الكون
هذه المقالة لا تحتوي إلّا على استشهادات عامة فقط. (أبريل 2010) |
الكون هو ذلك المفهوم الشامل والواسع الذي شغل الفكر البشري منذ فجر التاريخ، وهو يشير إلى مجموع الوجود المادي والطاقي بكل ما يحويه من مادة وطاقة وزمكان، بما في ذلك جميع أشكال الكائنات الحية، والنجوم، والكواكب، والمجرات، والسدم، والمذنبات، والكويكبات، والوسط بين النجمي والوسط بين المجري، بل وأي أبعاد أو عوالم افتراضية أخرى قد لا ندركها بعد. وقد تباينت التصورات حول ماهيته الأساسية بين مختلف الحضارات والفلسفات والعقائد؛ ففي حين رأته بعض الفلسفات القديمة كياناً أزلياً لا بداية له، قدمت الأديان والتفسيرات اللاهوتية رؤىً عن خلقه من العدم، بينما استقر الفهم العلمي السائد حالياً على نظرية الانفجار العظيم التي تشير إلى أن للكون بداية نشأ منها وأنه في توسع مستمر. ويعرف الكون المرئي أو ما نستطيع رصده من الأرض بأنه ذلك الجزء من الكون الشاسع الذي أصبح من الممكن نظرياً وصول الضوء أو الإشارات منه إلينا منذ لحظة الانفجار العظيم، ويقدر قطره بنحو 93 مليار سنة ضوئية، علماً أن هذا لا يمثل بالضرورة الكون بأكمله الذي قد يكون أكبر بكثير أو حتى لا نهائي. وتشير القياسات الفلكية الحديثة إلى أن عمر الكون يبلغ حوالي 13.8 مليار سنة، وهي المدة التي استغرقها الضوء من أبعد المجرات ليصل إلينا، محملاً برحلة تروي قصة توسع الكون وتبريده وتطوره من حالة شديدة الكثافة والحرارة إلى ما هو عليه اليوم من تنوع واتساع مهيب.[1][2]


وتختلف الآراء في تحديد طبيعة هذا الكون، فمن هنا وتصور الفلسفات المختلفة والعقائد قديماً الكون بصورة معينة، ومن هنالك تظهر الفلسفات والعقائد الجديدة لتأويل مفهوم الكون بصور متعددة، وبطرق شتى، ومن ناحية النشوء والتطور وكذلك من ناحية هل للكون نهاية أم لا؟، وإلى آخره. وحسب الوصف العلمي الحديث الذي يعد أن الكون هو فضاء شاسع يتكون من عدد ضخم من المجرات والنجوم والكواكب بالإضافة إلى الكويكبات والمذنبات، وتعتبر مجرة درب التبانة هي إحدى مجرات الكون التي تدور حول مركزها شمسنا مع مجموعتنا الشمسية التي يعد كوكبنا الأرض جزءاً منها.[4]
بداية الكون
[عدل | عدل المصدر]
كثيراً ما اختلفت الأقاويل وتضاربت النظريات وتلاحمت الأفكار حول كيفية نشوء الكون، وكان الاختلاف قديماً حول هل الكون له بداية أم أزلي؟ ولكن ظلت تلك النظريات في حدود التصورات الفلسفية حتى عام 1916 عندما قام العالم ألبرت أينشتاين بحل معادلات نظريته النسبية العامة واكتشف أن النتائج تؤكد له أن الكون يتوسع، وقد أكد له العالم ألكسندر فريدمان عام 1922 صحة هذه النتائج بأن الكون يتمدد وليس ساكن، وفي الثلاثينيات طرحت نظرية الانفجار العظيم التي تتنبأ بأن الكون نشأ من انفجار نقطة بالغة الدقة تحتوي على كل مادة وطاقة الكون وانفجرت بشدة وعبر مليارات السنين أخذت مادة الكون في التمدد وتكوين المجرات والنجوم وكل الأجرام الكونية، وتعتبر نظرية الانفجار العظيم من النظريات المقبولة حالياً في المجتمع العلمي حول نشأة الكون نتيجة ظهور عدد من الأدلة التي أثبتت صحة النظرية، ولكن مازال العلماء يتساءلون عن كيفية تكون هذه النقطة التي شكلت الكون. وتفترض نظرية الانفجار العظيم أن الكون بدأ من حالة متناهية في الكثافة والحرارة قبل حوالي 13.8 مليار سنة، ثم بدأ في التمدد والتبرد منذ تلك اللحظة، وخلال الثلاث دقائق الأولى من عمر الكون تشكلت البروتونات والنيوترونات فيما يعرف بـ"الاصطناع النووي للانفجار العظيم"، وبعد مرور 380 ألف سنة أصبح الكون بارداً بما يكفي لتشكل الذرات المحايدة، مما سمح للفوتونات بالسفر بحرية وهو ما نراه اليوم كـخلفية الكون الميكروية التي تعتبر أقدم ضوء في الكون. وتستمر أدلة رصد الانزياح الأحمر للمجرات البعيدة، وقانون هابل، ووفرة العناصر الخفيفة مثل الهيدروجين والهيليوم والليثيوم، في دعم هذه النظرية بشكل قوي، رغم الأسئلة العديدة التي ما تزال تحيط باللحظات الأولى للانفجار العظيم وبمصير الكون النهائي.[6]
مقياس المسافات الكونية
[عدل | عدل المصدر]اصطلح علماء الفلك على استخدام السنة الضوئية معيارًا خاصًّا لقياس المسافات بين الكواكب والمجرات، وتعرف السنة الضوئية بالمسافة التي تقطعها أشعة الضوء في السنة الواحدة فإذا عرفنا أن سرعة الضوء تبلغ 300000 كم/ثانية فإن ذلك يعني أن السنة الضوئية تساوي مسافة 9.46 تريليون كم، ولضرب مثال على ذلك فإن المسافة بين الأرض والشمس تقارب 150 مليون كم وهذا يعني أن أشعة الشمس تستغرق ثماني دقائق وثلث للوصول إلى الأرض. ويستخدم الفلكيون أيضاً وحدة الفرسخ الفلكي التي تعادل 3.26 سنة ضوئية لقياس المسافات للأجرام القريبة نسبياً، بينما تستخدم وحدة الانزياح الأحمر لقياس مسافات المجرات البعيدة جداً. ويعتبر قياس المسافات الكونية علماً معقداً يعتمد على سلم مسافات كونية يتكون من عدة درجات، تبدأ بطرق مثل تزيح النجوم لقياس المسافات القريبة داخل مجرة درب التبانة، ثم استخدام المتغيرات القيفاوية والمستعرات العظمى من النوع Ia لقياس مسافات المجرات الأخرى، وصولاً إلى استخدام الانزياح الأحمر وقانون هابل لقياس أبعد المسافات في الكون المرئي.[7]
سرعة الضوء بالكيلومتر:[8]
| في الثانية | في الدقيقة | في الساعة | في اليوم | في السنة (سنة ضوئية) |
|---|---|---|---|---|
| 300,000 | 18,000,000 | 1,080,000,000 | 25,920,000,000 | 9,460,730,472,580,800 |
الجدل حول هذا المقياس
[عدل | عدل المصدر]إذا كان حجم المجرة التي تنتمي إليها الشمس ونظامها الكوكبي يزيد على مائة ألف سنة ضوئية وإذا كان حجم الكون المرئي أكبر من هذا بكثير، فإن استعمال السنة الضوئية يصبح عبئا على غير المتخصص. كما أن استخدام السنة الضوئية كوحدة قياس قد يوحي خطأً بأننا نرى الأجرام السماوية كما هي في الوقت الحالي، بينما في الواقع عندما ننظر إلى مجرة تبعد مليون سنة ضوئية، فإننا نراها كما كانت قبل مليون سنة، أي أننا ننظر إلى الماضي كلما نظرنا إلى الكون البعيد. هذا القيد الأساسي ناتج عن السرعة المحدودة للضوء، مما يجعل من المستحيل معرفة الحالة الراهنة لأي جرم بعيد في الكون. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوسع المتسارع للكون يعني أن بعض المجرات البعيدة تبتعد عنا بسرعات تفوق سرعة الضوء، مما يجعلها غير مرئية لنا وغير قابلة للرصد بشكل دائم، وهذا يفرض حدوداً أساسية على ما يمكننا معرفته عن الكون ككل.[9]
الكون والفضاء الكوني
[عدل | عدل المصدر]الفرق بين الكون (Cosmos) والفضاء الكوني (Universe) أن التسمية الأولى تُعبر عن الكون المرئي لنا، أما الثانية فهي مُجمل الزمكان في كوننا سواءٌ أكان مرئياً أم لا، فكلمة "Cosmos" كانت تستعمل في الفلسفة، وهي مشتقة من أصل إغريقي بمعنى «النظام»، على عكس الفوضى، ثم أصبحت تطلق على الكون ككل (الكون المعروف) نظراً لانتظامه، أما "Universe" فقد كانت منذ البداية تعبر عن كل الوجود المادي: الأرض والكواكب والنجوم والشمس والقمر...إلخ، وفي الحقيقة كلمة «كون» باللغة العربية هي تقريباً مرادف لـ"Universe"، أما "Cosmos" فلا يوجد لها مرادف قريب أو بعيد في اللغة العربية. ومن الناحية العلمية، يمكن القول أن الكون (Universe) يشمل كل ما هو موجود مادياً وطاقوياً، بما في ذلك الفضاء والزمان والقوانين الفيزيائية التي تحكمهم، بينما يشير مصطلح "Cosmos" إلى الكون المنظم والمفهوم من خلال الدراسة العلمية. وقد استخدم كارل ساغان هذا التمييز في سلسلته التلفزيونية الشهيرة "Cosmos" حيث قدم النظام الكوني كما فهمه العلم.[10]
هيكل الكون وتوسعه
[عدل | عدل المصدر]يتكون الكون من شبكة هائلة من البنى الكونية تتراوح من الأنظمة الكوكبية إلى المجموعات النجمية فـالمجرات والعناقيد المجرية والتجمعات المجرية العظمى، حيث تشكل المجرات الوحدات الأساسية للكون، وتتجمع في عناقيد مجرية قد تحتوي على آلاف المجرات، وتشكل هذه العناقيد بدورها تجمعات مجرية عظمى تمتد لمئات الملايين من السنين الضوئية. وتفصل بين هذه البنى فراغات كونية شاسعة تسمى "Voids" قد يصل قطرها إلى 500 مليون سنة ضوئية. وقد اكتشف العلم الحديث أن الكون لا يتوسع فحسب، بل أن هذا التوسع يتسارع، وهو ما يُعزى إلى وجود طاقة مظلمة غامضة تشكل حوالي 68% من كثافة الطاقة في الكون، بينما تشكل المادة المظلمة غير المرئية حوالي 27%، ولا تزيد المادة العادية المرئية عن 5% من مكونات الكون. هذا الاكتشاف الذي حصل مكتشفاه على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2011، قلب المفاهيم السابقة عن مصير الكون، حيث كان يُعتقد أن التوسع الكوني سيبطئ بسبب الجاذبية، لكن الرصد أثبت أن هناك قوة غامضة تتغلب على الجاذبية وتدفع بالمجرات للابتعاد عن بعضها بسرعات متزايدة.[11][12][13]
مستقبل الكون
[عدل | عدل المصدر]توجد عدة نظريات حول المصير النهائي للكون، أبرزها نظرية "الموت الحراري" أو "التجمد العظيم" (Big Freeze) حيث يستمر الكون في التوسع إلى الأبد، فتتباعد المجرات عن بعضها، وتموت النجوم، وتتبخر الثقوب السوداء ببطء عبر إشعاع هوكينغ، ليصبح الكون في النهاية بارداً ومظلماً وخالياً من أي نشاط. وهناك نظرية "التمزق العظيم" (Big Rip) حيث تتغلب الطاقة المظلمة على جميع القوى الأخرى فتمزق حتى الذرات نفسها. بينما تفترض نظرية "الانكماش العظيم" (Big Crunch) أن التوسع الكوني سينعكس في النهاية ليبدأ الكون في الانكماش على نفسه والعودة إلى حالة الكثافة اللانهائية. وتعتمد هذه السيناريوهات على كثافة الطاقة الكلية في الكون وطبيعة الطاقة المظلمة، وهي أمور ما تزال قيد البحث والدراسة.[14][15]
مواضيع مرتبطة
[عدل | عدل المصدر]المصادر
[عدل | عدل المصدر]- الكون - تأليف دافيد برجاميني - مكتبة لايف العلمية - بيروت - 1971.
- الكون - تأليف كولين رونان - الأهلية للنشر والتوزيع - بيروت - 1980.
- الكون الأحدب - تأليف د. عبد الرحيم بدر - بيروت - لبنان - 1980.
- الكون الراديوي - تاليف جي. أس. هي -ترجمة عبد الكريم علي - بغداد -1991.
- قراءة مخططات نشوء الكون - مجلة العلوم الأمريكية - النسخة العربية - عدد أبريل 2004.
- «توسُّع الكون من تباطؤ إلى تسارع» نفس المصدر السابق - عدد مايو 2004.
- "Cosmos" by Carl Sagan - Random House - 1980.
- "A Brief History of Time" by Stephen Hawking - Bantam Books - 1988.
المراجع
[عدل | عدل المصدر]- ↑ علي، ليلى. "ما هو حجم الكون؟ وهل توجد له حدود؟ وهل يقع شيء خارجه؟.. أسئلة يجيب عنها العلماء". الجزيرة نت. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-16.
- ↑ بالعربي، ناسا (21 يوليو 2015). "ناسا بالعربي - تعليم - ما هو الكون؟". ناسا بالعربي. مؤرشف من الأصل في 2025-08-13. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-16.
- ↑ Garner، Rob (11 يوليو 2022). "NASA's Webb Delivers Deepest Infrared Image of Universe Yet". NASA. مؤرشف من الأصل في 2022-07-13. اطلع عليه بتاريخ 2022-07-13.
- ↑ i24NEWS (8 نوفمبر 2025). "هل تراجعت "الطاقة المظلمة ؟ دراسة جديدة يمكن أن تحدث "ثورة" بفهمنا عن الكون". i24NEWS. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-08.
{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: أسماء عددية: قائمة المؤلفين (link) - ↑ Seven Year WMAP Microwave Sky Band Maps نسخة محفوظة 14 مارس 2017 على موقع واي باك مشين.
- ↑ ""الأكثر إثارة في علم الفلك".. دراسة جديدة قد تعيد كتابة تاريخ الكون". العربية. 6 نوفمبر 2025. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-08.
- ↑ "من المجرات إلى الذرات.. علماء يصفون هيكل الكون كله بالرياضيات فقط". الجزيرة نت. مؤرشف من الأصل في 2025-09-12. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-08.
- ↑ الحافظ، شادي عبد. "كيف نقيس المسافات إلى النجوم؟". الجزيرة نت. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-16.
- ↑ "تعرف على وحدات قياس المسافات الكونية وكيف يستخدمها العلماء". www.albawabhnews.com. 15 مارس 2022. مؤرشف من الأصل في 2022-03-16. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-16.
- ↑ "ما هو الفرق بين الفضاء والكون؟". www.albawabhnews.com. 23 أغسطس 2022. مؤرشف من الأصل في 2022-08-25. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-16.
- ↑ "What is the Universe made of?". www.esa.int (بالإنجليزية). Archived from the original on 2025-06-19. Retrieved 2025-11-16.
- ↑ "Building Blocks - NASA Science" (بالإنجليزية الأمريكية). 23 Feb 2024. Archived from the original on 2025-10-06. Retrieved 2025-11-16.
- ↑ "What is the Universe? - NASA Science" (بالإنجليزية الأمريكية). 22 Oct 2020. Archived from the original on 2025-10-08. Retrieved 2025-11-16.
- ↑ Krauss, Lawrence. "What Does the Future of the Universe Hold?". Smithsonian Magazine (بالإنجليزية). Archived from the original on 2025-09-09. Retrieved 2025-11-16.
- ↑ "the-future-of-the-universe" (PDF). مؤرشف من الأصل (PDF) في 2024-07-18. اطلع عليه بتاريخ 2025-11-16.