تفضيل أفراد الجماعة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

تفضيل أفراد الجماعة أو محاباة الجماعة (بالإنجليزية: In-group favoritism) وتُعرف أحيانا باسم التحيز للمجموعة (بالإنجليزية: in-group bias) أو التحيز بين المجموعات (بالإنجليزية: intergroup bias) كلها مصطلحات تشير لنمط من تفضيل أفراد الجماعة التي ينتمي لها الفرد علي الأفراد خارج هذه الجماعة أو من الجماعات الأخري. ويمكن التعبير عن هذا التفضيل في شكل تقييم الأفراد، أو تخصيص الموارد، أو بطرق أخرى كثيرة.

تم بحث هذا التفاعل من قبل العديد من علماء النفس، ورُبط بالعديد من النظريات المتعلقة بالصراع الجماعي والتحامل. ويُنظر إلى هذه الظاهرة في المقام الأول من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي. وقد أظهرت الدراسات أن تفضيل أفراد الجماعة ينشأ نتيجة لتشكيل المجموعات ذات الخلفية الثقافية المشتركة. ويمكن تقسيم هذه المجموعات الثقافية على أساس من السمات التي يمكن أن تبدو تافهة أو صغيرة في أول الأمر، ثم بمرور الوقت ومع نمو الجماعة يربط الأفراد بعض الصفات مع بعض السلوكيات، ويزداد التباين. وهذا بدوره يحفز من تفضيل أفراد الجماعة.

هناك نهجان نظريان بارزان لظاهرة تفضيل أفراد الجماعة، هما: نظرية الصراع الواقعي ونظرية الهوية الاجتماعية . حيث تقترح نظرية الصراع الواقعي أن المنافسة بين الجماعات، وأحيانا الصراع بين الجماعات تنشأ عندما يكون لدى إحدى المجموعتين مطالب معارضة للموارد الشحيحة. وعلى النقيض من ذلك، فإن نظرية الهوية الاجتماعية تطرح دافعا نفسيا للهوية الاجتماعية المتميزة بشكل إيجابي كسبب أساسي لسلوك تفضيل أفراد الجماعة.

أصول التقليد البحثي[عدل]

في عام 1906، طرح عالم الاجتماع ويليام سمنر فكرة أن البشر نوع يميل للحياة في جماعات بحكم طبيعته. ولكنه أضاف على ذلك أن للبشر ميل طبيعي لمحاباة جماعتهم الخاصة عن جماعات الآخرين، مدعيًا أن "كل جماعة تغذي زهوها وغرورها، وتعزز من اعتبار نفسها العليا، وتعزز من مقدساتها، وتحتقر الآخرين" (صـ13). يمكن رؤية ذلك في التحيز لجماعة والتحيز ضد جماعة أخرى؛[1] كما يحدث في القبائل والجماعات الإثنية والأمم ويُشار إليه بـ"الاستعراقية".

التفسيرات[عدل]

التنافس[عدل]

تقترح نظرية الصراع الواقعي أن تنافس الجماعات المختلفة على الموارد هو سبب التحيز للجماعة الداخلية والمعاملة السلبية لأعضاء الجماعات الخارجية. تُعتبر تجربة كهف روبرز التي أجراها العالم مظفر شريف أشهر إيضاح لنظرية الصراع الواقعي. دُرس 22 ولد بعمر 11 عامًا ولهم خلفيات متشابهة في التجربة، في معسكر صيفي تخيلي، مثل فيه الباحثون أفراد المعسكر. [2] قُسم الأولاد إلى مجموعتين متساويتين، وشُجعوا أن يرتبطوا ببعضهم، بهدف تحفيز عقلية التحيز للجماعة. قدم الباحثون بعد ذلك سلسلة من الأنشطة التنافسية مما صدم جماعة بأخرى من أجل نيل هدية قيّمة. أدى ذلك إلى انتشار السلبية ضد الجماعة الخارجية. وفي الأخير حاول الباحثون أن يعكسوا تأثير العداء بتحفيز الأولاد على الدخول في مواقف تقتضي التكامل، أدت تلك الجهود إلى الانسجام النسبي بين الجماعتين.

استنتج شريف من هذه التجربة أن الانطباعات السلبية تجاه الجماعات الخارجية تنشأ عندما تتنافس الجماعتان على الموارد المحدودة. يرى شريف أن الاحتكاك بين الجماعات يمكن تقليله واستبداله بعلاقات إيجابية طيبة، ولكن ذلك لا يحدث إلا في حضور غاية كبرى لا يمكن تحقيقها إلا بتضافر جهود الجماعتين.[2][3]

الثقة بالنفس[عدل]

تبعًا لنظرية الهوية الاجتماعية، يُعتبر الاحتياج إلى تحسين الثقة بالنفس من محددات التحيز للجماعات. تنتقل الرغبة في أن يرى الشخص نفسه بصورة إيجابية إلى الجماعة، مما يخلق ميلًا إلى النظر إلى الجماعة بنظرة إيجابية، وبالمقارنة، بالنظر إلى الجماعات الخارجية نظرة سلبية. هذا يعني أن الأفراد سيجدون لأنفسهم تبريرًا، مهما كان صغيرًا، من أجل تفضيل أنفسهم وجماعتهم. طور تلك النظرية ودرسها هنري تاجفيل، وهو عالم نفس اجتماعي بريطاني نظر في الجذور النفسية للتحيز للجماعة. ولدراسة ذلك في المعمل،[4] استحدث تاجفيل وزملاؤه جماعات صغيرة (انظر نموذج المجموعة الأدنى)، وهو ما يحدث عندما "يُشكل أفراد غريبون عن بعضهم تمامًا جماعة بناء على شروط زهيدة". انقسم المشاركون في دراسات تاجفيل إلى جماعات عن طريق الاقتراع بعملة نقود، وأُخبرت كل جماعة أن تثمن أسلوبًا من الرسم لم يكن أي من المشاركين على دراية به قبل التجربة. اكتشف تاجفيل وزملاؤه أنه وبغض النظر عن أن 1) المشاركين لم يعرفوا بعضهم على الإطلاق 2) تقسيم كل جماعة لم يكن له معنى 3) لم يكن أي من المشاركين ملزمًا على التقيد بالأسلوب الذي يراه أفضل، كانت النتيجة أن كل جماعة أعجبت بأعضائها وقيّموا أعضاء جماعتهم بأن لهم شخصيات مبهجة". ولأنهم كانوا يكنون وجهات نظر إيجابية عن جماعتهم، تمكن الأفراد من تعزيز ثقتهم بأنفسهم كأعضاء لهذه الجماعة.[3]

الأساس البيولوجي كتأثير للأوكسيتوسين[عدل]

أجرى كارستين دو دريو مراجعة بحثية حول تأثير الأوكسيتوسين على السلوك الاجتماعي، أظهرت الأبحاث التي راجعها أن الأوكسايتوسين يعزز نمو الشعور بالثقة تجاه الأشخاص المشاركين لنا في بعض الصفات، وهم الذين يمكن وصفهم بأعضاء الجماعة، مما يعزز التعاون والمحاباة تجاه هؤلاء الأفراد. طبقًا لتلك الرؤية، فإن التحيز لأعضاء الجماعة تحت تأثير الأوكسايتوسين يُعتبر نتيجة التطور كأساس بيولوجي للحفاظ على التعاون الجماعي وحماية الجماعة، مما يتلائم مع رؤى داروين عن أفعال التضحية بالنفس والتعاون والمساهمة لأداء وظائف الجماعة وبالتالي تحسين فرص نجاة أفراد هذه الجماعة.[5]

يمكن استخدام مثال العرق للتعبير عن ميول محاباة الجماعة الداخلية ومعاداة الجماعة الخارجية؛ لأن المجتمع يصنف الأفراد لجماعات على أساس العرق (القوقازي، الأمريكي الأفريقي، اللاتيني، إلخ). فحصت إحدى الدراسات تأثير العرق على التعاطف مع الأفراد، ووجدت أن المشاركين الذين تناولوا أوكسايتوسين عن طريق الأنف كان رد فعلهم أقوى تجاه أفراد جماعتهم عند النظر إلى صور يتألمون فيها، مقارنة بأفراد الجماعة الخارجية. يُظهر ذلك أن الأوكسايتوسين يساهم في القدرة على التعاطف مع أفراد الأعراق المختلفة، مع تحيز المشاركين إلى مساعدة أفراد نفس العرق مقارنة بالأعراق الأخرى. [5]

ظهر أن الأوكسايتوسين مفيد أيضًا في الكذب عندما يثبت إفادة أعضاء الجماعة الداخلية من هذا الكذب. في دراسة لبحث تلك العلاقة، وجد أن الأفراد الذين تناولوا الأوكسايتوسين زادت لديهم معدلات خيانة الأمانة عندما رأوا أن هذا الكذب مفيد لجماعتهم.[6]

الهوية الذاتية والهوية الاجتماعية[عدل]

كما لوحظ في مراجعتين نظريتين حديثتين،[7] فإن الأساس النظري لتضمين الهوية الذاتية في نظريات الفعل العقلاني والسلوك المخطَّط تتشابه في بعض الجوانب مع نظرية الهوية الاجتماعية وامتدادها، نظرية تصنيف الذات. طبقًا لنظرية الهوية الاجتماعية، يأتي مكون مهم من مكونات مفهوم الذات من عضوية الجماعة الاجتماعية. عندما يصنف الناس أنفسهم بحدود تضمين الذات والأصناف الاجتماعية (مثل الجنس والطبقة الاجتماعية والفريق) تحدث عمليتان: الأولى هي التصنيف، والذي يعزز من الاختلافات بين الجماعات الداخلية والجماعات الخارجية،[8] ويؤدي إلى تنميط أفراد الجماعة الداخلية بأبعاد القالب النمطي، والثانية هي تحسين الذات، لأن مفهوم الذات يُعرَّف بحدود عضوية الجماعة، مما يعزز السعي إلى محاباة الجماعة الداخلية سلوكيًّا وتصوريًّا عن الجماعات الخارجية. يُعبر عن الهويات الاجتماعية معرفيًّا كنماذج أولية للجماعات تصف المعتقدات والانطباعات والمشاعر والسلوك الذي يعزز التوازن بين تقليل اختلافات الجماعة الداخلية وتضخيم الاختلافات مع الجماعات الأخرى.[9]

وبالتحديد، طبقًا لنظرية الهوية الاجتماعية، هناك اتصال بين الهوية الشخصية والهوية الاجتماعية، يحدد هذا الاتصال مدى تأثر أفعال ومشاعر الفرد بالصفات الشخصية أو الصفات المرتبطة بالجماعة. إذا كانت هوية اجتماعية معينة بارزة في المفهوم عن الذات، فيمكن نسب الذات إلى نموذج أولي مستوحى من الجماعة الداخلية، ملتزمة بمعتقدات وانطباعات ومشاعر وسلوكيات تلك الجماعة. وبالتالي فإن الهوية الاجتماعية تؤثر على السلوك خلال أعراف الجماعة. سيصير الناس أكثر قبولًا للخوض في سلوك معين إذا كان هذا السلوك متوافقًا مع أعراف الجماعة. وإذا لم تكن عضوية الجماعة مؤثرة فإن سلوك ومشاعر الناس في هذه الحالة ستتبع صفاتهم الشخصية بدلًا من الجماعية.

على الجانب الآخر، تفترض نظرية الهوية الذاتية أن الذات عبارة عن انعكاس للأعراف المتوقعة من الفرد والممارسات المفروضة عليه أثناء أداء دوره الاجتماعي. يتمركز هذا الافتراض حول فكرة أن الذات تتكون من أوجه عديدة ومكونات متمايزة توجد في منظومة تهدف إلى شغل أدوار المجتمع. لا يتمكن الناس من تكوين هويتهم إلا بالحديث مع الآخرين، وتختلف الأدوار التي يلعبونها من جماعة إلى أخرى. تلك الأدوار المختلفة والمواقع التي يشغلها الناس نتيجة للتفاعل مع الآخرين تُسمى هوية الدور. ربما يعي الشخص هوية الدور، وربما تكون حقائق كحالات الأم والعامل المجتمعي أو المتبرع بالدم. تؤدي هويات الدور بالناس إلى التصرف بطرائق معينة بسبب التوقعات المنتظرة منهم لأداء الدور.[10] ولأن هناك حالة من الرضا تنبع من الالتزام بالدور المنوط، هناك حالة من الاستياء تنبع من فشل المثول لهوية الفرد التي تحددها الأعراف المجتمعية. هناك تراتبية من الأهمية بالنسبة للأدوار المنوطة بالفرد، وطبقًا لتلك التراتبية يعمل الأفراد لشغل الأدوار التي تقع في قمة تلك التراتبية، بالنسبة إليهم.

المراجع[عدل]

  1. ^ Sumner, William Graham. (1906). Folkways: A Study of the Social Importance of Usages, Manners, Customs, Mores, and Morals. Boston, MA: Ginn.
  2. أ ب Sherif, M.; Harvey, O.J.; White, B.J.; Hood, W. & Sherif, C.W. (1961). Intergroup Conflict and Cooperation: The Robbers Cave Experiment. Norman, OK: The University Book Exchange. pp. 155–184.
  3. أ ب Aronson, E., Wilson, T. D., & Akert, R. (2010). Social psychology. 7th ed. Upper Saddle River: Prentice Hall.
  4. ^ Billig، Michael؛ Tajfel، Henri (1973-01-01). "Social categorization and similarity in intergroup behaviour". European Journal of Social Psychology. 3 (1): 27–52. ISSN 1099-0992. doi:10.1002/ejsp.2420030103. 
  5. أ ب De Dreu، Carsten K.W. (2012). "Oxytocin modulates cooperation within and competition between groups: An integrative review and research agenda". Hormones and Behavior. 61 (3): 419–428. ISSN 0018-506X. PMID 22227278. doi:10.1016/j.yhbeh.2011.12.009. 
  6. ^ Sheng F، Liu Y، Zhou B، Zhou W، Han S (February 2013). "Oxytocin modulates the racial bias in neural responses to others' suffering". Biological Psychology. 92 (2): 380–6. PMID 23246533. doi:10.1016/j.biopsycho.2012.11.018. 
  7. ^ Hogg، Michael A.؛ Terry، Deborah J.؛ White، Katherine M. (1995-01-01). "A Tale of Two Theories: A Critical Comparison of Identity Theory with Social Identity Theory". Social Psychology Quarterly. 58 (4): 255–269. JSTOR 2787127. doi:10.2307/2787127. 
  8. ^ Tajfel، Henri (1974-04-01). "Social identity and intergroup behaviour". Social Science Information (باللغة الإنجليزية). 13 (2): 65–93. ISSN 0539-0184. doi:10.1177/053901847401300204. 
  9. ^ Turner، John C. (1985). Advances in Group Processes: Theory and Research, Vol.2. Greenwichm, CT: JAI. صفحات 77–122. 
  10. ^ Stryker, Sheldon؛ Richard T. Serpe (1982). Personality, Roles, and Social Behavior. New York: Springer-Verlag. صفحات 188–218.