المسيحية في إيطاليا

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
كنيسة سانتا ماريا ديلا سالوتي، البندقية.

المسيحية في إيطاليا هي الديانة السائدة والمهيمنة، الغالبية العظمى (91.1%)[1] من سكان إيطاليا من المسيحيين. الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هي أكبر طائفة مسيحية في إيطاليا. وفقاً لمسح عام 2005 من قبل يوريسبس قال 87.8% من السكان أنهم كاثوليك ومنهم فقط 36.8% يعتبرون أنفسهم ممارسين للكاثوليكية و30.8% قالوا أنهم حضروا الكنيسة كل يوم أحد، واستنادًا إلى إحصائيات أظهرت أنّ 97.67% من الطليان تلقوا سر العماد وعُمِّدوا في الكنيسة الكاثوليكية.[2]

تاريخ[عدل]

القرون الأولى[عدل]

الصلاة الأخيرة لمسيحين خلال أحد حفلات التعذيب في الكولسيوم، روما لوحة لجان ليون جيروم سنة 1834.

تلا مجمع أورشليم[3] عدة أسفار لبولس نحو اليونان ومقدونيا، وأراد السفر إلى روما وهو ما تحقق له لاحقًا حوالي عام 59، لكن تاريخ وجود المسيحيين في روما يسبق ذلك إذ وجه بولس نفسه رسالة لهم سنة 57،[4] وينقل التقليد المسيحي أن بطرس هو من أسس كنيسة روما بعد أن أسس كنيسة أنطاكية، وقضى هناك سنواته الأخيرة حتى مقتله عام 64 أو 67 خلال حريق روما الكبير واضطهاد نيرون للمسيحيين.[5] وغاد بولس روما عام 62 متوجهًا إلى إسبانيا لكنه عاد إليها مجددًا حيث سجن وكتب من سجنه حوالي عام 66 أو 67 آخر رسائله وهي الرسالة الثانية إلى تيموثاوس قبل أن يقتل خلال اضطهاد نيرون للمسيحيين.[6][7]

إن المسيحيين في القرون الثلاث الأولى كانوا جماعة محظورة في ظل الإمبراطورية الرومانية ولم يكن لديهم أي نشاط رسمي أو أبنية واضحة والكثير من الأبنية والكنائس، كانت سرية ومبنية في الضواحي البعيدة عن قلب روما، إن المشكلة الأساسية التي عانت منه كنيسة القرنين الثاني والثالث تمثلت في الاضطهادات الرومانية؛ فمنذ صدور مرسوم طرد المسيحيين من روما حوالي العام 58 وحتى العام 312 عانى المسيحيون من شتى أنواع الاضطهاد كان أقساها اضطهاد نيرون الذي شمل حريق روما، دومتيانوس الذي استمر سبعة وثلاثين عامًا، وخلال فترة تراجان، ماركوس أوريليوس، سبتيموس سيفيروس، ماكسيمين، ديكيوس، جالينوس، أوريليان، دقلديانوس وهي ما تعرف عمومًا في التاريخ المسيحي باسم الاضطهادات العشر الكبرى؛[8] لكن الأمور أخذت بالتحسن مع منشور غاليريوس التسامحي.

بيد أن الوضع قد تغير مع مرسوم ميلانو عام 313 والاعتراف بالمسيحية كأحد أديان الإمبراطورية ومنح حقوق لمعتنقيها؛[9] ومن ثم تحولها إلى دين الامبراطورية الرسمي في عهد الإمبراطور قسطنطين، الذي قدم قصر لاتران كهدية لأسقف روما، وهو المقر البابوي الأول قبل الانتقال إلى الفاتيكان.[10]

العصور الوسطى[عدل]

الولايات البابوية باللون البطيخي وسط إيطاليا، نهاية القرن الثامن عشر.

منذ بداية القرن السادس ولمدة تفوق الألف عام، كانت الفاتيكان تسيطر على مناطق واسعة من شبه الجزيرة الإيطالية؛ ودعيت هذه المناطق باسم الولايات البابوية وكانت تخضع مباشرة لحكم الكرسي الرسولي؛ وقد شملت حدود الدولة البابوية إضافة إلى روما مناطق ماركي وأومبريا ولاتسيو؛ وكانت واحدة من ست دول أخرى شكلت فيما بعد إيطاليا المعاصرة.[11]

إن السبب الرئيسي في نشوء الولايات البابوية هو انتقال عاصمة الإمبراطورية الرومانية إلى القسطنطينية، ما أدى إلى ضعف سيادة الإمبراطورية في روما، يضاف إلى ذلك ملكية الكنيسة لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وأراضي الأوقاف فضلاً عن الأديرة؛ هذه الأملاك حصلت عليها الكنيسة بشكل أساسي من تبرعات الأثرياء والهبات المقدمة في الكنائس، ويضاف إلى هذه الأسباب أيضًا شعبية البابا في روما وتنامي سلطته السياسية؛ ولم يكن تشكيل الولايات البابوية، قد حدث بشكل سلمي، إذ قد اندلع القتال بين البابا غريغوري الثاني والإمبراطور ليون الثالث، وانتهت الحرب لمصلحة البابا، لكن نفوذ القوط أو الإمبراطورية الرومانية المقدسة، كانت قد تزايدت بشكل واسع في أوروبا، وعندما هاجموا إيطاليا، تولى البابا الدفاع عن روما والأراضي المجاورة، واستطاع صد هجوم الإمبراطورية الرومانية المقدسة وأبرم معها اتفاقًا تضمن تراجع القوط عن روما والأراضي المجاورة؛[12] كذلك فقد تضمن الاتفاق حياد الكرسي الرسولي المطلق فيما يخص النزاع بين القوط والبيزنطيين؛[11] كانت تلك اللحظة الحاسمة في نشوء الولايات البابوية فعلى الرغم من أنّ هذه الولايات ظلت تتبع نظريًا للإمبراطورية البيزنطية إلا أنها كانت فعليًا قد نالت استقلالها الكامل وأبعدت في الوقت ذاته مخاطر الإمبراطورية الرومانية المقدسة عن حدودها.[13]

جرت الحرب القوطية بين القوط الشرقيين والإمبراطورية الرومانية الشرقية والتي تعرف أيضاً باسم الإمبراطورية البيزنطية. كانت صقلية الجزء الأول من إيطاليا الذي سيطر عليه الجنرال بيليساريوس بتكليف من الإمبراطور الشرقي جستنيان الأول.[14] وفيما بعد كانت صقلية قاعدة للبيزنطيين للاستيلاء على ما تبقى من إيطاليا حيث سقطت نابولي وروما وميلانو وعاصمة القوط الشرقيين رافينا في غضون خمس سنوات. مع ذلك فإن ملك القوط الشرقيين الجديد توتيلا قاد جيوشه إلى جنوب شبه الجزيرة الإيطالية ونجح في احتلال صقلية عام 550. توتيلا بدوره هزم وقتل في معركة تاجيناي على يد جيو القائد البيزنطي نارسيس عام 552.[15]

عرض أيوفيميوس سيادة صقلية على زيادة الله الأغلبي أمير تونس مقابل عودته إلى صقلية ومنحه منصب جنرال. فأرسل زيادة الله الأغلبي جيشاً بقيادة قاضي القيروان أسد بن الفرات[16] سنة 827. واجه الفتح الإسلامي مقاومة شديدة واستغرقهم الأمر قرناً من الزمان لإتمام السيطرة على الجزيرة. صمدت سيراكيوز لفترة طويلة، بينما سقطت تاورمينا عام 902، بينما خضعت كامل صقلية لجيوش المسلمين عام 965. وسمح للمسيحيين الأصليين حرية الدين كونهم من أهل الذمة لكن وجب عليهم دفع الجزية كما كانتهناك قيود على وظائفهم ولباسهم والقدرة على المشاركة في الشؤون العامة. بدأت إمارة صقلية بالتفتت نتيجة صراعات داخل الأسرة الحاكمة.

داخل كاتدرائية باليرمو، هي أشهر كنائس المدينة وإحدى أفضل الأمثلة المعروفة على العمارة البيزنطية.

توفي روجر الأول في العام 1101 للميلاد. خلفه ابنه روجر الثاني والذي كان أول ملك على صقلية. يعود النورمان الصقليون إلى سلالة هوتفيل منحدرين من الفايكنج. ذهل النورمان وأعجبوا بالثقافة الغنية للجزيرة. اعتمد العديد من النورمان في صقلية بعضاً من صفات الحكام المسلمين في اللباس واللغة والأدب، وحتى في وجود حراس القصر المخصيين لحراسة القصر والحريم. كما تأثروا أيضاً بالخلافة المتعددة الأعراق في قرطبة. أصبح بلاط روجر الثاني المركز الأكثر إضاءة للثقافة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط. اجتذب هذا الدارسين والعلماء والشعراء والفنانين والحرفيين من جميع الأنواع. تمتع المسلمون بنفوذ في عهد النورمان في صقلية، حيث عززت سيادة القانون وعاش المسلمون واليهود واليونان البيزنطيون والنورمان معاً لتشكيل مجتمع واحد. يجادل بعض المؤرخين أن بعض المباني في تلك الفترة وحتى الآن هي الأكثر استثنائية في العالم على الإطلاق.[17]

هاجرت أعداد كبيرة نوعاً ما من شمال إيطاليا وكامبانيا إلى صقلية خلال هذه الفترة. لغوياً، انتشرت اللغة اللاتينية وأصبحت تتبع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، بينما كانت سابقاً تحت الحكم البيزنطي مسيحية شرقية.[18]

لم تكن الدولة البابوية، خصوصًا في القرنين التاسع والعاشر، دولة مركزية قوية فقد ساد حكم الإقطاع المحليين بنسبة كبيرة، ولم يكن البابا حاكمًا زمنيًا يهتم بالأمور المعيشية والسياسية الداخلية، فسلطته كانت منحصرة في الأمور الخطيرة والسياسة الخارجية إلى جانب الدور الرمزي.[11]

هنري الرابع والبابا غريغوري السابع في كانوسا 1077، بريشة ايمانويل كارلو.

شهدت تلك الفترة جدالاً مستمرًا بين البابوات المتعاقبين وأباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة الألمان حول زعامة العالم المسيحي،[19] خصوصًا في عهد الإمبراطور أوتو، رغم أن البابوات قد توجوا شخصيًا عددًا من الأباطرة؛[20] غير أن هذه العلاقة الغير مستقرة لم تتأزم لتصل إلى حالة الحرب أو نزع الاعتراف المتبادل بين الكيانيين. يمكن القول أن ذروتها بلغت حين أقدم الإمبراطور أوتو على خلع البابا يوحنا الثاني عشر وخليفته بندكت الخامس، وتلاه خنق الإمبراطور كريستينوس للبابا بندكت السادس عام 974؛[21] ومن ثم انقسام البابوية إلى قسمين في القرن الرابع عشر، الأول في روما وينال شرعيته من قبل الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والثاني في أفنيغون في الجنوب الفرنسي، وينال شرعيته من سائر أوروبا أي بشكل رئيسي، إسبانيا وفرنسا وانكلترا.[22]

عُيّن أوتوني فيسكونتي رئيس أساقفة ميلانو في 22 يوليو 1262 على يد البابا أوربان الرابع متفوقاً على غريمه ريموندا ديللا تورّي أسقف كومو. لم يتقبّل الأخير خسارته وشرع ينشر ادعاءات قائلةً بقرب آل فيسكونتي من الكاثار -الذين اعتبرتهم الكنيسة الكاثوليكية خارجين عن المسيحية- واتهمهم بالخيانة العظمى. قام آل فيسكونتي بإطلاق التهم ذاتها على خصومهم، إلا أنهم طُردوا من المدينة وصُودرت مُمتلكاتهم. اشتعلت إثر ذلك حرب أهلية بين الطرفين أدت إلى إلحاق المزيد من الأضرار إلى سكان ميلانو واقتصادها مُثقلةً من كاهل المدينة، واستمرت أكثر من عقْد من الزمان. قاد أوتوني فيسكونتي مجموعةً من المنفيين ضد المدينة عام 1263، لكن حملته لم تُكلل بالنجاح. وبعد سنوات من تصاعد العنف بين الطرفين تمكن أوتوني أخيراً من استرداد حُكْم ميلانو إليه ولأسرته بعد الانتصار في معركة ديزيو عام 1277. وبذلك تمت الإطاحة بأسرة ديللا تورّي إلى الأبد، وظلّت ميلانو في حوزة آل فيسكونتي حتى حلول القرن الخامس عشر.

عصر النهضة[عدل]

أيقونة التجلي لرافائيل: تعتبر منعطف في تاريخ الرسم في عصر النهضة.

انتهت مرحلة الخلافات السياسية والانشقاقات وسادت مرحلة جديدة من ريادة التطور والأدب والثقافة والاختراعات العلمية التي قادت الفاتيكان دفتها خلال عصر النهضة؛ فأسست الفاتيكان جامعات باريس وفلورنسا وميلانو وعددًا آخر كبير من الجامعات الأقل شهرة. وافتتحت مكتبة الفاتيكان التي ضمت أعدادًا هائلة من المخطوطات والكتب النفيسة خصوصًا إثر سقوط القسطنطينية بيد السلطان محمد الفاتح العثماني، وتهريب نفائس المدينة وكنوزها نحو أوروبا.[23]

بدأت عام 1513، خلال حبرية البابا يوليوس الثاني، عملية بناء الفاتيكان بالشكل المتعارف عليه اليوم، من خلال بناء كاتدرائية القديس بطرس والكنيسة السيستينية وغيرها من المباني،[24] وقد استكمل خليفة البابا يوليوس الثاني، البابا ليون العاشر، عملية الإعمار هذه.[25] سوى ذلك فإن أعظم فناني عصر النهضة كليوناردو دا فينشي وميكيلانجيلو ورافائيل وميكافيللي وساندرو بوتيتشيلي وبيرنيني؛ كان الفاتيكان قد أبرم معهم عقود احتكار مدى الحياة. إن أغلب التحف الفنية القائمة حتى اليوم في مختلف أنحاء أوروبا والتي تعود لعصر النهضة، يعود الفضل في بنائها لتشجيع بابوات ذلك العصر.[26]

ساهم نجاح الفتوح في إسبانيا وتلاه اكتشاف العالم الجديد في تأمين الموارد المالية اللازمة لعصر النهضة،[27] وغالبًا ما كانت الحملات الاستكشافية تتم بمباركة الفاتيكان ما أدى إلى تدفق الذهب نحو إيطاليا، وتحولت المدن الإيطالية وعلى رأسها روما إلى عواصم الثقافة العالمية،[28] التي أخذت بشكل خاص طابع الجامعات والمستشفيات والنوادي الثقافية؛ وتطورت تحت قيادة الفاتيكان أيضًا مختلف أنواع العلوم خصوصًا الفلك،[28] والرياضيات،[29] والتأثيل،[30] والفلسفة،[28] والبلاغة،[30] والطب،[31] والتشريح،[32] والفيزياء خصوصًا الأرسطوية (أي المنسوبة إلى أرسطو[33] والفيزياء المكيانيكية خصوصًا أدوات الحرب،[30] إلى جانب العمارة والكيمياء والجغرافيا والفلسفة وعلوم النبات والحيوان.[30]

يمكن أن يذكر بشكل خاص كداعمين للفنون والعلوم كل من البابوات: إينوسنت الثامن وإسكندر السادس وبيوس الثاني ويوليوس الثاني وليون العاشر وأدريان السادس وكليمنت السابع وبولس الثالث.[34][35]

بيد أن السمعة الأخلاقية لبعض هؤلاء لم تكن كما يليق “للحبر الأعظم” أن تكون، فنسب البعض لإسكندر السادس وجود عدد من الخليلات له،[36] وأخذ على يوليوس الثاني شبقه نحو الحروب خصوصًا تلك التي قادها في مواجهة إمارة البندقية،[37] وأخذ أيضًا على ليون العاشر ولعه الشديد بالعمارة ووضعه صكوك الغفران(3) لتأمين التمويل اللازم لاستكمال المشاريع العمرانية الفنية الضخمة،[38] إثر تراجع كمية الذهب المورد إلى أوروبا عن طريق البعثات الاستكشافية. يذكر أن الأوضاع الاقتصادية كانت مزرية للغاية قبل عصر النهضة خلال القرن الثالث عشر.[39]

كأس نبيذ مع تشيزري بورجا، يظهر في اللوحة البابا إسكندر السادس محاط بإبنائه تشيزري وجيوفاني ولوكريسيا بورجيا: كانت عائلة بورجيا البابويَّة من أبرز الرعاة للفنون وأدى دعمهم للسماح للعديد من الفنانين في عصر النهضة بتحقيق إمكاناتهم.

كانت رعاية الفاتيكان للعلوم قد بدأت واستمرت طوال القرنين الثاني عشر والثالث عشر وتمثلت في ترجمة الكتب الفلسفية وكتب علم الاجتماع عن طريق بيزنطة من ناحية وعن طريق قرطبة والأندلس من ناحية أخرى؛ أغلب هذه الأعمال كانت أعمال الفلاسفة اليونان القدماء، أمثال أرسطو وأفلاطون وتعليقات عدد من العلماء والفلاسفة العرب عليها أمثال ابن رشد وابن خلدون؛ وقد كانت الأديار ومكتباتها هي المراكز العلمية الرائدة والجامعات الكبرى في أوروبا خلال تلك الفترة.

شهدت مرحلة عصر النهضة أيضًا، الانشقاق البروتستاني في ألمانيا،[40] وانعقاد مجمع ترنت الإصلاحي الذي امتدّ أكثر من عقدين من الزمن،[41] والذي واكب فيه الفاتيكان التطور العلمي السائد في أوروبا على المستوى الديني، فتمّ مكافحة الفساد الذي أخذ بالظهور ضمن البلاط البابوي، وتمت مأسسة الكنيسة بشكل جيد وحديث، وتمت عقلنة الممارسات المسيحية الكنسية، استنادًا على الفلسفة خصوصًا فلسفة أرسطو؛ كذلك فقد شهدت تلك الفترة ميلاد عدد من المؤسسات الرهبانية الكاثوليكية الفاعلة حتى اليوم، والتي لعبت عظيم الأثر في تاريخ الفاتيكان، واعتلى عدد من رهبانها ما يدعوه ويل ديورانت أقدم عرش في العالم، أمثال، الرهبنة اليسوعية،[42] والفرنسيسكانية.[43]

أدى التحالف المقدس بين إسبانيا هابسبورغ والكرسي الرسولي إلى اضطهاد منهجي لأي حركة بروتستانتية وكانت النتيجة بقاء إيطاليا دولة كاثوليكية بوجود بروتستانتي هامشي. خلال حكمها الطويل لإيطاليا نهبت الإمبراطورية الإسبانية البلاد بشكل منتظم وفرضت الضرائب الثقيلة. كما تدخلت في أمور الفاتيكان وأحكمت قبضتها على شؤونه. علاوة على ذلك كانت الإدارة الإسبانية بطيئة وغير فعالة ودامت آثارها الاجتماعية حتى العصر الحالي في جنوب إيطاليا، حيث كان الحكم الإسباني فعالًا. كما أسس الراهب الدومينيكاني جيرولامو سافونارولا حكومة ثيقراطية في فلورنسا مميزًا أيّاها بأنها «جمهورية مسيحية ودينية» بعد صراع مع آل ميديشي وانتقال السلطة اليه.[44]

العصور الحديثة[عدل]

البابا فرنسيس يبارك الحشود خلال زيارته مدينة نابولي في مارس 2015.

كانت الثورة الفرنسية وحملات نابليون بونابرت على إيطاليا خلال القرن الثامن عشر شديدة الوطأة على الولايات البابوية وعلى الفاتيكان، ورغم أنّ هذا الخطر قد زال مع سقوط دولة نابليون عام 1816 والمحاولات الإصلاحية الليبرالية التي قام بها البابا غريغوري السادس عشر إثر ارتقاءه السدّة البابوية، إلا أنّ عصر القوميات وتنامي فكرة القومية الإيطالية بشكل مطرد منذ عام 1814،[45] ومن ثم تفاقم عقيدة القومية الإيطالية أدت في النهاية إلى إعلان المملكة الإيطالية الحرب على الفاتيكان عام 1870.

اجتاحت القوات الإيطالية أراضي الولايات البابوية، وفرضت الحصار على روما في 19 أيلول 1870، ورفض البابا بيوس التاسع استعمال أي قوة عسكرية باستثناء بعض المقاومة الرمزية التي أبداها الحرس السويسري، فسقطت المدينة يوم 20 أيلول دون مقاومة تذكر؛[46] وجرى استفتاء عام في تشرين الأول جرى من خلاله ضم الدولة البابوية إلى المملكة الإيطالية، رغم ذلك فإن الفاتيكان والمباني المحيطة به ظلت ذات حكم خاص في ظل هذا الوضع الذي دعي به البابوات بشكل مجازي "سجناء روما"؛ واستمرت العلاقة بشكل غير منظم قانونيًا حتى عام 1929 حين أبرمت اتفاقيات لاتران الثلاثة، التي أوجدت الفاتيكان بالشكل المتعارف عليه اليوم، ونظمت التعاون السياسي، الاقتصادي والأمني بين إيطاليا والفاتيكان.

خلال العصور الحديثة، شهدت الفاتيكان استضافة مجمعين كبيرين وهامين في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية وعلاقاتها ورؤيتها للعالم، هذين المجمعين هما المجمع الفاتيكاني الأول بدعوة من البابا بيوس التاسع عام 1869 وختم أعماله عام 1870.[47] والمجمع الفاتيكاني الثاني بدعوة من البابا يوحنا الثالث والعشرون عام 1963 وختم أعماله خلال حبرية بولس السادس عام 1965، واضعًا أسسًا وقواعد جديدة لتنظيم الكنيسة الكاثوليكية.[48]

الطوائف المسيحية[عدل]

الرومانية الكاثوليكية[عدل]

أربعة كنائس من إيطاليا وهي من الأعلى واليسار: كاتدرائية ميلان وكاتدرائية فلورنسا وكنيسة القديس مرقس (كاتدرائية البندقية) وكاتدرائية سيراكيوز.

الكنيسة الكاثوليكية الإيطالية هي جزء من الكنيسة الكاثوليكية العالمية في ظل القيادة الروحية للبابا في روما ومجلس الأساقفة الإيطالي. بالإضافة إلى إيطاليا تندرج دولتان أخرتان ذاتا سيادة في الأبرشيات الإيطالية وهما سان مارينو ومدينة الفاتيكان. وعلى الرغم من أن الفاتيكان لا تعتبر جزءاً من إيطاليا وفق القانون، فإنها تقع في روما وتستخدم فيها اللاتينية والإيطالية.[49] تتبع الكنيسة الكاثوليكية الإيطالية 225 أبرشية.

تمتلك إيطاليا ثقافة كاثوليكية غنية بوجود العديد من القديسين والشهداء والباباوات الطليان. ازدهر الفن الروماني الكاثوليكي في إيطاليا في العصور الوسطى وعصر النهضة والباروك مع فنانين إيطاليين مثل ميكيلانجيلو وليوناردو دا فينشي ورافاييل وكارافاجيو وفرا أنجيليكو وجان لورينزو برنيني وساندرو بوتيتشيلي وتينتوريتو وتيتيان وجيوتو. تعتبر الهندسة المعمارية الكاثوليكية في إيطاليا غنية أيضاً ومثيرة للإعجاب، فهناك كنائس وكاتدرائيات مثل كاتدرائية القديس بطرس وكاتدرائية فلورنسا وكنيسة القديس مرقس. وفقًا للتقاليد المسيحية يعتبر كل من فرنسيس الأسيزي وكاترين السينائيّة رعاة إيطاليا.[50]

يعتنق أغلب الطليان المسيحية ديناً على المذهب الروماني الكاثوليكي، الذي يعدّ أكبر مذهب في البلاد، حيث يعتبر حوالي 87.8% من الإيطاليين أنفسهم كاثوليك. تعتبر إيطاليا موطناً لأكبر عدد من الكرادلة في العالم،[51] كما تضم أكبر عدد من الكنائس الكاثوليكية الرومانية للفرد الواحد.[52] وتضم إيطاليا أكبر تجمع كاثوليكي في أوروبا وخامس أضخم تجمع كاثوليكي في العالم بعد البرازيل، المكسيك، الولايات المتحدة والفلبين.[53]

الطوائف المسيحية الأخرى[عدل]

على الرغم من أن المذهب المسيحي الرئيسي في إيطاليا هو الكاثوليكية، إلا أن هناك بعض الأقليات من البروتستانت والولدينسيين والأرثوذكسية الشرقية والكنائس المسيحية الأخرى.

في القرن العشرين، كان شهود يهوه والخمسينية والإنجيلية غير الطائفية والمورمونية من الكنائس البروتستانتية الأسرع نمواً. بينما زادت الهجرة من أفريقيا الغربية والوسطى والشرقية في بداية القرن الحادي والعشرين من أعداد المعمدانيين والأنجليكان والمجتمعات الإنجيلية الخمسينية في إيطاليا في حين أن الهجرة من أوروبا الشرقية قد انتجت زيادة كبيرة في عدد المجتمعات الشرقية الأرثوذكسية.

في عام 2006، شكل البروتستانت 2.1% من تعداد سكان إيطاليا، بينما ضمت الكنائس الأرثوذكسية الشرقية 1.2% من السكان. تضم الجماعات المسيحية الأخرى في إيطاليا أكثر من 700,000 من المسيحيين الأرثوذكس الشرقيين بما في ذلك 180,000 من الروم الأرثوذكس،[54] و550,000 من العنصرة والإنجيليين (0.8%) الذين منهم 400,000 أعضاء في جمعيات الرب و235,685 شهود يهوه (0.4%)،[55] و30,000 من الولدينسيين [56] و25,000 من السبتيين والمورمون 22,000 و15,000 من المعمدانيين (بالإضافة إلى 5,000 من المعمدانيين الأحرار) واللوثريون 7,000، و4,000 من الميثوديين (التابعة للكنيسة الولدينسية).[57]

الثقافة[عدل]

الدين الأكثر انتشارًا معظم الأراضي الإيطالية هي المسيحية الكاثوليكية، حيث لا تزال الكنيسة تلعب دوراً هاماً في حياة معظم الطليان. لا يزال الطليان يحضرون الكنيسة أسبوعيًا أو على الأقل لإقامة المهرجانات الدينية والزواج. يتبع أغلبيّة الكاثوليك في إيطاليا الطقس الروماني وهو واحد من الطقوس اللاتينية المستخدمة في الكنيسة الغربية أو اللاتينية، في حين يتبع الكاثوليك في مدينة ميلانو التقليد الطقس الأمبروزي (بالإيطالية :Rito ambrosiano)، وهو طقس ديني من تقاليد الكاثوليكية الغربية وسميّ على إسم أمبروز، وهو قديس حسب التقاليد المسيحية وأحد الرموز المؤثرة في تاريخ الكنيسة في مدينة ميلانو. يتبع عدد من الكاثوليك في جزيرة صقلية الطقس البيزنطي ويعود ذلك الى الإرث والتأثير البيزنطي للجزيرة.

الأسرة هي صميم الثقافة الكاثوليكية الإيطاليَّة كما كانت دائماً على مدى الأجيال. يعيش أفراد الأسرة في كثير من الأحيان قرب بعضهم البعض وأحياناً في نفس المجمع السكني. يقطن عادة الأبناء والبنات مع الوالدين حتى الزواج والذي يميل إلى التأخر حالياً مقارنة بما كان عليه سابقاً. أزواج اليوم ينجبون عدداً أقل من الأطفال من ذي قبل، ولكن الرضع والأطفال يتمتعون بالكثير من التبجيل في الثقافة الكاثوليكية الإيطاليَّة ودائمًا تقريبًا ما يرافقون آبائهم إلى المناسبات الاجتماعية.

حفلات الزفاف الإيطاليَّة فخمة ومكلفة وتقليدية وتجري عادة في الكنيسة. الكنيسة الكاثوليكية لاعب أساسي مهم في الحياة الإيطاليَّة. تقلد تقريبًا جميع الأماكن العامة بالصلبان على جدرانها وتحتوي معظم المنازل الإيطاليَّة على صور القديسين وتماثيل وقطع أثرية أخرى. تمتلك كل بلدة ومدينة شفيعها القديس الخاص، وخلال أيام العيد تزين المواكب الشوارع وتعرض الألعاب النارية.

تضم المهرجانات الإيطاليَّة الدينية أيضًا بريسيبي فيفنتي (مشهد ميلاد يسوع) والذي يجري في وقت عيد الميلاد. الجمع بين الدين والتراث الشعبي بشكل حاذق في القرى الإيطاليَّة من القرن التاسع عشر تشهد مشهد ميلاد يسوع حيث يرتدي الناس من جميع الأعمار أزياء من تلك الفترة وينتحل البعض العائلة المقدسة بينما غيرهم يتخذون دور العاملين والحرفيين. تنتهي عادة بعيد الغطاس مع وصول المجوس على ظهور الخيل.

مراجع[عدل]

  1. ^ إيطاليا (بالإنجليزية) - كتاب حقائق العالم، وكالة الاستخبارات الإمريكية، 9 نيسان 2011.
  2. ^ Sorprese in un'enciclopedia che censisce le fedi d'Italia
  3. ^ مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية، القمص ميخائيل جريس ميخائيل
  4. ^ التفسير التطبيقي، للعهد الجديد، لجنة من اللاهوتيين، دار تايدل للنشر، بريطانيا العظمى، طبعة ثانية 1996، ص.512
  5. ^ مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية - القمص ميخائيل جريس ميخائيل
  6. ^ راجع، التفسير التطبيقي، مرجع سابق، ص. 750
  7. ^ القدّيس بولس- استشهاد القدّيس بولس وإرثه - تعليم 4 فبراير (شباط) 2009
  8. ^ الاستشهاد في المسيحية
  9. ^ الاستشهاد في المسيحية، الأنبا تكلا، 28 تشرين أول 2010.
  10. ^ تاريخ الحضارة، وول ديورانت، المجلد الرابع، الكتاب الخامس، الباب الثامن والعشرون، 5285 وما تلاها على هذا الرابط تاريخ الحضارة
  11. ^ أ ب ت Papal States، موقع أوهايو، 28 تشرين أول 2010.
  12. ^ Papal state papal state، الموسوعة العالمية الجديدة، 28 تشرين اول 2010.
  13. ^ Sutri, Bassano and Monterosi romeartlover.it 28 تشرين أول 2010.
  14. ^ Hearder, Harry. Italy: A Short History. Cambridge University Press. ISBN 978-0521337199. 
  15. ^ "Gothic War: Byzantine Count Belisarius Retakes Rome". Historynet.com. 7 October 2007. 
  16. ^ تاريخ ابن الاثير، بيت الأفكار الدولية، ص.919
  17. ^ Norman Sicily
  18. ^ "Sicilian Peoples: The Normans". BestofSicily.com. 7 October 2007. 
  19. ^ The Relationship between Church and State before the Reformation، christ.org، 28 تشرين أول 2010.
  20. ^ hsitory of the holy roman empire، historyworld.net، 28 تشرين أول 2010.
  21. ^ Pope Benedict V، الموسوعة الكاثوليكية، 28 تشرين أول 2010.
  22. ^ تاريخ الحضارة، ويل ديورانت، المجلد الخامس، الكتاب الرابع، الباب الرابع عشر، 6944 وما تلاها.
  23. ^ الكنيسة والعلم، جورج مينوا، دار الأهالي، دمشق 2005، طبعة أولى، ص.167
  24. ^ Basilica of st.peter، الموسوعة الكاثوليكية، 28 تشرين أول 2010.
  25. ^ Pope Leo X، الموسوعة الكاثوليكية، 28 تشرين أول 2010.
  26. ^ عصر النهضة وتأثيراته الفنية والسياسية، موقع العراق، 28 تشرين أول 2010.
  27. ^ الكنيسة والعلم، جورج مينوا، دار الأهالي، دمشق 2005، طبعة أولى، ص.167
  28. ^ أ ب ت الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.298
  29. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.267
  30. ^ أ ب ت ث الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.294
  31. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.257
  32. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.220
  33. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.263
  34. ^ عصر النهضة
  35. ^ مكتبة الفاتيكان: الأكثر سرية وصرامة في العالم
  36. ^ تاريخ الحضارة، وول ديورانت، المجلد الخامس، الكتاب الخامس، الباب السادس عشر، الفصل الثاني، 7025 وما يتلوها.
  37. ^ تاريخ الحضارة، وول ديورانت، المجلد الخامس، الكتاب الخامس، الباب السابع عشر، الفصل الثاني، 7085 وما يتلوها.
  38. ^ تاريخ الحضارة، وول ديورانت، المجلد الخامس، الكتاب الخامس، الباب الثامن عشر، الفصل الأول، 7150 وما يتلوها.
  39. ^ تاريخ الحضارة، وول ديورانت، المجلد الخامس، الكتاب الخامس، الباب الخامس عشر، 6965 وما يتلوها.
  40. ^ البروتستانت صيد الفوائد، 28 تشرين أول 2010.
  41. ^ Council of trent، الموسوعة الكاثوليكية، 28 تشرين أول 2010.
  42. ^ Historty of the jesuits، World history، 28 تشرين أول 2010.
  43. ^ الرهبنة الفرنسيسكانية
  44. ^ سافونارولا (1453- 1498) الدولة والدين
  45. ^ الوحدة الإيطالية، موقع أدب، 28 تشرين أول 2010.
  46. ^ Pope pius Ix، الموسوعة الكاثوليكية، 28 تشرين أول 2010.
  47. ^ المجمع الفاتيكاني الأول، الموسوعة العربية المسيحية، 28 تشرين أول، 2010.
  48. ^ المجمع الفاتيكاني الثاني، الموسوعة العربية المسيحية، 28 تشرين أول 2010.
  49. ^ "Country proملف: Vatican". BBC News. 26 October 2009. اطلع عليه بتاريخ 5 May 2010. 
  50. ^ Breve Pontificio con il quale San Francesco d'Assisi e Santa Caterina da Siena vengono proclamati Patroni Primari d'Italia (18 giugno 1939) | PIO XII
  51. ^ The Cardinals of the Holy Roman Church - Living cardinals arranged by country
  52. ^ Italy - Language, Culture, Customs and Etiquette | global-etiquette | resources
  53. ^ المسيحية في العالم: تقرير حول حجم السكان الكاثوليك وتوزعهم في العالم
  54. ^ The Holy Orthodox Archdiocese of Italy and Malta
  55. ^ (باللغة إيطالية) Center for Studies on New Religions
  56. ^ (باللغة إيطالية) Waldensian Evangelical Church
  57. ^ World Council of Churches

انظر أيضًا[عدل]