النظرة اليهودية ليسوع
| جزء من سلسلة حول |
لا يعتبر يسوع في اليهودية شخصية مرسلة من قبل الإله، فهو ليس الماشيح ولا حتى نبي بوصفه لم يتمم النبؤات الكتابية حوله؛ الانتقادات اليهودية لشخص يسوع بدأت منذ رسالته، إذ تذكر الأناجيل وصفه من قبل رجال الدين اليهود بالممسوس من قبل الشيطان؛ وأراد الحاخام الأكبر جمالائيل الثاني بعد خراب الهيكل عام 70 أن يضيف في الصلوات اليومية لعنات ضد المارقين على اليهودية ومن بينهم حسب رأيه يسوع، إلا أنه عاد وعدل عن ذلك؛[1] في حين قال الرابي موسى بن ميمون في كتابه «ميشناه التوراة»:
| أما عن يسوع الناصري الذي ادعى أنه المسيّا، وقُتل بأمر المحكمة، كان النبي دانيال قد سبق وتنبأ عنه: "وأطفال ثوار شعبك سيرفعون أنفسهم لمرتبة النبوة فيتعثرون"، فهل يمكن أن توجد صخرة عثرة أكبر من هذه؟ كل الأنبياء أجمعوا على أن المسيّا سوف يخلص إسرائيل وينقذه وبأنه سيجمع المشتتين ويقيم الوصايا، بينما سبب الناصري ضياع إسرائيل بحد السيف وتفرق من تبقى منهم في كل مكان، كما أنه غيّر التوراة وتسبب بحصول خطأ فظيع." |
الانتقاد اليهودي ليسوع يعود فترة طويلة؛ ويتضمن التلمود، والذي كتب وجمع من القرن الثالث إلى القرن الخامس الميلادي،[2] قصصًا كانت تعتبر خلال العصور الوسطى حكايات مسيئة عن يسوع.[3] وفي واحدة من هذه القصص، يوصف («يسوع الناصري»)، كمرتد بذيء من قبل المحكمة اليهودية العليا وأتهم بنشر عبادة الأصنام وممارسة السحر.[4] وغالبية العلماء المعاصرين يعتبرون أن هذه المادة لا توفر أي معلومات عن يسوع التاريخي.[5] ويعتبر علماء التلمود المعاصرين هذه تعليقات تتطرق إلى العلاقة بين اليهودية والمسيحيين أو الطوائف الأخرى، بدلاً من التعليقات على يسوع التاريخي.[6][7] وفي مشناه توراة، وهو عمل في أواخر القرن الثاني عشر عن الشريعة اليهودية كتبه موسى بن ميمون، ينص على أن يسوع هو «حجر عثرة» الذي يجعل «غالبية العالم يخطئ ويخدم إلهًا غير الرب».[8] ويحتوي الأدب العبري في العصور الوسطى على «حياة يسوع» القصصية والمعروفة أيضًا باسم طليدوت يشو (بالعبريَّة: ספר תולדות ישו)، والتي وصف فيها يسوع بأنه ابن يوسف النجار، كابن بانديرا الروماني. ويصور النص يسوع كمحتال.[9]
كذلك فإن اليهودية الإصلاحية تعلن بشكل صارم بأن كل يهودي يصرح بان يسوع هو المسيح المخلص فهو ليس بيهودي بعد، فبحسب التقليد اليهودي فأن السماء لم ترسل أنبياء بعد عام 420 ق.م،[10] فيكون بذلك النبي ملاخي هو آخر الأنبياء في اليهودية وهو سابق للمسيح بأربعة قرون. لم يمنع ذلك، مدح بعض الشخصيات اليهودية يسوع والكتابة عنه بشكل إيجابي، منهم الفيلسوف التشكيكي باروخ سبينوزا الذي اعتبره لا نبيًا فحسب بل «صوت الله»،[11] وموسى مندلسون وهو من مفكرين حركة التنوير اليهودية الذي أعتبر يسوع معلمًا أخلاقيًا ويهوديًا،[12] والفيلسوف اليهودي مارتن بوبر الذي أعتبر يسوع شخصية ذات شأن.[13]
قال الحاخام موسى بن ميمون كبير الاهوتيين اليهود في العصور الوسطي بإن سلطة إله إسرائيل لا تنحصر باليهود، بل تمتد إلى الأمم الأخرى، الذين يحرم عليهم -حسب معظم الآراء الحاخامية- أن يعبدوا آلهة أخرى، وإن كان يجوز لهم أن يشركوا بالله آلهة أخرى (استخدمت هذه الفكرة أساسًا من أجل السماح بالتعامل مع المسيحيين، حتى لا يعتبروا وثنيين يحرم التعامل العملي معهم «حتى الأديان الأخرى التي تمزج التوحيد بالخرافة، مثل النصرانية، كانت جزءًا من خطة إلهية لتمهيد الطريق للمشيح الحقيقي. فالعالم عرف التوراة، وتوحدت العبادة بشكل ما، حتى لو كان مشوشًا».[14][15]
الخلاف حول هوية المسيح
[عدل | عدل المصدر]يرجع الخلاف بين اليهود والمسيحيون حول اعتبار يسوع الناصري هو المسيح؛ بسبب أن اليهود ينتظرون ملكًا أرضيًا محاربًا يحقق النبؤات بشكل مادي، وليس ملكًا سماويًا أو ابن الله يحقق النبؤات بشكل روحي، ويري اليهود أن المسيحية قامت بتحريف ترجمة وتفسير النبؤات واقتطاع النبؤات عن سياقها وإسقاطها علي يسوع بإعتبار قيامته المزعومة من الموت هي التأكيد النهائي أنه هو المسيح، وليس عرض مدي توافق يسوع مع النبؤات المسيانية.[16][17][18][19]
أما المسيحيون، في المقابل، يرون أن يسوع حقق النبوات بطريقة روحية وليس حرفية/سياسية، وأن في مجيئه الأول، جاء يسوع كمسيح روحي ليخلص الناس من الخطيئة، ويملك عليهم مُلكًا سماويًا روحيًا بإعتباره ابن الله الذي دُفع إليه كل سلطان في السماء وعلي الأرض،[20][21][22][23][24] وتجثو بإسمه كل ركبة.[25] وفي المجيء الثاني (المستقبلي)، سيحقق بقية النبؤات، مثل السلام العالمي وجمع المؤمنين به من أطراف الارض والقضاء على الشر، لكن لا يقتنع اليهود بذلك بسبب أن الأنبياء تكلموا عن مسيح ذو صفات سياسية واضحة وسيحققها في وقت واحد وليس علي مجيئين، وأن يسوع ليس فقط فشل في تحقيق أي من النبؤات الرئيسية بل تنبأ بأحداث لم تتحقق مطلقا مثل تنبؤه بمجيئه السريع في الجيل المعاصر له؛[26][27] مما يؤكد أن يسوع ليس المسيح الحقيقي بل كذلك ليس نبيا، وأن المعجزات المنسوبة له -إن حدثت- فليست دليلا علي أنه نبيا؛ لأن التوراة تذكر أن الله قد يرسل أنبياء كذبة بمعجزات لاختبار اليهود وأن طلاما هؤلاء الأنبياء خالفوا التوراة أو لم تتحقق تنبؤاتهم أو دعوا لعبادة آلهة أخري فهم أنبياء كذبة ومستحقين للقتل «إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما، وأعطاك آية أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلا: لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم»[28] «وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمِي كلامًا لم أُوصِه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهةٍ أخرى، فيموت ذلك النبي».[29][30][31] بينما تري المسيحية أن الله تدرج في إعلان طبيعة المسيح بحسب استعداد الناس مع وضع تلميحات مثل «إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام»،[32] «يميت المنافق بنفخة شفتيه»؛[33] وذلك لان في العهد القديم، كان الشعب في بيئة تاريخية وثقافية تفهم الملكوت والسيادة بلغة سياسية وأرضية. لو أُعلن الأنبياء مباشرة: «سيأتي ابن الله في الجسد ويموت مصلوبًا ليخلّص العالم روحيًا»، فالغالب أنهم كانوا سيرفضون أو يسخرون، لأن الفكرة بعيدة جدًا عن أفقهم الديني والسياسي في ذلك الزمن.[34][35][36] أشبه بما لو شرحت لطفل في الابتدائية نظرية الكم مباشرة — لا بد أن تبدأ بالصور والقصص والأمثلة قبل الدخول في التجريد.
انظر أيضًا
[عدل | عدل المصدر]مراجع
[عدل | عدل المصدر]- ↑ يسوع المسيح، شخصيته وتعاليمه، مرجع سابق، ص.120
- ↑ "Talmud". Jewish Encyclopedia. مؤرشف من الأصل في 2019-05-03. اطلع عليه بتاريخ 2013-07-03.
- ↑ "Jesus". Jewishvirtuallibrary.org. مؤرشف من الأصل في 2016-11-09. اطلع عليه بتاريخ 2016-05-20.
- ↑ Kessler، Edward؛ Wenborn، Neil (2005). A Dictionary of Jewish-Christian Relations. Cambridge University Press. ص. 416. ISBN:978-1-139-44750-8. مؤرشف من الأصل في 2020-04-27.
- ↑ Theissen & Merz 1998، صفحات 74–75.
- ↑ Daniel Boyarin, Dying for God: Martyrdom and the Making of Christianity and Judaism Stanford: Stanford University Press, 1999
- ↑ Jeffrey Rubenstein Rabbinic Stories (The Classics of Western Spirituality) New York: The Paulist Press, 2002
- ↑ Jeffrey، Grant R. (2009). Heaven: The Mystery of Angels. Random House Digital. ص. 108. ISBN:978-0-307-50940-6. مؤرشف من الأصل في 2017-04-02.
- ↑ Adam Sutcliffe (10 نوفمبر 2005). Judaism and Enlightenment. Cambridge University Press. ص. 141–. ISBN:978-0-521-67232-0. مؤرشف من الأصل في 2019-12-08.
- ↑ Question 18.3.4: Reform's Position On...What is unacceptable practice? نسخة محفوظة 04 يناير 2018 على موقع واي باك مشين.
- ↑ يسوع المسيح، شخصيته وتعاليمه، مرجع سابق، ص.124.
- ↑ Matthew B. Hoffman, From rebel to rabbi: reclaiming Jesus and the making of modern Jewish culture, Stanford University Press, 2007, ISBN 0-8047-5371-7, p. 22: "Mendelssohn depicts Jesus as a model rabbinical Jew... as a loyal rabbi"; p. 259: "Mendelssohn was not the first to make such claims. Jacob Emden (1696-1776), a leading figure of traditional Judaism in eighteenth-century Germany, also looked vary favorably on Jesus"; p. 50: "Elijah Benamozegh (1823-1901) showed the resemblance between parables and ethical imperatives in the gospels and the Talmud, concluding that 'when Jesus spoke these words he was in no way abandoning Judaism'"; p. 258: "Levinsohn avowed that Jesus was a law-abiding Jew"
- ↑ Rehearing Buber's Jesus Deepens Jewish-Christian Dialogue / By Kramer, Kenneth P., Questia نسخة محفوظة 04 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
- ↑ دلالة الحائرين، الجزء الثالث، الفصل 11.
- ↑ Adele Berlin, The Oxford Dictionary of the Jewish Religion. Oxford University Press (2011). pp. 294–297 (articles: God; God, attributes of).
- ↑ الحاخام موسى بن ميمون (Maimonides) – في كتابه "دلالة الحائرين" (Guide for the Perplexed) رفض أي إشارة إلى أن يسوع هو المسيح المنتظر. أصر على أن جميع نبوءات التوراة يجب فهمها في سياقها التاريخي والأخلاقي الخاص. يرى أن المسيحيين "يفرضون تفسيرات مسبقة" على نصوص التوراة.
- ↑ المؤرخ اليهودي المعاصر جيشا لمبرغ (Geza Vermes) كتب كثيرًا عن يسوع من منظور يهودي. في كتابه "Jesus the Jew": > "الكنيسة المسيحية قرأت العهد القديم على أنه كتاب نبوءات عن يسوع، رغم أن الكتبة الأصليين لم يكن في ذهنهم شيء من ذلك."
- ↑ التلمود البابلي (الكتابات المركزية في الشريعة اليهودية) لا يذكر يسوع بالاسم صراحة في معظم المواضع، لكن هناك إشارات سلبية عامة لمن "يدّعي النبوّة". يرفض تمامًا فكرة أن التوراة تنبأت بمجيء "المسيح المصلوب".
- ↑ رابي جاكوب نوسنر (Jacob Neusner) – مفكر يهودي معروف قال إن تفسير المسيحيين للعهد القديم هو: > "إعادة كتابة للنص من الداخل لتجعل كل شيء يشير إلى يسوع."
- ↑ إنجيل متى 28: 18 دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض
- ↑ ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن (يوحنا 14: 13))
- ↑ حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم (متي 18: 20)
- ↑ سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 1: 18 والحي. وكنت ميتا، وها أنا حي إلى أبد الآبدين! آمين. ولي مفاتيح الهاوية والموت.
- ↑ وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر آمين (متي 28: 20)
- ↑ رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 2: 9-11 لذلك رفعه الله أيضا، وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب.
- ↑ متى 24:34 – "الحق أقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" (بما في ذلك المجيء الثاني).
- ↑ إن من القيام هاهنا قوما لن يذوقوا الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا علي سحاب السماء في مجد أبيه (متى 16:28، مرقس 9:1، لوقا 9:27).
- ↑ سفر التثنية 13: 1-3
- ↑ سفر التثنية 18: 20-22
- ↑ "حجة ضد النصارى" — الحاخام شمعون بن تسيمح دوران (القرن 14–15):.
- ↑ تعليق الحاخام إسحق بن أبراهام تروفات (القرن 13)
- ↑ سفر إشعياء 9: 6
- ↑ سفر إشعياء 11: 4
- ↑ القديس كيرلس الإسكندري: في تفسيره لسفر إشعياء، أوضح أن الصور السياسية كانت تمهيدًا للملكوت الروحي.
- ↑ القديس إيريناوس (كتاب ضد الهرطقات، الكتاب الرابع): تحدث عن أن الله ربّى البشرية تدريجيًا مثل أب يعلّم طفلاً.
- ↑ أثناسيوس الرسولي (تجسد الكلمة): شرح كيف أعدّ الله البشر لقبول التجسد من خلال النبوات والرموز.