انتقل إلى المحتوى

بانتشاسيلا (سياسة)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

تُعد البانشاسيلا (Pancasila) النظرية الفلسفية التأسيسية والرسمية ضمن الاشتراكية التي غدت أيديولوجية الدولة في إندونيسيا.[1] يتركب الاسم من كلمتين مشتقتين من اللغة السنسكريتية: "بانكا" (pañca) وتعني خمسة، و"سيلا" (śīla) وتعني مبادئ أو قواعد.[2]

وتتألف البانشاسيلا من خمسة مبادئ:

  1. "كيتوهانان يانغ ماها إيسا" (Ketuhanan yang Maha Esa): الإيمان بالإله الواحد الأحد.[note 1]
  2. "كيمانو سيان يانغ أديل دان براداب" (Kemanusiaan yang adil dan beradab): إنسانية عادلة ومتحضرة.
  3. "برساتوان إندونيسيا" (Persatuan Indonesia): وحدة إندونيسيا.
  4. "كيرا كياتان يانغ ديبيمبين أوليه حكمت كبيجاكسانان دالام برموسياواراتان/ برواكيلان" (Kerakyatan yang dipimpin oleh hikmat kebijaksanaan dalam permusyawaratan/perwakilan): الديمقراطية التي تقودها الحكمة الباطنية في الإجماع الناشئ عن المداولات بين الممثلين.
  5. "كياديلان سوسيال باغي سيلوروه راكيات إندونيسيا" (Keadilan sosial bagi seluruh rakyat Indonesia): العدالة الاجتماعية لجميع أفراد الشعب الإندونيسي.

تَرِدُ الصيغة القانونية للبانشاسيلا في الفقرة الرابعة من ديباجة دستور إندونيسيا.

الخلفية

[عدل | عدل المصدر]

غزت إمبراطورية اليابان البلاد عام 1942 واحتلت الهند الشرقية الهولندية. وإثر الانتكاسات التي مُنيت بها اليابان في حرب المحيط الهادئ، وعد اليابانيون بمنح إندونيسيا حكماً ذاتياً في المستقبل، وأسسوا في سبتمبر 1943 المجلس الاستشاري المركزي في جاوة برئاسة ناشط الاستقلال ما قبل الحرب أحمد سوكارنو. وفي 15 نوفمبر 1944، وخلال الدورة الرابعة للمجلس الاستشاري، ألقى سوكارنو خطاباً عدّد فيه خمسة إرشادات لحياة الأمة الإندونيسية، كانت قد وضعتها لجنة برئاسته، وأُطلق عليها اسم "الالتزامات الخمسة" (بانكا دارما/ Panca Dharma)، وهي:[4][5][6]

  1. نحن، جنباً إلى جنب مع الأمم الأخرى في شرق آسيا الكبرى، حلفاء لليابان مدى الحياة.
  2. سنؤسس دولة إندونيسيا الحرة، مع الاحترام الكامل للخدمة والمساعدة اليابانية، وسنظل عضواً في مجال الازدهار المشترك لشرق آسيا الكبرى.
  3. سنسعى للنهوض بالأخلاق العالية وثقافتنا.
  4. سنقدم خدمة أبدية للأمة والشعب بكل قوتنا وإخلاصنا لالله.
  5. بناءً على المبدأ الياباني (هاكو إيتشو)، سنكافح لبناء سلام دائم.

وفي 1 مارس 1945، أعلن الجيش السادس عشر الياباني، المسؤول عن جاوة أثناء الاحتلال، إنشاء لجنة التحقيق للعمل التحضيري من أجل الاستقلال (BPUPK) للعمل على "الاستعدادات للاستقلال في منطقة حكومة جزيرة جاوة". افتتحت اللجنة دورتها الأولى في 28 مايو 1945، وبدأت في اليوم التالي مناقشات حول أساس الدولة الإندونيسية المستقلة المستقبلية؛ حيث قدم عدد من المتحدثين مقترحات، واقترح "ويراناتاكوسوماه" اعتماد "الالتزامات الخمسة".[7][8]

الصياغة

[عدل | عدل المصدر]
الرموز الخمسة للبانشاسيلا على طوابع إندونيسية (1965)

في 1 يونيو 1945، وفي اليوم الأخير من الدورة الأولى للجنة التحقيق، ألقى القومي الإندونيسي أحمد سوكارنو خطاباً عُرف لاحقاً باسم "خطاب ميلاد البانشاسيلا"،[9] حدد فيه خمسة مبادئ اقترح أن تشكل الأساس الفلسفي لإندونيسيا المستقلة. وكانت صياغته الأصلية كالتالي:[10][11][12]

  1. "كيبانغسان إندونيسيا" (Kebangsaan Indonesia): الوطنية الإندونيسية؛ وتشمل جميع الشعوب التي تعيش في إندونيسيا.
  2. "إنترناسيوناليسمي" (Internasionalisme): الأممية مع التأكيد على العدالة والفضيلة الإنسانية.
  3. "موسياوارا مفكات" (Musyawarah Mufakat): الإجماع التشاوري، مع التأكيد على شكل من أشكال الديمقراطية التمثيلية التي يغيب فيها الهيمنة العرقية ويتمتع فيها كل عضو في المجلس بسلطة تصويت متساوية.
  4. "كيسجاهتيران سوسيال" (Kesejahteraan Sosial): الرفاه الاجتماعي القائم على نظرية دولة الرفاه والتأكيد على الاشتراكية الشعبية.
  5. "كيتوهانان يانغ بيركبودايان" (Ketuhanan yang Berkebudayaan): ألوهية تدعم الحرية الدينية (وهي صياغة تتيح المجال لكل من التوحيد أو تعدد الآلهة، مما يفسح المجال لجميع الأديان الرئيسية في إندونيسيا).

رفض سوكارنو في خطابه اسم "بانكا دارما" (الالتزامات الخمسة)، معتبراً أن كلمة "دارما" تعني "التزاماً"، بينما كان هو يقترح "مبادئ". وأضاف أنه يفضل الرمزية الكامنة في الرقم "خمسة" لوجود أركان الإسلام الخمسة، وأصابع اليد الخمسة، والحواس الخمس؛ ومن هنا أطلق على مبادئه اسم "البانشاسيلا".[13] وبهذه الصياغة، أوجد سوكارنو حلاً وسطاً بين أفكار الدولة الإسلامية والدولة العلمانية.[14] كما أوضح سوكارنو إمكانية ضغط هذه المبادئ الخمسة في ثلاثة مبادئ ("تريسيلا") وهي: مبدأ القومية الاجتماعية، والديمقراطية الاجتماعية، والربوبية الواحدة، ثم يمكن ضغط هذه الثلاثة في مبدأ واحد ("إيكاسيلا") وهو مبدأ "غوتونغ رويونغ" (التعاون المتبادل).[15]

غارودا بانشاسيلا، شعار النبالة الوطني لإندونيسيا

وخلال فترة الاستراحة بين دورتي لجنة التحقيق، قامت لجنة التسعة (Panitia Sembilan) -المكونة من سوكارنو، ومحمد حاتا، ومحمد يامين، وألكسندر أندريس ماراميس، وأحمد سوبارجو، وكي هاديكوسومو، ووحيد هاشم، وسليم آغوس، وأبي كوسنو- بصياغة ديباجة لدستور إندونيسيا تتضمن فلسفة سوكارنو، وعُرفت هذه الديباجة باسم ميثاق جاكرتا. وقد عُدِّل ترتيب مبادئ سوكارنو؛ فأصبح المبدأ الخامس المتعلق بـ الألوهية وحرية الاعتقاد هو المبدأ الأول، وبقي المبدأ الثاني كما هو، بينما أُعيد ترقيم المبدأ الأول الأصلي ليصبح الثالث، والمبدأين الثالث والرابع الأصليين ليصبحا الرابع والخامس.[16] وافق سوكارنو على هذا المقترح من بقية الأعضاء. علاوة على ذلك، عُدِّل المبدأ الأول في ميثاق جاكرتا وديباجة دستور عام 1945 ليصبح نصّه: "الألوهية مع التزام أتباع الإسلام بتطبيق الشريعة الإسلامية". وفي 18 أغسطس 1945، قامت لجنة التحضير للاستقلال (PPKI) بتعديله مجدداً عبر حذف عبارة "مع التزام أتباع الإسلام بتطبيق الشريعة الإسلامية"، وبذلك استقر المبدأ الأول ببساطة على: "الإيمان بالإله الواحد الأحد".[17]

المسوغات

[عدل | عدل المصدر]

شهدت جزر الهند الشرقية الهولندية في النصف الأول من القرن العشرين بزوغ عدة أيديولوجيات شقت طريقها إلى الوجدان السياسي، شملت الإمبريالية ونقيضتها القومية المناهضة للاستعمار، وفنون الحكم الجاوية التقليدية، والإسلاموية، والديمقراطية، والاشتراكية، والشيوعية. وقد أسس أنصار هذه التوجهات منظمات وأحزاباً سياسية لخدمة قضاياهم؛ فتأسست حركة ساريكات إسلام (اتحاد الإسلام) عام 1905، وتبعتها منظمة ماشومي عام 1943، بينما تأسس الحزب الشيوعي الإندونيسي عام 1914، ثم الحزب الوطني الإندونيسي بزعامة سوكارنو عام 1927.

ولما كان تفضيل أيديولوجيا على أخرى لن يلقى قبولاً لدى سائر أطياف الشعب الإندونيسي، تقرر أن الجمهورية الوليدة بحاجة إلى صياغة أيديولوجيا جديدة تجمع بين القيم الإندونيسية الأصيلة والقيم المشتركة المستمدة من مختلف المشارب الفكرية.[بحاجة لمصدر] ولم يكن من الممكن حصر القومية الإندونيسية في الإطار الإسلامي وحده، مهما بلغت أهمية المساهمة الإسلامية، ومن ثم لم يكن خيار "الدولة الإسلامية" ولا "الدولة العلمانية" هو الأمثل لضمان وحدة إندونيسيا وتنوعها.[14] وطُرحت "البانشاسيلا" بوصفها التصور المثالي للقومية المدنية، في محاولة لاستبدال الثقافة السياسية القديمة القائمة على الولاءات العرقية أو الدينية الضيقة بحس مدني جديد يتمثل في "القومية الشاملة"، التي تُحترم فيها وجودات الجماعات واختلافاتها دون تمييز.[18]

وفي خطاب ألقاه أمام الدورة الخامسة عشرة لالجمعية العامة للأمم المتحدة في 30 سبتمبر 1960، أكد سوكارنو أن المبدأ الأول للبانشاسيلا لا يهدف إلى اضطهاد غير المتدينين أو الملحدين، موضحاً أن حتى من لا يؤمن بوجود إله يتحلى بسمة التسامح الإندونيسية؛ فهم يقبلون "الإيمان بالإله الواحد الأحد" الوارد في المبدأ الأول كسمة مميزة للأمة.[19]

تأثرت البانشاسيلا بجوانب من قيم وأيديولوجيات عالمية مختارة، مثل القومية، والإنسانوية، والحقوق الفردية، والحرية الدينية، والديمقراطية التمثيلية، والاشتراكية.[20] كما أدت الحاجة لتوحيد هذا البلد المتنوع إلى صياغة الشعار الوطني بينيكا تونغال إيكا، والذي يُترجم إلى "الوحدة في التنوع"؛ تأكيداً على أن الشعب الإندونيسي أمة واحدة رغم التنوع العرقي والثقافي.[21] ويمكن اعتبار البانشاسيلا منصة مشتركة وجسراً يربط بين مختلف الأيديولوجيات في إندونيسيا، محولةً إياها إلى أيديولوجيا متكاملة وشاملة.[22][23]

التطور بعد الاستقلال

[عدل | عدل المصدر]

حقبة سوكارنو

[عدل | عدل المصدر]

خلال حقبة الديمقراطية الليبرالية في إندونيسيا، اعتُمدت الديمقراطية الليبرالية فلسفةً أساسية، حيث لعبت الأحزاب السياسية أدواراً محورية. ويعود سبب هذا التوجه إلى اتهامات هولندية لسوكارنو وحاتا بدعم اليابانيين، كما بدأ البعض (لاسيما الهولنديين) بانتقاد مفهوم "دولة الأسرة" بوصفه شكلاً من أشكال السلطوية التي تركز على القوة التنفيذية القوية وقمع الحقوق الفردية. انتهت هذه الفترة بالإخفاق نتيجة تصادم الأحزاب حول مصالحها الأيديولوجية والإقليمية والعرقية، مما أدى إلى تعديلات وزارية متكررة. وبدأ الجيش الصاعد حينها بالاستياء من سياسات الأحزاب، فتعاون مع سوكارنو لتقديم أطر سياسية جديدة تهدف إلى إحياء روح عام 1945 وتطبيق مفاهيم "دولة الأسرة".[18]

وفي الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية لعام 1955، استخدمت الأحزاب القومية مثل الحزب الوطني الإندونيسي والحزب الشيوعي الإندونيسي مبادئ البانشاسيلا لتمييز نفسها عن حزب ماشومي الإسلامي؛ خشية أن يحل الإسلام محل البانشاسيلا كأساس للدولة في حال فوز الأخير.[24][25] وفي الجمعية الدستورية الإندونيسية التي انتُخبت عام 1955 لوضع دستور دائم، انقسمت الأحزاب إلى كتل حسب تفضيلها للفلسفة الوطنية؛ حيث حازت كتلة البانشاسيلا على 53.3% من المقاعد (نحو 274 مقعداً)، بينما حصلت الكتلة الإسلامية على 44.8% (نحو 230 مقعداً).

ولم يُحسم الجدل حول الفلسفة السائدة عبر النقاش؛ ففي 5 يوليو 1959، وبسبب المواقف المتصلبة، حل الرئيس سوكارنو الجمعية بموجب مرسوم الرئيس سوكارنو 1959 وأعاد العمل بدستور عام 1945. وبما أن الدستور تضمن صياغة البانشاسيلا، فقد طُوي سجال "البانشاسيلا مقابل الإسلام".[26][27][14] ووفقاً لسوكارنو، فإن الثورة على الطريقة الإندونيسية تعني النضال من أجل الانسجام بين جميع الجماعات، وتحقيق الرخاء والمساواة للشعب، وهي الأهداف التي جسدتها مُثل البانشاسيلا، مما مهد الطريق لظهور الديمقراطية الموجهة في إندونيسيا.[18]

سوهارتو

[عدل | عدل المصدر]

استوى عهد "النظام الجديد" بقيادة سوهارتو على أنقاض حكومة سوكارنو؛ ففي أعقاب حركة 30 سبتمبر وما تلاها من أحداث، حلّ سوهارتو الحزب الشيوعي الإندونيسي وطهّر البرلمان من الشيوعيين وأنصار سوكارنو. تميز "النظام الجديد" بهيمنة الجيش على مفاصل الدولة، والمركزية الشديدة، وتقويض المسار الديمقراطي وحرية الصحافة، مرتكناً إلى نظام استبدادي بيروقراطي.[28] وبينما انتقد سوهارتو ما وصفه بإخفاق سوكارنو في تطبيق دولة البانشاسيلا، زعم أنه سيطبق مبادئها تطبيقاً سديداً عبر مأسستها قانونياً.[18]

تسعى ديمقراطية البانشاسيلا إلى إحداث توازن بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع، وتهدف إلى منع اضطهاد القوي للضعيف، سواء بالوسائل الاقتصادية أو السياسية. ومن هنا، نؤمن بأن البانشاسيلا تمثل مجتمعاً اجتماعياً دينياً؛ وتتلخص أبرز سماتها في رفض الفقر، والتخلف، والصراعات، والاستغلال، والرأسمالية، والإقطاع، والدكتاتورية، والاستعمار، والإمبريالية. هذه هي السياسة التي اخترتها بكل ثقة.

— سوهارتو[29]

دعمت إدارة سوهارتو (ثاني رؤساء إندونيسيا) البانشاسيلا بقوة، حيث روجت حكومته للمبادئ الخمسة كأيديولوجية وطنية محورية، وصورتها على أنها تمثل الحكمة القديمة للشعب الإندونيسي التي سبقت وفود الأديان الأجنبية مثل الهندوسية والإسلام. وفي خطاب ألقاه في يوليو 1982، عكس ارتباطه بـ المعتقدات الجاوية، مجّد سوهارتو البانشاسيلا واصفاً إياها بأنها المفتاح لبلوغ "كمال الحياة" (ilmu kasampurnaning urip) والانسجام مع الخالق والبشر.[30]

وفي عام 1978، استصدر سوهارتو قراراً برلمانياً بشأن "دليل استيعاب وتطبيق البانشاسيلا" (P4)، ثم أطلق برنامجاً إلزامياً لترسيخ هذه المبادئ في نفوس جميع الإندونيسيين -بدءاً من تلاميذ المدارس الابتدائية وصولاً إلى الموظفين- لضمان تطبيق تلك القيم الوطنية في حياتهم. وبعد حذرٍ أولي لتجنب إثارة حفيظة علماء المسلمين الذين خشوا أن تتحول البانشاسيلا إلى ما يشبه الطائفة الدينية، نجح سوهارتو في استصدار قرار برلماني آخر عام 1983 جعل من البانشاسيلا "المبدأ الواحد" والوحيد الذي يجب على جميع المنظمات (العامة والخاصة) الانضياع له في إندونيسيا. وعملياً، استغلت إدارة سوهارتو ضبابية مفاهيم البانشاسيلا لتبرير أفعالها ووصم معارضيها بأنهم "مناهضون للبانشاسيلا"، مما مكنه من حظر أي انتقادات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الحكومة أو سقوطها.[31][28]

عصر الإصلاح

[عدل | عدل المصدر]

تزامنًا مع سقوط سوهارتو، أُسقِطت أجهزة دولة البانشاسيلا، بما في ذلك قانون "المبدأ الواحد" (asas tunggal)، والمنظور الخطي للعلاقة بين الدولة والمجتمع، والسلوكيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة على البانشاسيلا.[18] ورغم أن نهاية عهد "النظام الجديد" قد أفرزت مواقف نقدية تجاه البانشاسيلا، إلا أن إندونيسيا حافظت على الإجماع الوطني بإعلانها أيديولوجيةً للأمة.[28][32] ومع مواءمة ممارسة البانشاسيلا وتطبيقها مع متطلبات النظام الجديد، فإنها لا تزال تُعلن أساساً للدولة ونظرة الأمة للحياة.[28] ويحتج أنصار البانشاسيلا بأن رفضها يؤدي إلى صراعات أفقية ورأسية حادة نتيجة فقدان السيطرة، ويفضي مستقبلاً إلى إضعاف أسس الوحدة والنزاهة الإندونيسية، مسبباً خفوت الوعي العام بالهوية الإندونيسية، وتخبط الشعب، وانهيار منظومته الأخلاقية.[33]

بناءً على ذلك، يرى مؤيدو البانشاسيلا إمكانية ممارستها ممارسةً صحيحة وسليمة تتبع القيم النبيلة للأمة الإندونيسية.[28] وقد عاد النقاش حول البانشاسيلا ليدفأ ويتسع مجدداً؛[28] حيث وُصفت بأنها "مساحة مفتوحة" للتفسير البناء لمعانيها في حياة الدولة والأمة.[34] وفي سياق العولمة الراهنة التي تتسم بالتعددية الثقافية، يشمل انفتاح أيديولوجية البانشاسيلا أيضاً الانفتاح على قبول العناصر الثقافية الأجنبية، شريطة عدم تعارضها مع قيمها الجوهرية.[35]

وقد اصطبغ الخطاب السياسي حول البانشاسيلا خلال عصر الإصلاح بالعداء السياسي بين الإسلاموية الراديكالية -التي تطلق تصريحات حادة مثل "البانشاسيلا تتعارض مع الإسلام" و"من يتبعها سيهلك"- وبين القوميين العلمانيين الذين يرددون شعار "البانشاسيلا مسألة حياة أو موت" (Pancasila adalah harga mati).[36] ومع ذلك، تظل البانشاسيلا كأيديولوجية عرضة لخطر إساءة الاستخدام إذا وُظِّفت كأداة للقمع أو الترهيب من قِبل النظام الحاكم.[34] ورغم ذلك، يبدو أن الهواجس القديمة المتعلقة بالصراعات بين الجماعات المتناحرة قد طفت على السطح مجدداً، مما جعل الدولة عرضة لتفاقم النزاعات المجتمعية.[18] ومع صعود الحركات الإسلاموية العابرة للحدود التي باتت تهدد النخب السياسية والوئام الاجتماعي، استيقظت البانشاسيلا مجدداً لمواجهة التأثيرات السلبية لهذه الحركات.[37]

شهدت السنوات الأخيرة دعوات لضرورة تعزيز ممارسة قيم المبادئ الخمسة للبانشاسيلا، بالنظر إلى أن تلك القيم لم تعد تُمارس بوضوح، بل وأصبح يُنظر إلى ذكرها في الأماكن العامة بنوع من السذاجة، حتى برزت نزعة ساخرة تصف البانشاسيلا بأنها مفهوم "غير موجود". ووفقاً لمؤيديها، يعاني تجسيد البانشاسيلا تدهوراً بسبب ضغوط داخلية وخارجية، مما استدعى الحاجة لإنشاء مؤسسات خاصة لرعاية قيمها في إندونيسيا. ومن هنا تشكلت "وكالة تطوير أيديولوجيا البانشاسيلا" كإحياء لـ "الوحدة الرئاسية لتطوير أيديولوجيا البانشاسيلا"، وتلعب دوراً استراتيجياً في تنسيق جهود تفعيل هذه القيم في المجتمع.[38]

الانتقادات

[عدل | عدل المصدر]
درع البانشاسيلا. يمثل الثور الديمقراطية، والشجرة الوحدة الوطنية، والسلسلة الإنسانية، والأرز والقطن العدالة الاجتماعية، بينما تمثل النجمة الإله.

تُواجه البانشاسيلا انتقادات لافتقارها إلى "أساس نظري متين" وكونها "عامة وفضفاضة وغامضة للغاية".[32] ومع ذلك، يرى أحد الباحثين أن هذه السمات ليست نقاط ضعف، بل هي "المفتاح الفعلي لقوتها وفعاليتها في التعامل مع واقع التنوع في إندونيسيا".[39] وتُشير هذه الصياغات الشمولية والإقصائية للبانشاسيلا إلى عمل الأيديولوجيا بوصفها "دالاً فارغاً".[32]

وانتقد "الاتحاد الإنساني والأخلاقي الدولي" المبدأ الأول للبانشاسيلا؛ لكونه لا يتضمن الحق في الإلحاد، أي رفض المعتقد التألهي. وجادل الاتحاد بأن هذا يكرس ثقافة التمييز ضد الملحدين، وأنه طالما أن القانون الإندونيسي لا يعترف إلا بأديان محددة مثل البوذية، والكونفوشيوسية، والهندوسية، والإسلام، بالإضافة إلى المسيحية (بشقّيها الكاثوليكي والبروتستانتي)، فإن الأشخاص الذين لا ينتمون لأي منها -بمن فيهم الملحدون- سيظلون يعانون من "تمييز رسمي مستمر".[40]

علاوة على ذلك، لم تُترجم مُثُل البانشاسيلا فعلياً إلى ديمقراطية ليبرالية فاعلة في إندونيسيا؛ بل تحولت إلى رمز لـ "الاستثنائية الإندونيسية" التي تجسد قيم الأمة وهويتها. وتظل البانشاسيلا عرضة لإساءة الاستخدام، وهو ما تجلى في استغلالها لتجريم كافة أنواع الأيديولوجيات الأخرى. كما شكل مفهوم "اتخاذ القرار بناءً على الإجماع" (Musyawarah mufakat) ذريعة مثالية للأغراض القمعية من قبل الأنظمة السلطوية. وتعمل البانشاسيلا على إضفاء الشرعية على الوضع الراهن والحفاظ عليه، لاسيما عندما يستخدمها رجال الدين لحث الدولة على ملاحقة الأقليات الدينية، وخاصة من يصفونهم بـ "المهرطقين". كما تكرس الأيديولوجيا ضبابية وضع الدين في الحياة العامة من خلال الإصرار على سيادة البانشاسيلا كمصدر أساسي لتنظيم الحياة العامة، وهو ما يعد -بالمعنى الدقيق- رفضاً لحياد الدولة.[41]

وفي عام 2018، وُجهت اتهامات لزعيم الجبهة الدفاعية الإسلامية المثير للجدل، محمد رزق شهاب، بموجب المادتين 154أ و320 من قانون العقوبات بتهمة إهانة أيديولوجية الدولة والقذف، إلا أنه تم إسقاط هذه التهم لاحقاً.[42]

انظر أيضاً

[عدل | عدل المصدر]

ملاحظات

[عدل | عدل المصدر]
  1. ترجمة غير دقيقة، وغالباً ما تُفسر خطأً على أنها تأييد لالتوحيد. أما ترجمتها الحرفية فهي "الربوبية التي هي الواحد العظيم". وهي اعتراف صريح بـ "الذات الكلية القدرة" (Dzat Yang Maha Kuasa) أو العناية الإلهية، وقُصِد بها أن تكون مبدأً للتعايش في مجتمع يتميز بتنوع الأديان والمعتقدات، وليس المقصود منها أن تكون مبدأً لاهوتياً يحدد كيفية ممارسة الشعائر الدينية.[3] [بحاجة لمصدر]

المراجع

[عدل | عدل المصدر]
  1. Abdulgani، Roeslan (يناير 1964). Sosialisme Indonesia (ط. 6st). Jajasan Prapantja. ص. 65–72.
  2. Kosky 1999، صفحة 43.
  3. Arief Hidayat 2017.
  4. Ricklefs 2008، صفحات 332-333.
  5. Kahin 1952، صفحة 106.
  6. Arniati 1982، صفحات 89-90.
  7. Anderson 1961، صفحات 39 & 54.
  8. Daradjadi & Osa Kurniawan Ilham 2020، صفحة 34.
  9. Prawiranegara 1984، صفحة 76.
  10. Legge 2003، صفحات 209-210.
  11. Kusuma 2004، صفحة 163.
  12. Smith 1974، صفحات 173-194.
  13. Kusuma 2004، صفحة 164.
  14. 1 2 3 Intan، Benyamin Fleming (2006). Public religion and the Pancasila-based State of Indonesia: an ethical and sociological analysis. American university studies. New York: P. Lang. ISBN:978-0-8204-7603-2.
  15. Fatlolon، Constantinus (فبراير 2016). "Pancasila Democracy and the Play of the Good". Filocracia. ج. 3 ع. 1: 73.
  16. Kusuma 2004، صفحة 214.
  17. Elson 2009، صفحة 120.
  18. 1 2 3 4 5 6 Song، Seung-Won (2010). "A Discourse on the Pancasila State and Its Contemporary Appeal in Indonesia". 아시아연구 (The Journal of Asian Studies). ج. 13 ع. 3: 1–40. مؤرشف من الأصل في 2025-01-21 عبر Korea Citation Index.
  19. Sukarno 1960.
  20. Eko Handoyo, Rahmat Petuguran & Heri Rohayuningsih 2018.
  21. Kosky 1999، صفحة 46.
  22. Ruslan, Idrus (2013). "Membangun Harmoni Kehidupan Berbangsa dan Bernegara dengan Nilai Islam dalam Pancasila" [Building Harmony in National and State Life with Islamic Values in Pancasila]. Jurnal Tapis: Jurnal Teropong Aspirasi Politik Islam (بالإندونيسية). 9 (2): 1–16. Archived from the original on 2020-07-27.
  23. Nasution, Adnan Buyung (2011). Towards Constitutional Democracy in Indonesia (بالإنجليزية). Melbourne: Asian Law Centre, Melbourne Law School, The University of Melbourne. ISSN:1839-650X.
  24. Ricklefs 2008، صفحة 389.
  25. Feith 2008، صفحة 275.
  26. Nasution 1992، صفحات 32–33.
  27. Feith 2008، صفحة 592.
  28. 1 2 3 4 5 6 Salam، Rahmat (22 يونيو 2021). "Implementation of Pancasila Values in the New Order Era and Post-Reformation". Budapest International Research and Critics Institute (BIRCI-Journal): Humanities and Social Sciences. ج. 4 ع. 2: 3177–3185. DOI:10.33258/birci.v4i2.2050. ISSN:2615-3076. مؤرشف من الأصل في 2025-11-30.
  29. Soeharto, Dwipayana & Ramadhan 1991، صفحة 194.
  30. Ward 2010، صفحة 32.
  31. Ward 2010، صفحة 31.
  32. 1 2 3 Kim, Min Seong (7 Oct 2024). "Agonizing Pancasila : Indonesia's state ideology and post-foundational political thought". Journal of Political Ideologies (بالإنجليزية): 1–23. DOI:10.1080/13569317.2024.2408230. ISSN:1356-9317. Archived from the original on 2024-12-20.
  33. Fauzan, Ahmad; Kurniawansyah, Edy; Salam, M (2020). "Pengembangan buku revitalisasi dan reaktualisasi pancasila dalam kehidupan berbangسا facing tantangan globalisasi" [Development of books on revitalization and reactualization of Pancasila in national and state life in facing the challenges of globalization]. Jurnal Civic Education: Media Kajian Pancasila Dan Kewarganegaraan (بالإندونيسية). 4 (2). Archived from the original on 2024-12-20.
  34. 1 2 Pesurnay, Althien J. (2018). "Pancasila Ideology as a Field of Interpretation". Digital Press Social Sciences and Humanities (بالإنجليزية). 1: 00017. DOI:10.29037/digitalpress.41322. ISSN:2654-9433. Archived from the original on 2025-03-13.
  35. Siregar، Ramlan؛ Putera، El Amry Bermawi؛ Djumadin، Zainul؛ Wibisono، Yusuf (نوفمبر 2019). "Pancasila As Ideology: Values And Practices In Society In The Era Of Globalization" (PDF). Asian Journal of Social Sciences & Humanities. ج. 8 ع. 4. مؤرشف من الأصل (PDF) في 2024-06-22.
  36. Wahyudi, Agus. “Dealing with Difference: Pancasila in Post Suharto Indonesia.” Northern Arizona University, 2018.
  37. Arizona، Yance (31 مايو 2019). "The Return of Pancasila: Political and Legal Rhetoric Against Transnational Islamist Imposition". Constitutional Review. ج. 5 ع. 1: 164. DOI:10.31078/consrev516. ISSN:2548-3870. مؤرشف من الأصل في 2020-02-08.
  38. Hermanto, Bagus (7 Jun 2021). "Penguatan Pengaturan Kelembagaan Badan Pembinaan Ideologi Pancasila, Perlukah?" [Strengthening the Institutional Arrangements of the Pancasila Ideology Development Agency, Is It Necessary?]. Jurnal Legislasi Indonesia (بالإندونيسية). 18 (2): 204. DOI:10.54629/jli.v18i2.742 (inactive 1 Jul 2025).{{استشهاد بدورية محكمة}}: صيانة الاستشهاد: وصلة دوي غير نشطة منذ يوليو 2025 (link)
  39. Darmaputera، Eka (1988). Pancasila and the Search for Identity and Modernity in Indonesian Society: A Cultural and Ethical Analysis. Asian Studies - Book Archive pre-2000. Leiden Boston: Brill. ISBN:978-90-04-64448-9.
  40. International Humanist and Ethical Union 2012، صفحة 22.
  41. Iskandar, Pranoto (13 Jun 2016). "The Pancasila Delusion". Journal of Contemporary Asia (بالإنجليزية). 46 (4): 723–735. DOI:10.1080/00472336.2016.1195430. ISSN:0047-2336.
  42. Gisela Swaragita & Arya Dwipa 2018.

المصادر المقتبس منها

[عدل | عدل المصدر]