انتقل إلى المحتوى

المثلية الجنسية في روما القديمة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

تختلف المثلية الجنسية في روما القديمة بشكل ملحوظ من ناحية المواقف الاجتماعية عن العالم الغربي المعاصر. تفتقر اللغة اللاتينية للمفردات التي يمكن ترجمتها بدقة لكلمة «مثلي الجنس» وكلمة «مغاير الجنس».[1] توزع النشاط الجنسي في روما القديمة إلى فرعان أولهما اتصف بكونه الطرف النشط/المهيمن/الذكوري وثانيهما كان الطرف السلبي/الخاضع/«المؤنثي». كان المجتمع الروماني يتبع النظام الأبوي وقد تمتع المواطنون من الذكور المولودن كأحرار بالحرية السياسية والحق في حكم أنفسهم وأهل بيتهم. كان يُنظر للفضيلة على أنها من الشيم المؤثرة والتي عرّف من خلالها الرجل بنفسه. وقد تمثلت عقلية الإخضاع «وطقس المروءة» في العلاقات المثلية. كان للرجال الرومان حرية الاستمتاع بممارسة الجنس مع الذكور الآخرين دون وجود أي نظرة تشير لخسارة الرجولة أو الوضع الاجتماعي، طالما أخذ الرجال الأحرار دوراً مهيمناً أو مخترقاً في العلاقة المثلية. كان الشركاء الذكور المقبولون هم من العبيد والعاهرين والعاملين في مجال الترفيه مثل الممثلين المسرحيين والراقصين والمجالدين، وقد وضعهم نمط حياتهم في المجال الاجتماعي الغامض المعروف باسم «إنفاميا»، وقد اُستثنوا من الحماية الطبيعية الممنوحة للمواطنين حتى ولو كانوا أحراراً بطبيعة الحال. رغم أنه يبدو تفضيل الرجال الرومان للشباب الذين تراوحت أعمارهم ما بين الثانية عشرة والعشرون عاماً لاتخاذهم كشركاء جنسيين عموماً، إلا أن القصر من الذكور الأحرار كانوا خارج الحدود المسموحة، وقد كان العاهرون والفنانون أكبر سناً إلى حد كبير.[2]

أما بالنسبة للعلاقات المثلية بين النساء في روما القديمة فقد كانت أقل توثيقاً. ورغم أن النساء الرومانيات اللواتي انتمين للطبقات العليا من المجتمع كانوا من المتعلمات وعرفن بكتابتهن للشعر وتطابقن مع أقاربهم من الذكور، إلا أن أجزاء قليلة للغاية نجت من أية أعمال يحتمل أنها كتبت على يد نساء. لم يعطي الكتاب الرومان الذكور أي اهتمام لكيفية ممارسة النساء للنشاط الجنسي بشكل عام. خلال عهد الجمهورية وفي أوائل عهد الزعامة سُجل القليل فيما يخص العلاقات الجنسية بين النساء، ولكن هناك وجود لأدلة أفضل وأكثر تنوعاً مع أنها متفرقة تعود للفترة الإمبراطورية.

نظرة عامة

[عدل | عدل المصدر]

كان يُنظر إلى «الحرية السياسية» التي يتمتع بها المواطن الروماني الحر في زمن الجمهورية الرومانية، على أنها تشمل، من بين أمور عديدة، الحق في حماية جسده من الإكراه البدني، بما في ذلك العقاب الجسدي والاعتداء الجنسي. وقد شكّل هذا المفهوم أحد أركان بنية المجتمع الروماني الأبوي، حيث ارتبطت الرجولة بقدرة الفرد على ضبط نفسه والسيطرة على من هم دونه في المرتبة الاجتماعية.[3] أما الفضيلة الرجولية أو القوة الرجولية (virtus)، والتي تعني الشجاعة أو الشهامة، فقد عُدّت من أسمى الصفات التي تُعرّف جوهر الرجولة الكاملة. وغالبًا ما استُخدمت استعارة «الفتح أو الغزو الجنسي» في الخطاب السياسي والثقافي كرمز للإمبريالية والتوسع، ما يعكس ذهنية «عقلية الغزو» التي اندمجت في «عبادة الرجولة» وشكّلت بدرجة كبيرة ممارسات المثلية الجنسية في روما.[4][5]

لقد تأسست مثالية الذكورة الرومانية على مبدأ الفاعلية المطلقة، وهو ما عبّر عنه الباحث كريغ أ. ويليامز باعتباره «التوجيه الأسمى للسلوك الجنسي الذكوري عند الرومان». ومن منظور الدراسات الحديثة في أواخر القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين، أصبحت أنماط التعبير الجنسي عند الرجال الرومان تُفهم ضمن إطار ثنائية «المخترِق والمخترَق»، أي أن الطريق المقبول اجتماعيًا لإشباع الرغبة الجنسية بالنسبة للرجل الروماني تمثّلت في أن يكون هو الطرف المخترِق، لا المخترَق، أي الفاعل وليس المفعول به. كان التعرّض للاختراق (الجنسي) يُعدّ تهديدًا مباشرًا لحرية المواطن ومساسًا بسلامته الجنسية وشرفه الاجتماعي. لذا، فإن رغبة الرجل الروماني في ممارسة الجنس مع نساء أو رجال لم تكن تُدان أخلاقيًا طالما بقي محافظًا على دوره كفاعل أو مخترِق. فكانت الأخلاقيات حينها لا تُقاس بنوع الشريك، بل بمكانته الاجتماعية.[6]

فالنساء والغلمان على حدّ سواء عُدّوا من الشركاء الطبيعيين للرغبة الجنسية، غير أن السلوك الجنسي المشروع خارج إطار الزواج اقتصر، في نظر المجتمع، على العبيد والبغايا (الذين كانوا غالبًا من العبيد كذلك)، إضافة إلى المنبوذين اجتماعيًا من فئة الإنفاميا infames. لم يكن جنس الشريك هو العامل الحاسم في شرعية العلاقة، بل موقعه الطبقي ومدى انعكاس العلاقة على كرامة الرجل الآخر. فقد كان من المُحرَّم – أخلاقيًا وقانونيًا – إقامة علاقة جنسية مع زوجة رجل حر، أو ابنته البالغة، أو ابنه القاصر، أو معه شخصيًا. أما استغلال عبد يخصّ رجلًا آخر فكان مشروطًا بالحصول على إذن من مالكه. وقد اعتُبر فقدان ضبط النفس، بما في ذلك الانغماس المفرط في المتع الجسدية، دليلًا على ضعف القدرة القيادية، الأمر الذي ينال من صورة الرجل النخبوي كمثقف ومتّزن.[7]

بدأت سمات الانجذاب المثلي بين الذكور تظهر في الأدب اللاتيني خلال القرن الثاني قبل الميلاد، في فترة ازدياد التأثير الثقافي اليوناني على روما. وقد اختلفت المواقف الثقافية بين الإغريق والرومان، خصوصًا في نظرة اليونانيين المثالية إلى الحب الإيروسي بين مواطنَين حرَّين من نفس الطبقة، وإن كان ذلك غالبًا مع وجود تفاوت كبير في السن. كان الارتباط العاطفي أو الجنسي مع ذكر خارج إطار الأسرة يعدّ تهديدًا للسلطة الأبوية لربّ الأسرة في المجتمع الروماني، على عكس الرؤية اليونانية التي اعتبرتها عاملًا إيجابيًا في تكوين الشخصية. وبما أن النساء في المجتمع الروماني كنّ يشاركن في تعليم أبنائهن ويتفاعلن اجتماعيًا مع الرجال، فضلًا عن دورهن النشط في توجيه أزواجهن وأبنائهن سياسيًا ضمن طبقة النبلاء، فالمثلية الاجتماعية (homosociality) لم تكن سائدة في روما كما كان في أثينا الكلاسيكية، حيث يُعتقد أن ذلك قد أسهم في تشكيل الثقافة الغلمانية هناك.[8]

أما في العهد الإمبراطوري، فقد ارتبط ما اعتُبر تزايدًا في السلوك الجنسي المثلي السلبي لدى الرجال الأحرار بحالة من القلق الثقافي حول تراجع «الحرية السياسية» أمام سلطة الإمبراطور، مما أدّى إلى ازدياد واضح في حالات الإعدام والعقوبات الجسدية. وقد جرى النظر إلى الانفلات الجنسي والانحلال الأخلاقي في ظل الحكم الإمبراطوري كأحد مظاهر وأسباب فقدان مثُل النزاهة الجسدية (libertas) التي كانت تعتبر مبادئًا مقدسة في عهد الجمهورية.[9]

انظر أيضاً

[عدل | عدل المصدر]
  1. ↑ Craig Williams, Roman Homosexuality (Oxford University Press, 1999, 2010), p. 304, citing Saara Lilja, Homosexuality in Republican and Augustan Rome (Societas Scientiarum Fennica, 1983), p. 122.
  2. ↑ Williams, Roman Homosexuality, passim; Elizabeth Manwell, "Gender and Masculinity," in A Companion to Catullus (Blackwell, 2007), p. 118.
  3. ↑ Elaine Fantham, "The Ambiguity of Virtus in Lucan's Civil War and Statius' Thebiad," Arachnion 3; Andrew J.E. Bell, "Cicero and the Spectacle of Power," Journal of Roman Studies 87 (1997), p. 9; Edwin S. Ramage, "Aspects of Propaganda in the De bello gallico: Caesar’s Virtues and Attributes," Athenaeum 91 (2003) 331–372; Myles Anthony McDonnell, Roman manliness: virtus and the Roman Republic (Cambridge University Press, 2006) passim; Rhiannon Evans, Utopia Antiqua: Readings of the Golden Age and Decline at Rome (Routledge, 2008), pp. 156–157.
  4. ↑ For further discussion of how sexual activity defines the free, respectable citizen from the slave or "un-free" person, see Master-slave relations in ancient Rome.
  5. ↑ Rebecca Langlands, Sexual Morality in Ancient Rome (Cambridge University Press, 2006), p. 13.
  6. ↑ Catharine Edwards, "Unspeakable Professions: Public Performance and Prostitution in Ancient Rome," in Roman Sexualities, pp. 67–68.
  7. ↑ Amy Richlin, The Garden of Priapus: Sexuality and Aggression in Roman Humor (Oxford University Press, 1983, 1992), p. 225.
  8. ↑ Cantarella, Bisexuality in the Ancient World, pp. xi–xii; Skinner, introduction to Roman Sexualities, pp. 11–12.
  9. ↑ This is a theme throughout Carlin A. Barton, The Sorrows of the Ancient Romans: The Gladiator and the Monster (Princeton University Press, 1993).