أهل السنة والجماعة: الفرق بين النسختين

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تم إضافة 8٬334 بايت ، ‏ قبل سنتين
←‏طريقة أهل النظر: (تجديد الصياغة)
(←‏طريقة أهل النظر: (تجديد الصياغة))
بعد انتشار المعتزلة خلال القرن الثالث الهجري وبحسب ما ذكر ابن خلدون وغيره أن المعتزلة توغلوا في الصفات فأنكروا صفات ثابتة واستخدموا أساليب كلامية لتأييد ما استحدثوه، وكان من السلف جماعة تعلقوا بظواهر نصوص متشابهة وبالغوا في إثبات الصفات فوقعوا في التجسيم الصريح المناقض للتنزيه، وأما السلف الذين أخذوا بمنهج المتقدمين عليهم من أهل الحديث وسلكوا مسلك السلامة فقالوا في النصوص المتشابهة: نؤمن بها ولا نتعرض لتأويلها، قال الشهرستاني: {{مض|وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: [[مالك بن أنس]] رضي الله عنهما إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل [[أحمد بن حنبل]] رحمه الله و[[سفيان الثوري]] و[[داود بن علي الأصفهاني]] ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية}}.<ref>الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ص: (93)</ref> والسلف من أهل الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين؛ تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في النصوص المتشابهات، قال الشهرستاني: {{مض|فأما [[أحمد بن حنبل]] و[[داود بن علي الأصفهاني]] وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: [[مالك بن أنس]] و[[مقاتل بن سليمان]]، وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات، وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره، وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا: من حرك يده عند قراءته قوله تعالى: {{قرآن|خلقت بيدي}} أو أشار بإصبعيه عند روايته: {{حديث|قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن}} وجب قطع يده وقلع أصبعيه}}<ref>محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، الصفحة: ١٠٢ وما بعدها</ref>
 
=== طريقة أهل النظر (تم) ===
الطريقة النظرية بمعنى: الاستدلال العقلي والصناعة الفكرية القائمة على أسس منهجية، والمقصود بذلك على وجه الخصوص هو طريقة المتكلمين من أهل السنة لإثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية والنقلية، بناء على أن العقل يؤكد النقل ولا تعارض بينهما، وفي مواضع كثيرة من القرآن يُذكر التأمل والتفكر والتدبر والتعقل وإعمال العقل والاستدلال بالعقل، وأن التفكر في المخلوقات يدل على الخالق، ومن ذلك خطاب عَبَدة الأوثان ومنكري البعث وغيرهم بعبارات ترشدهم للتفكر في بطلان ما اعتقدوه، والحال أنهم لما كانوا لا يؤمنون بنصوص الشرع ذكر لهم أدلة عقلية في سياق النص الشرعي، وقد ذكر ابن خلدون في العبر: أن أمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وهي معلومة ومقررة عند الأئمة من السلف وحققها الأئمة من بعدهم إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة فدعا ذلك إلى الخصام والنظر والاستدلال بالعقل وزيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام..<ref group="°">ذكر ابن خلدون: أن القرآن ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة وهي سلوب كلها وصريحة في بابها فوجب الإيمان بها ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها، ثم وردت في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل، وهذا معنى قول الكثير منهم إقرأوها كما جاءت أي آمنوا بأنها من عند الله ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء فيجب الوقف والإذعان له، وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملا بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق... العبر ج1 ص463</ref>
الطريقة النظرية يقصد بها طريقة أصحاب الصناعة النظرية في الأحكام العلمية على وجه مخصوص، وأهل السنة والجماعة كلهم من أهل الحديث، وإنما اختص منهم أهل النظر بهذه التسمية لاشتهارهم بها أكثر من غيرهم، ومن ثم فقد عُرف أبو حنيفة وأصحابة بـ«أهل الرأي والقياس» حيث أنهم اشتهروا بهذه الطريقة وتوسعوا فيها أكثر من غيرهم، في مقابل أهل الحديث من الفقهاء وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده، حيث ذكر [[ابن خلدون]] وغيره: أن الشافعي أول من دون في علم أصول الفقه في كتابه:«الرسالة»، وجمع بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث، ودون العلماء من بعده وكان ذلك علما قائما برأسه أُطلق عليه: «[[علم أصول الفقه]]»، وهو منهج بقوانين الاستدلال الفقهي، يتضمن قواعد استنباط [[فروع الفقه]]، وقد استفاد منه العلماء في أخذ الطرق المناسبة للاستدلال على صحة معتقدات أهل السنة والجماعة، وإنما فعلوا ذلك بسبب تمادي أهل الأهواء في التضليل على الناس في مسائل العقيدة، وقد كانت القدرية التي تفرعت من الخوارج وحملت بعد ذلك اسم المعتزلة أول من تكلم فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه من مسائل العقيدة، وتكلم بعد ذلك أصحاب الفِرق الأخرى، ثم أُطلق عليهم أصحاب الكلام، وأما البرهنة العقلية في مسائل العقيدة فقد ثبتت في نصوص الشرع، ففي مواضع كثيرة من القرآن يُذكر الاستدلال بالعقل، ومن ذلك خطاب عَبَدة الأوثان ومنكري البعث وغيرهم بعبارات ترشدهم للتفكر في بطلان ما اعتقدوه، والحال أنهم لما كانوا لا يؤمنون بنصوص الشرع ذكر لهم في أدلة عقلية في سياق النص الشرعي، ولا خلاف أئمة السلف استخدموا البرهنة العقلية بالطرق المتعارف عليها، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن الأذرمي في مجلس الواثق، إلا أنهم لم يجعلوا ذلك بابا مفتوحا لما قد يؤدي إلى الخوض فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، حتى ظهر في عصر السلف جماعة أيدوا عقائد أهل السنة والجماعة بحجج كلامية وبراهين أصولية ودونوا في ذلك، قال الشهرستاني: «حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية».<ref>الملل والنحل للشهرستاني، مقدمة الكتاب</ref>
 
بعد سنة مائتين للهجرة ظهر جماعة من السلف بالغوا في إثبات الصفات فوقعوا في التجسم، وخالفوا أئمة السلف المتقدمين عليهم الذين ءامنوا بما ثبت من النصوص الموهمة للتشبيه ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل، ولا تعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء فيجب الوقف والإذعان له، وقد وصفهم ابن خلدون بأنهم مبتدعة شذوا بما استحدثوه واتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه عملا بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد الشرع.
ثم تصدر أبو الحسن للدفاع عن عقائد أهل السنة والجماعة، والرد على المعتزلة والمجسمة وفرق التشيع، ومثله أبو منصور الماتريدي، وصارت سمة أهل النظر والصناعة النظرية عند أهل السنة والجماعة تُطلق على [[الأشعرية|الأشاعرة]] نسبة إلى إمامهم أبي الحسن الأشعري، و[[الماتريدية]] نسبة إلى إمامهم أبي منصور الماتريدي، وقد عمل هذان الإمامان وأصحابهما من بعدهما على صياغة منهج أصول الاعتقاد لإثبات عقائد السلف الصالح بالطرق السمعية والنظرية معا، أي: بالأدلة النقلية والعقلية. واستخدام الطرق الكلامية عند أهل السنة والجماعة لا يعد مذموما لذاته إذ أنه طريقة استدلالية، وإنما قد يكون مذموما لاعتبارات أخرى، وذلك أن ما يُؤْثَر عن السلف من ذم الكلام فيما سكت عنه الصحابة، وفيما يستخدم منه للجدل والمراء، فأهل السنة والجماعة إنما استخدموه عند انتشار أهل الأهواء من أجل إِبطال شُبههم وبيان الحق لا ليعد مهنة للجدل والتشويش على العامة، وقد انقرضت تلك الفرق فلا حاجة للكلام فيما هو غائب عن أذهان الناس، لكن أهل الأهواء يظهرون عند انتشار الجهل في الدين، كما أنه لا يلزم كل فرد تعلم علم الكلام بل هو مخصوص بأهل العلم في الدين، ويكفي ولو واحدا في كل زمان للرد على أهل الأهواء، شرط أن يكون له علم بالفقه والحديث والتفسير واللغة، فالمتكلم الذي لا علم له في الدين واقع في الخطأ لا محالة، ولو قرأنا تاريخ أهل السنة والجماعة لوجدنا المتكلمين منهم علماء في الدين من أهل الحديث والفقه، لأنهم أصلا كذلك، وأيضا نجد بعضهم اشتهر بالكلام وبعضهم لم يشتهر به، وسبب ذلك يرجع إلى قاعدة عندهم فسرها [[أبو حامد الغزالي]] بالقول: أن مثل علم الكلام مثل الدواء الخطر الذي يحتاج لطبيب ماهر، لا يُستخدم إلا عند الحاجة، أي: أن الصحيح لا حاجة له إلى الدواء، بل ربما يضره تناول الدواء، وشبَّهه في موضع آخر بالسلاح فلا يُستخدم إلا عند الحاجة.<ref>[https://ar.m.wikisource.org/wiki/إحياء_علوم_الدين/كتاب_قواعد_العقائد/الفصل_الثاني إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزَّالي كتاب قواعد العقائد الفصل الثاني ويكي مصدر]</ref>
ثم لما كثرت العلوم وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة في تعميم هذا التنزيه في آي السلوب فقضوا بنفي صفات المعاني.. قال: {{مض|وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الاشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه،
فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب..}}، وذكر أنه كثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلاميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/>
وتضمن كلام ابن خلدون بيان السبب المباشر لنشأة علم الكلام على مذهب أهل السنة حيث صاغه [[أبو الحسن الأشعري]] وتبعه أصحابه من بعده، وهو علم يقوم على أساس إثبات العقائد الدينية بأدلة العقل والنقل، وكان أبو الحسن الأشعري من فقهاء أهل الحديث، وبنى طريقته على منهج العقل والنقل على أنه لا تعارض بين العقل والنقل.
 
من جهة أخرى فقد كان هناك عمل مماثل لعمل أبي الحسن الأشعري، قام به [[أبو منصور الماتريدي]] (المتوفى سنة: [[333 هـ]]) كان من علماء المذهب الحنفي في بلاد [[ما وراء النهر]]، وكان ذلك بسبب انتشار مقولات المعتزلة والمشبهة وغيرهما في أواخر عصر السلف، وقد صنف أبو منصور مؤلفات في المقالات وفي الأصول وفي الرد على المعتزلة والقرامطة والروافض، مات ب[[سمرقند]] سنة: [[333 هـ|ثلاث وثلاثين وثلاثمائة هجرية]].<ref>تاج التراجم في طبقات الحنفية، قاسم بن قطلوبجا الحنفي، ج1 ص20</ref><ref group="°">ترجم له المؤرخ [[ابن قطلوبغا]] في كتابه طبقات الحنفية: محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي إمام الهدى له، ألف كتبا منها: كتاب التوحيد، وكتاب المقالات وكتاب تأويلات القرآن وكتاب بيان وكتاب وهم المعتزلة وكتاب رد الأصول الخمسة، وله كتب في أصول الفقه وفي الرد على المعتزلة والقرامطة والروافض.</ref>
 
قال عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي (المتوفى: [[775 هـ]]) في كتابه: الجواهر المضية في طبقات الحنفية: {{مض|الإمام أبو مَنْصُور الماتريدي رئيس أهل السّنة وَأَتْبَاعه من الحنيفة أكثر، والإمام أبو الحسن الْأَشْعَرِيّ وَأَتْبَاعه من الشَّافِعِيَّة أكثر، وكان أبو منصور قد تخرج بالإمام أبي نصر العياضي ذكر أَنه لما مات أبو نصر العياضي خلف من أصحابه أَربَعِينَ رجلا من طبقة أبي منصور الماتريدي}}.<ref>الجواهر المضية في طبقات الحنفية، عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي أبو محمد محيي الدين الحنفي (المتوفى: 775 هـ)، الناشر: مير محمد كتب خانه - كراتشي، ج2 ص562</ref>
 
والذي قام به [[أبو الحسن الأشعري]] (المتوفى سنة [[324 هـ]])، وأبو منصور الماتريدي (المتوفى سنة [[333 هـ]]) هو أخذ أقول الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين وإيضاحها وتأييدها بزيادة وشرح وتبيين، وتأسيس المنهج النظري وقواعد الاستدلال العقلي لإثبات العقائد الدينية بالطرق السمعية والنظرية معا، أي: بالأدلة النقلية والعقلية، ودفع الشبهات عنها، حيث قاما بصياغة هذا المنهج على طريقة أهل السنة والجماعة هما وأصحابهما من بعدهما، وصار هذا المنهج علما مستقلا يسمى علم الكلام، وكان الغرض منه إيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم من الأئمة وتأييدها بالأدلة، بسبب انتشار بدعة المعتزلة والمجسمة وغيرها من الفرق المخالفة لأهل السنة، وصارت سمة أهل النظر والصناعة النظرية عند أهل السنة والجماعة تُطلق على [[الأشعرية|الأشاعرة]] نسبة إلى إمامهم أبي الحسن الأشعري، و[[الماتريدية]] نسبة إلى إمامهم أبي منصور الماتريدي.
 
ولا خلاف أن أئمة السلف استخدموا البرهنة العقلية، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن الأذرمي في مجلس الواثق، حتى ظهر في عصر السلف جماعة أيدوا عقائد أهل السنة والجماعة بحجج كلامية وبراهين أصولية ودونوا في ذلك، قال الشهرستاني في الملل والنحل: {{مض|حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية..}}.<ref>الملل والنحل للشهرستاني، مقدمة الكتاب</ref>
 
واستخدام الطرق الكلامية عند أهل السنة والجماعة لا يعد مذموما لذاته إذ أنه طريقة استدلالية، وإنما قد يكون مذموما لاعتبارات أخرى، وذلك أن ما يُؤْثَر عن السلف من ذم الكلام فيما سكت عنه الصحابة، وفيما يستخدم منه للجدل والمراء، فأهل السنة والجماعة إنما استخدموه عند انتشار أهل الأهواء من أجل إِبطال شُبههم وبيان الحق لا ليعد مهنة للجدل والتشويش على العامة، وقد ذكر المؤرخ [[ابن خلدون]] أن نشأة علم الكلام كانت بسبب حدوث بدعة المعتزلة والمشبهة وغيرها، وذكر أنه غير ضروري لهذا العهد، أي: الفترة التي عاشها في القرن الثامن الهجري، وذكر أن الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا، وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن كثير إيهاماته وإطلاقه.<ref group="°">قال ابن خلدون: {{مض|وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن كثير إيهاماته وإطلاقه ولقد سئل الجنيد رحمه الله عن قوم مر بهم بعض المتكلمين يفيضون فيه فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص، فقال: "نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب"، لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها والله ولي المؤمنين}}.</ref>
وقد انقرضت تلك الفرق فلا حاجة للكلام فيما هو غائب عن أذهان الناس، لكن إمكان ظهور أهل الأهواء يستلزم أن يكون من بين علماء الدين في كل عصر متمرس في علم الكلام إذا كانت له معرفة واسعة بعلوم الشريعة، فالمتكلم الذي لا علم له في الدين واقع في الخطأ لا محالة، ولو قرأنا تاريخ أهل السنة والجماعة لوجدنا المتكلمين منهم علماء في الدين من أهل الحديث والفقه وعلم الشريعة، كما أنه لا يلزم كل فرد تعلم علم الكلام بل هو مخصوص ببعض أفراد من أهل العلم في الدين في كل زمان للرد على أهل الأهواء، قال ابن خلدون: {{مض|لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها}}.
 
وأيضا نجد بعضهم اشتهر بالكلام وبعضهم لم يشتهر به، وسبب ذلك يرجع إلى قاعدة عندهم فسرها [[أبو حامد الغزالي]] بالقول: أن مثل علم الكلام مثل الدواء الخطر الذي يحتاج لطبيب ماهر، لا يُستخدم إلا عند الحاجة، أي: أن الصحيح لا حاجة له إلى الدواء، بل ربما يضره تناول الدواء، وشبَّهه في موضع آخر بالسلاح فلا يُستخدم إلا عند الحاجة.<ref>[https://ar.m.wikisource.org/wiki/إحياء_علوم_الدين/كتاب_قواعد_العقائد/الفصل_الثاني إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزَّالي كتاب قواعد العقائد الفصل الثاني ويكي مصدر]</ref>
 
تصدر ال[[أشعرية|أشاعرة]] و[[ماتريدية|الماتريدية]] للرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، ويعدون هم وأهل الطريقة الأثرية مكون واحد هم سواد علماء أهل السنة والجماعة الأعظم في [[علم التفسير]] و[[علم الحديث]] وفي شتى تخصصات العلم الشرعي.<ref name="dar-eslah.com">[http://www.dar-eslah.com/index.php/messages/group-d/download/223_3ffd38f4f24812f97c5ffe5c396b1f89 الطوائف التي تمثل مذهب أهل الحق في باب التقديس والتوحيد.] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20161026173439/http://www.dar-eslah.com/index.php/messages/group-d/download/223_3ffd38f4f24812f97c5ffe5c396b1f89 |date=26 أكتوبر 2016}}</ref>
 
قال [[بدر الدين الزركشي]]: في كتابه «البحر المحيط»: {{مض|واعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري كان يتبع الشافعي في الفروع والأصول وربما يخالفه في الأصول، كقوله بتصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي، وكقوله: "لا صيغة للعموم"». قال الشيخ [[أبو محمد الجويني]]: «ونقل مخالفته أصول الشافعي ونصوصه وربما ينسب المبتدعون إليه ما هو بريء منه كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف قرآن، ولا في القبور نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي قدرة الخالق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليل عليهم. وقد تصفحت ما تصحفت من كتبه، وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه». وقال [[ابن فورك]] في كتاب شرح كتاب [[مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين|المقالات]] للأشعري في مسألة تصويب المجتهدين: «اعلم أن شيخنا أبا الحسن الأشعري يذهب في الفقه ومسائل الفروع وأصول الفقه أيضا [[مذهب الشافعي]] ونص قوله في كتاب التفسير في باب إيجاب قراءة الفاتحة على المأموم: خلاف قول أبي حنيفة، والجهر بالبسملة: خلاف قول مالك، وفي إثبات آية البسملة في كل سورة آية منها قرآنا منزلا فيها، ولذلك قال في كتابه في أصول الفقه بموافقة أصوله»}}.<ref name="مولد تلقائيا2الزركشي°">البحر المحيط للزركشي، المقدمة فصل أول من صنف في الأصول ج1 ص18 و19 و20، دار الكتبي ط1، سنة 1414/ 1994م.</ref>
 
=== علم السلوك ===

قائمة التصفح