السندباد البحري

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

السندباد أو السِّندباد البحري[1] هو شخصية أسطورية من شخصيات ألف ليلة وليلة وهو بحار من بغداد. عاش في فترة الخلافة العباسية، ويقال إن السندباد الحقيقي تاجر بغدادي مقيم في عمان.[2] تعدّ حكاية السندباد البحري واحدة من أشهر حكايات ألف ليلة وليلة التي تدور أحداثها في الوطن العربي . زار السندباد الكثير من الأماكن السحرية والتقى بالكثير من الوحوش أثناء إبحاره في سواحل أفريقيا الشرقية وجنوب آسيا. وقد قام السندباد بـ7 سفرات لقي فيها المصاعب والأهوال واستطاع النجاة منها بصعوبة.

رحلات السندباد السبع[عدل]

الرحلة الأولى (الجزيرة المتحركة والخيول البحرية)[عدل]

وكانت حيث سافر مع بعض التجار واستراحوا في جزيرة أعجبتهم وأشعلوا نارا ليتناولوا طعامهم ولم يدركوا أنها حوت حتى صاح بهم الربان وأخبرهم بأنها ستغوص بهم لأنها أحست بحرارة النار. وأسرع الركاب في الصعود إلى السفينة فمنهم من استطاع النجاة ومنهم من غرق في البحر وكان السندباد ممن لم يستطع الوصول إلى السفينة ولكنه استطاع النجاة عندما تعلق بقطعة خشب. وكان الربان قد غادر بالسفينة ولم يلتفت إلى الذين غرقوا في البحر.

الرحلة الثانية (وادي الألماس)[عدل]

السندباد في وادي الألماس.

وهي عندما تركه طاقم السفينة سهوا في جزيرة ليس فيها أحد من البشر فبدأ يتجول فيها إلى أن رأى قبة كبيرة وعندما اقترب منها تبين له أنها بيضة طائر الرخ الكبير، ففكر السندباد إذا جاء هذا الطائر أن يربط نفسه بساقه لعله يصل إلى جزيرة أخرى وعندما نفذ فكرته وصل إلى وادٍ كبير وعميق مليء بالحيات ثم اكتشف أن ذلك وادٍ به ألماس وجواهر فجمعه وبينما هو بذلك إذ فوجئ بذبيحة سقطت من الأعلى فأسرع وربط نفسه بها إلى أن جاء الطائر وأخذها فوق الوادي وأراد أن ينهشها فأسرع بالذين ألقوها إليه وطردوه وجاءوا ليجمعوا الألماس الذي التصق بالذبيحة فلم يجدوا شيئا وإنما وجدوا السندباد فتعجبوا منه وخافوا فهدأهم وأخبرهم بحكايته وأعطاهم بعض الذي التقطه من الألماس ثم إنه سار يتفرج معهم على الجزيرة ويتنقلون من مدينة إلى مدينة إلى أن وصل إلى مدينة البصرة.

الرحلة الثالثة (الغول الأسود)[عدل]

الغول في الرحلة الثالثة، بواسطة هنري فورد.

غادر السندباد بغداد إلى البصرة فركب بعض الركاب وسافر معهم وسارت بهم المركب من بحر إلى بحر ومن جزيرة إلى أخرى إلى أن أعلمهم القبطان أنهم وصلوا إلى جبل القرود. فاجتمع عدد كبير منهم وأحاطوا بهم وأخذوا سفينتهم ومتاعهم وتركوهم على اليابسة. ثم دخل السندباد ورفاقه بيتا في وسط الجزيرة وناموا فيها إلى أن دخل عليهم شخص عظيم الخلقة في صفة إنسان أسود وطويل فأمسك واحداً منهم وصار يقلبه ثم تركه وأخذ آخر وهكذا إلى أن أعجبه واحد فذبحه وأكله فارتعب السندباد ورفاقه وقالوا لو غرقنا أو قتلتنا القردة لكان أفضل من هذه القتلة. ثم إنهم فكروا في حل لهذه المشكلة واستطاعوا أن يطمسوا عيناه ويهربوا بفلك صنعوه ولكنه أحضر أنثى مثله وصاروا يرجمونهم بالحجارة إلى أن مات أكثرهم وبقي مع السندباد شخصان فوصلوا إلى جزيرة فناموا وبعد أن استيقظوا وجدوا ثعبانا ضخما فابتلع واحدا منهم وراح إلى حال سبيله ثم عاد إليهم وأكل الشخص الآخر الذي مع السندباد. واستطاع السندباد أن يفلت من الثعبان عندما لف حوله الخشب فلم يستطع الثعبان أن يأكله فسار السندباد إلى آخر الجزيرة فلمح مركبا فأشار إليه فأخذوه معهم وكانت هذه السفينة هي التي تركها في السفرة الثانية فعاد بها إلى بغداد.

الرحلة الرابعة (السندباد يدفن حيا)[عدل]

الرحلة الرابعة

(السندباد يدفن حيا)

الحكاية الرابعة من حكايات السندباد البحري وهي السفرة الرابعة قال السندباد البحري: اعلموا يا إخواني أني لما عدت إلى مدينة بغداد واجتمعت على أصحابي وأحبابي وصرت في أعظم ما يكون من الهناء والسرور والراحة، وقد نسيت ما كنت فيه لكثرة الفوائد وغرقت في اللهو والطرب ومجالسة الأحباب والأصحاب وأنا في ألذ ما يكون من العيش، فحدثتني نفسي الخبيثة بالسفر إلى بلاد الناس وقد اشتقت إلى مصاحبة الأجناس والبيع والمكاسب، فهممت في ذلك الأمر واشتريت بضاعة نفيسة تناسب البحر وحزمت حمولاً كثيرة زيادة عن العادة وسافرت من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة ونزلت حمولتي في المركب واصطحبت بجماعة من أكابر البصرة وقد توجهنا إلى السفر وسافر بنا المركب على بركة الله تعالى في البحر العجاج المتلاطم بالأمواج وطاب لنا السفر ولم نزل على هذه الحالة مدة ليالي وأيام من جزيرة إلى جزيرة ومن بحر إلى بحر. إلى أن خرجت علينا ريح مختلفة يوماً من الأيام، فرمى الريس مراسي المركب وأوقفه في وسط البحر خوفاً عليه من الغرق.

فبينما نحن على هذه الحالة ندعو ونتضرع إلى الله تعالى إذ خرج علينا ريح عاصف شديد مزق القلع وقطعه قطعاً وغرق الناس وجميع حمولهم وما معهم من المتاع والأموال وغرقت أنا بجملة من غرق. وعمت في البحر نصف نهار وقد تخليت عن نفسي فيسر الله تعالى لي قطعة لوح خشب من ألواح المركب فركبتها أنا وجماعة من التجار.

اجتمعنا على بعضنا ولم نزل راكبين على ذلك اللوح ونرفس بأرجلنا في البحر والأمواج والريح تساعدنا. فمكثنا على هذه الحالة يوماً وليلة.

فلما كان ثاني يوم ضحوة نهار، ثار علينا ريح وهاج البحر وقوي الموج والريح فرمانا الماء على جزيرة ونحن مثل الموتى من شدة السهر والتعب والبرد والجوع والخوف والعطش، وقد مشينا في جوانب تلك الجزيرة فوجدنا فيها نباتاً كثيراً. فأكلنا منه شيئاً يسد رمقنا ويقيتنا. وبتنا تلك الليلة على جانب الجزيرة.

فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح قمنا ومشينا في الجزيرة يميناً وشمالاً فلاح لنا عمارة على بعد فسرنا في تلك الجزيرة قاصدين تلك العمارة التي رأيناها من بعد ولم نزل سائرين إلى أن وقفنا على بابها. فبينما نحن واقفون هناك إذ خرج علينا من ذلك الباب جماعة عراة ولم يكلمونا وقد قبضوا علينا وأخذونا عند ملكهم فأمرنا بالجلوس فجلسنا وقد أحضروا لنا طعاماً لم نعرفه ولا في عمرنا رأينا مثله فلم تقبله نفسي ولم آكل منه شيئاً دون رفقتي، وكان قلة أكلي منه لطفاً من الله تعالى حتى عشت إلى الآن. فلما أكل أصحابي من ذلك الطعام ذهلت عقولهم وصاروا يأكلون مثل المجانين وتغيرت أحوالهم وبعد ذلك أحضروا لهم دهن النارجيل فسقوهم منه ودهنوهم منه فلما شرب أصحابي من ذلك الدهن زاغت أعينهم من وجوههم وصاروا يأكلون من ذلك الطعام بخلاف أكلهم المعتاد فعند ذلك احترت في أمرهم وصرت أتأسف عليهم وقد صار عندي هم عظيم من شدة الخوف على نفسي من هؤلاء العرايا وقد تأملتهم فإذا هم قوم مجوس وملك مدينتهم غول وكل من وصل إلى بلادهم أو رأوه في الوادي أو الطرقات يجيئون به إلى ملكهم، ويطعمونه من ذلك الطعام ويدهنونه بذلك الدهن فيتسع جوفه لأجل أن يأكل كثيراً ويذهل عقله وتنطمس فكرته ويصير مثل الإبل فيزيدون له الأكل والشرب من ذلك الطعام والدهن حتى يسمن ويغلظ فيذبحونه ويشوونه ويطعمونه لملكهم. وأما أصحاب الملك فيأكلون من لحم الإنسان بلا شوي ولا طبخ.

فلما نظرت منهم ذلك الأمر صرت في غاية الكرب على نفسي وعلى أصحابي، وقد صار أصحابي من فرط ما دهشت عقولهم لا يعلمون ما يفعل بهم وقد سلموهم إلى شخص، فصار يأخذهم كل يوم ويخرج يرعاهم في تلك الجزيرة مثل البهائم وأما أنا فقد صرت من شدة الخوف والجوع ضعيفاً سقيم الجسم وصار لحمي يابساً على عظمي.

فلما رأوني على هذه الحالة تركوني ونسوني ولم يتذكرني منهم أحد ولا خطرت لهم على بال إلى أن تحيلت يوماً من الأيام وخرجت من ذلك المكان ومشيت في تلك الجزيرة، ولم أزل سائراً حتى طلع النهار وأصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وطلعت الشمس على رؤوس الروابي والبطاح وقد تعبت وجعت وعطشت، فصرت آكل من الحشيش والنبات الذي في الجزيرة، ولم أزل آكل من ذلك النبات حتى شبعت وانسد رمقي وبعد ذلك قمت ومشيت في الجزيرة، ولم أزل على هذه الحالة طول النهار والليل وكلما أجوع آكل من النبات ولم أزل على هذه الحالة مدة سبعة أيام بلياليها.

فلما كانت صبيحة اليوم الثامن لاحت مني نظرة فرأيت شبحاً من بعيد فسرت إليه ولم أزل سائراً إلى أن حصلته بعد غروب الشمس فحققت النظر فيه بعد وأنا بعيد عنه وقلبي خائف من الذي قاسيته أولاً وثانياً، وإذا هم جماعة يجمعون حب الفلفل فلما قربت منهم ونظروني تسارعوا إلي وجاءوا عندي وقد أحاطوني من كل جانب وقالوا لي من أنت ومن أين أقبلت فقلت لهم اعلموا يا جماعة أني رجل غريب مسكين وأخبرتهم بجميع ما كان من أمري وما جرى لي من الأهوال والشدائد وما قاسيته.

فقالوا والله هذا أمر عجيب ولكن كيف خلاصتك من السودان وكيف مرورك عليهم في هذه الجزيرة وهم خلق كثيرون ويأكلون الناس ولا يسلم منهم أحد ولا يقدر أن يجوز عليهم أحد. فأخبرتهم بما جرى لي معهم وكيف أخذوا أصحابي وأطعموهم الطعام ولم آكل منه فهنوني بالسلامة وصاروا يتعجبون مما جرى لي، ثم أجلسوني عندهم حتى فرغوا من شغلهم وأتوني بشيء من الطعام فأكلت منه وكنت جائعاً، وارتحت عندهم ساعة من الزمان.

وبعد ذلك، أخذوني ونزلوا بي في مركب وجاؤوا إلى جزيرتهم ومساكنهم وقد عرضوني على ملكهم فسلمت عليه ورحب بي وأكرمني وسألني عن حالي فأخبرته بما كان من أمري. وما جرى لي وما اتفق لي من يوم خروجي من مدينة بغداد إلى حين وصلت إليه، فتعجب ملكهم من قصتي غاية العجب هو ومن كان حاضراً في مجلسه ثم إنه أمرني بالجلوس عنده فجلست وأمر بإحضار الطعام فأحضروه فأكلت منه على قدر كفايتي وغسلت يدي وشكرت فضل الله تعالى وحمدته وأثنيت عليه.

ثم إني قمت من عند ملكهم وتفرجت في مدينته فإذا هي مدينة عامرة كثيرة الأهل والمال. كثيرة الطعام والأسواق والبضائع والبائعين والمشترين، ففرحت بوصولي إلى تلك المدينة، وارتاح خاطري واستأنست بأهلها وصرت عندهم وعند ملكهم معززاً مكرماً، زيادة عن أهل مملكته من عظماء مدينته ورأيت جميع أكابرها وأصاغرها يركبون الخيل الجياد الملاح من غير سروج فتعجبت من ذلك.

ثم إني قلت للملك لأي شيء يا مولاي لم تركب على سرج فإن فيه راحة للراكب وزيادة قوة فقال لي: كيف يكون السرج هذا شيء عمرنا ما رأيناه ولا ركبنا عليه فقلت له: هل لك أن تأذي أن أصنع لك سرجاً تركب عليه وتنظر حظه، فقال لي افعل فقلت له أحضر لي شيئاً من الخشب فأمر لي بإحضار جميع ما طلبته.

فعند ذلك طلبت نجاراً شاطراً وجلست عنده وعلمته صنعة السرج وكيف يعمله ثم إني أخذت صوفاً ونقشته وصنعت منه لبداً وأحضرت جلداً وألبسته السرج وصقلته ثم إني ركبت سيوره وشددت شريحته، وبعد ذلك أحضرت الحداد ووصفت له كيفية الركاب فدق ركاباً عظيماً وبردته وبيضته بالقصدير ثم إني شددت له أهداباً من الحرير وبعد ذلك قمت وجئت بحصان من خيار خيول الملك، وشددت عليه السرج، وعلقت فيه الركاب وألجمته بلجام وقدمته إلى الملك فأعجبه ولاق بخاطره وشكرني وركب عليه، وقد حصل له فرح شديد بذلك السرج وأعطاني شيئاً كثيراً في نظير عملي له.

فلما نظرني وزيره عملت ذلك السرج، طلب مني واحداً مثله فعملت له سرجاً مثله وقد صار أكابر الدولة وأصحاب المناصب يطلبون مني السروج فأفعل لهم وعلمت النجار صنعة السرج والحداد صنعة الركاب، وصرنا نعمل السروج والركابات ونبيعها للأكابر والمخاديم، وقد جمعت من ذلك مالاً كثيراً وصار لي عندهم مقاماً كبيراً، وأحبوني محبة زائدة، وبقيت صاحب منزلة عالية عند الملك وجماعته، وعند أكابر البلد وأرباب الدولة، إلى أن جلست يوماً من الأيام عند الملك وأنا في غاية السرور والعز.

فبينما أنا جالس قال لي الملك اعلم يا هذا أنك صرت معزوزاً مكرماً عندنا وواحداً منا، ولا نقدر على مفارقتك، ولا نستطيع خروجك من مدينتنا ومقصودي منك شيء تطيعني فيه ولا ترد قولي، فقلت له: وما الذي تريد أيها الملك فإني لا أرد قولك لأنه صار لك فضل وجميل وإحسان علي والحمد لله أنا صرت من بعض خدامك، فقال أريد أن أزوجك عندنا زوجة حسنة مليحة ظريفة صاحبة مال وجمال، وتصير مستوطناً عندنا وأسكنك عندي في قصري فلا تخالفني ولا ترد كلامي.

فلما سمعت كلام الملك استحييت منه وسكت ولم أرد عليه جواباً من كثرة الحياء فقال لي لما لا ترد علي يا ولدي! فقلت يا سيدي الأمر أمرك يا ملك الزمان، فأرسل من وقته وساعته وأحضر القاضي والشهود وزوجني في ذلك الوقت بامرأة شريفة القدر، عالية النسب كثيرة المال والنوال عظيمة الأصل بديعة الجمال والحسن صاحبة أماكن وأملاك وعقارات.

ثم إنه أعطاني بيتاً عظيماً مليحاً بمفرده وأعطاني خداماً وحشماً ورتب له جرايات وجوامك وصرت في غاية الراحة والبسط والانشراح، ونسيت جميع ما حصل لي من التعب والمشقة والشدة وقلت في نفسي، إذا سافرت إلى بلادي آخذها معي، وكل شيء مقدر على الإنسان لابد منه ولم يعلم بما يجري له، وقد أحببتها وأحبتني محبة عظيمة ووقع الوفاق بيني وبينها وقد أقمنا في ألذ عيش وأرغد مورد، ولم نزل على هذه الحالة مدة من الزمن، فأفقد الله زوجة جاري وكان صاحباً لي فدخلت إليه لأعزيه في زوجته فرأيته في أسوأ حال وهو مهموم تعبان السر والخاطر فعند ذلك عزيته وسليته وقلت له لا تحزن على زوجتك الله يعوضك خيراً منها ويكون عمرك طويلاً إن شاء الله تعالى فبكى بكاء شديداً وقال يا صاحبي: كيف أتزوج بغيرها أو كيف يعوضني الله خيراً منها وأنا بقي من عمري يوم واحد فقلت له يا أخي ارجع لعقلك ولا تبشر على روحك بالموت فإنك طيب بخير وعافية، فقال لي يا صاحبي وحياتك في غد تعدمني وما بقيت عمرك تنظرني، فقلت له وكيف ذلك؟ فقال لي في هذا النهار يدفنون زوجتي ويدفنوني معها في القبر فإنها عادتنا في بلادنا، إذا ماتت المرأة يدفنون معها زوجها بالحياة، وإن مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحياة حتى لا يتلذذ أحد منهم بالحياة بعد رفيقه. فقلت له بالله إن هذه العادة رديئة جداً وما يقدر عليها أحد، فبينما نحن في ذلك الحديث وإذا بغالب أهل المدينة قد حضروا وصاروا يعزون صاحبي في زوجته وفي نفسه وقد شرعوا في تجهيزها على جري عادتهم، فأحضروا تابوتاً وحملوا فيه المرأة وذلك الرجل معهم وخرجوا بهما إلى خارج المدينة وأتوا إلى مكان في جانب الجبل على البحر وتقدموا إلى مكان ورفعوا عنه حجراً كبيراً، فبان من تحت ذلك الحجر خرزة من الحجر مثل خرزة البئر فرموا تلك المرأة فيها وإذا هو جب كبير تحت الجبل، ثم إنهم جاؤوا بذلك الرجل وربطوه تحت صدره في سلبة، وأنزلوه في ذلك الجب وأنزلوا عنده كوز ماء عذب كبير وسبعة أرغفة من الزاد ولما أنزلوه فك نفسه من السلبة فسحبوا السلبة وغطوا فم البئر بذلك الحجر الكبير مثل ما كان وانصرفوا إلى حال سبيلهم وتركوا صاحبي عند زوجته، فقلت في نفسي والله إن هذا الموت أصعب منالموت الأول، ثم إني جئت عند ملكهم وقلت له يا سيدي كيف تدفنون الحي مع الميت في بلادكم.

فقال لي اعلم أن هذه عادتنا في بلادنا إذا مات الرجل ندفن معه زوجته وإذا ماتت المرأة ندفن معها زوجها بالحياة حتى لا نفرق بينهما في الحياة ولا في الممات وهذه العادة عن أجدادنا، فقلت يا ملك الزمان وكذا الرجل الغريب مثلي إذا ماتت زوجته عندكم تفعلون به مثل ما فعلتم بهذا، فقال لي نعم ندفنه معها ونفعل به كما رأيت.

فلما سمعت ذلك الكلام منه انشقت مرارتي من شدة الغم والحزن على نفسي وذهل عقلي وصرت خائفاً أن تموت زوجتي قبلي فيدفنوني معها وأنا بالحياة، ثم إني سليت نفسي لعلي أموت أنا قبلها ولم يعلم أحد السابق من اللاحق وصرت أتلاهى في بعض الأمور. فما مضت مدة يسيرة بعد ذلك حتى مرضت زوجتي وقد مكثت أياماً قلائل وماتت.

فاجتمع غالب الناس يعزونني ويعزون أهلها فيها وقد جاءني الملك يعزيني فيها على جري عادتهم، ثم إنهم جاؤوا لها بغاسلة فغسلوها وألبسوها أفخر ما عندها من الثياب والمصاغ والقلائد والجواهر من المعادن. فلما ألبسوا زوجتي وحطوها في التابوت وحملوها وراحوا بها إلى ذلك الجبل، ورفعوا الحجر عن فم الجب وألقوها فيه وأقبل جميع أصحابي وأهل زوجتي يودعونني في روحي وأنا أصيح بينهم أنا رجل غريب وليس لي صبر على عادتكم، وهم لا يسمعون قولي ولا يلتفتون إلى كلامي. ثم إنهم أمسكوني وربطوني بالغضب وربطوا معي سبعة أقراص من الخبز وماء عذب على جري عادتهم، وأنزلوني في ذلك البئر فإذا هو مغارة كبيرة تحت ذلك الجبل، وقالوا لي فك نفسك من الحبال فلم أرض أن أفك نفسي فرموا علي الحبال ثم غطوا فم المغارة بذلك الحجر الكبير الذي كان عليها وراحوا إلى حال سبيلهم.

وأما أنا فإني رأيت في تلك المغارة أمواتاً كثيرة ورائحتها منتنة كريهة، فلمت نفسي على فعلتي وقلت: والله إني أستحق جميع ما يجري لي وما يقع لي، ثم إني صرت لا أعرف الليل من النهار، وصرت أتقوت باليسير ولا آكل حتى يكاد أن يقطعني الجوع ولا أشرب حتى يشتد بي العطش وأنا خائف أن يفرغ ما عندي من الزاد والماء، وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أي شيء بلاني بالزواج في هذه المدينة، وكلما أقول خرجت من مصيبة أقع في مصيبة أقوى منها، والله إن هذا الموت موت مشؤوم، يا ليتني غرقت في البحر أو مت في الجبال كان أحسن لي من هذا الموت الرديء، ولم أزل على هذه الحالة ألوم نفسي ونمت على عظام الأموات واستعنت بالله حتى أحرق قلبي الجوع وألهبني العطش فقعدت وحسست على الخبز وأكلت منه شيئاً قليلاً وتجرعت عليه شيئاً قليلاً من الماء. ثم إني قمت ووقفت على حيلي وصرت أمشي في جانب تلك المغارة فرأيتها متسعة الجوانب خالية البطون ولكن في أرضها أموات كثيرة وعظام رميمة من قديم الزمان فعند ذلك عملت لي مكاناً في جانب المغارة بعيداً عن الموتى الطريين وصرت أنام فيه وقد قل زادي وما بقي معي إلا شيء يسير وقد كنت آكل في كل يوم أو أكثر أكلة وأشرب شربة خوفاً من فراغ الماء والزاد من عندي قبل موتي، ولم أزل على هذه الحالة إلى أن جلست يوماً من الأيام فبينما أنا جالس متفكر في نفسي كيف أفعل إذا فرغ زادي والماء من عندي، وإذا بالصرة قد تزحزحت من مكانها ونزل منه النور عندي فقلت يا ترى ما الخبر، وإذا بالقوم واقفون على رأس البئر وقد أنزلوا رجلاً ميتاً وامرأة معه بالحياة وهي تبكي وتصيح على نفسها، وقد أنزلوا عندها شيئاً كثيراً من الزاد والماء، فصرت انظر المرأة وهي لم تنظرني وقد غطوا فم البئر بالحجر وانصرفوا إلى حال سبيلهم.

فقمت أنا وأخذت في يدي قصبة رجل ميت وجئت إلى المرأة وضربتها في وسط رأسها فوقعت على الأرض مغشياً عليها فضربتها ثانياً وثالثاً فماتت فأخذت خبزها وما معها ورأيت عليها شيئاً كثيراً من الحلي والحلل والقلائد والجواهر والمعادن ثم إني أخذت الماء والزاد الذي مع المرأة وقعدت في الموضع الذي كنت عملته في جانب المغارة لأنام فيه وصرت آكل من ذلك الزاد شيئاً قليلاً على قدر ما يقوتني حتى لا يفرغ بسرعة، فأموت من الجوع والعطش وأقمت في تلك المغارة مدة من الزمان وأنا كل من دفنوه أقتل من دفن معه بالحياة وآخذ أكله وشربه أتقوت به، إلى أن كنت نائماً يوماً من الأيام فاستيقظت من منامي وسمعت شيئاً يكركب في جانب المغارة فقلت ما يكون هذا ثم إني قمت ومشيت نحوه ومعي قصبة رجل ميت فلما أحس بي فر وهرب مني فإذا هو وحش فتبعته إلى صدر المغارة فبان لي نور من مكان صغير مثل النجمة تارة يبين لي وتارة يخفى عني.

فلما نظرته قصدت نحوه وبقيت كلما أتقرب منه يظهر لي نور منه ويتسع فعند ذلك تحققت أنه خرق في تلك المغارة ينفذ للخلاء فقلت في نفسي لابد أن يكون لهذا المكان حركة، إما أن يكون مدفناً ثانياً مثل الذي نزلوني منه وإما أن يكون تخريق من هذا المكان ثم إني تفكرت في نفسي ساعة من الزمان ومشيت إلى ناحية النور وإذا به ثقب في ظهر الجبل من الوحوش ثقبوه وصاروا يدخلون منه إلى هذا المكان ويأكلون الموتى حتى يشبعون ويطلعون من ذلك الثقب فلما رأيته هدأت واطمأنت نفسي وارتاح قلبي وأيقنت بالحياة بعد الممات وصرت كأني في المنام ثم إني عالجت حتى طلعت من ذلك الثقب فرأيت نفسي على جانب البحر المالح فوق جبل عظيم وهو قاطع بين البحرين وبين الجزيرة والمدينة ولا يستطيع أحد الوصول إليه فحمدت الله تعالى وشكرته وفرحت فرحاً عظيماً وقوي قلبي.

ثم إني بعد ذلك رجعت من الثقب إلى المغارة ونقلت جميع ما فليها من الزاد والماء الذي كنت وفرته ثم إني أخذت من ثياب الأموات ولبست شيئاً منها غير الذي كان علي، وأخذت مما عليهم شيئاً كثيراً من أنواع العقود والجواهر وقلائد اللؤلؤ والمصاغ من الفضة والذهب المرصع بأنواع المعادن والتحف وربطته في ثياب الموتى وطلعتها من الثقب إلى ظهر الجبل ووقفت على جانب البحر وبقيت في كل يوم أنزل المغارة وأطلع وكل من دفنوه آخذ زاده وماؤه وأقتله سواء كان ذكراً أو أنثى، وأطلع من ذلك الثقب فأجلس على جانب البحر لأنتظر الفرج من الله تعالى وإذا بمركب يجوز علي وصرت أنقل من تلك المغارة كل شيء رأيته من المصاغ وأربطه في ثياب الموتى، ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان.

فبينما أنا جالس يوماً من الأيام على جانب البحر وأنا متفكر في أمري وإذا بمركب سائر في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج فأخذت في يدي ثوباً أبيض من ثياب الموتى وربطته في عكاز وجريت به على شاطئ البحر وصرت أشير إليهم بذلك الثوب حتى لاحت منهم التفاتة فرأوني وأنا في رأس الجبل، فجاؤوا إلي وسمعوا صوتي وأرسلوا إلي زورقاً من عندهم وفيه جماعة من المركب ولم نزل مسافرين من جزيرة إلى جزيرة، ومن بحر إلى بحر، وأنا أرجو النجاة، وصرت فرحاناً بسلامتي وكلما أتفكر قعودي في المغارة مع زوجتي يغيب عقلي.

وقد وصلنا بقدرة الله تعالى مع السلامة إلى مدينة البصرة فطلعت إليها وأقمت فيها أياماً قلائل، وبعدها جئت إلى مدينة بغداد فجئت إلى حارتي ودخلت داري وقابلت أهلي وأصحابي وسألت عنهم ففرحوا بسلامتي وهنوني وقد خزنت جميع ما كان معي من الأمتعة في حواصلي وتصدقت ووهبت وكسوت الأيتام والأرامل، وصرت في غاية البسط والسرور وقد عدت لما كنت عليه من المعاشرة والمرافقة ومصاحبة الإخوان واللهو والطرب، وهذا أعجب ما صار لي في السفرة الرابعة ولكن يا أخي تعش عندي وخذ عادتك وفي غد تجيء عندي فأخبرك بما كان لي وما جرى لي في السفرة الخامسة فإنها أعجب وأغرب مما سبق، ثم أمر له بمائة مثقال ذهب ومد السماط وتعشى الجماعة وانصرفوا إلى حال سبيلهم وهم متعجبون غاية العجب، وكل حكاية أعظم من التي قبلها.

وقد راح السندباد الحمال إلى منزله وبات في غاية البسط والانشراح وهو متعجب، ولما أصبح الصباح وأضاء نوره ولاح، قام السندباد البري وصلى الصبح وتمشى إلى أن دخل دار السندباد البحري وصبح عليه. فرحب به وأمره بالجلوس عنده حتى جاءه بقية أصحابه فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ودارت بينهم المحادثات فابتدأ السندباد البحري بالكلام.

الرحلة الخامسة

(شيخ البحر)

الرحلة الخامسة (شيخ البحر)[عدل]

{وع فارغ|تاريخ=أكتوبر 2016}}

السندباد خلال الرحلة البحرية السادسة

الرحلة السادسة (مقبرة الافيال)[عدل]

"القافلة" من "رحلة السندباد السابعة والأخيرة."

المراجع[عدل]

  1. ^ موسوعة شبكة المعرفة الريفية نسخة محفوظة 07 مارس 2014 على موقع واي باك مشين.
  2. ^ د.عبد الرحمن عبد الكريم العاني، تاريخ عمان الإسلامي، مطبعة العاني، بغداد، 1985، "أطروحة دكتوراه" ص 23

انظر أيضاً[عدل]

وصلات خارجية[عدل]