انتقل إلى المحتوى

معز الدين جهاندارشاه‌

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من جهاندار شاه‌)
معز الدين جهاندارشاه‌
(بالفارسية: معزالدین جهاندارشاه)  تعديل قيمة خاصية  (P1559) في ويكي بيانات
فترة الحكم
1124هـ/1712م - 1125هـ/1713م
نوع الحكم سُلطان مغول الهند
قطب الدين بهادرشاه
مُعين الدين فرُّخ‌سيار
معلومات شخصية
الاسم الكامل أبو الفتح معز الدين مُحمَّد جهاندارشاه‌
الميلاد 12 رمضان 1071هـ/10 أيَّار (مايو) 1661م
الدكن،  سلطنة مغول الهند
الوفاة 15 محرم 1125هـ/11 شُباط (فبراير) 1713م (51 سنة)
دلهي،  سلطنة مغول الهند
مكان الدفن مقبرة هُمايون، دلهي  الهند
الديانة مسلم سُني حنفي
الزوجة انظر
الأولاد انظر
الأب قطب الدين بهادرشاه
الأم نظام بائي
عائلة السُلالة التيمورية
سلالة آل بابُر
الحياة العملية
اللغة الأم الفارسية  تعديل قيمة خاصية  (P103) في ويكي بيانات
اللغات الفارسية، والعربية  تعديل قيمة خاصية  (P1412) في ويكي بيانات

السُّلطَانُ الأَعظَم والشَاهِنشَاه الغَازِي أَبُو الفَتح مِيرزَا مُحَمَّد مُعِزّ الدِّين جَهَانْدَارشَاه بهادُر صَاحِبقِرَان بن مُحَمَّد مُعَظَّمشَاه بن مُحَمَّد أَوْرَنِكْزِيب الگُوركَانِي (بالفارسية: اَبُو الفَتح مِيرزَا مُحَمَّد مُعِزّ الدِّين جَهَانْدَارشَاه بهادُر صَاحِبقِرَان بن مُحَمَّد مُعَظَّمشَاه بن مُحَمَّد أَوْرَنِگزِيب گُوركَانى، وبالأردية: اَبُو الفَتح مِيرزَا مُحَمَّد مُعِزّ الدِّين جَهَانْدَارشَاه بهادُر صَاحِبقِرَان بن مُحَمَّد مُعَظَّمشَاه بن مُحَمَّد أَوْرَنِگزِيب گُوركَانى) (12 رمضان 1071هـ - 15 محرم 1125هـ المُوافِق فيه 10 أيَّار (مايو) 1661م - 11 شُباط (فبراير) 1713م) المعروف اختصارًا باسم «مُعزّ الدين جهاندارشاه» أو «جهاندارشاه»، هو تاسع سلاطين مغول الهند الذين حكموا شبه القارة الهندية على مدى نحو ثلاثة قرون. تولّى حكم الدولة المغوليَّة فترةً وجيزة لم تتجاوز عامًا واحدًا،[1] وذلك من سنة 1124هـ المُوافقة لِسنة 1712م إلى سنة 1125هـ المُوافقة لِسنة 1713م.[2] حمل لقب «جهاندارشاه»، وهو لقبٌ فارسي مُركَّب من ثلاث كلمات: «جهان» بمعنى «العالم» أو «الدُنيا»،[3][4] و«دار» وهي لاحقة تُفيد معنى الحيازة أو الحفظ، فتأتي بمعنى «المالك» أو «الحافظ»،[وب 1] و«شاه» بمعنى «الملك» أو «العظيم».[5]

كان جهاندارشاه الابنَ البكر للسُّلطان قطب الدين بهادُرشاه،[la 1] وقد اعتلى عرش آبائه وأجداده عقب صراعٍ دامٍ خاضه ضد إخوته: مُحمَّد عظيم الشأن ومُحمَّد رفيع القدر وأختر جهانشاه، وانتهى بانتصاره عليهم ومقتلهم جميعًا.[6] وكان وزيره ذو الفقار خان أبرز داعميه وأهم أركان قوته في تلك المُواجهة، إذ لعب دورًا حاسمًا في تثبيت مُلكه وتمكينه من السُلطة.[2]

يُعدُّ جهاندارشاه أوَّل سلاطين المغول الذين غدوا مجرَّد واجهةٍ للسُّلطة، إذ وقع تحت هيمنة وزيره سالف الذكر، وأصبح ألعوبةً في يده. ويكاد المُؤرِّخون يُجمعون على أنَّه لم يتحلَّ بالصفات السياسيَّة والإداريَّة التي تؤهله للحفاظ على مُلك أجداده، فضلًا عن توسيعه أو تعزيز أركانه؛ فقد عُرف باللهو والمُجون، وانصرف إلى مجالس الطرب والسمر والشراب، ومُعاشرة النساء والراقصات والمُغنيات، مُهملًا شُؤون الدولة وإدارة أجهزتها.[2] ونتيجةً لذلك، تُرك تدبير أمور السلطنة الفعلي في يد الصدر الأعظم. وازداد الوضع اضطرابًا في عهده بعدما خضع خضوعًا كاملًا لنفوذ مُحظيَّته «لال كنور»، وهي راقصةٌ هنديَّة، فأخذت تُقرِّب أقاربها وتُغدق عليهم المناصب والنفوذ داخل جهاز الدولة. وقد أسهمت حالة الترف والإسراف التي طبعت عهده في استنزاف خزينة الدولة، وأدَّت إلى تدهور أوضاعها الاقتصاديَّة وانحدارها بصورةٍ ملحوظة.[7]

انتهى عهد هذا السُّلطان نهايةً دمويَّة على يد ابن أخيه مُعين الدين فرُّخ‌سيار؛ إذ كان الأخير قد استقلَّ بمدينة بتنا عقب مقتل والده عظيم الشأن، ثمَّ بسط نفوذه على البنغال، عازمًا على الثأر لأبيه ووضع حدٍّ لحالة الفوضى والضعف التي استشرت في البلاد نتيجة سوء تدبير عمِّه. وقد التفَّ حوله عُمَّال الدولة وكبار القادة في تلك الأقاليم، لما عُرف به من عدلٍ وشجاعة، فتمكَّن من تكوين قوَّةٍ عسكريَّة وسياسيَّة وازنة. وما لبث فرُّخ‌سيار أن ألحق بقُوَّات السلطنة، على كثرتها، هزائم مُتتالية، حتَّى تمكَّن من دخول العاصمة آغرة، ثمَّ زحف منها إلى دلهي، حيث وجد عمَّه مُتحصِّنًا في القلعة السلطانيَّة. فألقى القبض عليه وعلى وزيره، ثمَّ أمر بقتلهما، بعد أن لم يدم حكم جهاندارشاه أكثر من أحد عشر شهرًا.[8] ومثَّل الثُوَّار بجُثَّة السُّلطان عقب مقتله، فطافوا بها في شوارع المدينة في مشهدٍ عكس حجم النقمة عليه وعلى عهده، ثمَّ نُقل جثمانه ودُفن في مقبرة هُمايون.[la 2]

حياته قبل السلطنة

[عدل | عدل المصدر]

مولده ونشأته

[عدل | عدل المصدر]

وُلد جهاندارشاه يوم 12 رمضان 1071هـ المُوافق فيه 10 أيَّار (مايو) 1661م في صوبة الدكن، لأبيه الشاهزاده مُحمَّد مُعظَّم، الذي عُرف لاحقًا بالسُّلطان قطب الدين بهادُرشاه، ولأمِّه نظام بائي بنت «فاتح‌ياور جنگ»، أحد أشراف حيدر آباد.[la 3] وكان أكبر أبناء مُحمَّد مُعظَّم وأوَّل أحفاد السُّلطان أورنكزيب.[la 1] وقد استقبل البلاط المغولي مولده باحتفاءٍ كبير، فأمر جدُّه السُّلطان أورنكزيب بإقامة الاحتفالات والمراسيم الرسميَّة ابتهاجًا بمقدمه.[la 4]

السُلطان بهادُرشاه وأبنائه الأربعة.

شارك جهاندارشاه في حملته العسكريَّة الأولى خلال عهد جدِّه، مستفيدًا ممَّا عُرف به من كفاءةٍ عسكريَّة وبنيةٍ جسديَّة قويَّة، وقد استمرَّت تلك الحملة ثلاث سنوات في الدكن. ثمَّ نُقل بعد ذلك إلى شمال الهند، حيث أُوكلت إليه مُهمَّة إخضاع قبيلة «ميراني» البلوشيَّة المتمرِّدة. وتمكَّن سنة 1706م من هزيمتها ودخول عاصمتها ديرة غازي خان، كما ألقى القبض على زعيم القبيلة وساقه إلى البلاط السلطاني بين يدي السُّلطان.[la 5][la 6]

خلال عهد أبيه

[عدل | عدل المصدر]

تُوفي السُّلطان أورنكزيب يوم الجُمُعة 28 ذي القعدة 1118هـ المُوافق 20 شُباط (فبراير) 1707م، فاندلع عقب وفاته صراعٌ على العرش بين أبنائه الثلاثة: مُحمَّد أعظم، الابن الأكبر، ومُحمَّد مُعظَّم، الابن الأوسط، ومُحمَّد كامبخش، الابن الأصغر.[9] وانتهى هذا الصراع بانتصار مُحمَّد مُعظَّم، والد جهاندارشاه، الذي انفرد بحكم الدولة واعتلى العرش في شهر حُزيران (يونيو) سنة 1707م، مُتخذًا لقب «بهادُرشاه».[la 7] ويعني هذا اللقب بالفارسية «الملك الباسل» أو «الجريء» أو «الشهم»، كما يأتي أيضًا بمعنى «البطل» أو «رابط الجأش».[10][11]

وما إن استقرَّ بهادُرشاه على العرش حتَّى شرع في إغداق العطايا والمناصب على أبنائه وأتباعه المُخلصين؛ فمنح ابنه الأكبر لقب «جهاندارشاه»، وولَّاه حكم الدكن والمُلتان وتتة.[la 8] وعلى الرُّغم من هذه التعيينات، ظلَّ جهاندارشاه مُقيمًا في البلاط السلطاني طوال عهد والده، شأنه في ذلك شأن سائر أبناء بهادُرشاه. ويُعزى ذلك إلى تقدُّم السُّلطان في السن عند اعتلائه العرش، الأمر الذي دفع أبناءه إلى البقاء قريبين من مركز السُّلطة ترقُّبًا لما قد يطرأ بعد وفاته.[la 9]

وفاة بهادُرشاه وصراع بنيه على العرش

[عدل | عدل المصدر]

تُوفي السُّلطان بهادُرشاه يوم 19 محرم 1124هـ المُوافق 27 شُباط (فبراير) 1712م، وسرعان ما اندلعت عقب وفاته حربُ وراثةٍ جديدة، وهي ظاهرةٌ غدت من السمات المُتكرِّرة في تاريخ الدولة المغوليَّة بالهند. فما إن لفظ السُّلطان أنفاسه الأخيرة حتَّى عمَّت الفوضى أرجاء البلاد، نتيجة التنافس على العرش بين أبنائه الأربعة: عظيم الشأن، وجهاندارشاه، ورفيع الشأن، وجهانشاه.[12]

ذو الفقار خان، مُهندس الاقتتال الذي دار بين أبناء السُلطان بهادُرشاه.

كان عظيم الشأن، الابن الثاني لبهادُرشاه، بعيدًا عن والده خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته؛ إذ عُيِّن سنة 1109هـ المُوافقة لِسنة 1698م صوبدارًا[ا] على البنغال، ثم أُلحقت بها بِهَار سنة 1114هـ المُوافقة لِسنتي 1702 و1703م. ولم يلتقِ بوالده بعد ذلك إلَّا مرَّةً واحدة، حين اجتمعا في آغرة سنة 1119هـ المُوافقة لِسنة 1707م، قبيل معركة «ججاؤ» التي انتهت بهزيمة السُّلطان قطب الدين أعظمشاه.[15] وخلال تلك الفترة، برز جهاندارشاه بدوره في إدارة الشؤون العامَّة، كما أُشير سابقًا، غير أنَّ علاقته بوالده ظلَّت فاترة، وقضى القسم الأكبر من حياته حاكمًا شبه مُستقلٍّ على المُلتان.[15] كما عُدَّ جهاندارشاه أضعف إخوته نفوذًا، على الرُّغم من كونه أكبرهم سنًّا؛ إذ لم يكن يمتلك قوَّةً عسكريَّة تُضاهي ما لدى إخوته، كما كان أقلَّهم ثراءً وإمكاناتٍ ماليَّة.[la 10][la 11] أمَّا الابن الثالث، رفيع الشأن، فكان الأثير لدى والده، وقد عمل مُستشارًا له أثناء إقامته في كابُل خلال السنوات الأولى من نشاطه السياسي. غير أنَّ مكانته تراجعت تدريجيًّا مع مرور الزمن لصالح أخيه الأصغر جهانشاه، الذي انفرد بالتأثير في السُّلطان، وحظي بدعم الصدر الأعظم منعم خان.[15] وفي شهر شوَّال 1121هـ المُوافق لكانون الأوَّل (ديسمبر) 1709م، انصرف اهتمام السُّلطان بهادُرشاه إلى ابنه عظيم الشأن، ويبدو أنَّه كان يميل إلى اختياره وليًّا للعهد وخليفةً له، ويُستدلُّ على ذلك بانفراده بإدارة شؤون الدولة أثناء مرض السُّلطان.[15]

وكاد الإخوة يتوصَّلون إلى تسويةٍ تقوم على اقتسام إرث أبيهم ومناطق النفوذ في الدولة؛ بحيث ينال جهانشاه الدكن، ويحصل رفيع الشأن على المُلتان وكشمير، فيما يقتسم جهاندارشاه وعظيم الشأن بقيَّة الأقاليم. غير أنَّ خلافهم على تقسيم الأموال والثروات حال دون إتمام هذا الاتفاق، وفتح الباب أمام تدخُّل الأُمراء والقادة في النزاع القائم بينهم.[12] وفي خضمِّ هذه الأزمة، عمل أسد خان، زعيم الجماعة الإيرانيَّة في البلاط المغولي، على تأجيج الخلاف بين أبناء السُّلطان الراحل، طمعًا في الانفراد بإدارة شؤون الدولة؛ فحرَّض جهاندارشاه ورفيع الشأن وجهانشاه على أخيهم عظيم الشأن، الذي أخذ نفوذه يتعاظم، ونجح في توحيدهم ضمن تكتُّلٍ مُعادٍ له.[15] وفي الوقت نفسه، برز القائد الكبير ذو الفقار خان بن أسد خان، حامل لقب «مير بخشي»[ب]، بوصفه اللاعب الأهم في إدارة الصراع بين الإخوة. فقد سعى إلى توجيه مجريات النزاع بحذرٍ شديد، بما يضمن خروجه بأكبر قدرٍ ممكن من المكاسب السياسيَّة.[la 10][la 11] ولهذا طرح على الإخوة مشروع تسويةٍ يقضي بتنصيب جهاندارشاه سُلطانًا على البلاد، على أن يُخطب له على المنابر وتُسكَّ العملة باسمه، ويتَّخذ من دلهي مقرًّا لحكمه، بينما يُمنح رفيع الشأن كابُل وكشمير والمُلتان وتتة، ويؤول إلى جهانشاه حكم الدكن من نهر نرمادة إلى جزيرة سرنديب، على أن تُقسَّم جميع الأراضي التي تُنتزع من عظيم الشأن بينهم بالتساوي، مع احتفاظ ذو الفقار خان بمنصب «مير بخشي».[15]

وسرعان ما اندلع القتال بين الإخوة المُتحالفين وعظيم الشأن، وفي شهر صفر 1124هـ المُوافق لآذار (مارس) 1712م، دارت معركةٌ عنيفة بين الطرفين انتهت بخسارة رفيع الشأن. وقد لقي حتفه أثناء انسحابه من ساحة القتال، بعدما أُصيب الفيل الذي كان يمتطيه بقذيفةٍ مدفعيَّة صغيرة؛ فهرب خائفًا وغاص في الرمال المُتحرِّكة والطين الكثيف على ضفاف نهر الراوي، فهلك الفيلُ وصاحبه هناك. كما فرَّ قائد عظيم الشأن «أمين الدين»، في أعقاب الهزيمة، إلى لاهور.[la 13]

التفت جهاندارشاه بعد ذلك، بتحريضٍ وتشجيعٍ من ذي الفقار خان، إلى تصفية أخويه المُنافسين على العرش؛ فدخل أولًا في صدامٍ مع أخيه جهانشاه، وتمكَّن من هزيمته وقتله، ثمَّ توجَّه إلى مُواجهة أخيه الآخر عظيم الشأن، فقضى عليه أيضًا، لينفرد إثر ذلك بالحُكم ويتربَّع وحده على عرش الدولة المغوليَّة.[16][17]

حال الدولة

[عدل | عدل المصدر]
لال كنور، محظية جهاندارشاه.

تُوِّج جهاندارشاه سُلطانًا على عرش مغول الهند يوم 21 صفر 1124هـ المُوافق 29 آذار (مارس) 1712م،[la 14] غير أنَّ اعتلاءه العرش لم يُقابل بترحيبٍ واسع من عامَّة الناس أو من أوساط النُّخبة والأشراف؛ إذ نظر كثيرون إليه بوصفه حاكمًا يفتقر إلى الشرعيَّة السياسيَّة، بعدما انتزع السُّلطة من أخيه رفيع الشأن، الذي عُدَّ وليًّا للعهد، ثمَّ قضى على أخويه الآخرين في سبيل الانفراد بالحكم.[la 15] وأدرك جهاندارشاه هشاشة موقفه منذ اللحظة الأولى، فسعى إلى ترسيخ سلطانه من خلال إغداق المكافآت والترقيات على أنصاره والمُقرَّبين منه. كما خالف التقاليد السياسيَّة التي درج عليها السلاطين المغول، والتي كانت تقضي باستمالة أنصار الخصوم بعد انتهاء الصراع والعفو عنهم لضمان استقرار الدولة وكسب ولائهم؛ إذ انتهج سياسةً مُتشدِّدة تجاه مؤيِّدي إخوته، فعاقب عددًا منهم عقوباتٍ قاسية، وأمر بإعدام بعضهم.[la 15] وزاد من استياء الناس والنُّخبة منه تصرُّفٌ عُدَّ خروجًا على الأعراف المرعيَّة في البيت المغولي؛ فقد ترك جُثث إخوته مطروحةً في العراء أيَّامًا عدَّة حتَّى أنتنت، قبل أن يأمر بدفنها. وكان ذلك على النقيض من سلوك السلاطين السابقين الذين خاضوا صراعاتٍ مماثلة مع إخوانهم، إذ اعتادوا المبادرة إلى دفنهم بعد إقامة مراسم جنازةٍ تليق بمكانتهم، وإظهار شيءٍ من الحزن والأسف على ما انتهت إليه الأوضاع.[la 15]

أمَّا على الصعيد الشخصي، فلم يُظهر جهاندارشاه من الكفاءة والحزم ما يؤهله للاضطلاع بأعباء السلطنة في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الدولة؛ إذ انصرف إلى اللهو والترف وملاذِّ الحياة، تاركًا إدارة الشؤون العامَّة إلى ذي الفقار خان الذي عيَّنه صدرًا أعظمًا، فتولَّى هذا الأخير زمام الحكم الفعلي وأصبح صاحب النفوذ الأبرز في الدولة. وقد أثارت سيرة السُّلطان الشخصيَّة انتقاداتٍ واسعة بين معاصريه؛ إذ عُرف بفسقه المُعلن وعدم تحفُّظه في سلوكه، كما خضع بصورةٍ كبيرة لتأثير مُحظيَّته «لال كنور»، وهي راقصةٌ هنديَّة لم يلبث أن تزوَّجها. وأفضى نفوذها المتزايد إلى صعود أقاربها إلى مناصب رفيعة في جهاز الدولة، فاكتسبت أسرتها مكانةً وسلطانًا لم يسبق لهما مثيل في البلاط المغولي. وفي الوقت نفسه، غرق جهاندارشاه في أجواء الاحتفالات والولائم ومجالس الطرب، في وقتٍ كانت الدولة تواجه تحدياتٍ سياسيَّة وماليَّة جسيمة. وقد أسهمت سياسة الإسراف والتبذير التي طبعت عهده في استنزاف موارد الخزينة، وأدَّت إلى تفاقم الأزمة الاقتصاديَّة وتدهور الأوضاع الماليَّة للدولة بصورةٍ ملحوظة.[la 16]

أرجع المؤرِّخون المُعاصرون لجهاندارشاه، وكذلك عددٌ من المؤرِّخين اللاحقين، الاضطرابات التي شهدها عهده إلى جوانب من شخصيَّته وسلوكه، ولا سيَّما انغماسه في اللهو، فضلًا عن القسوة التي أظهرها في تعامله مع خصومه السياسيين. وقد صُوِّرت هذه السمات في كثيرٍ من المصادر بوصفها من أبرز العوامل التي أسهمت في إضعاف سلطانه وتعجيل سقوطه. غير أنَّ عددًا من الباحثين المُعاصرين قدَّموا قراءاتٍ أكثر توازنًا لهذه المرحلة؛ إذ يرى مؤنس فاروقي أنَّ جذور فشل جهاندارشاه تعود إلى ما قبل اعتلائه العرش، مشيرًا إلى ما كان يُعانيه من ضعفٍ سياسي وقصورٍ في بناء قاعدةٍ من الأنصار والأعوان القادرين على دعمه في صراعه على السُّلطة، الأمر الذي جعله في موقعٍ هشٍّ منذ بداية عهده. أمَّا «أبهيشيك كيكر» فيلفت النظر إلى تحوُّل النُّخبة الأرستقراطيَّة المغوليَّة نفسها خلال تلك الفترة، إذ أصبحت أكثر سعيًا وراء مصالحها الخاصَّة وأقلَّ التزامًا بالولاءات التقليديَّة، ويرى أنَّ ما نُسب إلى جهاندارشاه من قسوةٍ وسوء تدبير استُخدم، في جانبٍ منه، لتبرير انحياز هؤلاء الأشراف إلى فرُّخ‌سيار في الصراع الذي انتهى بإسقاطه.[la 11][la 17][la 18]

حال الصدارة العُظمى

[عدل | عدل المصدر]
جهاندارشاه في مجلسه ويبدو إلى اليسار كُلًا من الصدر الأعظم ذو الفقار خان (الثاني) ووالده أسد خان (أعلى اليسار).

مع اعتلاء جهاندارشاه العرش، عُيِّن ذو الفقار خان صدرًا أعظمًا، كما أُشير سابقًا. وبحكم اعتماد السُّلطان شبه الكامل عليه، فضلًا عن الظروف الاستثنائيَّة التي أحاطت بوصوله إلى الحُكم، انتقلت السُّلطة الفعليَّة إلى يد الصدر الأعظم، في حين اقتصر دور جهاندارشاه إلى حدٍّ كبير على الصفة الشكليَّة. ويُعدُّ ذلك سابقةً مهمَّة في تاريخ الدولة المغوليَّة؛ إذ كانت المرَّة الأولى التي ينفرد فيها رجلٌ من خارج الأسرة الحاكمة بممارسة نفوذٍ يكاد يكون مُطلقًا على شؤون الدولة. وبوصفه الحاكم الفعلي خلال هذا العهد، انتهج ذو الفقار خان سياسةً هدفت إلى تهدئة الأوضاع الداخليَّة وإعادة الاستقرار إلى السلطنة، فسعى إلى بناء علاقاتٍ وديَّة مع الراجپوت والسيخ والمراثيين والزُّطّ، بعد سنواتٍ من الاضطرابات والصراعات. كما أظهر قدرًا كبيرًا من المرونة السياسية تجاه الهندوس عمومًا، فألغى الجزية المفروضة عليهم، واستعان بعددٍ من زعمائهم في مناصب رفيعة، من بينهم «جاي سينگه سوائي» حاكم آمبر، و«أجيت سينگه» حاكم جُدبُور، و«سيواجي» ابن تارابائي. كذلك عفا عن زعيم الزُّطّ «شُرمَن»، الذي كان قد قاتل إلى جانب عظيم الشأن، ومنحه منصبًا رفيعًا في الجيش المغولي.[la 19]

ومع ذلك، لم تُفلح هذه السياسات في وقف التدهور البنيوي الذي كانت تعانيه الدولة؛ إذ واصلت ماليَّتها التراجع، استمرارًا لمسارٍ بدأ في أواخر عهد سَلَفَيّ جهاندارشاه، وهو ما انعكس سلبًا على كفاءة المؤسَّسة العسكريَّة وقدرتها على أداء مهامها. ومن ناحيةٍ أخرى، أثار النفوذ الواسع الذي تمتع به ذو الفقار خان مخاوف السُّلطان نفسه، فدفعه ذلك إلى التآمر على صدره الأعظم ومحاولة الحد من سلطته، الأمر الذي أدخل البلاط في دوامةٍ جديدة من الصراعات والمؤامرات، وأسهم في زيادة حالة الاضطراب السياسي التي ميَّزت هذا العهد القصير.[la 11]

ثورة فرُّخ‌سيار وبداية ظهور السادات

[عدل | عدل المصدر]

في ذلك الوقت، كان الشاهزاده فرُّخ‌سيار[ج]، ابن عظيم الشأن، مُقيمًا في البنغال عندما بلغه نبأ وفاة جدِّه السُّلطان بهادُرشاه. وعندئذٍ أعلن أحقيَّة والده بالسلطنة، وأمر بسكِّ النُّقود باسمه والخطبة له على المنابر، غير أنَّه لم يُقدم في تلك المرحلة على أيِّ خطوةٍ إضافيَّة تتجاوز هذا الإعلان الرمزي.[19] وفي 29 صفر 1124هـ المُوافق 6 نيسان (أبريل) 1712م، بلغ فرُّخ‌سيار نبأ مقتل والده، ففترت عزيمته في بادئ الأمر، وعزم على مغادرة البنغال بحرًا والابتعاد عن الصراع الدائر على العرش. غير أنَّ والدته «صاحبة نسوان»، التي اشتهرت بالشجاعة وحسن التدبير، تدخَّلت في الوقت المناسب، فحثَّته على الثبات ومواجهة الموقف، ودعته إلى السعي للأخذ بثأر والده.[19]

ولم يكن تحت تصرُّف فرُّخ‌سيار آنذاك سوى نحو أربعمائة مُقاتل، ومع ذلك توجَّه إلى بتنا، حيث عسكر بالقرب من حديقة جعفر خان الواقعة شرقي المدينة. وكان يأمل أن يلتفَّ حوله رجال أبيه وأمراؤه السابقون، إلا أنَّ معظمهم آثروا الانضمام إلى السُّلطان جهاندارشاه. وإزاء حاجته المُلحَّة إلى قوَّةٍ عسكريَّة تُسانده في مشروعه، نجح في استمالة أخوين من السادة الأشراف من آل البيت، هما حسين علي خان برها، صوبدار بِهَار، وأخوه حسن علي خان برها، حاكم الله آباد.[19] وكان الأخوان من كبار رجال عظيم الشأن والمُقرَّبين إليه إداريًّا وسياسيًّا، غير أنَّ جهاندارشاه كان قد عزلهما من منصبيهما بعد اعتلائه العرش، فامتلأت نفوسهما بالسخط عليه، الأمر الذي دفعهما إلى تأييد فرُّخ‌سيار والانضمام إلى حركته.[la 11][la 20][20] وقد عُرف الأخوان في المصادر التاريخيَّة باسم «السادات»، وكان لهما فيما بعد دورٌ محوري في توجيه سياسة الدولة المغوليَّة والتأثير في شؤونها خلال السنوات اللاحقة.

السُلطان جهاندارشاه‌ مع قائد جيشه عبد الصمد خان بهادُر (الأعلى يمينًا، مُرتديًا ثوبًا أحمر.

وانطلقت القُوَّات المُتحالفة من بتنا في شهر شعبان 1124هـ المُوافق لأيلول (سپتمبر) 1712م، متجهةً نحو آغرة، وقد بلغ عدد أفرادها نحو خمسةٍ وعشرين ألف مُقاتل. ولمَّا بلغ السُّلطان جهاندارشاه نبأ هذا الزحف، أمر ابنه «أعزّ الدين ميرزا» بالخروج من آغرة للتصدِّي للقوَّات الزاحفة وإيقاف تقدُّمها.[19] غير أنَّ أعزّ الدين تلقَّى أمر والده بشيءٍ من التردُّد والتثاقل؛ إذ عُرف بالجبن وضعف العزيمة، كما لم تكن علاقته على ما يُرام مع «لال كنور»، مُحظيَّة السُّلطان النافذة. وحين خرج في الحملة، واجه مشكلاتٍ خطيرة داخل صفوف جيشه، إذ انشقَّ عددٌ من قادته وانضمُّوا إلى فرُّخ‌سيار، وهو ما ترك أثرًا بالغًا في موازين القُوى وفي نتائج المواجهة المرتقبة، رغم التفوُّق العددي الواضح لقُوَّات السُّلطان، التي قُدِّر عددها بنحو خمسين ألف مُقاتل، فضلًا عن امتلاكها عددًا كبيرًا من المدافع.[19] وفي شهر شوَّال 1124هـ المُوافق لتشرين الثاني (نوڤمبر) 1712م، وصل أعزّ الدين إلى منطقة «كجرا»، وهي الموضع الذي شهد قبل سنواتٍ صراع أورنكزيب مع أخيه شاهشُجاع على العرش. وهناك اتَّخذ موقعًا دفاعيًّا حصينًا خلف خندقٍ بلغ عرضه نحو خمسة عشر قدمًا وعمقه عشرة أقدام، بحيثُ يصعب على أيِّ قوَّةٍ مُهاجمته أو اجتيازه بسهولة.[19]

وفي أثناء ذلك، واصل فرُّخ‌سيار تقدُّمه حتى بلغ موضع تمركز خصمه، فرتَّب صفوفه وأعدَّ قُوَّاته لخوض المعركة. وبدأت المواجهة بقصفٍ مدفعي استهدف معسكر أعزّ الدين، غير أنَّ العامل الحاسم لم يكن القصف نفسه، بل ما جرى خلال الليل؛ إذ دبَّ الخوف في نفس أعزّ الدين، فغادر المعسكر سرًّا بصحبة أفراد أسرته عائدًا إلى آغرة، متجنبًا خوض المعركة. وأدَّى فراره إلى اضطراب صفوف الجيش السلطاني واندلاع الخلافات بين قادته ووحداته، فتفكَّكت جبهته الدفاعيَّة، الأمر الذي أتاح لجيش فرُّخ‌سيار اقتحام المعسكر ونهبه.[21][la 21] وعقب هذه النكسة، قرَّر جهاندارشاه أن يتولَّى قيادة الحرب بنفسه، فخرج من دلهي لمواجهة جيش ابن أخيه الذي أخذ يزحف نحو آغرة بعد انتصاره على أعزّ الدين. والتقى الجيشان يوم 13 ذي الحجَّة 1124هـ المُوافق 10 كانون الثاني (يناير) 1713م في موضع «سموكرة» بالقرب من آغرة.[22] وفي المراحل الأولى من القتال، بدا أنَّ الكفَّة تميل لمصلحة السُّلطان؛ إذ حقَّقت قُوَّاته تقدُّمًا ملحوظًا، وظهرت بوادر النصر في صفوفه. وزاد من هذا الانطباع ما تكبَّده فرُّخ‌سيار من خسائر جسيمة في القادة والأُمراء، فضلًا عن فرار أعدادٍ كبيرة من جُنوده من أرض المعركة، حتى لم يبقَ معه سوى نحو ستة آلاف مُقاتل. أمَّا هؤلاء الباقون، فقد أخذ اليأس يتسرَّب إلى نفوسهم، وراح كثيرٌ منهم يترقَّب الفرصة المناسبة للانسحاب والفرار.[22]

غير أنَّ مجرى المعركة انقلب بصورةٍ مُفاجئة في لحظةٍ كانت الكفَّة فيها تميل إلى جانب جهاندارشاه؛ إذ أُصيب الفيل الذي كان يحمل السُّلطان بعدَّة سهام، وتعرَّض لجرحٍ في وجهه، فهاج وفقد السيطرة عليه، وأخذ يندفع في ساحة القتال على نحوٍ عشوائي، ناشرًا الفوضى بين الصُّفوف. وأدَّى ذلك إلى انتشار الذعر بين الجُنود، فتفرَّقت الخيول بفُرسانها في مختلف الاتجاهات، كما انسحب أفراد الحرس السلطاني، وسرعان ما تحوَّل الاضطراب إلى انهيارٍ شامل في صفوف الجيش المغولي. وأمام هذا التدهور السريع، لم يجد جهاندارشاه بُدًّا من الانسحاب من ميدان القتال والعودة إلى دلهي، فوصلها يوم 18 ذي الحجَّة 1124هـ المُوافق 16 كانون الثاني (يناير) 1713م. وكان ذو الفقار خان قد سبقه إلى العاصمة بيومٍ واحد، بعد أن فرَّ هو الآخر من ساحة المعركة إثر انهيار الموقف العسكري.[22] وتورد بعض الروايات وصفًا مختلفًا لأسباب الهزيمة؛ إذ تذكر أنَّ جهاندارشاه كان منشغلًا باللهو والشراب في معسكره، بصحبة عددٍ كبير من النساء والراقصات والمُغنيات اللواتي رافقنه إلى ميدان القتال. ووفقًا لهذه الرواية، تمكَّن حسن علي خان من الوصول إلى الخيمة السلطانيَّة ومهاجمتها على حين غرَّة، فأثار الذعر في نفس السُّلطان ومرافقيه، ففرُّوا من المكان، وانتقلت حالة الهلع إلى صفوف الجيش بأسره، الأمر الذي حسم المعركة لمصلحة فرُّخ‌سيار.[21][la 22] ويبدو أن هزيمة جهاندار شاه تعود، في جانبٍ منها، إلى حالة الانقسام التي سادت أوساط قادة جيشه من الإيرانيين والأتراك، إذ كان التنافس بينهم عاملًا مؤثرًا في إضعاف الأداء العسكري. كما أن استياء عددٍ كبير منهم من سلوك السلطان وتصرفاته حال دون مشاركتهم بفاعلية في القتال. وإلى جانب ذلك، أسهمت الخصومة الحادة بين الصدر الأعظم ذو الفقار خان والقائد محمد أمين خان الطوراني في إرباك إدارة المعركة وإضعاف التنسيق بين قياداتها، مما ساعد على ترجيح كفة الخصم.[23]

خلع جهاندارشاه‌ وقتله

[عدل | عدل المصدر]

كان ذو الفقار خان يعتزم اصطحاب جهاندارشاه إلى كابل أو الدكن انسحابًا أمام قوات فرّخ‌سيار، على أن يعمل لاحقًا على حشد جيشٍ كبير والعودة لمواجهته. غير أنَّ أسد خان حال دون تنفيذ هذه الخطة؛ إذ كان يرى أن جهاندارشاه يفتقر إلى الكفاءة اللازمة لتولّي المُلك، فضلًا عن أن الخزانة السلطانية كانت قد استُنزفت نتيجة إسرافه وتبذيره. لذلك أقنع أسد خان ابنه ذو الفقار خان بالعدول عن مشروعه، ونقل جهاندار شاه إلى قلعة المدينة صونًا لسلامته وسلامة أفراد أسرته.[24]

مقبرة همايون في مدينة دلهي، بالهند، حيثُ يرقد السُلطان جهاندارشاه‌.

أمضى فرُّخ‌سيار الليلة التي أعقبت انتصاره مُحاطًا بالأُمراء والسادة الذين ساندوه في حملته، فشكرهم على ما أبدوه من ولاءٍ وتعاون، كما انضمَّ إليه عددٌ من أُمراء جهاندارشاه الذين آثروا التحوُّل إلى جانبه بعد أن تبيَّن لهم رجحان كفَّته. وفي صباح اليوم التالي، بعث برسائل إلى أنصاره في دلهي يأمرهم بالبحث عن السُّلطان المهزوم والقبض عليه أينما وُجد.[22] وفي 25 ذي الحجَّة 1124هـ المُوافق 23 كانون الثاني (يناير) 1713م، تحرَّك فرُّخ‌سيار نحو دلهي، وقبل وصوله إليها بادر أهل المدينة إلى إقامة الخطبة باسمه إيذانًا بالاعتراف بسلطانه.[22] ثم دخل العاصمة يوم 14 مُحرَّم 1125هـ المُوافق 10 شُباط (فبراير) 1713م، بعد أن كان الأخوان عبد الله خان وحسين علي خان قد سبقاه إليها وأحكما السيطرة على الأوضاع فيها. وفي أثناء ذلك، أُلقي القبض على ذي الفقار خان، الصدر الأعظم لجهاندارشاه، وقُتل يوم 16 مُحرَّم 1125هـ المُوافق 12 شُباط (فبراير) 1713م. أمَّا جهاندارشاه نفسه، فقد أُدرك بعد محاولته الاحتماء بمُحظيَّته «لال كنور»، التي أبدت مقاومةً شديدة وراحت تصرخ وتستغيث دفاعًا عنه. وبعد القبض عليه، حاول المكلَّفون بقتله خنقه، غير أنَّ المحاولة لم تُفضِ إلى وفاته، فانهالوا عليه بالضرب بأكعاب الأحذية على رأسه حتى فارق الحياة. ثم عمد مُحمَّد يار خان إلى قطع رأسه، ووضعه على طبقٍ وأرسله إلى فرُّخ‌سيار، بينما أُلقيت جثَّته على فراشٍ من القش في مشهدٍ عكس قسوة الصراع على العرش في أواخر العهد المغولي.[17]

وعقب تثبيت أركان سلطانه، دخل فرُّخ‌سيار دلهي في موكبٍ احتفالي كبير، تقدَّمته الفِيَلة التي حُمِلت عليها جثَّتا عمِّه جهاندارشاه وصدره الأعظم ذي الفقار خان. وقد مُثِّل بهما تمثيلًا قاسيًا؛ إذ قُطِّعت جثتاهما وعُلِّقتا مقلوبتين على مرأى من الناس، في مشهدٍ أُريد منه إظهار انتصار الحاكم الجديد وترهيب خصومه السياسيين.[la 23][25] وبعد انتهاء هذه المراسم، نُقل جثمان جهاندارشاه ودُفن في مقبرة هُمايون، حيث وُوري الثرى إلى جوار عددٍ من أفراد الأسرة المغوليَّة الحاكمة.[la 2]

أعاد جهاندارشاه إحياء تقليد نقش الأبيات الشعريَّة على المسكوكات التي ضُربت في عهده، بعدما كان والده بهادُرشاه قد عدل عن هذه العادة.[la 24] وشهد عهده إصدار عملاتٍ من الذهب والفضة والنحاس، حملت طابعًا دعائيًّا وسياسيًّا يهدف إلى إبراز شرعيَّة السُّلطان ومكانته. وكان من السمات البارزة لهذه المسكوكات ورود لقبيه «أبو الفتح» و«صاحبقران» ضمن الأبيات المنقوشة عليها، بما يعكس الحرص على إضفاء هالةٍ من العظمة والهيبة على شخص الحاكم. كما ضُربت في عهده فئاتٌ متعدِّدة من العملات النحاسيَّة، من أشهرها البيسة وربع البيسة؛ إذ تراوح وزن البيسة بين 12.9 و13.8 غرامًا، في حين بلغ وزن ربع البيسة نحو 3.4 غرامات.[وب 3][وب 4]

زوجاته وأولاده

[عدل | عدل المصدر]
جهاندارشاه يشرب مع إحدى نساء حريمه، ولعلَّها «أنوپ بائي».

تزوَّج جهاندارشاه أولى زوجاته يوم 6 شعبان 1087هـ الموافق 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1676م، وكانت ابنة ميرزا مُكرَّم خان الصفوي.[la 25] وبعد وفاتها، تزوَّج من ابنة أختها «سيِّد النساء بيگم»، وهي ابنة ميرزا رستم، وذلك في 20 رمضان 1095هـ الموافق 30 آب (أغسطس) 1684م.[la 26] وقد عُقد القِران على يد القاضي أبي سعيد، وبحضور السلطان أورنكزيب والشاهزاده محمد مُعظَّم (بهادُرشاه لاحقًا).[la 27] كما قُدِّمت لسيِّد النساء بيگم مجوهراتٌ بلغت قيمتها سبعةً وستين ألف روپيَّة، في حين أشرفت زينة النساء بيگم، عمّة جهاندار شاه، على تنظيم مراسم الاحتفال.[la 28]

تزوَّج جهاندارشاه أيضًا امرأةً تُدعى «أنوپ بائي»، وكانت من أصولٍ راجپوتيَّة، غير أنَّ المصادر لا تُحدِّد على وجه الدقَّة العشيرة التي انحدرت منها.[la 29] وقد توفيت في دلهي يوم 25 ذي القعدة 1147هـ المُوافق 17 نيسان (أبريل) 1735م.[la 30][la 26] ويذكر المؤرِّخ وليم إرڤن أنَّ أنوپ بائي كانت والدة الشاهزاده مُحمَّد عزيز الدين ميرزا، المولود سنة 1699م، والذي اعتلى عرش مغول الهند لاحقًا واشتهر باسم السُّلطان عزيز الدين عالمكير.[la 26] غير أنَّ هذا الرأي لا يحظى باتفاقٍ كامل بين الباحثين؛ إذ تُشير بعض المصادر المُعاصرة لعهد عالمكير هذا إلى أنَّ والدته كانت امرأةً تُعرف باسم «مُعظَّم آبادي محل».[la 31] كما تزوَّج جهاندارشاه مُحظيَّته الشهيرة «لال كنور»، ابنة «خصوصيَّت خان»،[la 32] التي كانت تتمتَّع بمكانةٍ استثنائيَّة لديه وتُمارس نفوذًا واسعًا في البلاط. وبعد اعتلائه العرش، أضفى عليها مزيدًا من التكريم بمنحها لقب «امتياز محل»، وهو ما عكس حجم الحظوة التي تمتَّعت بها لدى السُّلطان، والدور البارز الذي أدَّته في حياته الشخصيَّة وفي شؤون البلاط خلال عهده القصير.[la 26]

ومن بناته المعروفات «ربيع بيگم»، التي خُطبت إلى بيدار دل ميرزا، ابن بيداربخت ميرزا، يوم 22 ربيع الأول 1122هـ المُوافق 20 أيَّار (مايو) 1710م. غير أنَّها لم تعش طويلًا بعد خطبتها، إذ توفيت يوم 14 رجب 1122هـ المُوافق 7 أيلول (سپتمبر) 1710م.[la 33] ومن بناته أيضًا «عفّت‌آرا بيگم»، التي اقترنت بخواجة موسى سِربُلَند خان، ابن خواجة يعقوب سِربُلَند خان النقشبندي البُخاري. وقد تُوفي زوجها في دلهي يوم 2 ربيع الآخر 1152هـ المُوافق 8 تمُّوز (يوليو) 1739م، عن عمرٍ ناهز السبعين.[la 33][la 34]

  1. «الصوبدار» هو لقب حاكم «الصوبة» في دولة مغول الهند. والصوبة يُقابلها الإقليم والولاية والمُقاطعة والمُحافظة، فهو حاكم الولاية، أي يُقابل منصب الوالي في باقي الدُول الإسلاميَّة.[13][14]
  2. «بخشي» مُنفردًا مُصطلحٌ فارسيّ يعني «المانح»، وهو مشتق من الفعل «بخشيدن»[وب 2] ويرى المُؤرِّخ البريطاني وليم إرڤن أنَّ حامل هذا المنصب كان مسؤولًا عن تجنيد الجنود أو استقطاب المُقاتلين للجيش، أي أنَّ دوره لم يكن مُجرَّد منصبٍ إداري، بل كان مُرتبطًا بتأمين أفراد للجيش وتنظيم انضمامهم إليه.[la 12]
  3. أي «محمود السيرة». وقد ورد اسمه في بعض المؤلفات التاريخيَّة بصيغة «فاروق سير»، وهو تصحيفٌ نشأ عن النقل من الإنگليزيَّة دون إدراكٍ لصحيح نطق كلمة «فرُّخ» ومعناها. ويُعدُّ هذا الاسم شائعًا في شبه القارَّة الهنديَّة، ويُراد به هنا، على وجه الخصوص، معنى «محمود السيرة».[18]

المراجع

[عدل | عدل المصدر]

فهرست المراجع

[عدل | عدل المصدر]
بِاللُغتين العربيَّة والفارسيَّة
بالإنگليزية
المنشورات
  1. 1 2 Faruqui (2012), p. 287.
  2. 1 2 Irvine (1922), p. 236–256.
  3. Lal (1989), p. 28.
  4. Faruqui (2012), p. 70.
  5. Faruqui (2012), p. 299.
  6. Bilimoriya (1908), p. 75.
  7. Faruqui (2012), p. 311.
  8. Irvine (1922), p. 36.
  9. Faruqui (2012), p. 312.
  10. 1 2 Faruqui (2012), p. 310 & 315-317.
  11. 1 2 3 4 5 Markovits, George & Hendry (2002), p. 174–175.
  12. Irvine (1896), p. 539–542.
  13. Irvine (1922), p. 176-177.
  14. Chandra (2002), p. 107.
  15. 1 2 3 Faruqui (2012), p. 318.
  16. Raj (1991), p. 431.
  17. Faruqui (2012), p. 317.
  18. Kaicker (2020), p. 187–189.
  19. Sharma (1989), p. 387-388.
  20. Faruqui (2012), p. 319.
  21. Sharma (1989), p. 388-389.
  22. Eaton (2019), p. 341–343.
  23. Alam (2013), p. liii.
  24. Irvine (1922), p. 141.
  25. Sarkar (1947), p. 93.
  26. 1 2 3 4 Irvine (1922), p. 242.
  27. Sarkar (1947), p. 151.
  28. Sarkar (1947), p. 152.
  29. Maclean & Muni (1991), p. 295.
  30. Mirza (1960), p. 92.
  31. Kulkarni (2005), p. 154 & 160.
  32. Irvine (1922), p. 180.
  33. 1 2 Irvine (1922), p. 242–243.
  34. Mirza (1960), p. 118.
مواقع الشابكة
  1. Francis Joseph Steingass (1892). "دار dār". A Comprehensive Persian-English dictionary, including the Arabic words and phrases to be met with in Persian literature (بالإنجليزية). Archived from the original on 2024-08-18. Retrieved 2026-05-24.
  2. Francis Joseph Steingass (1892). "بخشيدن baḵẖshīdan". A Comprehensive Persian-English dictionary, including the Arabic words and phrases to be met with in Persian literature (بالإنجليزية). Archived from the original on 2023-11-26. Retrieved 2026-05-28.
  3. "Jahandar Shah Copper Coins". Mintage World (بالإنجليزية). 15 Nov 2018. Archived from the original on 2026-06-09. Retrieved 2026-06-07.
  4. "Jahandar Shah, Gold Mohur Coin of Akbarabad Mint". SARMAYA ARTS FOUNDATION (بالإنجليزية). Archived from the original on 2026-06-09. Retrieved 2026-06-07.

ثبت المراجع (مُرتَّبة حسب تاريخ النشر)

[عدل | عدل المصدر]
بالعربيَّة والفارسيَّة:
بالإنگليزية:

وصلات خارجية

[عدل | عدل المصدر]
معز الدين جهاندارشاه‌
ولد: 10 أيَّار (مايو) 1661 توفي: 12 شُباط (فبراير) 1713
ألقاب ملكية
سبقه
قطب الدين بهادرشاه
سُلطان مغول الهند

1712–1713

تبعه
مُعين الدين فرُّخ‌سيار