العهد والميثاق في البهائية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

العهد هو اتفاقٌ بين أفرادٍ أو جماعاتٍ يربط الطرفين معًا بقبول سلسلةٍ من المسؤوليات المتبادلة.[1] مفهوم العهد في الأديان يشير إلى عهدٍ رمزيٍ بين الله وأتباع ذلك الدين.[2] تشير كتابات بهاء الله إلى وجود اتفاقيتين متلازمتين بين الله والإنسان. فهناك العهد العام أو العهد الأكبر، وفيه يعِد الله ألا يترك البشرية وشأنها وأن يرسل إرشاده باستمرارٍ، وتلتزم البشرية بدورها بطاعة تعاليم الله والعمل وفقًا لها متى أرسل الله رسالته. ويتم هذا العهد بين كل رسولٍ يأتي من عند الله وبين أتباعه فيما يتعلق بالتدبير التالي وتتابع الرسالة الإلهية. وهناك العهد الخاص أو العهد الأصغر، والذي يتعلق بالخلافة في الدين نفسه، حيث يحدّد كل نبيٍّ مسألة الخلافة والقيادة بعد وفاته، ويطلب من أتباعه اتباع الخليفة المعيّن.[3][2]

باعتقاد البهائيين، الغرض من العهد الخاص في البهائية، المعروف أيضًا باسم العهد الأصغر، هو الحفاظ على وحدة المجتمع، ومواصلة عملية الإرشاد وشرح معاني آثار وكتابات بهاء الله.[1][4] ترك بهاء الله تعليماتٍ صريحةً، واضحةً، ومكتوبةً، بخصوص مسؤولية قيادة المجتمع البهائي من بعده، وحولّه إلى ابنه الأكبر عبدالبهاء، ثم عهد عبد البهاء بدوره حسب وصيته في "ألواح الوصايا" بهذه المسؤولية على عاتق حفيده شوقي أفندي، وأخيراً، كما تم تحديده، أوكلت إلى بيت العدل الأعظم.[1] مبدأ العهد يتطلب من البهائيين البقاء مخلصين في جميع الأوقات للسلطة المخصصة لحكم المجتمع وتوجيهه. ووفقًا لهذا المبدأ، فإن رفض اتباع تلك السلطة تعني رفض بهاء الله بحد ذاته.[3] هذا المبدأ يحافظ على تماسك ووحدة المجتمع البهائي ويحميه من الانشقاق والانقسام.[5]

العهد والميثاق العام[عدل]

يشير العهد الأكبر إلى العهد المبرم بين كل رسولٍ من رسل الله وأتباعه فيما يتعلق بمجئ الرسول الذي يليه من عند الله. ووفقًا لبهاء الله، فقد وعد الله بأنه سيرسل سلسلةً من الرسل من بعده لتعليم وهداية البشرية. في البهائية، يُنظر إلى هذا العهد على أنه نبوءة ذُكِرت في الكتاب المقدس لكل دينٍ، وقد تنبأ كل مظهرٍ من مظاهر الله، مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد والباب وبهاء الله بالظهور التالي.[2] وفي المقابل، يُنظر إلى أتباع كل دينٍ على أنهم ملزمون بالتحقق من صحة ادعاءات الذي يلي من بعد، فليس كل من يدّعي النبوة هو نبيٌ أو صاحب رسالةٍ.

مظاهر الظهور الإلهي[عدل]

ترتكز تعاليم بهاء الله على الإيمان بخالق الكون. يعتقد البهائيون أن معرفة الله هو أبعد من الإدراك البشري. والطريقة الوحيدة لمعرفته هي من خلال المعلمين الإلهيين (الأنبياء والمرسلين). عبر التاريخ، أرسل الله للبشرية سلسلةً من المربيين الإلهيين والذين أُطلق عليهم مظاهر الظهور الإلهي في كتابات بهاء الله. وقد أرست تعاليمهم الأساس لتقدم الحضارة في فتراتٍ مختلفةٍ من التاريخ. من بين هذه المظاهر نذكر إبراهيم وكريشنا وزرادشت وموسى وبوذا وعيسى ومحمد وباب وبهاء الله. باعتقاد البهائيين، يُعتبر بهاء الله الأحدث بين هؤلاء الرسل. يصرّح بهاء الله بأن أصل جميع ديانات الكون واحدٌ، وأن الأديان المختلفة هي في الواقع أجزاءٌ متتاليةٌ من الدين الإلهي الواحد. لذا، سيأتي رُسلٌ آخرون في المستقبل، لكن ليس قبل اكتمال ألف عامٍ.[6]

استمرارية الهداية الإلهية وتتابع الرسالات[عدل]

استمرارية الهداية الإلهية هي أحد التعاليم الأساسية في الدين البهائي. هذا التعليم هو تذكيرٌ بأن الله أمينٌ لعهده العام،[7] ويرسل دائمًا الأنبياء والمرسلين للبشرية في عمليةٍ تدريجيةٍ وتطوريةٍ مع تعاليم تقدمية ومناسبة لذلك الوقت، يقدم كلًا منهم التعاليم الإلهية بما يتناسب مع حالة الزمان والمكان التي يظهر فيه.[6] يرجع الاختلاف بين الأديان السماوية إلى ظروف الزمان والقدرة الروحية للأفراد والمجتمعات التي يظهر فيها الدين. لقد تطورت البشرية تدريجيًا، مستفيدةً من التوجيه الإلهي الذي يأتي إليها مع ظهور الأديان المتتالي، ووصلت إلى دوائر الوحدة الأكثر انتشارًا والتي تشمل الأسرة، والقبيلة، والمدينة، والأمة. وفقًا لهذا المفهوم، يؤمن البهائيون بالأصل الإلهي لجميع الديانات الرئيسية في العالم ويعتبرون الأديان مراحل مختلفةً لعمليةٍ تربويةٍ عظيمةٍ. يعتقد البهائيون أيضًا أن بهاء الله هو آخر مظاهر الوحي الإلهي لهذا الزمن، وأنه من خلال تعاليمه يمكن للإنسان أن يصل إلى مستوىً أعلىً من الوحدة والنضج الجماعي.[2][8]

العهد والميثاق الخاص[عدل]

تقوم في الدين البهائي رابطةٌ مقدسةٌ بين مظهر الله وأتباعه. ونصّ بهاء الله في وصيته "كتاب عهدي" ميثاقًا يتكون من تعليمات بهاء الله ونصائحه لأتباعه كتبه بخط يده في أواخرأيام حياته، وأمرهم فيه أن يتوجهوا من بعده إلى ابنه الأكبر عبد البهاء للهداية والإرشاد. وبذلك أصبح عبد البهاء وليًا للدين البهائي وهو الوحيد الذي أنيطت به صلاحية ومسؤولية تفسير نصوص وكتابات بهاء الله. يُعدّ هذا الميثاق الأساس المتين الذي يقوم عليه تطوير دين الله في المستقبل، ولا يعتبره البهائيون مجرد اتفاقيةٍ مبرمةٍ ملزمةٍ، بل تلك القوة الروحية التي ستصون وحدة الجامعة البهائية وتحقق في النهاية وحدة العالم الإنساني قاطبةً. لم يُعيّن بهاء الله خليفته المختار فحسب، بل جعله مركز عهده وميثاقه ومحوره. ليس في الدين البهائي نظام كهنةٍ أو رجال دينٍ من أي نوعٍ، وبدل ذلك، يُدير الجامعة البهائية سلسلةٌ من السلطة المباشرة ابتداءً من الباب، إلى بهاء الله، وعبد البهاء، وشوقي أفندي، وانتهاءً ببيت العدل الأعظم الذي تنتخبه انتخابًا ديموقراطيًا المؤسسات المركزية القائمة في الجامعة البهائية في أنحاء العالم.[9] مع وفاة بهاء الله، دخل الدين البهائي مرحلةً في تطوره كانت إيذانًا بظهور ما يعتبره البهائيون السمة المميزة لدينهم. كان هذا هو نقل بهاء الله الصريح للسلطة من أجل إنشاء نظامٍ مؤسسيٍ مصممٍ لتوجيه وحماية وتوسيع المجتمع البهائي الناشئ. وبسبب هذا النظام بشكلٍ أساسيٍ، أفلت الدين البهائي من الانقسام إلى طوائف.[10] ويتم تشجيع جميع البهائيين على قراءة كتبهم المقدسة بأنفسهم والتوصل إلى فهمهم لها. إن ما يمنع الدين من التفتت إلى عددٍ كبيرٍ من الانقسامات هو الولاء المتوقع من كل بهائيٍ لرأس الدين، وهو في الوقت الحاضر المجلس المنتخب دوليًا والذي يُسمى ببيت العدل الأعظم. في حين أن جميع البهائيين يمكن أن يكون لديهم فهمهم الخاص لنصوصهم المقدسة، لا يُسمح لأحدٍ أن يدّعي أن فهمه موثوقٌ. بيت العدل الأعظم نفسه، بشكلٍ عامٍ، يجتنب عن الإدلاء بتصريحاتٍ لاهوتيةٍ، ويهتم بشكلٍ أساسيٍ باتخاذ القرارات الاستراتيجية والتنظيمية في الأمور التي تتعلق بإدارة الجامعة البهائية على مستوى العالم. ومع ذلك، قد تصدر أحكامًا في القضايا التي توجد فيها خلافاتٌ بين البهائيين، خاصةً إذا كانت تعتقد أن هناك خطر الانقسام. هذا الولاء لمركز الدين هو عقيدة العهد، وبالنسبة للبهائيين، فإن أكبر جريمةٍ روحيةٍ هي كسر العهد.[11]

أهداف العهد والميثاق[عدل]

يُعدّ منع الطائفية والحفاظ على تماسك ووحدة الجامعة البهائية من أهم أهداف العهد والميثاق. وقد صرّح بهاء الله في وصيته (كتابُ عهدي) أنه بعد إعلان خلافة عبد البهاء وتأسيس العهد والميثاق يكون الغرض من الدين الإلهي هو خلق المحبة والوحدة، ويحذّر أتباعه أن يصبحوا سببًا للفتنة أو العداء. ويمنع العهد والميثاق على وجه التحديد وقوع مثل هذا الحدث. بالإضافة إلى ذلك، فإن دور العهد بصفته ضامنًا لوحدة البهائيين مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بوحدة العالم، والتي هي الهدف السامي لرسالة بهاء الله، فإن لم تتحد الجامعة البهائية فإنها فلن تكون قادرةً على المساهمة في وحدة العالم وتحقيق السلام عالميًا.[7]

وثائق العهد والميثاق[عدل]

لقد صرّح بهاء الله بصورةٍ رسميةٍ وصريحةٍ في وصيته "كتابُ عهدي" الذي كتبه بخط يده، وكذلك ذكر بصورةٍ واضحةٍ في "الكتاب الأقدس" خلافة ابنه الأكبر عبد البهاء له، وطلب من البهائيين أن يتبعوه بعد وفاته.[12]

وقد سبق له أن أشار بصورةٍ واضحةٍ إلى عبد البهاء أيضًا في كتاباتٍ أخرى، مثل "سورة الغصن" التي كتبها أثناء نفيه في أدرنة، و "لوح أرض الباء" الذي كتبه في سجن عكا، ومنح عبد البهاء الحق الحصري في شرح كتاباته وتعاليمه وأحكامه، وتوضيح مسائل الغموض والاختلاف الواردة للبهائيين. وتنصّ هذه الوثائق أيضًا صراحةً على وجوب الاعتراف بعبد البهاء كنموذجٍ كاملٍ لتحقيق التعاليم البهائية والمثل الأعلى لتطبيق تعاليم بهاء الله.[13]

ثم انتقلت مسؤولية قيادة الجامعة البهائية عالميًا وجواز شرح وتوضيح كتابات وآثار بهاء الله بعد وفاة عبد البهاء إلى حفيده الأكبر شوقي أفندي، بحسب وصية عبد البهاء الخطية في "ألوالح الوصايا". في هذه الوثيقة، يؤكد عبد البهاء أيضًا على تشكيل بيت العدل الأعظم مستقبلًا، والذي تم ذكره كأعلى هيئةٍ تشريعيةٍ في كتابات بهاء الله، ويوضّح عبد البهاء كيف يتم انتخابه من قبل المحافل المركزية. ويذكر شوقي أفندي بأن ألواح الوصايا تعتبر وثيقةً لتشكيل النظام الإداري البهائي.[14] وبعد وفاة عبد البهاء شرح شوقي أفندي العديد من التفاصيل حول هذا النظام الإداري وتم تنفيذه.[15]

مرکز العهد والمیثاق[عدل]

يُعرف عبد البهاء في الديانة البهائية بـ "مركز العهد والميثاق". وبعد وفاة بهاء الله قاد الجامعة البهائية خلال فترةٍ صعبةٍ وحساسةٍ للغاية. غالبًا ما تتعرض الحركات الدينية للتحدي بعد وفاة الرسول ومؤسس الدين، وتواجه خطر الانفصال والانحراف عن تعاليمها الأساسية. في هذا الصدد، استطاع عبد البهاء، رغم التهديدات الخطيرة والصعوبات التي واجهها، أن يحافظ على وحدة هذا الدين ومبادئه الأساسية، ويمنع الانقسامات والانشقاقات العقائدية والطائفية داخله.[16]

المراجع[عدل]

  1. أ ب ت Smith, Peter (2002) A Concise Encyclopedia of the Baha'i Faith, (One World, Oxford) pp. 114 -116
  2. أ ب ت ث Smith, Peter (2002) A Concise Encyclopedia of the Baha'i Faith, (One World, Oxford) pp. 114
  3. أ ب Momen, Wendi. General Editor. (1989). A Basic Baha'i Dictionary George Ronald. Oxford) p. 60
  4. ^ Hatcher, W.S. ; Martin, J.D. (1998). The Baháʼí Faith: The Emerging Global Religion. San Francisco, CA, USA: Harper and Row, ISBN 0-87743-264-3. pp. 127-130
  5. ^ "Welcome to Encyclopaedia Iranica" (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 09 يونيو 2021. اطلع عليه بتاريخ 28 يونيو 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  6. أ ب Smith, Peter, (1987) the Babi & Baha'i Religions, (Cambridge University Press). p. 74
  7. أ ب Momen, Moojan (2007-09-01). "Marginality and apostasy in the Baha'i community". Religion. 37 (3): 187–209. doi:10.1016/j.religion.2007.06.008. ISSN 0048-721X.
  8. ^ Bahá'í International Community. "The Prosperity of Humankind, §VII". www.bic.org. Bahá'í International Community (3 March 1995).
  9. ^ بشروئي، مسعودي (2012). تراثنا الروحي من بدايات التاريخ إلى الأديان المعاصرة. دار الساقي، بيروت، لبنان. ص 564-565
  10. ^ Hatcher, Martin (2002). The Bahá'í Faith: The Emerging Global Religion. Baha’i Publishing. P 50
  11. ^ Momen (2007). Marginality and apostasy in the Baha'i community: Religion. 37 (3): 187–209 [Online]. Available at: https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1016/j.religion.2007.06.008 "نسخة مؤرشفة". Archived from the original on 9 يونيو 2021. اطلع عليه بتاريخ 28 يونيو 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)صيانة CS1: BOT: original-url status unknown (link)
  12. ^ Smith, Peter (2002) A Concise Encyclopedia of the Baha'i Faith, (One World, Oxford) p. 44.
  13. ^ Taherzadeh, Adib (1976).The Revelation of Bahaullah (English). G. Ronald. p. 240.
  14. ^ Smith, Peter (2008). An Introduction to the Baha'i Faith. Cambridge University Press. ISBN 0-521-86251-5. p. 70.
  15. ^ Smith, Peter (2000). A Concise Encyclopedia of the Bahá'í Faith. Oxford, UK: Oneworld Publications. pp. 175–177.
  16. ^ Smith, Peter (2008). An Introduction to the Baha'i Faith. Cambridge; New York: Cambridge University Press. p. 46. ISBN 978-0-521-86251-6.