو «مُلخَّص ملاحم ملوك النرويج»، الذي وُضع نحو سنة 1190م بقلم مؤلفٍ مجهول، ويرتبط هو أيضًا بالبيئة الثقافية والأدبية لكاتدرائية نيداروس، فضلًا عن كونه قائمًا جزئيًا على عمل تيودُرِك نفسه.[162] ويُعدّ هذا النص أقدم مؤلَّف معروف باللغة الشمالية القديمة يتناول أخبار تلك الحملة.[163]

تتسم هذه الكتابات بطابعٍ كهنوتيٍّ غالب، بخلاف تقليدٍ آخر أكثر علمانية بوضوح يتيح إعادة بناء الأحداث، وهو تقليد ملاحم السَّاغَات.[164] ففي هذه النصوص تُروى المغامرات العديدة بأسلوبٍ حيٍّ ذي طابعٍ بطولي، وتميل، عبر مجرى السرد، إلى مزج عناصر نموذجية من الأساطير الإسكندناڤية بعناصر مسيحية.[38] ولا يُعدّ ذلك تناقضًا ظاهرًا؛ إذ كان الشعراء الشماليّون يستلهمون، عن وعيٍ، التراث الأسطوري للماضي، لأنه — على الرغم من فقدانه قيمته الدينية القديمة — ظل يحتفظ بوظيفته بوصفه «مستودعًا استثنائيًا للصور الشعرية».[38] ومن أقدم النصوص المكتشفة، العائدة إلى منتصف القرن الثاني عشر، ما يُعرف بـ«سِيَر الملوك»[ط 24]، وهي — كما يدل اسمها — نصوص تتمحور حول تراجم الملوك الإسكندناڤيين.[163] ويُعد من أبرز هذه المؤلفات ثلاثة أعمال رئيسة، هي: «الرَّقّ الداكن = موركينسكينّا»، و«الرَّقّ الفاتح = فاغرسكينّا»، و«الدائرة الأرضية = هَيْمَسكرينغلا».[ط 25] فالأول كُتب في آيسلندا قُرابة سنة 1220م، ويتناول تاريخ النرويج في المدة بين سنتي 1035 و1157م.[165][166] أمّا «الرَّقّ الفاتح»، الذي أُلِّف قبل سنة 1225م بقليل، فهو أيضًا عملٌ مجهول المؤلف، ويُرجَّح أن كاتبه آيسلندي كان يقيم في النرويج، وقد خُصِّص للأحداث الواقعة بين القرن التاسع الميلادي وسنة 1177م.[165] أمّا العمل الأخير، وربما الأشهر بينها، أي «الدائرة الأرضية = هَيْمَسكرينغلا»، فيستمد اسمه من الكلمتين الافتتاحيتين في أول ساغا فيه «Kringla heimsins». وقد ألّفه الشاعر الآيسلندي سنوري سترلسون قُرابة سنة 1235م، ويغطي نطاقًا زمنيًا يمتد من الأصول الأسطورية لمملكة النرويج حتى سنة 1177م.[165] وإذا كان السرد في الرِّقين الداكن والفاتح متصلًا، فإن «الدائرة الأرضية» تُخصِّص ساغا مستقلة لكل ملك؛ وترد قصة الحملة الصليبية ضمن «ملحمة أبناء مگنُس».[ط 26][165] ولا يُستبعد أن تكون من بين المصادر أيضًا مؤلَّفاتٌ فُقدت اليوم، مثل كتاب «سِيَر الملوك»[ط 27] للمؤرِّخ الآيسلندي «آري ثورگِلسُن»، الذي وُضع في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي ويتصل بأخبار رجلٍ شارك في الرحلة إلى الأراضي المقدسة.[166] ومن أبرز مواطن الضعف في السَّاغَات ندرة الإشارات الزمنية الدقيقة؛ إذ نادرًا ما يذكر مؤلفوها السنوات أو الأشهر، وهو ما اضطر الباحثين إلى بذل جهودٍ شاقة في التحقيق التاريخي لإعادة ضبط التسلسل الزمني للأحداث.[167][ح]

على الرغم من أنّ حملة سِگُرد تناولها أيضًا عددٌ من المؤلفين غير الشماليين، فإن إعادة بناء أحداثها بدقة لا تزال ممكنةً بصورةٍ جزئية فحسب؛ إذ إن أوفر التفاصيل ترد أساسًا في ما يتصل بالعمليات التي جرت في الجزائر الشرقية أو في فلسطين.[4][84] ففي إنگلترا، وهي أول محطة بلغها النرويجيون، أورد بعض المعلومات راهبان ومؤرخان هما وليم المالمسبيري وأُردِرك ڤيتالس.[165] أمّا الأول، مؤلف كتاب «أعمال ملوك الإنگليز»[ط 28] الذي أُلِّف ما بين سنتيّ 1125 و1135م، فقد ذكر الحملة في ختام استطرادٍ تناول فيه الصراع الدنماركي النرويجي على السيادة البحرية في القرن الحادي عشر الميلادي، فضلًا عن مسألة الخلافة على عرش النرويج. وأمّا الآخر، ففي كتابه «التاريخ الكنسي»[ط 29]، الذي أتمّه سنة 1142م، فقد أورد استطرادًا قصيرًا تناول فيه الحملات العسكرية التي قادها مگنُس، والد سِگُرد، في جزر أُركني. أمّا إيطاليا فتعود إليها مصادر أخرى، من أبرزها كتاب «كتاب ميورقة لأعمال الپيازنة المشهورين»، وهو قصيدة ملحمية منظومة في البحر السداسي، يُرجَّح أن كاتبها هنري الپيزاني، أسقف پيزا، وقد وُضعت بين سنتي 1117 و1125م، فضلًا عن «الوقائع العالمية»[ط 30] للأسقف «سيكَرد الكرموني»، المؤلفة قرابة سنة 1213م.[165][169] ويحظى المؤلَّف الأول بأهميةٍ خاصة، لأنه يروي نتائج الحملة التي شنّها الإيطاليون والقطلونيون والقسطانيون على الجزائر الشرقية ضد المسلمين، كما يثبت — بصورةٍ لا لبس فيها — مرور الملك النرويجي في تلك الأنحاء قبل ذلك ببضع سنوات.[170]

هوامش

[عدل]
ملاحظات
  1. ^ ا ب ج د ه و لم يُشاركوا سوى في حصار صيدا سنة 1110م.
  2. ^ ا ب ج د شارك في معركةٍ أو أكثر من المعارك التي وقعت في الأندلس.
  3. ^ لمزيدٍ من الإيضاح، يحسن وضع المشهد الجيوسياسي للمنطقة في سياقه العام. فكما يذكر فرنشسكو دَنجِلو، فإنّ جُليقية، منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، كانت متّحدة مع مملكة قشتالة وليون تحت حكم الملك الفنش السادس (ت. 1109م)، غير أنّها قُسِّمت إداريًا إلى مقاطعتين، أُسندت كلٌّ منهما إلى أحد النبلاء الفرنسيين. ففي الشمال، مُنحت مقاطعة جُليقية إلى ريمُند البُرغُوني (1088–1107م)، المنحدر من أسرة قمامسة بُرغُونية (آل أنسكاردية). أمّا في الجنوب، فقد أُقطعت مقاطعة الپُرتُغال — وكانت تابعةً للأولى اسميًا، وتوافق الجزء الشمالي من الپُرتُغال الحالية — إلى هنري البُرغُوني (1093–1112م)، وهو الابن الأصغر لدوق برغونية وابن عمّ ريمُند. وعندما وصل الصليبيون إلى جُليقية في خريف سنة 1108م، كان ريمُند قد تُوفّي منذ قرابة عام، ومن ثمّ يُرجَّح أنّ هنري، بوصفه صاحب السلطة الفعلية الوحيدة الباقية في المنطقة آنذاك، هو الذي لقيهم للتفاوض على هدنة. ويعزّز هذا الاحتمال أنّ النرويجيين، بمواصلتهم الإبحار جنوبًا متجاوزين رأس فِستيرة، كانوا سيجدون أنفسهم حتمًا بمحاذاة الأراضي الخاضعة لسلطته.[48]
  4. ^ تسمية أطلقها الشماليُّون عُمومًا خلال العصر الوِيكنجاري على ذوي البشرة الداكنة، واستمرَّ الأمر على هذا المنوال حتَّى الحقبة الحديثة المبكرة. وسبب ذلك أنَّ اللون الأسود كان يُعدُّ طيفًا من أطياف الأزرق في اللغات الشماليَّة القديمة.[وب 4][وب 5]
  5. ^ كما ورد اسمه ولقبه عند الإدريسي في مُؤلَّفه الشهير «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق».[عر 4] ومن المعروف أنَّ هذا الملك كان مُعجبًا بثقافة الإسلام وحضارته، فقرَّب إليه عُلماء المُسلمين ومُفكريهم، واتخذ لنفسه لقبًا عربيًّا.
  6. ^ لو رُسم خطٌّ افتراضي يمتدّ من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، لظهرت المدن على الترتيب الآتي: عسقلان، ثمّ يافا، فعكّا، وأخيرًا صيدا. ومن ثمّ يمكن الاستنتاج أنّ بلدوين كان حريصًا على حشد قوّاته في عكّا، لكونها الأقرب إلى الهدف المقصود.[102]
  7. ^ تُسمّى النصوص النرويجية الموجزة (السينوبسية) بهذا الاسم «بسبب ما بينها من تماثلاتٍ موضوعية ولغوية».[162]
  8. ^ تظهر التباينات بوضوح لا فيما يتعلق بالأحداث المفردة فحسب، بل أيضًا بخصوص المدة الإجمالية للرحلة؛ إذ يُذكر — على سبيل المثال — خطأً أنها استغرقت شتاءين فقط، أو أن النرويجيين أقاموا في موضعٍ دون آخر، وما إلى ذلك. كما يظهر الاختلاف كذلك في تحديد مدة الإقامة في الأراضي المقدسة؛ فبينما يضع بعضهم حصار صيدا في سنة 1110م، يجعله آخرون في سنة 1111م. وفي محاولةٍ لفك هذا التعقيد، رسم المُؤرِّخ إِرِك دوكسي الخط الزمني الآتي، الذي تبنّاه غالبية المؤرخين المعاصرين: فمن المسلّم به أن الوصول إلى الجزائر الشرقية لم يحدث قبل سنة 1107م، غير أنه يُرجَّح أكثر أنه تمَّ سنة 1108م، بل لعل الاحتمال الأرجح أن يكون في سنة 1109م. أما الإقامة في الأراضي المقدسة والانطلاق منها نحو القسطنطينية فقد حصلا في سنة 1110م، في حين يمكن تأريخ الوصول النهائي إلى النرويج بسنة 1111م.[168]
عبارات أجنبية
  1. ^ (بالإسبانية: Álvaro Campaner)
  2. ^ (بالفرنسية: Paul Alphandéry)
  3. ^ (بالإيطالية: Francesco D'Angelo)
  4. ^ (بالفرنسية: Arnoulf de Chocques)
  5. ^ (بالأيرلندية: Dún Pádraig)
  6. ^ (بالنرويجية: Skuldelev II)
  7. ^ (بالنرويجية: Spánn)
  8. ^ (بالبرتغالية: Hélio Pires)
  9. ^ (بالنرويجية: Blámenn)
  10. ^ (بالإسبانية: La Mola)
  11. ^ (باللاتينية: Liber maiolichinus de gestis Pisanorum illustribus)
  12. ^ (بالشمالية العتيقة: Sigurðr Jórsalafari)
  13. ^ (بالنرويجية: Grikklands hafi)
  14. ^ (بالشماليّة العتيقة: Morkinskinna)
  15. ^ (بالشماليّة العتيقة: Konungahella)
  16. ^ (باللاتينية: Theodoricus monachus)
  17. ^ (بالشمالية العتيقة: Engilsnes)
  18. ^ (بالآيسلندية: Ágrip af Nóregskonungasögum)
  19. ^ (بالألمانية: Lothar von Supplinburg)
  20. ^ (بالشمالية العتيقة: Kalmarnar leiðangr)
  21. ^ (بالفلمنكية: Eustace Grenier)
  22. ^ (بالشمالية العتيقة: Skáldatal)
  23. ^ (باللاتينية: Historia de antiquitate regum Norwagiensium)
  24. ^ (بالشمالية العتيقة: Konungasögur)
  25. ^ «Morkinskinna» و«Fagrskinna» و«Heimskringla»
  26. ^ (بالشمالية العتيقة: Magnússona saga)
  27. ^ (بالشمالية العتيقة: Konunga ævi)
  28. ^ (باللاتينية: Gesta Regum Anglorum)
  29. ^ (باللاتينية: Historia Ecclesiastica)
  30. ^ (باللاتينية: Chronica Universalis)

المراجع

[عدل]

بِاللُغة العربيَّة

[عدل]

بِلُغاتٍ أوروپيَّة

[عدل]
  1. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 48.
  2. ^ ا ب ج د ه و Riley-Smith (2022), p. 136.
  3. ^ ا ب Musarra (2020), p. 43.
  4. ^ ا ب Jones (2022), p. 137.
  5. ^ Doxey (1996), p. 156-159.
  6. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 44.
  7. ^ ا ب Riley-Smith (2022), p. 134.
  8. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 118.
  9. ^ D'Angelo (2021), p. 45.
  10. ^ D'Angelo (2021), p. 45-46.
  11. ^ ا ب ج د ه D'Angelo (2021), p. 46.
  12. ^ D'Angelo (2021), p. 47.
  13. ^ Runciman (2005), p. 285.
  14. ^ Bridge (2023), p. 117.
  15. ^ Bridge (2023), p. 118.
  16. ^ Bridge (2023), p. 120, 126, 127.
  17. ^ ا ب ج Bridge (2023), p. 127.
  18. ^ Riley-Smith (2022), p. 137.
  19. ^ ا ب Jones (2022), p. 131.
  20. ^ ا ب ج Jones (2022), p. 126.
  21. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 39.
  22. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 40-41.
  23. ^ D'Angelo (2021), p. 41.
  24. ^ Doxey (1996), p. 144.
  25. ^ ا ب ج د ه Jones (2022), p. 127.
  26. ^ ا ب Doxey (1996), p. 159.
  27. ^ di Malmesbury (1998), vol. IV, p. 606-607, chapt. 348.
  28. ^ ا ب ج د ه و ز Doxey (1996), p. 145.
  29. ^ Ágrip (2008), p. 70, chapt. 52.
  30. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 71, chapt. 64.
  31. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 43.
  32. ^ D'Angelo (2021), p. 43-44.
  33. ^ ا ب ج د ه و ز ح Runciman (2005), p. 360.
  34. ^ D'Angelo (2021), p. 49.
  35. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 50.
  36. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 74, chapt. 65.
  37. ^ ا ب Fagrskinna (1985), p. 315, chapt. 86.
  38. ^ ا ب ج د D'Angelo (2021), p. 51.
  39. ^ ا ب ج Jones (2022), p. 128.
  40. ^ ا ب ج د ه و di Malmesbury (1998), vol. V, p. 740, chapt. 410.
  41. ^ D'Angelo (2021), p. 51-52.
  42. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 55.
  43. ^ Morkinskinna (2011), p. 74, chapt. 65.
  44. ^ Magnússona saga (2019), p. 240, chapt. 4.
  45. ^ Jones (2022), p. 128-129.
  46. ^ D'Angelo (2021), p. 56.
  47. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 75, chapt. 65.
  48. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 57.
  49. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 58.
  50. ^ ا ب ج د Jones (2022), p. 129.
  51. ^ ا ب ج Fagrskinna (1985), p. 316, chapt. 86.
  52. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 76-77, chapt. 65.
  53. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 60.
  54. ^ ا ب Magnússona saga (2019), p. 242, chapt. 4.
  55. ^ Morkinskinna (2011), p. 77, chapt. 65.
  56. ^ Morkinskinna (2011), p. 78-79, chapt. 65.
  57. ^ D'Angelo (2021), p. 63.
  58. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 64.
  59. ^ Morkinskinna (2011), p. 79, chapt. 65.
  60. ^ D'Angelo (2021), p. 67.
  61. ^ ا ب ج Magnússona saga (2019), p. 244, chapt. 6.
  62. ^ ا ب ج د ه Jones (2022), p. 130.
  63. ^ Morkinskinna (2011), p. 80-81, chapt. 65.
  64. ^ D'Angelo (2021), p. 65.
  65. ^ D'Angelo (2021), p. 71-72.
  66. ^ D'Angelo (2021), p. 71.
  67. ^ ا ب Doxey (1996), p. 148.
  68. ^ ا ب ج د Doxey (1996), p. 146.
  69. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 81, chapt. 65.
  70. ^ Doxey (1996), p. 147.
  71. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 74.
  72. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 82, chapt. 65.
  73. ^ Magnússona saga (2019), p. 245, chapt. 6.
  74. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 75.
  75. ^ Doxey (1996), p. 151-152.
  76. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 84, chapt. 65.
  77. ^ Morkinskinna (2011), vol. II, p. 85, chapt. 65.
  78. ^ Doxey (1996), p. 147-148.
  79. ^ D'Angelo (2021), p. 76-77.
  80. ^ ا ب ج د ه Doxey (1996), p. 149.
  81. ^ ا ب ج د D'Angelo (2021), p. 83.
  82. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 82.
  83. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 77.
  84. ^ ا ب ج Doxey (1996), p. 150.
  85. ^ Magnússona saga (2019), p. 248, chapt. 9.
  86. ^ Morkinskinna (2011), p. 86, chapt. 65.
  87. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 78.
  88. ^ ا ب Doxey (1996), p. 149-150.
  89. ^ ا ب Weiler (2021), p. 101.
  90. ^ Jones (2022), p. 109.
  91. ^ Cotts (2012), p. 72-73.
  92. ^ D'Angelo (2021), p. 79-80.
  93. ^ D'Angelo (2021), p. 84.
  94. ^ D'Angelo (2021), p. 87.
  95. ^ di Aquisgrana (1998), vol. XI, p. 799-801, chapt. 348.
  96. ^ ا ب Jones (2022), p. 132.
  97. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 87-88.
  98. ^ Fagrskinna (1985), p. 318, chapt. 88.
  99. ^ Morkinskinna (2011), p. 87, chapt. 66.
  100. ^ di Chartres (1985), vol. II, p. 543-546, chapt. 44.
  101. ^ di Tiro (1986), vol. I, p. 517, chapt. 14.
  102. ^ ا ب ج د ه D'Angelo (2021), p. 89.
  103. ^ D'Angelo (2021), p. 88.
  104. ^ di Chartres (1985), vol. II, p. 547, chapt. 44.
  105. ^ Morkinskinna (2011), p. 88, chapt. 66.
  106. ^ ا ب ج د di Aquisgrana (1998), vol. XI, p. 804, chapt. 30 & 31.
  107. ^ D'Angelo (2021), p. 90-91.
  108. ^ ا ب Monaco (2018), p. 124, chapt. 33.
  109. ^ Magnússona saga (2019), p. 250, chapt. 11.
  110. ^ Ágrip (2008), p. 72, chapt. 52.
  111. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 99-100.
  112. ^ D'Angelo (2021), p. 96-97, 128.
  113. ^ D'Angelo (2021), p. 96.
  114. ^ ا ب ج د ه و ز ح Jones (2022), p. 133.
  115. ^ D'Angelo (2021), p. 94.
  116. ^ D'Angelo (2021), p. 100.
  117. ^ di Chartres (1985), vol. II, p. 546-548, chapt. 44.
  118. ^ ا ب ج د D'Angelo (2021), p. 101.
  119. ^ di Aquisgrana (1998), vol. XI, p. 806, chapt. 32.
  120. ^ Jones (2022), p. 133-134.
  121. ^ ا ب ج د ه Jones (2022), p. 134.
  122. ^ Runciman (2005), p. 360-361.
  123. ^ ا ب ج Runciman (2005), p. 361.
  124. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 102.
  125. ^ ا ب ج di Aquisgrana (1998), p. 250-251, chapt. XI.
  126. ^ D'Angelo (2021), p. 104.
  127. ^ Vitale (1986), vol. X, p. 220, chapt. 6.
  128. ^ ا ب ج د ه و D'Angelo (2021), p. 107.
  129. ^ ا ب ج د ه Magnússona saga (2019), p. 252, chapt. 12.
  130. ^ D'Angelo (2021), p. 108.
  131. ^ ا ب Fagrskinna (1985), p. 319, chapt. 90.
  132. ^ Morkinskinna (2011), p. 95, chapt. 68.
  133. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 109.
  134. ^ Magnússona saga (2019), p. 253, chapt. 12.
  135. ^ Morkinskinna (2011), p. 95-96, chapt. 68.
  136. ^ Morkinskinna (2011), p. 96-97, chapt. 69.
  137. ^ D'Angelo (2021), p. 110.
  138. ^ Morkinskinna (2011), p. 98, chapt. 70.
  139. ^ Morkinskinna (2011), p. 69, chapt. 97.
  140. ^ Ágrip (2011), p. 72-74, chapt. 55.
  141. ^ D'Angelo (2021), p. 119.
  142. ^ D'Angelo (2021), p. 119-120.
  143. ^ Magnússona saga (2019), p. 253-254, chapt. 13.
  144. ^ ا ب ج د ه و D'Angelo (2021), p. 124.
  145. ^ ا ب Magnússona saga (2019), p. 254, chapt. 13.
  146. ^ Morkinskinna (2011), p. 99-100, chapt. 70.
  147. ^ D'Angelo (2021), p. 124-125.
  148. ^ ا ب ج د D'Angelo (2021), p. 125.
  149. ^ ا ب Jones (2022), p. 135.
  150. ^ D'Angelo (2021), p. 125-126.
  151. ^ D'Angelo (2021), p. 126.
  152. ^ D'Angelo (2021), p. 126, 128.
  153. ^ Magnússona saga (2019), p. 261-262, chapt. 21.
  154. ^ D'Angelo (2021), p. 128-129.
  155. ^ ا ب D'Angelo (2021), p. 129.
  156. ^ ا ب ج D'Angelo (2021), p. 127.
  157. ^ ا ب Magnússona saga (2019), p. 263, chapt. 24.
  158. ^ Magnússona saga (2019), p. 264, chapt. 24.
  159. ^ D'Angelo (2021), p. 129-130.
  160. ^ ا ب Jones (2022), p. 136.
  161. ^ D'Angelo (2021), p. 131.
  162. ^ ا ب ج د D'Angelo (2021), p. 13.
  163. ^ ا ب ج Doxey (1996), p. 141.
  164. ^ Doxey (1996), p. 143.
  165. ^ ا ب ج د ه و D'Angelo (2021), p. 14.
  166. ^ ا ب Doxey (1996), p. 142.
  167. ^ Doxey (1996), p. 154.
  168. ^ Doxey (1996), p. 156.
  169. ^ Doxey (1996), p. 151.
  170. ^ D'Angelo (2021), p. 14-15.
مواقع الشابكة
  1. ^ Claus Krag (30 Jun 2022). "Sigurd 1. Magnusson Jorsalfare". Store norske leksikon (بالنرويجية). Archived from the original on 2022-01-27. Retrieved 2022-07-12.
  2. ^ Gary B. Doxey (1996). "Norwegian Crusaders and the Balearic Islands"". Scandinavian Studies (بالإنجليزية). Archived from the original on 2016-06-30.
  3. ^ Britannica Editors. "Sigurd I Magnusson". Encyclopedia Britannica (بالإنجليزية). 1 Jan. 2026. Archived from the original on 6 September 2015. Retrieved 27 February 2026. {{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في: |التاريخ= (help)
  4. ^ "blåman sbst". saob.se (بالسويدية). Sweden: Svenska Akademiens ordbok (SAOB). 1917. Retrieved 2024-10-30.
  5. ^ "Blåland". snl.no (بالنرويجية). Store norske leksikon (2005 - 2007). Retrieved 2024-10-30.