تبادلية (نظرية اقتصادية)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

التبادلية هي واحدة من مدارس الفكر اللاسلطوي ونظرية اقتصادية تدعو إلى مجتمع اشتراكي مبني على الأسواق الحرة والاستثمارات، أي إشغال قواعد الملكية واستخدامها.[1] ينطوي أحد تطبيقات هذا النظام على تأسيس مصرف توفير مشترك من شأنه إقراض المُنتجين بأدنى سعر فائدة يكفي لتغطية تكاليف الإدارة فقط.[2] التبادلية مبنية على نسخة من نظرية قيمة العمل والتي تستخدم أساساتها من أجل تحديد القيمة الاقتصادية. وفقًا للنظرية التبادلية، عندما يبيع عامل منتَجًا من عمله، ينبغي أن يتلقى مالًا، أو بضائع، أو خدمات مقابل ذلك تكافئ عمله من ناحية القيمة الاقتصادية، ما يجسد عبارة «قدر العمل اللازم لإنتاج سلعة ذات منفعة مماثلة ومكافئة تمامًا».[3] بحسب المؤرخ جيمس جيه. مارتن، كان اللاسلطويون الفرديون في الولايات المتحدة اشتراكيين، وقد جعل دعمهم لنظرية قيمة العمل صيغتهم الاشتراكية الليبرتارية من التبادلية بديلًا من سوق حرة اشتراكية لكل من الرأسمالية والماركسية.[4][5]

في حين رُوج للتبادلية في كتابات الفيلسوف اللاسلطوي بيير جوزيف بوردون وهي مرتبطة بصورة رئيسية باعتبارها مدرسة فكر لاسلطوي واشتراكية لبرتارية، لكن أصولها كنوع من الاشتراكية تعود إلى الحركة العمالية في القرن الثامن عشر[6] في بريطانيا أولًا، ثم فرنسا وفي النهاية إلى الطبقة العاملة من الحركة الميثاقية. يعارض التبادليون تلقي الأفراد دخلًا عبر القروض والاستثمارات والإيجار تحت ظل العلاقات الاجتماعية الرأسمالية. رغم كونه معارض شخصيًا لهذا النوع من الدخل، أبدى بوردون أنه لم يكن في نيته أبدًا «منع أو قمع إيجار الأرض والفائدة على رأس المال بموجب مرسوم ملكي. أرى أن كل هذه التجليات للنشاط البشري يجب أن تكون حرة وطوعية للجميع: لا أطلب لهم تعديلات أو قيود أو أعمال قمع، إلا تلك الناتجة طبيعيًا وضروريًا من تعميم مبدأ التبادلية الذي أقترح».[7] طالما يضمنون حق العامل بكامل حصيلة عمله، يدعم التبادليون الأسواق والملكية في إنتاج العمل، مفرقين بين الملكية الخاصة الرأسمالية (الملكية المنتجة) والملكية الشخصية (الملكية الخاصة).[8][9] يجادل التبادليون من أجل سندات ملكية أراض مشروطة، تكون ملكيتها قانونية فقط طالما تبقى قيد الاستخدام أو الإشغال (ما دعاه بوردون بالتملك)، نوع من الملكية الخاصة له شروط تخلٍ صارمة.[10] هذا يتعارض مع نظرية الملكية العمالية غير المشروطة خاصة الرأسمالية، حيث يحافظ المالكون على سندات ملكية أكثر أو أقل إلى أن يوافقوا على إهدائها أو بيعها.[11]

مثل الاشتراكيين الليبرتاريين، يميز التبادليون اشتراكيتهم السوقية عن اشتراكية الدولة ولا يدعون إلى ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. بدلًا عن ذلك، يمتلك كل شخص وسيلة إنتاج، إما بصورة فردية أو جمعية، وتمثل التجارة كميات مكافئة من العمل في السوق الحر. كتب بنجامين تاكر عن بوردون أنه «رغم معارضته جعل ملكية رأس المال اشتراكيًا، فقد كانت غايته رغم ذلك جعل آثاره اشتراكية عبر جعل استخدامه نافعًا للجميع بدلًا عن كونه وسيلة لإفقار الكثرة من أجل إغناء القلة [...] عبر إخضاع رأس المال لقانون التنافس الطبيعي، وبالتالي خفض سعر استخدامه الخاص إلى سعر التكلفة».[12] رغم أنها مشابهة لمبادئ الاقتصاد خاصة اللاسلطويين الفرديين الأمريكيين من القرن التاسع عشر، لكن التبادلية تفضل الصناعات الضخمة.[13] وُسمت التبادلية بأثر رجعي في بعض الأحيان على أنها شكل من اللاسلطوية الفردية[14] وبأنها موضعت فكريًا بين الأشكال الفردية والجمعية من اللاسلطوية أيضًا.[15] وصف بوردون نفسه الحرية التي كان يسعى إليها على أنها «جمع الشيوعية والملكية».[16] يعتبر البعض التبادلية جزء من لاسلطوية السوق الحرة، واللاسلطوية الفردية[17][18][19] ولاسلطوية السوق اليسارية[20] بينما يعتبرها آخرون جزءًا من اللاسلطوية الاشتراكية.[21][22]

تاريخها[عدل]

أصولها[عدل]

باعتبارها مصطلحًا، شهدت التبادلية مجموعة متنوعة من الاستخدامات ذات الصلة. استخدم شارل فورييه مصطلح التبادلية بالفرنسية للمرة الأولى في عام 1822،[23][24] رغم أن دلالته لم تكن لنظام اقتصادي. كان أول استخدام للاسم تبادلي في صحيفة نيو هارموني غازيت على يد أويني أمريكي في عام 1826.[25] في بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر، دعا أفراد منظمة عمالية فرنسية في ليون أنفسهم بالتبادليين.[26][27] في كتاب عنوانه ما هي التبادلية؟، يعرفها التبادلي الأمريكي كلارنس لي شوارتز على النحو التالي:

نظام اجتماعي قائم على المساواة في الحرية والمبادلة وعلى سيادة الفرد على نفسه، وشؤونه ومنتجاته؛ والتي تتحقق عبر المبادرة الفردية، والعقد الحر، والتعاون، والتنافس، والانخراط الطوعي في مقاومة التوسعيين وفي الدفاع عن الحياة، والحرية، وملكية غير التوسعيين.[28]

بمعنى عام، يمكن اعتبار التبادلية اللاسلطوية الأصل لأن التبادلي بيير جوزيف بوردون كان أول شخص يعرف نفسه باعتباره لاسلطوي. رغم أن التبادلية مرتبطة عمومًا باللاسلطوية، لكنها ليست بالضرورة لاسلطوية. وفقًا لجيمس جيه. مارتين، لم يصر ويليم باتشيلدر غرين «لاسلطويًا ناضجًا» حتى العقد الأخير من حياته، لكن كتاباته تدل على أنه بحلول عام 1850 كان قد صاغ تبادلية مسيحية، معتمدًا بشدة على كتابات بيير ليرو الذي كان خصم بوردون في بعض الأوقات.[29] بحسب إيان ماكاي، يمكن اعتبار صيغة التبادلية المسيحية أو الفرع اللاسلطوي من التوزيعية وأعمال التوزيعيين مثل دوروثي داي وحركة العامل الكاثوليكي شكلًا من أشكال التبادلية، أو الاشتراكية الليبرتارية خاصة السوق الحرة، بسبب معارضتها لكل من رأسمالية الدولة واشتراكية الدولة.[30] وفق كتاب أسئلة شائعة حول التبادلية، كانت التبادلية «الشكل الأصلي الذي تبنته حركة العمال، أولًا في بريطانيا العظمى ثم بعد فترة قصيرة في فرنسا وبقية أوروبا الغربية. نهضت كل من الممارسة والنظرية التبادلية كجزء من تيار راديكالية الطبقة العاملة الواسع في إنجلترا، منذ وقت نشر كتاب باين حقوق الإنسان وتنظيم مجتمعات الوفاق الأولى في تسعينيات القرن الثامن عشر، وحتى الحركة الميثاقية. وُجدت التبادلية لبعض الوقت كممارسة عفوية للطبقة العاملة قبل  أن تصبح نظرية رسمية».[6]

كان بوردون مشتركًا مع التبادليين في ليون وتبنى الاسم لاحقًا لوصف تعاليمه الخاصة.[31] في كتاب ما هي التبادلية؟، يسرد شوارتز قصته عن أصل المصطلح، مدعيًا أن «يبدو أن كلمة ‘تبادلية’ قد استُخدمت أول مرة على يد جون غراي، وهو كاتب إنجليزي، في عام 1832».[32] عندما نُشر كتاب غراي الصادر عام 1825 بعنوان محاضرة حول السعادة البشرية في الولايات المتحدة أول مرة في عام 1826، أضاف الناشرون مقدمة ودستور التحالف الودود من أجل مصلحة مشتركة، الواقع في فالي فورج. وشهد عام 1826 نشر مقدمة ودستور التحالف الودود من أجل مصلحة مشتركة في كيندل، أوهايو.[26][27]

انظر أيضًا[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ "Introduction". Mutualist: Free-Market Anti-Capitalism. مؤرشف من الأصل في 23 نوفمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 27 سبتمبر 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  2. ^ Miller, David. 1987. "Mutualism." The Blackwell Encyclopedia of Political Thought. Blackwell Publishing. p. 11.
  3. ^ Tandy, Francis D., 1896, Voluntary Socialism, chapter 6, paragraph 15.
  4. ^ Martin, James J. (1970). Men Against the State. Colorado Springs: Ralph Myles Publisher. pp. viii, ix, 209. (ردمك 9780879260064)
  5. ^ McKay, Iain, المحرر (2012) [2008]. An Anarchist FAQ. I/II. Stirling: AK Press. ISBN 9781849351225. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  6. أ ب Wilbur, Shawn P., et al. "A Mutualist FAQ". Mutualist: Free-Market Anti-Capitalism. Retrieved 30 September 20 – via The Anarchist Library. نسخة محفوظة 4 ديسمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  7. ^ Proudhon's Solution of the Social Problem, Edited by Henry Cohen. Vanguard Press, 1927.
  8. ^ Crowder, George (1991). Classical Anarchism: The Political Thought of Godwin, Proudhon, Bakunin, and Kropotkin. Oxford: Clarendon Press. pp. 85–86. (ردمك 9780198277446). "The ownership [anarchists oppose] is basically that which is unearned [...] including such things as interest on loans and income from rent. This is contrasted with ownership rights in those goods either produced by the work of the owner or necessary for that work, for example his dwelling-house, land and tools. Proudhon initially refers to legitimate rights of ownership of these goods as 'possession,' and although in his latter work he calls this 'property,' the conceptual distinction remains the same."
  9. ^ Hargreaves, David H. (2019). Beyond Schooling: An Anarchist Challenge. London: Routledge. pp. 90–91. (ردمك 9780429582363). "Ironically, Proudhon did not mean literally what he said. His boldness of expression was intended for emphasis, and by 'property' he wished to be understood what he later called 'the sum of its abuses'. He was denouncing the property of the man who uses it to exploit the labour of others without any effort on his own part, property distinguished by interest and rent, by the impositions of the non-producer on the producer. Towards property regarded as 'possession' the right of a man to control his dwelling and the land and tools he needs to live, Proudhon had no hostility; indeed, he regarded it as the cornerstone of liberty, and his main criticism of the communists was that they wished to destroy it."
  10. ^ Strong, Derek Ryan (January 2014). "Proudhon and the Labour Theory of Property". Anarchist Studies. 22 (1): 52. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة) "Proudhon's 'possession' is a type of private property that posits an alternative theory of appropriative justice to capitalist private property. This theory has come to be known as the labour theory of property which states that since only people (i.e., labour) and not things (i. e., capital) are responsible for production then only workers (individually or jointly) should appropriate the products of their labour."
  11. ^ Swartz, Clarence Lee. What Is Mutualism. "VI. Land and Rent". نسخة محفوظة 4 ديسمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ Tucker, Benjamin (1886). State Socialism and Anarchism. نسخة محفوظة 17 January 1999 على موقع واي باك مشين.
  13. ^ Woodcock, George. Anarchism: A History of Libertarian Ideas and Movements, Broadview Press, 2004, p. 20.
  14. ^ Carson, Kevin A. Studies in Mutualist Political Economy Preface نسخة محفوظة 2010-12-21 at WebCite.
  15. ^ Avrich, Paul. Anarchist Voices: An Oral History of Anarchism in America, Princeton University Press 1996 (ردمك 978-0-691-04494-1), p. 6 Blackwell Encyclopaedia of Political Thought, Blackwell Publishing 1991 (ردمك 0-631-17944-5), p. 11.
  16. ^ Pierre-Joseph Proudhon, What Is Property?, p. 281.
  17. ^ George Edward Rines, المحرر (1918). Encyclopedia Americana. New York: Encyclopedia Americana Corp. صفحة 624. OCLC 7308909. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  18. ^ Hamilton, Peter (1995). Émile Durkheim. New York: Routledge. صفحة 79. ISBN 0415110475. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  19. ^ Faguet, Émile (1970). Politicians & Moralists of the Nineteenth Century. Freeport: Books for Libraries Press. صفحة 147. ISBN 0836918282. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  20. ^ Sheldon Richman (3 February 2011). "Libertarian Left: Free-market anti-capitalism, the unknown ideal" نسخة محفوظة 10 June 2019 على موقع واي باك مشين.. The American Conservative.  Retrieved 5 March 2012.
  21. ^ Bowen, James & Purkis, Jon. 2004. Changing Anarchism: Anarchist Theory and Practice in a Global Age. Manchester University Press. p. 24
  22. ^ Knowles, Rob. "Political Economy from Below: Communitarian Anarchism as a Neglected Discourse in Histories of Economic Thought". History of Economics Review. 31. Winter 2000.
  23. ^ Fourier, Charles (1822). Traité de l'association domestique-agricole. Paris: Bossange.
  24. ^ Bestor, Arthur E. Jr. (June 1948). "The Evolution of the Socialist Vocabulary". Journal of the History of Ideas. Philadelphia: University of Pennsylvania Press. 9 (3): 259–302. doi:10.2307/2707371. قالب:Jstor.
  25. ^ New-Harmony Gazette, I, 301–02 (14 June 1826) cited in Arthur E. Bestor, Jr., "The Evolution of the Socialist Vocabulary", Journal of the History of Ideas, Vol. 9, No. 3 (Jun., 1948), 259–302.
  26. أ ب Backer, Thomas B. (1978). The Mutualists: The Heirs of Proudhon in the First International, 1865–1878. University of Cincinnati. نسخة محفوظة 4 ديسمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  27. أ ب Wilbur, Shawn P. (2018). "Mutualism". In Adams, Matthew S.; Levy, Carl. The Palgrave Handbook of Anarchism. Springer. pp. 213–224. (ردمك 9783319756202).
  28. ^ Political Science Quarterly (1928). 43. p. 639.
  29. ^ Martin, James J. (1953). Men Against the State: The Expositers of Individualist Anarchism in America, 1827–1908. Auburn: Mises Institute. (ردمك 9781610163910). نسخة محفوظة 4 ديسمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  30. ^ McKay, Iain, ed. (2007). An Anarchist FAQ. I. Oakland: AK Press. p. 23. (ردمك 9781902593906).
  31. ^ Woodcock, George. Anarchism: A History Of Libertarian Ideas And Movements. Broadview Press. p. 100.
  32. ^ Swartz, Clarence Lee. What is Mutualism?