هذه المقالة يتيمة. ساعد بإضافة وصلة إليها في مقالة متعلقة بها

الطبيعة مقابل التنشئة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

يتضمّن جدال الطبيعة مقابل التنشئة ما إذا كان السلوك البشري يتحدّد بواسطة البيئة، سواء قبل ولادة الشخص أو أثناء حياته، أو عن طريق جينات الشخص. استُخدِمَ تعبير "الطبيعة والتنشئة" باللغة الإنجليزية منذ العصر الإليزابيثي على الأقل، [1] ويعود حتّى فرنسا العصور الوسطى.[1]

الجمع بين هذين المفهومين قديم (في اليونانية: ἁπό φύσεως καὶ εὐτροφίας).[2] الطبيعة هي ما نعتقد أنه ثابت ومُرتَبِط بالوراثة الجينية وعوامل بيولوجية أخرى، بينما تؤخذ التنشئة بشكل عام على أنها تأثير العوامل الخارجية بعد الحمل؛ كنتيجة للتعرض والخبرة والتعلم على الفرد.[3]

عَمَّمَ هذه العبارة بمعناها الحديث الفيكتوري الإنجليزي واسع الثقافة فرانسيس غالتون، وهو المؤسس الحديث لتحسين النسل وعلم الوراثة السلوكي، حيث ناقش تأثير الوراثة والبيئة على التقدّم الاجتماعي.[4] تأثر غالتون بكتاب أصل الأنواع الذي كتبه قريبه تشارلز داروين.

أُطلِقَ جون لوك على الفكرة القائلة بأنّ البشر يكتسبون جميع صفاتهم السلوكية من "التنشئة" تسمية الصفحة البيضاء أو اللوح الفارغ في عام 1690. تفترض فكرة الصفحة البيضاء في علم النفس التنموي البشري أنّ سمات السلوك البشري تتطور بشكل حصري تقريبًا نتيجةً للتأثيرات البيئية؛ كانت هذه الفكرة سائدة خلال جزء كبير من القرن العشرين. إن الجدل الدائر بين إنكار "الصفحة البيضاء" لتأثير الوراثة، والرأي الذي يعترف بالسمات البيئية والوراثية، كان غالبًا ما يُطرَح في سياق جدال الطبيعة مقابل التنشئة. كان هذان النهجان المتعارضان حول تطور البشر في قلب نزاع أيديولوجي حول الأجندات البحثية طوال النصف الثاني من القرن العشرين. اعتُبِرَت مساهمة كلا العوامل الطبيعية والبيئية آراءً ساذجةً أو عفا عليها الزمن من قبل معظم علماء التطور الإنساني بحلول عام 2000.[5][6][7]

يُقال إن الانقسام القوي للطبيعة مقابل التنشئة ذو أهمية محدودة في بعض المجالات البحثية. يبدو وجود حلقات من ردود الفعل المتبادلة بين الطبيعة والتنشئة؛ كما يظهر في التدجين أو الاستئناس الذاتي. يعتقد الباحثون في علم البيئة وعلم الوراثة السلوكي أن التنشئة لها تأثير أساسي على الطبيعة.[8][9] على نحو مماثل في الحقول الأخرى، يصبح الخط الفاصل بين السمات الموروثة والسمات المكتسبة غير واضح كما هو الحال في علم التخلق [10] والتطور الجنيني.[11][12]

تاريخ النزاع[عدل]

غالبًا ما يُشار إلى مقال جون لوك حول الفهم الإنساني (1690) باعتباره المستند التأسيسي لفكرة الصفحة البيضاء، حيث انتقد لوك ادعاء رينيه ديكارت بالأفكار الفطرية الشاملة للبشرية حول الإله. تعرض لوك لانتقادات قاسية في زمنه، إذ ادّعى انتوني آشلي كوبر أنّ لوك ألقى بكل النظام والفضيلة خارج العالم عبر رفضه لإمكانية وجود أي أفكار فطرية، وهذا أدّى إلى النسبية الأخلاقية. لم تكن أفكار لوك سائدة في القرن التاسع عشر الذي كانت أفكاره تميل إلى التركيز على "الغريزة". أشار كل من ليدا كوزميدس وجون توبي إلى ادّعاء ويليام جيمس (1842-1910) بامتلاك البشر غرائز أكثر من الحيوانات، وأنّ حرية التصرف الأكبر هي نتيجة وجود غرائز نفسية أكثر ليس أقل.[13]

كانت مسألة "الأفكار الفطرية" أو "الغرائز" ذات أهمية في مناقشة الإرادة الحرة في الفلسفة الأخلاقية. اعتبرت فلسفة القرن الثامن عشر "الأفكار الفطرية" التي تثبت وجود فضيلة عالمية شرطًا أساسيًا للأخلاق الموضوعية. انقلبت هذه الحجة في القرن العشرين بطريقة ما، إذ جادل بعض الفلاسفة بأن الأصول التطورية للسمات السلوكية البشرية تجبرنا على الاعتراف بأنه لا يوجد أساس للأخلاقيات (جون ليزلي ماكي)، بينما يتعامل الآخرون مع الأخلاقيات باعتبارها مجالًا معزولًا بشكل كامل عن الاعتبارات التطورية (توماس ناجل).[14]

حظي دور البيئة في أوائل القرن العشرين باهتمام متزايد كرد فعل للتركيز القوي على الوراثة الخالصة في أعقاب النجاح الفائق لنظرية التطور لداروين.[15]

تطورت العلوم الاجتماعية خلال هذا الوقت باعتبارها مشروعًا يدرس تأثير الثقافة بمعزل تام عن المسائل المتعلقة بعلم الأحياء. أسس كتاب فرانز بواس بعنوان عقل الإنسان البدائي (1911) برنامجًا هيمن على الأنثروبولوجيا الأمريكية على مدار الخمسة عشر عامًا التالية. أثبت في هذه الدراسة أنّه في مجتمع معين ما، تكون البيولوجيا واللغة والثقافة المادية والرمزية مستقلة، وأنّ كلًا منها مهمٌ بنفس القدر للطبيعة البشرية، ولا يمكن اختزال دور أي من هذه الأبعاد. تهدف الدراسات التوأم كتصميم بحثي إلى استبعاد جميع العوامل المشوشة المعتمدة على الصفات السلوكية الموروثة.[16] حيث جرى تصميم هذه الدراسات لتحليل اختلاف سمة معينة ما في مجتمع معين بين المكون الوراثي والبيئي.

أسس جون ب. واتسون في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي مدرسة السلوكية الخالصة التي ستصبح مهيمنة على مدار العقود التالية. يقال إن واتسون غالبًا ما كان مقتنعًا بالهيمنة الكاملة للتأثير الثقافي على أي شيء يمكن أن تسهم به الوراثة. كان آشلي مونتاجو خلال الأربعينيات إلى الستينيات من القرن الماضي من المؤيدين البارزين لهذا الشكل النقي للسلوكية الذي لا يسمح بدور أي وراثة من أي نوع.

اقترح كالفن هول[17] في عام 1951 أن الانقسام المتعلق الطبيعة والتنشئة غير مجدي في النهاية.

أيّد روبرت آدري في الستينيات السمات الفطرية للطبيعة البشرية في كتاب الأصل الإفريقي (1961) الذائع الصيت وكتاب الحتميات الإقليمية. أعرب ديزموند موريس في القرد العاري (1967) عن وجهات نظر مماثلة. بدأت المعارضة المنظمة لفكرة مونتاجو حول دور التنشئة النقي بالانتعاش في سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما بقيادة إدوارد أوسبورن ويلسون في كتابه عن الطبيعة البشرية (1979). أثبتت الدراسات التوأمية دور كبير للمركب الوراثي في كثير من الحالات، لكنها لم تُشَر بأي شكل من الأشكال إلى مساهمة ساحقة للعوامل الوراثية، إذ تراوح دور الوراثة عادةً ما بين 40٪ إلى 50٪، وبذلك لم تمحِ الجدل المتعلق بالسلوكية الخالصة مقابل الفطرية الخالصة. استُبدِلَت السلوكية الخالصة تدريجيًا بالرأي السائد حاليًا، وهو الاعتقاد بأنّ كلا النوعين من العوامل يسهمان عادةً في صفة معينة ما، وقد صاغ دونالد هب ذلك بالإجابة على السؤال «أيُّهما، الطبيعة أم التنشئة، يساهم بشكل أكبر في الشخصية؟» من خلال طرح سؤال، «ما الذي يساهم أكثر في مساحة المستطيل أو طوله أم عرضه؟»[18] كذلك قام عالم الأنثروبولوجيا دونالد براون في الثمانينيات باستطلاع مئات الدراسات الأنثروبولوجية من جميع أنحاء العالم وحصد مجموعة من المسلمات الثقافية. حدّد نحو150 سمة، ووصل إلى وجود "طبيعة إنسانية عالمية" بالفعل، وأنّ هذه السمات تشير إلى ماهية تلك الطبيعة البشرية العالمية.[19]

كان الجدل في أوجه شديد الأدلجة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ينتقد ريتشارد ليونتين وستيفن روز وليون كامين في كتاب ليس في جيناتنا (1984) "الحتمية الجينية" من إطار ماركسي، مُدّعين أنّ «العلم هو المُشَرَّع النهائي للإيديولوجية البرجوازية ... إذا كانت بيولوجية الحتمية سلاحًا في الصراع بين الطبقات، ستصبح الجامعات عبارة عن مصانع للأسلحة، وكليات التدريس والبحث هي المهندسين والمصممين وعمال الإنتاج.» وهكذا تحوّل النقاش عمّا إذا كانت السمات الوراثية موجودة إلى ما إذا كان من المسموح سياسيًا أو أخلاقيًا الاعتراف بوجودها. أنكر المؤلفون ذلك مطالبين بإلغاء الميول التطورية في المناقشات الأخلاقية والسياسية بغض النظر عمّا إذا كانت موجودة أم لا.[20]

أصبحت دراسات الوراثة فيما بعد أسهل وأكثر، وبحلول أواخر التسعينيات من القرن الماضي، تراكمت كمية هائلة من الأدلة التي وصلت إلى حد دحض الأشكال المتطرفة للتنشئة الخالصة التي دعا إليها واتسون أو مونتاجو.

لُخِّصَ هذا الوضع المنقح في كتب استهدفت الجمهور العام. اعتبر ستيفن بينكر كتاب جوديث ريتش هاريس نظرية التربية: لماذا يصبح الأولاد ما هم عليه (1998) نقطة تحوّ في تاريخ علم النفس. مع ذلك، تعرض هاريس لانتقادات بسبب المبالغة في فكرة أنّ "تربية الوالدين أقل أهمية مما كان يعتقد في السابق" إلى أنّ "الوالدين غير مهمين".[21]

لُخِّصَ الوضع بحلول نهاية القرن العشرين في كتاب الصفحة البيضاء: الإنكار الحديث للطبيعة البشرية (2002) لستيفن بينكر. أصبح أكثر الكتب مبيعًا، وكان له دور فعال في لفت انتباه جمهور أوسع إلى التحول عن السلوكية الخالصة الذي حدث خلال العقود السابقة.[22]

المراجع[عدل]

  1. ^ In English at least since Shakespeare ([[العاصفة (مسرحية)|]] 4.1: a born devil, on whose nature nurture can never stick) and Richard Barnfield (Nature and nurture once together met / The soule and shape in decent order set.); in the 18th century used by Philip Yorke, 1st Earl of Hardwicke (Roach v. Garvan, "I appointed therefore the mother guardian, who is properly so by nature and nurture, where there is no testamentary guardian.")
  2. ^ English usage is based on a tradition going back to medieval literature, where the opposition of nature ("instinct, inclination") norreture ("culture, adopted mores") is a common motif, famously in كريتيان دي تروا' Perceval, where the hero's effort to suppress his natural impulse of compassion in favor of what he considers proper courtly behavior leads to catastrophe. Lacy, Norris J. (1980) The Craft of Chrétien de Troyes: An Essay on Narrative Art, Brill Archive, p. 5. نسخة محفوظة 07 مايو 2016 على موقع واي باك مشين.
  3. ^ in أفلاطون's بروتاغوراس (حوار) 351b; an opposition is made by Protagoras' character between art on one hand and constitution and fit nurture (nature and nurture) of the soul on the other, art (as well as rage and madness; ἀπὸ τέχνης ἀπὸ θυμοῦ γε καὶ ἀπὸ μανίας) contributing to boldness (θάρσος), but nature and nurture combine to contribute to courage (ἀνδρεία). "Protagoras, in spite of the misgiving of Socrates, has no scruple in announcing himself a teacher of virtue, because virtue in the sense by him understood seems sufficiently secured by nature and nurture." Mackay, R. W. (1869) "Introduction to the Meno in comparison with the Protagoras" p. 138 in Meno: A Dialogue on the Nature and Meaning of Education.
  4. ^ "Nature Nurture in Psychology | Simply Psychology" (باللغة الإنجليزية). اطلع عليه بتاريخ 04 مايو 2017. 
  5. ^ Proceedings, Volume 7. Royal Institution of Great Britain. 1875. 
  6. ^ Francis Galton (1895). English Men of Science: Their Nature and Nurture. D. Appleton. 
  7. ^ David Moore (2003). The Dependent Gene: The Fallacy of "Nature Vs. Nurture". Henry Holt and Company. ISBN 9780805072808. 
  8. ^ Powledge, Tabitha M. (August 2011). "Behavioral Epigenetics: How Nurture Shapes Nature". BioScience. 61 (8): 588–592. doi:10.1525/bio.2011.61.8.4. 
  9. ^ Normile, Dennis (February 2016). "Nature From Nurture". ساينس. 351 (6276): 908–910. doi:10.1126/science.351.6276.908. (تتطلب إشتراكا (مساعدة)). 
  10. ^ Moore، David S. (2015). The Developing Genome: An Introduction to Behavioral Epigenetics (الطبعة 1st). Oxford University Press. ISBN 9780199922345. 
  11. ^ Edge.org: Nature Versus Nurture. edge.org نسخة محفوظة 22 سبتمبر 2017 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ Gutiérrez, Luci (January 24, 2014) Time to Retire The Simplicity of Nature vs. Nurture, Wall Street Journal نسخة محفوظة 02 مارس 2014 على موقع واي باك مشين.
  13. ^ Cosmides & Tooby, Evolutionary Psychology: A Primer. psych.ucsb.edu نسخة محفوظة 10 أبريل 2019 على موقع واي باك مشين.
  14. ^ Mizonni، John. "Ruse's Darwinian ethics and Moral Realism". Metanexus Institute. مؤرشف من الأصل في 01 أكتوبر 2006. 
  15. ^ Craven, Hamilton (1978) The Triumph of Evolution: The Heredity-Environment Controversy, 1900–1941: "While it would be inaccurate to say that most American experimentalists concluded as the result of the general acceptance of Mendelism by 1910 or so that heredity was all powerful and environment of no consequence, it was nevertheless true that heredity occupied a much more prominent place than environment in their writings."
  16. ^ Rende، R. D.؛ Plomin، R.؛ Vandenberg، S. G. (March 1990). "Who discovered the twin method?". Behavior Genetics. 20 (2): 277–285. ISSN 0001-8244. PMID 2191648. doi:10.1007/BF01067795. 
  17. ^ Man and Aggression (1968) cited after Pinker, Steven (2002) The Blank Slate: The Modern Denial of Human Nature, Penguin, New York, (ردمك 1501264338), p. 24
  18. ^ Meaney M. (2004) "The nature of nurture: maternal effects and chromatin remodelling", in Essays in Social Neuroscience, Cacioppo, J. T. & Berntson, G. G. (eds.) MIT press. (ردمك 0-262-03323-2)
  19. ^ Pinker (2002), pp. 435–439.
  20. ^ Kohn, A. (2008) The Brighter Side of Human Nature. Basic Books. (ردمك 078672465X)
  21. ^ A position not actually taken by the author, but apparently it was feared that "lay readers" would still interpret the book in this way, as in "Will it free some to mistreat their kids, since 'it doesn't matter'?", with this fear being attributed to "psychologist Frank Farley of Temple University, president of the APA division that honored Harris" by Begley، Sharon (1998-09-29). "The Parent Trap". Newsweek. 
  22. ^ Pinker, Steven. "Steven Pinker – Books – The Blank Slate". Pinker.wjh.harvard.edu. مؤرشف من الأصل في 10 مايو 2011. اطلع عليه بتاريخ 19 يناير 2011.