الموحدون الدروز والمسيحية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
بيت الدين في قضاء الشوف، يتعايش المسيحيين والدروز في العديد من بلدات بلاد الشام.

العلاقة بين الموحدون الدروز والمسيحية إتسمت بالوديَّة من الناحية التاريخيَّة بإستثناء بعض الفترات منها الفتنة الطائفية الكبرى لعام 1860. وقد اختلط أتباع الطوائف المسيحية والدروز وكان من نتيجة هذا التقارب والتجاور وجود قرى وبلدات مختلطة بين المسيحيين والدروز في جبل الدروز وجبل لبنان ومنطقة الجليل، كما اعتنق عدد من الدروز الديانة المسيحية وكان أبرزهم بعض آمراء آل شهاب. على صعيد المقارنة الدينيّة لا تؤمن الطوائف المسيحية بالتناسخ، وذلك على خلاف معتقدات الدروز كما أن المسيحيّة ديانة تبشيرّية وذلك على خلاف الدروز حيث أغلقوا باب اعتناق المذهب. في حين أن أوجه التشابه تتمثل في وجهة النظر الدروز والمسيحيين للزواج والإيمان بوحدانية الله.

المقارنة الدينية[عدل]

رجال مسيحيين إلى جانب رجل درزي من جبل لبنان في عام 1873.

المسيحية هي ديانة إبراهيمية، وتوحيدية،[1] متمحورة في تعاليمها حول الكتاب المقدس، وبشكل خاص يسوع،[2] الذي هو في العقيدة متمم النبؤات المنتظر، وابن الله المتجسد؛[3][4][5] الذي قدّم في العهد الجديد ذروة التعاليم الروحيّة والاجتماعية والأخلاقية، وأيّد أقواله بمعجزاته؛ وكان مخلّص العالم بموته وقيامته، والوسيط الوحيد بين الله والبشر؛ وينتظر معظم المسيحيين مجيئه الثاني، الذي يختم بقيامة الموتى، حيث يثيب الله الأبرار والصالحين بملكوت أبدي سعيد. والدروز هم فرقة باطنية منشقة عن الطائفة الإسماعيلية، وهم يُنسبون إلى محمد بن إسماعيل الدرزي، أحد دعاة الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله.[6] وهم يؤمنون بالتوحيد، فالله واحد أحد لا بداية له ولا نهاية، وبأن الدنيا تكونت بقوله "كوني" فكانت، وبأن الأعمار مقدّرة، وهم يكرمون الأنبياء المذكورين في الكتب المنزلة.[7] وأبرز ما يختلف به الدروز عن سائر الفرق الإسلامية، اعتقادهم بالتناسخ، أي أن الأرواح البشرية تتناسخ أو تتقمص، أي تنتقل عند الوفاة من إنسان لإنسان مثله.[8] ويحرص الدروز على الفضائل ويقدمونها على بعض الفروض الدينيّة. ويعتبر الدروز أنفسهم من المسلمين، إلا أن علماء السنّة والشيعة كان لهم نظرات أخرى لهذا الادعاء، حيث قبله البعض ورفضه البعض الآخر.[9][10]

على صعيد المقارنة الدينيّة لا تؤمن الطوائف المسيحية بالتناسخ، أي أن الأرواح البشرية تتناسخ أو تتقمص، وذلك على خلاف معتقدات الدروز كما أن المسيحيّة ديانة تبشيرّية وذلك على خلاف الدروز حيث أغلقوا باب اعتناق المذهب. في حين أن أوجه التشابه تتمثل في وجهة النظر الدروز والمسيحيين للزواج، في المذهب الدرزي لا يتزوجون إلا بواحدة وإذا طلّق أحدهم امرأته فلا يجوز له ردها، وفي المسيحية لا يعتبر تعدد الزوجات شكلاً من أشكال الزواج المقبولة داخل المسيحية، ففي العهد الجديد دعى يسوع إلى وحدانية الزواج،[11] وترفض اليوم معظم الطوائف المسيحية تعدد الزوجات كما تنظر المبادئ المسيحية للزواج على أنه علاقة أبدية. لذلك من الصعب الحصول على الطلاق نظرًا لكون الزواج عقدًا غير منحل،[12] فقد فيّد القانون الكنسي حق الطلاق بعدة قيود لكن لم يصل إلى إلغائه، وظهرت أوضاع أخرى من التسهيلات كفسخ الزواج أو الهجر.

وتتضمن عقيدة الموحدين الدروز بعض العناصر المسيحية،[13] أما النظرة الدرزية ليسوع أو عيسى بن مريم كما يَقُول القرآن، فهي تتفق مع المسيحية بكونه المسيح وبصحة الميلاد العذري، واجتراح عجائب وآيات، والعودة في آخر الزمان، وتعتبره نبيًا بيد أنها تنفي الصلب، وأنه إله أو ابن إله، والدور الكفاري، والبعد الماورائي. ويذكر الكتاب المقدس النبي شعيب وهو النبي الرئيسي في مذهب التوحيد، أنه بعث لأهالي قوم مدين وصاهر النبي موسى.[14][15]

تاريخ[عدل]

في عهد بشير الثاني الشهابي اعتنق بعض من آمراء آل شهاب من الشهابيين الدروز المسيحية ديناً.

يتمركز الغالبية الساحقة من الدروز في سوريا ولبنان وإسرائيل، وهناك قرى وبلدات مشتركة مشتركة بين الدروز والمسيحيين على طوائفهم المختلفة. ويعيش المسيحيون في بعض القرى ذات الغالبيَّة الدرزية وكذلك يعيش الدروز كأقلية في ظل أكثرية مسيحية في بعض البلدات والقرى من بلاد الشام. وقد اختلط أتباع الطوائف المسيحية والدروز وكان من نتيجة هذا التقارب والتجاور وجود قرى وبلدات مختلطة بين المسيحيين والدروز في جبل الدروز وجبل لبنان ومنطقة الجليل كما اعتنق عدد من الدروز الديانة المسيحية،[16] منهم اعتناق المسيحية على مذهب الكنيسة المارونية من قبل بعض آمراء آل شهاب.[17] وساهم أمير الدروز فخر الدين المعني الثاني، عن غير وعي بأفول نجم الدروز. فبسبب الحملات العثمانية لتأديبهم، تضاءل عددهم حتى اضطروا، بمباركة فخر الدين، إلى السماح أو حتى التشجيع على هجرة المسيحيين، أو الموارنة منهم، من جبل لبنان الشمالي نحو جبل الدروز. ومع مرور الزمن، أصبح الوافدون المسيحيون أكثر عدداً من أصحاب الأرض، وقد عمل المسيحيين في الإمارة الدرزية في مهن مثل النجارة والحدادة والصياغة والصناعات الخفيفة. وبسبب ظروف سياسية وتاريخية أخرى استطاع المسيحيون الإمساك بزمام السلطة.[18]

في عهد بشير الثاني الشهابي اعتنق البعض من الشهابيين الدروز المسيحية ديناً، وكان من بينهم أبناء الأمير بشير وبشير نفسه بحسب الظاهر، ومما هو متوافق عليه من أسباب تحولهم، هو التأثير الذي خضعوا له من قبل مربيهم ومستشاريهم المسيحيين منذ طفولتهم، وعيشهم في جبل لبنان ذي الأغلبية المسيحية المارونية والدرزية، فشكلت كل هذه العناصر برودا لعلاقتهم مع دين آبائهم وأجدادهم أي الإسلام.[19] يُقال أن الأمير علي الشهابي، كان أول من اعتنق المسيحية سرّا وذلك في عهد الأمير يوسف، وفي هذه الرواية المزعومة، كان الأمير قد أحب امرأة درزية وبادلته الحب، لكنها خافت أن يستخدم حقه الشرعي ويتزوج عليها في المستقبل إن دخل علاقتهما أي ملل، من هنا توجهت نحو الدين الذي يؤمن لها مرادها، وبواسطة بطريرك ماروني موهوب، نجحت في تحويل زوجها إلى المسيحية. ويقول بعض المؤرخين أن بشير الثاني اعتنق المسيحية سرّا واستمر بتأدية الفرائض الإسلامية، كأن يُصلي في المسجد يوم الجمعة، ويصوم شهر رمضان علنا، ولكنه كان أيضا يقيم في قصره قدّاسا يوميّا يخدم فيه راهب كاثوليكي، تحت ستار مفاده أن زوجته الشركسية اعتنقت الدين المسيحي. ويقول بعض الرحالة، مثل لامارتين الذي زار لبنان سنة 1832، أن دين الأمير كان في واقع الأمر لغزا محيرا، حيث لم يستطع أحد إثبات شيء عليه.[20]

تاريخيًا كانت العلاقات بين المسيحيين والدروز وديّة بإستثناء بعض الفترات كالفتنة الطائفية الكبرى لعام 1860 وما نجم عنها من مذابح في جبل لبنان ودمشق وسهل البقاع وجبل عامل بين المسلمين والمسيحيين عمومًا، والدروز والموارنة خصوصًا. وفي عام 1948 جمع الحكام العسكريين الإسرائيليين المواطنين المسيحيين في مراكز بعض القرى في منطقة الجليل، من أجل ترحيلهم من البلاد، فقام زعماء القرية الدروز، وأصرّوا على إبقاء جميع المواطنين المسيحيين في بيوتهم، واستعملوا كل نفوذهم وقدراتهم، من أجل أن يظل المواطنون المسيحيون في بيوتهم.[21]

مراجع[عدل]

  1. ^ تؤكد المراجع الأكاديمية المختلفة وَضِع ومكانة الديانة المسيحية كديانة توحيديّة. منها: الموسوعة الكاثوليكية (في مقالة "توحيدية")؛ ووليام ف. أولبرايت في (كتاب من العصر الحجري إلى المسيحية)، وريتشارد نيبور في (كتاب مصادر الأديان التوحيدية)، وكيرش في (كتاب الله ضد الآلهة)، وودهيد في (كتاب مقدمة إلى المسيحيةوموسوعة كولومبيا في (مقالة توحيدية)، وفي القاموس الجديد الثقافي في (مقالة توحيدية)، وفي قاموس اللاهوت الجديد في (مقالة بولس؛ صفحة. 496–99)، وفي الموسوعة البريطانية (مقالة التوحيد) و(مقالة مسيحيّة) حيث تذكر: يضع الباحثين المعاصرين محور التقليد الإيمان المسيحي في سياق الأديان التوحيدية. (بالإنجليزية)
  2. ^ ماهو الإنجيل؟، الإنجيل العربي، 10 كانون الثاني 2010.
  3. ^ هل المسيح هو الله؟
  4. ^ نبوات العهد القديم عن الميلاد، الأنبا تكلا، 10 كانون الثاني 2010.
  5. ^ قانون الإيمان المسيحي، تاريخ الأقباط، 10 كانون الثاني 2011.
  6. ^ "About the Faith of The Mo’wa’he’doon Druze" by Moustafa F. Moukarim[وصلة مكسورة] نسخة محفوظة 26 أبريل 2012 على موقع واي باك مشين.
  7. ^ المعتقد الدرزي تأليف سامي نسيب مكارم
  8. ^ BBC - h2g2 - The Druze نسخة محفوظة 04 نوفمبر 2010 على موقع واي باك مشين.
  9. ^ إسلام ويب، موسوعة الفتاوى: من هم الدروز؟ نسخة محفوظة 31 أغسطس 2010 على موقع واي باك مشين.
  10. ^ مجموع الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام، الجزء 35
  11. ^ متى 19 6/4
  12. ^ سر الزواج في تعليم الكنيسة الكاثوليكية، كنيسة الإسكندرية القبطية، 7 تشرين أول 2010.
  13. ^ Doniger، Wendy. Merriam-Webster's Encyclopedia of World Religions. Merriam-Webster, Inc. ISBN 0-87779-044-2. 
  14. ^ Corduan، Winfried (2013). Neighboring Faiths: A Christian Introduction to World Religions. صفحة 107. ISBN 0-8308-7197-7. 
  15. ^ Mackey، Sandra (2009). Mirror of the Arab World: Lebanon in Conflict. صفحة 28. ISBN 0-393-33374-4. 
  16. ^ الدروز نسخة محفوظة 12 أغسطس 2017 على موقع واي باك مشين.
  17. ^ حول لبنان وفلسطين والحوار الاسلامي-المسيحي؛ الأب يواكيم مبارك، دار الفارابي، 2014: ص.50.
  18. ^ الدروز... "فرقة ناجية" من المتغيّرات التي أفنت وقد تفني مجموعات كثيرة؛ رصيف 22، 7 مايو 2016.
  19. ^ سوريا ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركي، اعتناق الشهابيين للمسيحية، صفحة 118 - 123
  20. ^ يقول لامارتين أن الأمير بشير لم يُظهر أية قناعات داخلية أمام الناس، فقد كان مسلما مع المسلمين، مسيحيا مع المسيحيين، ودرزيّا مع الدروز، ولعلّه فعلا كان غير مؤمن بأي من هذه الأديان، أو كان يُظهر للجميع بأنه لا يميل إلى طائفة دون الأخرى، في بلد كلبنان، كي لا يترك مجالا لأحد أن يأخذ عليه مأخذا، خصوصا أنه كان معروف عنه مقدرته الخارقة على إخفاء نواياه.
  21. ^ العلاقات الدرزية المسيحية في أعقاب زيارة البابا للبلاد

انظر أيضًا[عدل]