انتقل إلى المحتوى

تراجيديا المشاع

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

تراجيديا المشاع أو مأساة المشاعات هو مصطلح يصف حالة استنزاف مورد مشترك من قبل الأفراد الذين يتشاركون به بصورة مستقلة وعقلانية إنما وفقا للمصلحة الذاتية لكل منهم على الرغم من إدراكهم أن استنزاف الموارد المشتركة يتعارض مع المصلحة المشتركة للمجموعة على المدى الطويل. وهو مصطلح اقتصادي يستعمل في معظم الأحيان فيما يتصل بالتنمية المستدامة، الربط بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، وكذلك في النقاشات حول ظاهرة الاحتباس الحراري.

يشمل مصطلح «المشاع» الغلاف الجوي والمحيطات والأنهار والأرصدة السمكية، والمتنزهات الوطنية، والإعلانات، وحتى عدادات مواقف السيارات. لتراجيديا المشاع أهمية خاصة في تحليل السلوك في مجالات الاقتصاد، وعلم النفس التطوري وعلم الإنسان، ونظرية الألعاب، والسياسة، والضرائب، وعلم الاجتماع. وبرى البعض بعض انظر أنها مثال لسلوكيات ناشئة أي نتيجة التفاعلات الفردية في نظام معقد.

التسمية

[عدل]

مصطلح «تراجيديا المشاع» هو ترجمة ل"Tragedy of the commons" الإنجليزي والتي أطلقها غاريت هاردن عام 1968[1] في مقالة في دورية «نايتشر» (بالإنجليزية: Nature) يصف بها المشاكل التي تتطلب تغببرا في مباديء وسلوكيات الأفراد وقيمهم. والكلمة مؤلفة من شقين: "Tragedy" والتي قد تترجم إلى العربية ب«تراجيديا» أو «مأساة». أما الكلمة الأخر فهي "Commons" والتي قد تترجم إلى «مشاع» أو «مشترك». لذلك يمكن استعمال أي من المصطلحات التاية: «مأساة المشاع»، «مأساة المشترك»، «مشاكل المشاعات» بالإضافة لتراجيديا المشاع.

الأمثلة التوضيحية

[عدل]

العصور الكلاسيكية

[عدل]

طُرِحت فكرة أن الموارد ذات الوصول غير المقيَد قد تُستنزف عندما لا يتحمل الأفراد تكلفة شخصية مباشرة لاستعمالها، في كتابات الفيلسوف أرسطو،[2] الذي قال في كتاب «السياسة»:

«ما هو مشترك بين أكبر عدد من الناس يُعتنى به أقل اعتناء. فكل فرد يهتم بما يخصه أولًا، ولا يكترث كثيرًا بالمصلحة المشتركة، ولا يفعل ذلك إلا عندما يصبح الأمر متعلقًا به بصفته فردًا».[3]

كتيب لويد

[عدل]

نشر الاقتصادي الإنجليزي ويليام فوستر لويد عام 1833، كتيبًا بعنوان «محاضرتان حول العوامل الضابطة للسكان»، تضمن مثالًا افتراضيًا عن الإفراط في استغلال مورد مشترك. تحدث لويد عن رعاة ماشية يتشاركون قطعة من الأرض يحق لكل منهم أن يرعى عليها عددًا محددًا من الأبقار.

افترض لويد أنه إذا قام أحد الرعاة بزيادة عدد أبقاره فوق حصته، سيؤدي ذلك إلى رعيٍ جائر. فكل بقرة إضافية تمنحه منفعة شخصية إضافية، بينما يتشارك الجميع الضرر الذي يلحق بالمورد المشترك. وإذا اتخذ كل رعاة الماشية هذا القرار «الاقتصادي العقلاني» على المستوى الفردي، فسينتهي الأمر باستنزاف الأرض أو تدميرها، ما يضر بالجميع.[4]

كُتِب هذا الكتيب بعد حركة «التسييج» في إنجلترا التي أنهت نظام الحقول المفتوحة بوصفه النموذج الشائع لاستغلال الأراضي، مع أن ملايين الأفدنة من «الأراضي المشتركة» لا تزال موجودة. وقد رأى باحثون مثل كارل دالمان أن وصف لويد كان غير دقيق تاريخيًا، مشيرين إلى أن النظام استمر قرونًا طويلة دون أن يؤدي إلى الكوارث التي افترضها لويد.[5]

مقالة غاريت هاردين

[عدل]

تناول عالم البيئة غاريت هاردين عام 1968، هذا المأزق الاجتماعي في مقاله «مأساة المشاع» المنشور في مجلة ساينس.[6] استمد المقال عنوانه من كتيب لويد الذي أشار إليه، والمتعلق بفرط رعي الأراضي المشتركة.

«هنا تكمن المأساة. كل إنسان محكوم داخل منظومة تُجبِره على زيادة قطيعه بلا حدود - في عالم محدود. الخراب هو المصير الذي يندفع إليه الجميع، كلٌ يسعى وراء مصلحته الخاصة داخل مجتمع يؤمن بحرية المشاع. إن الحرية داخل المشاع تجلب الخراب للجميع». — غاريت هاردين، مأساة المشاع

ناقش هاردين المشكلات التي لا يمكن حلها بالوسائل التقنية وحدها، خلافًا لتلك التي تحتاج فقط إلى «تغيير في تقنيات العلوم الطبيعية، دون أن تتطلب تغييرًا يُذكر في القيم أو الأفكار الأخلاقية». ركز هاردين على نمو السكان، واستنزاف الموارد الطبيعية للأرض، ودور دولة الرفاه.[7]

جادل هاردين بأنه إذا اعتمد الأفراد على أنفسهم وحدهم -بمعزل عن العلاقة بين الإنسان والمجتمع- فسيتعامل الناس مع الآخرين بوصفهم موارد، ما يؤدي إلى استمرار نمو سكان العالم بلا ضوابط. ورأى في هذا السياق، أن الآباء الذين ينجبون دون حساب سيتركون عددًا أقل من الأحفاد، لأنهم لن يستطيعوا توفير حاجات كل طفل بشكل كافٍ، وهو نوع من «الارتداد السلبي» الموجود في عالم الحيوان. وأشار إلى أنه لو كان مصير أطفال الآباء غير المقتصدين هو الموت جوعًا، ولو كان الإفراط في الإنجاب عقوبته بحد ذاته، فلن تكون هناك مصلحة عامة في ضبط حجم الأسر.[8]

حلول معاصرة

[عدل]

بغياب شيوع "المصلحة الذاتية المستنيرة"، والتي تعتقد أن من يهتم بمصلحة الأخرين يكون المستفيد الأكبر، لا يمكن أيجاد حلول لمشاكل المشاعات إلا عن طريق نوع من السلطة أو القوانين التي تفرض مصلحة عليا لكل عمل مشترك. من الأمثلة: فرض قوانين تحدد مدى الاستعمال المسموح به لكل فرد، فرض حد أعلى للولادات مثل ما يحدث في الصين. منع أو حد الصيد في المناطق المشتركة. ومن الحلول الأخرى هو تخصيص الموارد المشتركة التي تشجع المالك الجديد على إتباع طرق مستدامة.

كما استنبطت الأمم المتحدة فكرة «التراث البشري المشترك» التي تلزم الدول على إيجاد قوانين يخفض المشاكل المتعلقة بالمشاعات مثل إتفاقية القمر (التي تحدد استعمالات الموارد الفضائية والكواكب)، معاهدة الفضاء الخارجي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار[9]

وهناك الأسلوب الناجح التي اتبعته كوستا ريكا التي يضع سعرا يفرض عند استغلال الموارد الطبيعية.[10] كما لزمت شعوب شاطيء ساليش أمور الاهتمام بالموارد المشتركة إلى العائلات التي تستفيد منها.[11] ومن الحلول الشائعة ما يعرف بمبرهنة كوس والتي توزع موارد المشاعات بين المجموعات التي تستعملها.

التطبيقات في علم الأحياء التطوري

[عدل]

تستعمل تراجيديا المشاعات في علوم الأحياء التطوري، التطور الثقافي-الاجتماعي، الإجتماع الحيوي، والبيئة السلوكية. وبحسب هذه العلوم، تنبع مشاكل المشاعات من المورثة المسؤولة عن الأنانية. ومن الأمثلة نتيجة الأبحاث التي أجريت على الطفيليات والتي أظهرت أن الطفيليات الأنانية التي تحاول ابقاء الموارد لها فقط أدت إلى فنائها والقضاء على محيطها.[12]

معضلة المشاعات

[عدل]

معضلة المشاعات هي نوع من أنواع المعضلات الاجتماعية التي تصف المشكلات التي تحصل على المدى البعيد عندما تتصرف مجموعة ما بأنانية من أجل تحقيقأهداف أنية والتي تؤذي المنفعة العامة.

العوامل النفسية

[عدل]

حدد باحثي مجالات التعاون، تسع عوامل نفسية مؤثرة على مشاكل المشاعات وهي: الدوافع الاجتماعية، نوع الجنس، هيكلية المكافأة، عدم اليقين، والسلطة والمركز، وحجم المجموعة، وسيلة التواصل، الأسباب، والأطر.

إقراء أيضا

[عدل]

مراجع

[عدل]
  1. ^ "The Tragedy of the Commons". Science. ج. 162 ع. 3859: 1243–1248. 1968. DOI:10.1126/science.162.3859.1243. PMID:5699198.
  2. ^ "An Ecolate View of the Human Predicament by Garrett Hardin". Garrett Hardin Society. The Garrett Hardin Society. مؤرشف من الأصل في 2025-08-30. اطلع عليه بتاريخ 2022-11-24.
  3. ^ "Aristotle, Politics, Book 2 Ch 3". Internet Classics Archive. MIT. مؤرشف من الأصل في 2025-08-26. اطلع عليه بتاريخ 2025-04-13.
  4. ^ Lloyd 1833.
  5. ^ Dahlman، Carl Johan (1980). The open field system and beyond: a property rights analysis of an economic institution. Cambridge; New York: Cambridge University Press. ISBN:978-0-521-22881-7.
  6. ^ Hardin 1968
  7. ^ Hardin 1968، صفحة 1248
  8. ^ "Problems Solved by Means of the Lagrangian Formalism"، Analytical Mechanics، CRC Press، ص. 165–235، 26 أغسطس 2014، DOI:10.1201/b17232-9، ISBN:978-0-429-06861-4
  9. ^ Jennifer Frakes, The Common Heritage of Mankind Principle and the Deep Seabed, Outer Space, and Antarctica: Will Developed and Developing Nations Reach a Compromise? Wisconsin International Law Journal. 2003; 21:409
  10. ^ Friedman، Thomas L. (11 أبريل 2009). "(No) Drill, Baby, Drill". New York Times Op-Ed Column. مؤرشف من الأصل في 2016-12-25.
  11. ^ Account Suspended نسخة محفوظة 13 أبريل 2016 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ The tragedy of the commons, the public goods dilemma, and the meaning of rivalry and excludability in evolutionary biology Francisco Dionisio and Isabel Gordo Evolutionary Ecology Research 2006 نسخة محفوظة 15 يوليو 2013 على موقع واي باك مشين. [وصلة مكسورة]